«كورونا» يدفع الصين وأميركا إلى مواجهة عالمية

مديرة معهد ووهان: لدينا 3 سلالات من الفيروس لكنها مختلفة عن «كوفيد ـ 19»

أسرة صينية تستمتع بأمسية في الهواء الطلق ببكين (أ.ب)
أسرة صينية تستمتع بأمسية في الهواء الطلق ببكين (أ.ب)
TT

«كورونا» يدفع الصين وأميركا إلى مواجهة عالمية

أسرة صينية تستمتع بأمسية في الهواء الطلق ببكين (أ.ب)
أسرة صينية تستمتع بأمسية في الهواء الطلق ببكين (أ.ب)

حذّر وزير الخارجية الصيني وانغ يي، أمس، من أن الصين والولايات المتحدة على «حافة حرب باردة جديدة»، رافضاً «الأكاذيب» الأميركية حول فيروس كورونا المستجد، فيما أشار إلى انفتاح بلاده على جهد دولي لمعرفه مصدره.
وقال وانغ يي، في استمرار للحرب الكلامية المتصاعدة مع واشنطن بشأن الوباء وتحرك بكين لتشديد السيطرة على هونغ كونغ، إن الولايات المتحدة أصيبت بـ«فيروس سياسي» يجبر المسؤولين هناك على مهاجمة الصين باستمرار، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية. وأعلن وانغ يي أمام الصحافة: «لفت نظرنا أن بعض القوى السياسية في الولايات المتحدة تأخذ العلاقات الأميركية - الصينية رهينة، وتدفع البلدين باتجاه حرب باردة جديدة». واتّخذت الخلافات طويلة الأمد بين البلدين بشأن التجارة وحقوق الإنسان ومجموعة من القضايا الأخرى بعداً جديداً منذ تفشي الوباء.
ولم يحدّد وانغ ماهية «القوى» التي يشير إليها، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قاد انتقادات عالمية لكيفية تعامل الصين مع الوباء، الذي أسفر عن وفاة أكثر من 340 ألف شخص. وقال ترمب وأعضاء في إدارته إن الصين تستّرت على ظهور الفيروس أواخر العام الماضي وأساءت التعامل معه.
في المقابل، وجّه وانغ انتقادات واضحة لطريقة تعامل الولايات المتحدة مع الفيروس، الذي أصاب عدداً قياسياً من الأفراد في الولايات المتحدة، وأودى بحياة حوالي مائة ألف شخص. وقال وانغ: «أدعو الولايات المتحدة إلى التوقف عن إضاعة الوقت، والكفّ عن إهدار الأرواح الثمينة». وقال إنّ الصين «منفتحة» على تعاون دولي لتحديد مصدر فيروس كورونا المستجدّ، لكنّه شدّد على أن أي تحقيق يجب أن يكون «بدون تدخل سياسي»، مديناً «تسرع بعض الشخصيات السياسية في الولايات المتحدة إلى وصف الفيروس، وتسييس أصوله، ووصم الصين».
ويعتقد معظم العلماء أن الفيروس انتقل من الحيوانات إلى البشر بعد ظهوره في الصين، ربما من سوق في وسط مدينة ووهان، حيث يتم بيع لحوم حيوانات برية. ودعت حكومات، ضمنها الولايات المتحدة وأستراليا وألمانيا، في الأسابيع الأخيرة، إلى التحقيق في مصدر الفيروس بدقة. كما حضّت منظمة الصحة العالمية، بكين، على دعوة خبرائها إلى التحقيق في مصدر الفيروس، لكن اقترحت الصين تقييم «الاستجابة العالمية» لـ«كوفيد - 19» بعد انتهاء الوباء.
في هذا الصدد، أوضحت مديرة المعهد الصيني لدراسة الفيروسات في مدينة ووهان، الذي تتهمه الولايات المتحدة بأنه مصدر فيروس كورونا المستجدّ، أنه يمتلك ثلاث سلالات حية لفيروس كورونا الموجود عند الخفافيش، لكن لا تطابق أي منها سلالة وباء «كوفيد - 19». وفيما يُرجّح معظم العلماء أن الفيروس انتقل إلى الإنسان من حيوان، إلا أن وجود معهد دراسة الفيروسات على بعد بضعة كيلومترات من السوق، يؤجج منذ أشهر الفرضيات بتسرّب «كوفيد - 19» من منشآته الحساسة. وبعد تداول المعلومة في الإعلام الأميركي، تحدث وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، مطلع الشهر الحالي، عن «تحقيق» للتعمّق في هذه النظرية. وعدّت مديرة المختبر المعني وانغ يانيي، في حديث لتلفزيون «سي جي تي إن» الرسمي، هذه الشكوك، «مجرّد فبركة».
وأكدت في مقابلة بثّتها القناة مساء السبت، أنه «كما كل العالم، لم نكن نعلم حتى بأن الفيروس موجود». وسألت: «بالتالي كيف سيكون قد تسرّب من مختبرنا؟».
وأُبلغ عن أولى الإصابات بفيروس كورونا المستجدّ في أواخر العام الماضي في مدينة ووهان. وبعد ذلك، تفشى المرض في كافة أنحاء العالم، وأصاب أكثر من 5 ملايين شخص. وبرزت نظريات عدة في الأشهر الأخيرة على الإنترنت تدين مختبر ووهان. وأقرّت وانغ بأن المختبر «حصل على بعض فيروسات كورونا من خفافيش وعزلها»، مؤكدة أن «لدينا ثلاث سلالات حيّة من الفيروس». إلا أنها أشارت إلى أن نسبة تشابه هذه السلالات مع «كوفيد - 19»، «لا تتعدى الـ79.8 في المائة».
ويجري معهد الفيروسات في ووهان دراسات على بعض مسبّبات الأمراض الأخطر في العالم. وساهم الباحثون في المختبر في التعرّف على «كوفيد - 19» بشكل أفضل في بداية تفشي الوباء. وتم نشر أعمالهم في مجلة علمية في فبراير (شباط). وأظهرت أبحاثهم أن تسلسل جينات فيروس كورونا المستجدّ مشابهة بنسبة 80 في المائة لتسلسل جينات السارس، الذي تسبب بوباء أيضاً في عامي 2002 و2003، وبنسبة 96 في المائة لتسلسل جينات فيروس كورونا الموجود عند الخفافيش.
وتبنّى أعضاء منظمة الصحة العالمية، الثلاثاء، قراراً قدمه الاتحاد الأوروبي في أول اجتماع افتراضي للمنظمة، يقضي بتقييم التعامل الدولي مع الوباء، من دون أن يعزل الصين. وقال وزير الخارجية الصيني أمام صحافيين: «إلى جانب الدمار الناجم عن فيروس كورونا المستجد، ينتشر فيروس سياسي في الولايات المتحدة». وأضاف: «يستغل هذا الفيروس السياسي كافة الفرص لمهاجمة الصين والإساءة لسمعتها. بعض السياسيين يتجاهلون تماماً الحقائق الأساسية، ويختلقون كثيراً من الأكاذيب التي تستهدف الصين، ويحيكون كثيراً من المؤامرات».
كانت العلاقة الصينية - الأميركية متوترة أصلاً منذ عامين على خلفية الحرب التجارية التي أطلقتها إدارة ترمب، وفرضها رسوماً جمركية على بكين. وزاد تفشي الوباء من حدة الخلاف بين البلدين.
كما زادت من حدته المواقف الصينية الأخيرة من هونغ كونغ، إذ ندّدت الولايات المتحدة ودول غربية باقتراح بكين فرض قانون أمني في هونغ كونغ لقمع الحركة الاحتجاجية في المدينة التي تتمتع بحكم شبه ذاتي.
لكن وانغ دافع عن هذا القانون، قائلاً إن يجب تنفيذه «بدون أدنى تأخير»، مضيفاً أن أشهراً من الاحتجاجات التي كثيراً ما تحولت عنفية في هونغ كونغ، العام الماضي، ضد نفوذ الصين المتزايد في المركز المالي العالمي، «عرضت الأمن القومي للصين لخطر شديد». وسجلت أولى الإصابات بفيروس كورونا المستجد أواخر العام الماضي في مدينة ووهان الصينية، وانتشر مذاك في مختلف أنحاء العالم متسبباً بوفاة 340 ألف شخص.


مقالات ذات صلة

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

أوروبا علما المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي أمام برج «بيغ بن» في لندن 9 سبتمبر 2017 (رويترز)

10 أعوام على «بريكست»... بين وعود استعادة السيادة وتكلفة الانفصال

بعد عقد على «بريكست»، تتباين التقييمات بين استعادة بريطانيا جزءاً من سيادتها، وتزايدت الأدلة على أن تكلفة الانفصال الاقتصادية والسياسية تجاوزت مكاسبه حتى الآن.

شادي عبد الساتر (بيروت)
صحتك ممرض يقوم بتحضير جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كوفيد-19» (رويترز)

دراسة جديدة تكشف عن فائدة غير متوقعة للقاح «كوفيد-19»

في ظل الجدل المستمر حول لقاحات «كوفيد-19» منذ ظهورها خلال ذروة الجائحة، تتوالى الدراسات العلمية التي تسعى إلى تقييم آثارها على المدى البعيد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك ممرضة تقف أمام قارورة لقاح «فايزر - بيونتك» المضاد لفيروس «كورونا» المستجد (كوفيد - 19) بمستشفى جامعة التكنولوجيا الماليزية في سونغاي بولو 2 مارس 2021 (أرشيفية - أ.ف.ب)

لقاح شامل مصمم بالذكاء الاصطناعي يجتاز أول تجربة سريرية

اجتاز لقاحٌ مُبتكرٌ باستخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يوفر حماية أوسع ضد فيروسات «كورونا» المتعددة أولى تجاربه البشرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك إجلاء مرضى من السفينة السياحية "إم في هوندوس" إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر - الأربعاء 6 مايو 2026 (أ.ب) p-circle

أعاد مشاهد العزل والقلق للأذهان... هل علينا القلق من فيروس «هانتا»؟

في وقت لم يتعافَ فيه العالم بالكامل من آثار جائحة "كورونا"، عاد القلق العالمي مجدداً مع تفشي فيروس "هانتا" على متن السفينة السياحية "إم في هونديوس".

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم حافلة تقل رعايا بريطانيين أُعيدوا من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» لدى وصولها إلى مستشفى آرو بارك في بريطانيا الأحد (رويترز) p-circle

إجلاء 94 راكباً من «سفينة هانتا»... وثبوت إصابة أميركي وفرنسية بالفيروس

أُجلي، أمس (الأحد)، نحو مائة من ركاب وأفراد طاقم إم في هونديوس التي رُصدت عليها إصابات بفيروس «هانتا»، على أن تستكمل عمليات الإجلاء اليوم.

«الشرق الأوسط» (مدريد)

قلق أميركي «بالغ» إزاء تجربة صاروخية صينية

عملية إطلاق صواريخ خلال تدريبات للجيش الصيني (أرشيفية - رويترز)
عملية إطلاق صواريخ خلال تدريبات للجيش الصيني (أرشيفية - رويترز)
TT

قلق أميركي «بالغ» إزاء تجربة صاروخية صينية

عملية إطلاق صواريخ خلال تدريبات للجيش الصيني (أرشيفية - رويترز)
عملية إطلاق صواريخ خلال تدريبات للجيش الصيني (أرشيفية - رويترز)

أعربت الولايات المتحدة، الاثنين، عن «قلقها البالغ» بعد إجراء الصين تجربة لإطلاق صاروخ «استراتيجي» يحمل رأساً حربياً وهمياً من غواصة في المحيط الهادئ.

وجاء في بيان لوزارة الخارجية الأميركية: «في وقت تبذل الولايات المتحدة جهوداً حثيثة أكثر من أي وقت مضى لمنع الانتشار النووي، تقوم الصين بالعكس تماماً. إن التوسع السريع والمبهم لترسانة بكين النووية يشكل مصدراً لقلق بالغ للمنطقة وللعالم».

وأعلنت بكين أن إحدى غواصاتها أجرت، الاثنين، تجربة لإطلاق الصاروخ. ونفّذت الصين هذا العرض النادر لقوتها العسكرية في اليوم نفسه الذي وقّعت فيه أستراليا وفيجي اتفاقاً دفاعياً مهماً يعزز تعاونهما، في وقت تسعى كانبيرا لمواجهة طموحات الصين إلى توسيع نفوذها في منطقة جنوب المحيط الهادئ ذات الموقع الاستراتيجي.

وجاءت تجربة، الاثنين، بعد عامين من إطلاق «قوة الصواريخ» الصينية النخبوية رأساً حربياً وهمياً في البحر بالقرب من بولينيزيا الفرنسية في سبتمبر (أيلول) 2024، في أول عملية إطلاق لصاروخ بعيد المدى فوق المياه الدولية منذ أكثر من 40 عاماً، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال الناطق باسم البحرية الصينية وانغ شيويه منغ إن «غواصة نووية استراتيجية تابعة لبحرية جيش التحرير الشعبي الصيني أطلقت بنجاح في الساعة 12:01 من ظهر السادس من يوليو/تموز... صاروخاً استراتيجياً يحمل رأساً حربياً تدريبياً نحو أعالي البحار بالمحيط الهادئ»، موضحاً أنه «سقط بدقة في المنطقة البحرية المحددة».

وأشار الناطق باسم البحرية الصينية إلى أن «عملية إطلاق الصاروخ التجريبية هذه تُعد إجراءً روتينياً ضمن التدريبات العسكرية السنوية للصين، وقد جرى إخطار الدول المعنية مسبقاً».


كندا تختار «تيسن كروب» الألمانية لبناء 12 غواصة

رئيس الوزراء اتلكندي مارك كارني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء اتلكندي مارك كارني (د.ب.أ)
TT

كندا تختار «تيسن كروب» الألمانية لبناء 12 غواصة

رئيس الوزراء اتلكندي مارك كارني (د.ب.أ)
رئيس الوزراء اتلكندي مارك كارني (د.ب.أ)

اختارت كندا، يوم الاثنين، شركة «تيسن كروب مارين سيستمز» الألمانية لبناء 12 غواصة، في واحدة من أكبر صفقاتها العسكرية، وذلك في إطار تعزيز إنفاقها الدفاعي لتحقيق أهداف حلف الناتو.

جاء هذا القرار قبل توجه رئيس الوزراء مارك كارني إلى قمة الناتو هذا الأسبوع، حيث يواجه الحلفاء ضغوطًا لدعم زيادة الإنفاق الدفاعي بخطط عملية. وقال كارني: «في إطار التزاماتنا بالدفاع عن كندا ودعم حلفائنا، يسعدني أن أعلن أن كندا اختارت شركة تيسن كروب مارين سيستمز كمورد مفضل لمشروع غواصات الدورية الكندية».

وقد تفوقت الشركة الألمانية على شركة «هانوا أوشن» الكورية الجنوبية للفوز بالعقد. وأوضحت تيسن كروب أن غواصاتها ستعزز قابلية التشغيل البيني، نظرًا لأن العديد من حلفاء الناتو يستخدمون بالفعل سفنها التقليدية.

وكان كارني قد تعهد برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، بعد أن حققت كندا هدف الناتو السابق البالغ 2% هذا العام.


تقرير: الفضاء والذكاء الاصطناعي بدلاً من الترسانات النووية

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

تقرير: الفضاء والذكاء الاصطناعي بدلاً من الترسانات النووية

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح وأيدٍ روبوتية في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

لم تعد الترسانات النووية، كما في حقبة الحرب الباردة، هي محور التوازنات العسكرية الدولية. فالعالم اليوم يشهد تحوّلاً جذرياً نحو سباقٍ جديد تقوده تقنيات ناشئة، مثل الصواريخ فرط الصوتية، والذكاء الاصطناعي، وأسلحة الفضاء، والطائرات المسيّرة، في مشهدٍ يضخ فيه كبار اللاعبين تريليونات الدولارات؛ أملاً في انتزاع تفوقٍ استراتيجي يصعب كسره. وفقاً لشبكة «بلومبرغ».

وحسب التقرير، فإن هذا التحوّل يتجسّد بوضوح في التجربة اليومية لعائلة دوڤهانيك الأوكرانية، التي تعيش واقعاً قاسياً يعكس ملامح الحرب الجديدة. ففي منزلهم القريب من موقع مصنع سوفياتي سابق ومعهد كييف للطيران في غرب العاصمة، تتداخل تفاصيل حياتهم اليومية مع أصوات الانفجارات الناتجة من صواريخ فرط صوتية، من بينها صواريخ «زركون» التي استهدفت حيّهم، والذي يضم أيضاً مستشفى أوخماتديت للأطفال، حيث يعمل زوج أندريانا دوڤهانيك.

وتقول أندريانا: «عندما سقط الصاروخ على أوخماتديت، قذف عصف الانفجار زوجي في الهواء... وهو ما خلّف شعوراً دائماً بالقلق وأثراً نفسياً من أي انفجار محتمل».

هذه الشهادة الإنسانية تختصر جانباً من سباق تسلّح جديد باتت فيه التقنيات المتقدمة في صميم الاستراتيجيات العسكرية العالمية، مع استثمارات ضخمة تُوجَّه نحو الطائرات المسيّرة، والصواريخ فرط الصوتية، وأنظمة الذكاء الاصطناعي، وغيرها من أدوات الحرب الحديثة التي يُنظر إليها بصفتها محددات الحروب المقبلة.

سباقٌ يتجاوز تريليونَي دولار

تقديرات الإنفاق العسكري العالمي على هذه التقنيات تتجاوز تريليونَي دولار عبر ثلاث قارات، في مشهد يعيد إلى الأذهان سباق التسلح النووي خلال الحرب الباردة، حين تنافست الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي على بناء ترسانات هائلة من الأسلحة النووية.

لكن هذه المرة، يبدو المشهد أكثر تعقيداً، مع تعدد اللاعبين وتداخل التقنيات، في ظل يقين واحد فقط: أن التخلف عن هذا السباق قد يكون مكلفاً إلى حدٍ كارثي.

وتحتفظ روسيا بما تعدّه أفضلية ميدانية في مجال الصواريخ فرط الصوتية، بينما ترتبط الصين بشكل وثيق بمختبرات الذكاء الاصطناعي والتطوير التقني العسكري، في حين راكمت الولايات المتحدة خبرة تشغيلية أولى لهذه التقنيات في ساحات القتال. أما أوروبا، فرغم امتلاكها موارد كبيرة، فإنها لا تزال تعاني ضعف التنسيق بين دولها.

وفي ظل هذا التنافس، تتآكل تدريجياً منظومة اتفاقات الحد من التسلح التقليدية، بما في ذلك معاهدات الأسلحة الاستراتيجية، في وقت تتسارع فيه جهود الدول الكبرى لتطوير ما يُنظر إليه على أنه تفوقٌ قاتل غير قابل للاحتواء.

وتقول مسؤولة الدفاع الأميركية السابقة سيليست والندر: «هناك بالفعل سباق تسلح يحدث، حتى لو لم نسمّه كذلك، وهو سباق متعدد الأبعاد... وعلى القوى الكبرى أن تحدّد أين تضع أولوياتها».

الولايات المتحدة والصين في قلب المنافسة

تتصدر الولايات المتحدة والصين مشهد هذا السباق التكنولوجي العسكري. إذ تخطط إدارة الرئيس دونالد ترمب لإنفاق نحو 1.5 تريليون دولار على الدفاع في ميزانيتها المقبلة، في حين تُقدّر النفقات العسكرية الصينية بنحو 500 مليار دولار، مع وجود استثمارات إضافية عبر تداخل القطاعين العام والخاص.

قفزة في إنفاق الدفاع العالمي

منذ غزو روسيا لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022، شهدت أسهم شركات الدفاع العالمية ارتفاعاً ملحوظاً، في انعكاس مباشر لتسارع الطلب على الأنظمة العسكرية المتقدمة.

وفي أوروبا، ورغم محدودية القدرة على مجاراة الإنفاق الأميركي والصيني، فقد ارتفع إجمالي ميزانيات الدفاع إلى نحو 600 مليار دولار في 2025، مع تسجيل نمو ملحوظ في مجالات الدفاع الجوي والمدفعية والطائرات المسيّرة.

أما روسيا، فقد ضاعفت إنفاقها العسكري ثلاث مرات بين 2022 و2025 ليصل إلى نحو 176 مليار دولار، في ظل ضغوط الحرب في أوكرانيا. ودعا الرئيس فلاديمير بوتين إلى تسريع تطوير أنظمة تسليم نووية وتقليدية جديدة، مع تركيز متزايد على الفضاء والذكاء الاصطناعي.

روسيا: رهانات على الردع المتقدم

تسعى موسكو إلى تعزيز مكانتها عبر تطوير منظومات هجومية متقدمة، من بينها صاروخ «كينجال» الذي تقول إنه يصل إلى 10 أضعاف سرعة الصوت، إضافة إلى أنظمة مثل «بوريڤيستنيك» النووي وطوربيد «بوسيدون».

كما تُعدّ صواريخ «كينجال» و«زركون» من بين الأنظمة فرط الصوتية القليلة التي تم استخدامها عملياً في القتال.

نظم الذكاء الاصطناعي تُزرع في كثير من قطاعات الاقتصاد الصيني

الصين: دمج مدني وعسكري واسع

في المقابل، تواصل الصين توسيع استثماراتها في الصواريخ فرط الصوتية، عبر أنظمة مثل «DF-17 وDF-27 وYJ-21»، إلى جانب تطوير قدرات مضادة للأقمار الاصطناعية قادرة على الوصول إلى ارتفاعات شديدة التعقيد.

ويُتوقع أن يرتفع الإنفاق الدفاعي الصيني بنحو 7 في المائة هذا العام ليصل إلى قرابة 400 مليار دولار، مع استمرار غياب الشفافية حول الأرقام الحقيقية.

وتعتمد بكين على نموذج الدمج «العسكري المدني»، الذي يسمح بتوظيف شركات مدنية في تطوير تقنيات ذات استخدامات عسكرية، خصوصاً في مجالات الحساسات والمواد المتقدمة.

الولايات المتحدة: الذكاء الاصطناعي في قلب المعركة

في المقابل، تركز واشنطن على توظيف الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، بما في ذلك دعم التخطيط الجوي وتنسيق الضربات.

كما تعمل على دمج أنظمة الاستشعار الفضائية مع أنظمة اعتراض الصواريخ الأرضية؛ بهدف تسريع اتخاذ القرار في مواجهة التهديدات فرط الصوتية.

ورغم ذلك، لا تزال الولايات المتحدة في مراحل تطوير مبكرة لأسلحتها فرط الصوتية، حيث لا تزال مشاريع مثل «Dark Eagle» قيد الاختبار، إلى جانب مشروع «القبة الذهبية» للدفاع الصاروخي، الذي قد تتجاوز تكلفته تريليون دولار.

أوروبا: قدرات كبيرة وتحديات تنسيقية

تملك أوروبا قاعدة صناعية وعلمية قوية، إلا أن غياب التنسيق السياسي يحدّ من قدرتها على المنافسة المباشرة.

ومع ذلك، يتزايد التركيز الأوروبي على الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة كبدائل أكثر مرونة من الأسلحة التقليدية.

مستقبل الحرب: الذكاء الاصطناعي حاسماً

يرى خبراء أن الذكاء الاصطناعي قد يشكّل العامل الحاسم في هذا السباق، ليس لقدرته التدميرية المباشرة، بل لما يتيحه من سرعة في اتخاذ القرار وتفوق في التنبؤ بساحة المعركة.

لكن في المقابل، يحذّر آخرون من أن سهولة تطوير هذه التقنيات مقارنة بالأسلحة النووية قد تجعل بيئة الصراع أكثر هشاشة وأقل قابلية للسيطرة.