رلى حمادة: لم أنجذب إلى«النحات» و«الساحر»

قالت لـ «الشرق الأوسط»: إن دراما رمضان المحلية «من حواضر البيت»

تجسد رلى حمادة شخصية الأم سميرة في مسلسل «بردانة أنا» الرمضاني
تجسد رلى حمادة شخصية الأم سميرة في مسلسل «بردانة أنا» الرمضاني
TT

رلى حمادة: لم أنجذب إلى«النحات» و«الساحر»

تجسد رلى حمادة شخصية الأم سميرة في مسلسل «بردانة أنا» الرمضاني
تجسد رلى حمادة شخصية الأم سميرة في مسلسل «بردانة أنا» الرمضاني

من يتابع الممثلة رلى حمادة في مسلسل «بردانة أنا»، ضمن الدراما الرمضانية المعروضة على شاشة «إم تي في» المحلية اللبنانية، لا بدّ أن يلفته السهل الممتنع في أدائها. فشخصية الأم (سميرة) التي خسرت ابنتها حنين الشقيقة التوأم لدانيا (كارين رزق الله)، جراء تعرضها للعنف الجسدي من قبل زوجها باسم (بديع أبو شقرا)، تقدمها حمادة برقي المحترفين الذين ينوعون بأدائهم، كمن يتنقل بين نقاط المياه دون أن يصاب بالبلل. عرفت حمادة كيف تتقمص شخصية أم تشعر بالذنب من ناحية، وتحاول جاهدة الإمساك بزمام الأمور والحفاظ على سلامة باقي أفراد عائلتها، من ناحية ثانية.
بساطة في التمثيل تلامس قلب المشاهد عن قرب، وإطلالة أنيقة بعيداً عن أي عنصر من عناصر البهرجة، تشغل وسائل التّواصل الاجتماعي تاركة انطباعات إيجابية كثيرة، ترجمت بتعليقات تشيد بقالبها كممثلة.
تعلّق حمادة في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «أفرح عندما أسمع هذا النوع من التعليقات، فهي بمثابة وسام أعلّقه على صدري، لا سيما أنه نابع تلقائياً من الناس. فحلم الممثل هو إرضاء جمهوره، وعندما تتم مكافأته على هذا النحو يشعر بأنه ارتوى بمحبتهم. فهو يكافح طيلة مشواره ليفوز بهذه النتيجة». وتتابع حمادة: «التمثيل يلزمه دقة وإحساس في الأداء. وعندما يصرخ الممثل مثلاً في مشهد لا يتطلب منه القيام بذلك، يكون كمن يحمي نفسه من عمل لا يجيده. وعندما يحترف أداءً بسيطاً أمام الكاميرا، فيصبح التلفزيون بمثابة خشبة مسرح، لا عناصر مبهرة وبرّاقة يمكنها أن تؤثر على نجاحه، ويكون قد فاز بالتّحدي مع نفسه».
وعن طبيعة ردّ فعلها عندما أدرج عرض مسلسل «بردانة أنا»، بالصدفة، ضمن شبكة برامج رمضان، تقول: «مصائب قوم عند قوم فوائد. إذ اضطر أصحاب التلفزيونات للجوء إلى أعمال جاهزة، بعد توقف قسري لتصوير مسلسلات، كان من المقرر عرضها في الشهر الفضيل، وذلك بسبب جائحة (كورونا). واللافت أنّه يحقق نسبة مشاهدة عالية، بعد (التركية) طبعاً». وهل يزعجك أن تتفوق هذه الأخيرة، بنسب مشاهدتها على اللبنانية؟ ترد: «طبعاً أنزعج وأحزن، ويستفزني متابعة اللبنانيين بنسبة كبيرة للأعمال التركية. فتذهب كل جهود الدراما المحلية سدى، وهو أمر لا أستسيغه أبداً. ولا أعرف الأسباب الحقيقية التي تقف وراء ذلك. فما ينقصنا هو عملية تسويق جيدة، عندها تصبح الدراما المحلية مصدر ربح وكل شيء يتغيّر».
تجد حمادة نفسها بين مناصرات الجمعيات التي تهتم بالحد من مشكلة العنف الأسري في لبنان. وهو ما أسهم، كما تقول، في تزويدها بخلفية غنية عن هذا النوع من الحوادث في لبنان. «أتابع عن قرب مسيرة جمعية (كفى) في هذا الإطار، وأشارك في التّظاهرات التي تدعو من خلالها المجتمع المدني، كما الدولة اللبنانية، لإيجاد حلول لمشكلة العنف الأسري. ولدي نقطة ضعف تجاه مشكلة مفقودي الحرب في لبنان الذين لا يحرك أحد ساكناً لمعرفة مصيرهم الحقيقي. ولاطلاعي عن كثب على هذا النوع من الحالات، اخترت هذا الدور شخصياً لأقوم به، لأنّه يحمل رسالة توعوية أعمل من أجل نشرها. كما أنّ الدور يطبعه في كثير من الأحيان الصّمت، وهو ما يزيده صعوبة في ترجمة حالات كثيرة تمرّ بها شخصية سميرة في العمل. ولذلك يصبح التمثيل يشمل عناصر أخرى كثيرة كحركة اليدين ولغة الجسد أثناء وحدتها، وخلال تحدثها مع سمك (الأكواريوم) في بيتها، كما يعتمد الأداء على عدم المبالغة». وعما يمكن أن يكون رد فعلها في حال تعرّضت إلى موقف مشابه للأم سميرة تقول: «لا يمكنني أن أطلق النظريات، لأن الواقع هو غير الافتراضي. لقد علمتني الحياة أنّه من غير الممكن تخمين ردود فعلنا تجاه مواقف معينة، لا سيما تلك التي تترك بجروحها علينا وتعدّ مصيرية».
يلازم حمادة منذ فترة تجسيدها لدور الأم. فقد لعبته مؤخراً في أكثر من مسلسل درامي. وتعلّق: «صحيح أنّي أقدمه في كل مرة بشكل يختلف عن سابقه، ولكنّي في الحقيقة مللت من لعبه بعدما صرت محاصرة به منذ فترة. حتى لو لم أملّ فمن الضروري أن ينوع الممثل في أدواره، خصوصاً أنه عادة ما يتمتع بمساحة إبداعية كبيرة يبحث عن سبل لتفجيرها. ولكن في المقابل لا آسف على القيام بعمل أحبه وشغوفة به، فنعيش معه حالات افتراضية، لأنّ الواقع لا يحمل لنا الكثير».
وعما إذا كانت تشعر اليوم بالتّعب من التمثيل، تقول: «لا أبداً، لا أتعب من عمل أحبه، كما أن الممثل اللبناني بشكل عام سُرقت منه فترات ذهبية كثيرة بسبب أوضاع البلد. فهو يعد صاحب تاريخ ليس بالطويل، وهنا أتحدث عن الممثلين من جيلي. دفعنا أثماناً كبيرة من عمرنا ومهنتنا وحياتنا، بسبب فقداننا الاستقرار في بلادنا. ولو قدرت لنا كلبنانيين الهجرة لكنّا جميعاً اخترنا ذلك كما أعتقد، خصوصاً وأن كل ما يحصل حولنا، والخسارات التي نتكبدها لا دخل لنا فيها».
وعما إذا كانت قد تمنت لو عملت في غير التمثيل، تردّ: «ولا مرة، رغم أنّني أحمل شهادة الماجيستير في إدارة الأعمال. وعندي هوس بالتمثيل».
وتصف حمادة موسم رمضان الحالي بأنّه «من حواضر البيت» و«كورونا» تسببت له بذلك، إضافة إلى التّعثّر المالي الذي تعاني منه محطات التلفزيون المحلية. وعن الأعمال التي تابعتها في موسم رمضان تقول: «أتابع مسلسل (حارس القدس)، وهو عمل سوري يعرض مسيرة حياة المطران هيلاريون كابوتشي. فيطلعنا على شخصية عربية مهمة نجهل إنجازاتها في العالم العربي، لا سيما فيما يخص القدس، وهو من بطولة الممثل السوري رشيد عساف». وتابعت «(أولاد آدم) الذي لفتتني فيه جرأة قلم رامي كوسا، وتناوله طروحات لم يسبق لنا أن شاهدناها في أعمالنا الدرامية. كما أنّ بطل العمل مكسيم خليل يبهرنا بأداء محترف لدور مركب وصعب، تحت إدارة المخرج الليث حجو، الذي استطاع أن ينقل حياتنا كما هي على الشاشة، ومن دون أقنعة، معرجاً على تفاصيل صغيرة وأخرى كبيرة، ليضعها تحت مجهر كاميرته المبدعة. ومن الممثلين الذين لفتوني في هذا المسلسل أيضاً طلال الجردي. فهو يلعب دوره بإتقان رائع خارج عن المستوى الطبيعي، بالإضافة إلى ندى أبو فرحات وكارول عبود. وأنوي بعد رمضان مشاهدة العملين اللبنانيين (بالقلب) و(العودة)، فقد وصلتني أصداء إيجابية كثيرة عنهما».
تعطي حمادة رأيها بصراحة في المسلسلين «النحات» و«الساحر»، وتقول: «في الواقع لم أنجذب لهذين العملين، وكأنهما يفتقدان إلى شيء ما لم أستطع تحديده. وبالرغم من تضمنهما أسماء لامعة نفتخر بها، إلّا أنّ هناك نقصاً نلحظه في تركيبتهما، وهو ما أبعدني عن متابعتهما. يمكننا وضع اللوم على الظروف التي منعت استكمال تصويرهما بسبب الجائحة. ولكن ما يترك علامات استفهام كثيرة هو أن خيار الممثلين، وطريقة الإخراج، حصلتا قبل ذلك. كما أنّ اعتماد الصورة القاتمة وأسلوب أداء غير مفهوم، جعل المتلقي يشعر بهذا النقص، والأمر هنا يتعلق بعملية الإخراج. فنحن من الشعوب التي لا تتحمل فكّ الألغاز باستمرار في حبكة درامية، بل نفضل تلك السهلة التي لا تشعرنا بالملل. ونستسلم بسرعة أمام فزّورة بسيطة، فكيف إذا كان الأمر يتعلق بدراما كاملة؟ وتشهد الأعمال الدرامية البوليسية اليوم، تطوراً، وهي مغايرة تماماً للقديمة. فليس من الخطأ أن نقدّمها على غيرها، شرط تمتُعها بالجودة المطلوبة».
وعن دورها في مسلسل «من الآخر»، تقول: «يتمحور حول شخصية أم تتمتع بطاقة إيجابية، وترى الأمور من منظار مغاير ممّا يخولها مساعدة الآخرين». وعن تأثير الجائحة على الممثلين في تأدية أدوارهم تقول: «لا أخفي أنّنا كنّا نشعر بالتّوتر عندما عدنا لاستكمال عملية التصوير. وكانت الشركة المنتجة (الصبّاح أخوان) تؤمن لنا كل عناصر الأمان والسلامة الصحية، وهي مشكورة على ذلك. ولكن اكتشفنا كممثلين أنّ كل مشهد نقوم به كان يتفوق على (كورونا). فنغوص وننسى كل ما يحيط بنا، ونذوب بإيقاع العمل كأنّنا نعيش في أوضاع طبيعية».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».