جماليات الظل... عندما يتوارى الفنانون

مجموعة صغيرة لكن عالية التأثيرات تفضّل أن تتحدث أعمالها عن نفسها

جماليات الظل... عندما يتوارى الفنانون
TT

جماليات الظل... عندما يتوارى الفنانون

جماليات الظل... عندما يتوارى الفنانون

في هذه الأيام يُتوقع من الفنانين في كل المجالات أن يكونوا مستعدين للاستهلاك العام. غير أن مجموعة صغيرة وعالية التأثير منهم اختارت أن تتوارى عن المجتمع مفضّلة أن تدع أعمالها تتحدث عن نفسها. ماذا يعني ألا يكون المرء قريب المتناول في عصر التشارك المكثف؟
بالنسبة لأولئك منّا الذين بلغوا من العمر ما يجعلهم يتذكرون عصراً لم نحتج فيه إلى أن نفسر وجودنا على شبكات التواصل الاجتماعي، عندما كان يمكننا أن نحضر حفل عشاء دون أن تُلصق صورُنا مثل الوعول في «إنستغرام» شخص ما، حين كانت الخصوصية تُحترم وكان للمعاني العميقة فسحة كافية لتتجذر وتزهر، ليس من المدهش أن نرى الفنانين يهربون من ضجيح الحياة العامة. كيف يمكننا أن ننظر ونستمع إذا كنا مشغولين بنظر الناس واستماعهم إلينا؟
لقد اكتسب الفن، كما كتبت سوزان سونتاغ في مقالة تعود لعام 1967 عنوانها «جماليات الصمت»، صفة روحية في ثقافة علمانية، صار مكاناً لمحاسبة المشروع الإنساني ومساءلته وربما حتى تجاوزه. الإبداع، بتعبير آخر، لا يتعلق فقط بالتعبير الذاتي؛ إنه أيضاً عالم من الضبابية، يرضي «حنيننا إلى غيمة اللامعرفة فيما وراء المعرفة، إلى الصمت فيما وراء الكلام». الصمت جزء أساس من العملية الإبداعية، فهو يفتح فضاء للتأمل. تقول سونتاغ: «بقدر ما أن الفنان جاد فإن ثمة ما يغريه باستمرار بأن يوقف حواره مع الجمهور». الانسحاب من الحياة العامة هو «إيماءة الفنان القصوى خارج هذا العالم: بالصمت يحرر نفسه من قيد الخضوع للعالم الذي يبدو كراعٍ، عميل، زبون، ضد، حكم، ومشوّه لعمله».
يسن الفن القوانين ما بين منطقتي الخاص والعام؛ لقد كان في الغالب نوعاً من الاختباء في العلن، مكاناً للهويات المرمزة، للمبهم من الغنائية. يرى مارسيل بروست أن «ما يمكّننا من النظر عبر أجساد الشعراء ويتيح لنا رؤية أرواحهم، ليس عيونهم، ولا أحداث حياتهم، وإنما هي كتبهم، وبالذات حيث تود أرواحهم، برغبة غريزية، أن تخلد». ولذا فإن من المناسب أن تعجب سونتاغ، وهي الناقدة الصريحة والروائية، بهذه التوترات: حاجة الفنان إلى التجريدات والغموض، رغبة الناقد في التوضيح.
أنها كتبت هذا قبل انفجار عالم الفن، قبل أن يؤلّه الفنانون ويصوروا كما لو كانوا منقذين لعالم مكسور، قبل أن ننظر إليهم ليس بحثاً عن الجمال والإلهام والتوكيد فحسب وإنما عن شكل من أشكال النقد الذاتي، له صلة وثيقة بالتأكيد بعلاقتها بالنجوم. لقد عرفت سونتاغ، وهي واحدة من آخر المثقفين العامين حتى وفاتها عام 2004، وبشكل مباشر ثمن ذلك الاهتمام: أي تشتيت للانتباه يمكن لذلك أن يكون؛ إلى جانب خطورة الرقابة الذاتية بغية النفخ في صورة الذات. (حتى بعد رحيل سونتاغ، انتقدها كاتب سيرتها بنجامين موزر، في «سونتاغ: حياتها وأعمالها» 2019 لأنها لم تتحدث علناً عن ميولها الجنسية في أثناء أزمة الإيدز).
اليوم نتوقع من الفنانين أن يقوموا بدور في الحياة العامة، أن يذعنوا للمقابلات وملفات المجلات ليشرحوا ويبرروا عملهم، أن يحضروا حفلات الافتتاح بملابس باذخة، أن يتحدثوا بقوة وبتفصيل حول النسوية والعنصرية وغياب العدالة الاجتماعية وآخر الكوارث سواء كانت سياسية أو بيئية.
ومع ذلك ظل هناك دائماً عالم ظل صغير وقوي لمبدعين نجحوا في مخادعة التوقعات العامة بدرجات متفاوتة، متجنبين الصحافة المدققة وجولات الكتب بينما يظل الشعور قوياً بتأثيرهم. بعضهم حقق ذلك باللجوء لأسماء مستعارة، بينهم بانكسي وإلينا فيرانتي التي كتبت بكثافة عن التحرر الذي عثرت عليه بفصل صورتها العامة عن عملها. آخرون وظّفوا ذواتهم البديلة لإيصال رسائلهم، مثل ديفيد باوي الذي تبنى شخصية زغي ستاردكت، وهو مغني روك غريب يأتي إلى الأرض برسالة أمل وينتهي بأن يقضي عليه معجبوه وشطحاته. إنها إحدى التعليقات الموسيقية العظيمة على الشهرة، تعليقة أبدعت في زمن كان فيه باوي نفسه يدمر نفسه في ضوء الشهرة.
بوصفي ناقداً يتمحور عمله على فكرة أن هناك الكثير من القيمة التي يمكن تعلمها من السياقات الخاصة، سواء كانت شخصية أو غير ذلك، سياقات يصنع فيها الفن، أجد نفسي أتنقل بين نزعتين: الرغبة في الاقتراب من تلك الحقائق الصعبة وفهم الثمن الحقيقي للانكشاف. أود حماية منابع الإلهام، تلك الخواطر الرومانسية «القادمة من عزلة أعمق» بتعبير وردزورث، بينما أتيح فضاء لذلك النوع من القص القوي والممكن في الفن، القصص التي كثيراً ما تسعى هذه الأيام لملء الفراغ التاريخي.
نادر في الحقيقة هو الفنان الذي ينجح في الفصل التام بين الهوية الشخصية والعمل، مثلما فعل مارتن مارغييلا، أحد أكثر المصممين تأثيراً على الإطلاق على الرغم من حقيقة أن قلة من أهل الأزياء يعرفون شكله. صار اسمه كناية عن الهدوء الطليعي. في الفنون الجميلة غالباً ما يفسَّر الانسحاب من الحياة العامة بأنه امتداد لمشروع فني، كما حدث حين أخذ الفنان المفاهيمي لي لوزانو عملاً دشامبياً (نسبةً إلى مارسيل دشامب) وانسحب «بقطعة ساقطة» نحو عام 1970 رافضة الاتصال بأصدقاء قدامى وشركاء، راسمة بشكل أساسي إطاراً حول غيابها، مدونة في مذكراتها أن ذلك كان «أصعب عمل قمت به» لأنه «يتضمن تدميراً للعادات العاطفية القوية (أو على الأقل فهماً تاماً لها)». كادي نولاند، التي لا تزال واحدة من أعلى الفنانات الأحياء في المبيعات، توقفت عن عرض أعمالها نحو عام 2000 بل وأخذت في التنكر لبعضها: في عام 2011 أعلنت أنها تخلت عن شاشة حرير فيها تلف تعود للعام 1990 اسمها «رعاة بقر يحلبون»؛ في عام 2014 كان دور عملها النحتي «واجهة كوخ خشبي» التي تعود لعام 1990 والتي أُعيد ترميمها بصورة مكثفة من دون موافقتها أو حتى استشارتها.
مغادرة هؤلاء النساء، مثل الفنانة التدخلية لوري بارسونز، التي تركت حياتها الفنية لتصير ناشطة اجتماعية، لا تبدو كما لو كانت «إيماءة زهد قصوى» بقدر ما هي شكل من أشكال المقاومة لعالم فنون أبوي يهيمن عليه اقتصاد السوق.
لكن قلة من الفنانين نجحوا في هذا النوع من الرفض بوصفه احتجاجاً كما نجح ديفيد هامونز، الذي يعد من أكثر الفنانين المعاصرين تقديراً على الرغم من حقيقة أنه من النادر أن يقبل بإجراء حوار (يشبهها باستجوابات البوليس) أو أن يحضر افتتاح أعماله. لقد نظر إلى هذا أيضاً وعلى نطاق واسع على أنه إيضاح لغرور العالم الفني الذي يهيمن عليه البيض، لكن الفنان، وهو أسود، ذكر أنه أكثر حرصاً على خصوصيته من أن يتحدث عن مصادر أعماله، إنه إن فعل ذلك فسيشعر كما لو كان ذلك إساءة جسدية.
إن هامونز شهير بما يكفي ليدع عمله يتحدث عن نفسه، على عكس الكاتب توماس بينشن الذي لم تقلل انعزاليته من مكانته وتأثيره على الأدب الأميركي (ربما العكس هو الصحيح). ومع ذلك فإن الانسحاب من الحياة العامة بشكل تام لا يخلو من مخاطر: ففي مقابل كلٍّ بنشن أو غريتا غاربو أو هامونز هناك شخص مثل لي بونتيكو التي كانت من أكثر الأسماء الفنية إثارة في ستينات القرن الماضي قبل أن تترك نيويورك في أوائل السبعينات وتتوارى عن الأنظار.
لقد عرفت بونتيكو، وهي أول امرأة يمثلها صاحب المعارض القوي ليو كاستيلي، بأصالتها المذهلة، نتوءاتها الجدارية المصنوعة من الفولاذ والقماش؛ اتسم أغلبها بموتيف الثقب الأسود. في ذلك الوقت بدا كأنها تقريباً اختفت في أحد أعمالها في حين أنها في الحقيقة تركت المدينة مع زوجها وابنتها (واستمرت تدرّس في كلية بروكلين على مدى العقدين التاليين). لم تتوقف أبداً عن صنع الأعمال الفنية، كما يتضح من معرض عام 2003 في متحف هامر التابع لجامعة كاليفورنيا، لوس أنجليس: على مدى ثلاثة عقود من العزلة النسبية تطور عملها إلى منحوتات مرهفة وعالية التركيب توحي بأجسام سماوية، وأنظمة شمسية وخرائط النجوم.
إن من الصعب تصور أنه من دون تلك الفترة من الانعزال أن الأمور كانت ستبدو كما بدت. قصتها تقول لَكم هي اعتباطية –وعديمة القيمة– أوسمة الاحتفاء الجماهيري حين يتصل الأمر بالإبداع نفسه. والأمر كما قالت الفنانة نفسها في حديثها لآن فيلبن، مديرة معرض هامر: «لم أترك عالم الفن أبداً. أنا في عالم الفن الحقيقي».
كم نحتاج حقيقة إلى أن نعرف عن الفنانين الذين نعجب بهم؟ لقد فكرت بهذا مؤخراً وأنا أقرأ ملفاً نشرته مجلة «بتشفورك» حول دان بيجار صاحب العمل الموسيقي «دستروير»، الذي يقول إن أفضل عروضه كانت تنتج عن التفاتته بعيداً عن الجمهور باتجاه فرقته الموسيقية. قال: «حين أكون واحداً من الجمهور في كل ما شاهدت من العروض فإن ما أتمناه هو فقط أن أصاب بالحيرة. ذلك كل ما أريد من الفن. أربِكْني، أوقِفْني في طريقي. ليس من الضروري أن نمضي عبر شيء ما معاً».
لكن من المؤكد أننا نمضي عبر شيء ما معاً – أو على الأقل تلك هي التعويذة التي تلقيها الأغنية أو الرواية أو الفيلم الذي «نحب»: إن اللغة ذاتها التي نستعمل للحديث عن الفن توحي بالرومانسية. إن من الصعب عليّ –وأنا أسمع الصوت، أقرأ الكلمات– ألا أشعر بارتباط بالشخص الذي يقف خلف العمل الإبداعي الذي ينجح بإرباكي حقاً. تجربة الفن هذه، مثل الحب، تجربة نادرة وحقيقية ورائعة وفي نهاية المطاف غير قابلة للتحديد؛ هي مثل الحب نحس بها بشكل خاص من حيث هي ذاتية المصدر ومع ذلك مؤكَّدة علناً من خلال ثقافتنا. وهكذا نسعى لمعرفة المزيد، ربما لنجد أنفسنا في حكاية الفنان ونصير جزءاً من غموضها. نقول إن مما يستحق المخاطرة أن نفك اللغز.
- {نيويورك تايمز تي ماغازين}



سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر
TT

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

سلوى بكر
سلوى بكر

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية المولودة سنة 1949، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، والذين قد اكتمل اليوم عطاؤهم أو قارب الاكتمال. فمنذ مجموعتها القصصية الأولى «زينات في جنازة الرئيس» المنشورة في 1986، تنامى إنتاجها بوتيرة منتظمة، وصوت متميز، ودرجة عالية من الحرفية الفنية لفتت الأنظار إليها من وقت مبكر.

تشكلت واعيتها في زمن جمال عبد الناصر (1952-1970) وما تميز به من اتجاه وطني، عروبي، اشتراكي، شبه علماني، والذي انتهى مع هزيمة 1967 ووفاة ناصر في 1970، ثم عاصرت فترة أنور السادات (1970-1981)، وحسني مبارك (1981-2011)، وهما الفترتان اللتان شهدتا الانهيار التدريجي للمجتمع الذي حلم به ناصر، من دون بزوغ بديل ذي مصداقية.

وعلى الرغم من أن سلوى بكر تحرص في كتاباتها ألا تصور الفترة الناصرية تصويراً مثالياً، فمن الواضح أن ما يؤرقها في أعمالها هو التحولات المجتمعية الهائلة التي حلّت بمصر بداية من عصر السادات فصاعداً. إن الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية تبقى دائماً قريبة من السطح في أعمالها، وتمتزج امتزاجاً وثيقاً باهتمامها الأكبر، وهو وضعية المرأة في المجتمع. والحق أنه عند سلوى بكر ليست محنة المرأة في المجتمع إلا عرضاً من مرض أكبر يعاني منه المجتمع بأكمله، والعلاج الذي تنشده هو علاج للمجتمع كله وليس للمرأة وحدها.

في عالم سلوى بكر الرجال والنساء جميعاً هم رفاق في المعاناة على يد نظام سياسي واجتماعي قمعي وغير عادل، ولكن المرأة تنفرد وحدها بكونها ضحية لقمع إضافي على يد الرجال، أو القيم الذكورية للمجتمع. ذلك أن تقاليد المجتمع البطريركي تضطهد النساء لكونهن نساءً، تماماً كما أن تقاليد النظام السياسي السلطوي تضطهد الرجال والنساء معاً بحرمانهم من الحريات الأساسية ومن حقوقهم الإنسانية. على أنه في عالم سلوى بكر من الطبيعي أن يكون اضطهاد المرأة هو ما يشغل بؤرة اهتمامها، وما لديها من حكايات تقصها نسمعه دائماً من خلال واعية نسائية، على الأقل في المراحل المبكرة والوسطى من أعمالها قبل أن تنتقل في المرحلة المتأخرة للنظر في الوضع المجتمعي والإنساني من منظور يجاوز ما تمليه المعطيات التقليدية للنظرة النسوية.

غير أن الاضطهاد يستدعي المقاومة، وما من شك أن نساء سلوى بكر هن مقاومات من الطبقة الأولى، وتتفاوت أساليب مقاومتهن من العنف حدَّ القتل كما في رواية «العربة الذهبية لا تصعد إلى السماء» (1991)، إلى الهروبية التي تتخذ عادة شكل الانسحاب من عالم الواقع؛ أي الجنون، كما يحدث في العديد من القصص القصيرة للكاتبة. على أن أغلب النساء في أعمالها يقاومن، بل وينتصرن، من خلال سلوكيات أقل تطرفاً من الجنون والقتل، فلدى شخصياتها مطواعية للتشكّل، وقدرة على التأقلم، وعلى النجاة والاستمرارية في أحلك الظروف، ما يمثِّل سخرية صامتة من التفوّق المزعوم للقوة الذكورية، فهي ترينا مرة بعد أخرى في قصصها أن المرأة هي مكمن القوة الحيوية الحقيقية وإن لم تتمتع بالمرتبة العليا في تراتبية القوى في المجتمع.

على أنه ينبغي ألا نُغفل أن ليس كل الرجال في أعمال الكاتبة مُضطهِدين للنساء، بل الكثيرون منهم يُصوَّرون ضحايا للنظام المجتمعي تماماً مثل النساء. وهو ما يتفق مع قولها ذات مرة في حديث صحافي إنها لا تدين الرجال كجنس، لكنها تدين الأفكار المسبّقة في المجتمع التي نقبلها وكأنها طبيعية وهي ليست كذلك (مجلة «نصف الدنيا»، 15 سبتمبر/ أيلول 1991). غير أنه ليس من بين رجال الكاتبة مهما كانوا أسوياء من يمتلك القوة القتالية - إن جاز التعبير - التي تمتلكها نساؤها. فغالباً ما نراهم أضعف من أن يقاوموا قوى الفساد من حولهم، أو أنهم مغرقون في المثالية، أو شديدو الصلابة أو الهشاشة فينكسرون. وغالباً ما يقع إنقاذهم من مآزقهم الحياتية على عاتق نسائهن، كما في قصة «أرانب» (1994)، وفي رواية «ليل ونهار» (1997)، على سبيل المثال. غير أنه في المحك الأخير نساء سلوى بكر ورجالها هم جميعاً ضحايا الواقع الاجتماعي الفظّ لمصر المعاصرة حيث يتكالب عليهم القمع السياسي والفساد والضائقة الاقتصادية، وتعيش الغالبية العظمى منهم في البيئة العمرانية للقاهرة التي صار يغلب عليها الفظاظة والقبح والاكتظاظ.

هذه النوعية المتدنية للحياة وسط بيئة عمرانية قبيحة خانقة هي ذاتها ما تجعل طلب الجمال مسعًى مشتركاً لدى العديد من شخصياتها، وهي أيضاً ما تجعله هاجساً معاوداً في أعمالها. ويرتبط بهذا المسعى أيضاً حنين إلى نمط معيشي انقرض. فسلوى بكر عاشت صباها وشبابها الأول في مصر الستينات في زمن زهو الناصرية، حين كان هناك حس وطني قوي، وأهداف قومية، وتكافل اجتماعي، وليبرالية فكرية (على الرغم من غياب الحرية السياسية)، وحين كانت مفاهيم المجتمع الرأسمالي الاستهلاكي تُعد وصمة عار، وأيضاً حين كان فضاء القاهرة ما زال يحتفظ بشيء من الجمال المعماري ورونق الشوارع والمساحات العامة الذي تميزت به في النصف الأول من القرن، وحين كانت الثقافة الرفيعة غاية تتبناها الدولة في الفنون والوسائط التي ترعاها. وقد يكون أن بذور التدهور في فضاء المعاش ونوعية الحياة الذي ميز عصر السادات، واستشرى فيما تلاه من عهود؛ قد يكون أنها زُرعت في الخمسينات والستينات، لكنها لم تترعرع إلا فيما بعد، وفي ظل التحول الآيديولوجي الهائل الذي وقع في مصر السادات. هذا هو السياق الذي نفهم فيه الشعور بالحنين إلى مصر ما قبل السادات ومبارك الذي نجده عند بعض شخصياتها، كما على سبيل المثال في القصة ذات العنوان الموحي «عن الروح التي سُرقتْ تدريجياً» (1989).

تتضح المعالم الرئيسية للعالم الروائي لسلوى بكر من مجموعتها الأولى «زينات في جنازة الرئيس» (1986). هي بالتأكيد ليست عدوة للرجال (وهو ما قد نشعر به أحياناً في قصص نوال السعداوي بالمقارنة)، ولكنها تميل إلى تصوير المرأة تصويراً مثالياً، فهي عندها البطل الاجتماعي، والجنس الأقدر على النجاة من كوارث الحياة. نساؤها كثيراً ما يتعرضن للخيانة من قِبَل الرجال، عمداً أو عن غير عمد. قد يكون ذلك عن طريق الموت أو الطلاق أو مجرد التخلِّي. تلتزم القصص بالتصوير الواقعي، والذي قد يتمادى أحياناً، فيصل إلى أعتاب الطبيعية (الناتورالية). وتُمكِّن الكاتبة بطلات قصصها من نساء الطبقة الكادحة من التعبير عن أنفسهن من طريق لغة عامية محوّرة بما يناسبهن. كما أن حبكات قصصها لا تلتزم بالتسلسل الزمني. وقد يبدو أسلوبها السردي فوضوياً بسبب القطع المتكرر لانسياب الحكي، والاستطراد، ثم العودة لمواصلة القصة، والذي ربما هو من تأثير يوسف إدريس على الكاتبة الشابّة، إلا أن هذا كله ليس إلا فوضى منظمة يُقصد بها حفز القارئ للتفكير في الموقف ومحاولة تفسيره خارج المعتاد. وهذا كله مما سوف يتواصل في أعمال بكر اللاحقة.

نساء سلوى بكر مقاومات من الطبقة الأولى... مع تفاوت أساليب مقاومتهن

من ضمن قصص المجموعة الأولى قصة بعنوان «نونة الشعنونة». في هذه القصة المبكرة، وفي قصة أخرى مزامنة لها بعنوان «إحدى وثلاثون شجرة جميلة خضراء» في مجموعتها الثانية «مقام عطية»، والتي نُشرت في نفس سنة المجموعة الأولى (1986)، تقدم لنا الكاتبة مجازاً لمحنة المرأة المتحررة سيبقى طويلاً في أعمالها اللاحقة: مجاز الجنون، وهو مجاز مزدوج الفاعلية؛ لأنه يخدم نقيضين في آنٍ، هما المضطهَد والمضطهِد. فبالنسبة للمضطهِد (بالكسر)، وصم الثائر على الأعراف والتقاليد، كاشف الزيف المجتمعي؛ وصمه بالجنون هو آلية نافعة ومريحة للضمير. أما في حالة المضطهَد (بالفتح)، فالجنون وسيلة للهروب من الضغوط المجتمعية غير المحتملة والصراعات غير القابلة للفوز، كما أنه وسيلة لتأكيد الذات بواسطة الرفض النهائي لمتعارفات اجتماعية جائرة، لـ«عقلانية» مجتمعية هي «غير عاقلة» في عرف الثائر عليها. الجنون إذن عند سلوى بكر هو أداة انعتاق، أداة تحرر.

هذا الأثر المحرِّر للجنون نجد له وصفاً في قصة لاحقة لسلوى بكر «الدود في حقل الورد» (مجموعة «عجين الفلاحة»، 1992)، والتي تُفتتح بهذه الكلمات: «هي تكره الجنون. تخافه. ترتعب من فكرة أن يفقد العقل سطوته على الجسد. فينطق اللسان بما يشتهي، وترى العين ما تود رؤيته، وتتحرر النفس من كل قيد يرسمه لها الزمان والمكان» (ص23). تلك خواطر امرأة على شفا الجنون، لكنها لم تفقد عقلها تماماً بعد، ومن هنا خوفها من عواقب الحرية التي تنجم عن الجنون. أما حين يكتمل الجنون، فإن الحرية الناجمة عنه تصبح مطلقة لا يعوقها عائق. وهذا هو المعنى الذي به يصبح الجنون عند سلوى بكر فعل مقاومة وتأكيداً للذات، وليس مجرد استسلام لضغوط فوق طاقة الاحتمال.

في عالم سلوى بكر تفهم النساء بعضهن، ويقدمن لبعضهن العضد الذي ينكره عليهن الرجال، ويواصلن مهمة العيش والبقاء برغم كل العقبات التي يضعها في طريقهن الرجال والمجتمع. في عالم سلوى بكر تعرف النساء حق المعرفة أنه من «الجنون» أن يتحدين مجتمعاتهن الذكورية، لكنهن يبقين على استعداد لأن «يَجْنُنَّ».


التفلسف على الماء

باشلار
باشلار
TT

التفلسف على الماء

باشلار
باشلار

نشرت جريدة «الشرق الأوسط» في صفحة «ثقافة وفنون» مادة عن كتاب «النيل، نهر التاريخ» لأستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي تارييه تافيت، وهو عمل يرصد حضور النهر في المخيال الأوروبي عبر العصور، وتقول الزميلة رشا أحمد التي استعرضت الكتاب أنه «جمع بين الدقة الأكاديمية والأسلوب السردي حيث لا يكتفي بتتبع تاريخ النيل بوصفه نهراً جغرافياً، بل يحاول أن يكشف كيف تحوّل عبر القرون إلى رمز ثقافي وفكري، وكيف ظل حاضراً في الفن والدين والخيال بوصفه شريان حياة لا ينضب».

اللافت في سيرة المؤلف هي اللحظة التي بدأت فيها علاقته بالماء أصلاً. لم يكن ذلك على ضفاف النيل، بل في مدينة بيرجن النرويجية المطيرة، حين أدرك ذات صباح خريفي أن الأمطار التي تحيط به لا تشكّل الطقس فقط، بل تشكِّل الحياة نفسها. من تلك اللحظة تحوَّل اهتمامه من تاريخ العالم إلى تاريخ الماء بوصفه الشرط الخفي الذي تقوم عليه المجتمعات وتتشكل حوله الحضارات. لقد اكتشف أن ما يبدو يومياً عابراً، كالمطر الذي لا ينقطع، قادر على أن يعيد تشكيل نظرة كاملة إلى تاريخ الإنسانية. تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى أقرب إلى العلوم الاجتماعية منها إلى التأمل الفلسفي، لكنها تفتح سؤالاً أعمق.

هايدغر

فالحضارات الكبرى لم تقم حول أفكار، بل حول مصادر الماء. المدن الأولى نشأت على ضفاف الأنهار، والزراعة استقرت حيث يمكن التحكم في الري، والطرق التجارية سارت على دروب مجاري المياه قبل أن ترسمها الخرائط. كان النهر دائماً الرحم الذي يلد المدينة، والمؤسس لانبثاق الحياة وابتداء التاريخ. ما إن يستقر مجرى الماء حتى يستقر معه شكل من أشكال الحياة، كأن الجغرافيا المائية ترسم تخوماً خفية لما يمكن أن ينشأ من عمران وثقافة. وحتى في العصور الحديثة، حين ظن الإنسان أنه تحرر من الطبيعة بفضل التقنية، ظل الماء شرطاً صامتاً لا يمكن تجاوزه، يظهر حضوره الحاسم كلما ندر وجوده.

لكن الماء لم يبقَ في حدود الجغرافيا والتاريخ. فحين بدأ الإنسان يتساءل عن أصل العالم، كان من الطبيعي أن يتجه نظره إلى العنصر الذي تقوم عليه الحياة كلها. منذ طاليس لم يعد الماء شرط الحياة وحده، بل صار مرشحاً لأن يكون أصل الوجود نفسه. لم يكن قوله إن «الماء أصل الأشياء» حكماً فيزيائياً بالمعنى الحديث، بل محاولة أولى للعثور على مبدأ واحد يفسّر الكثرة والتحول. اختيار الماء لم يكن اعتباطياً، فهو العنصر الذي يمنح الحياة ويتخذ أشكالاً متعددة ويتحوّل من حال إلى حال، وكأن أصل العالم ينبغي أن يكون قادراً على التحول مثل العالم نفسه.

بعده سيجعل هيراقليطس النهر صورة الوجود ذاته. العالم عنده ليس بنية ثابتة بل تدفّق دائم، ولهذا صار النهر مثاله الأشهر: «لا يمكنك أن تنزل النهر نفسه مرتين». الماء هنا لم يعد أصل الأشياء بل التغيّر الذي يحكمها جميعاً، وصار التدفق لا الثبات هو الحقيقة الأعمق. أما أفلاطون فسيضع الماء ضمن عالم التكوّن والتحوّل، العالم الذي لا يستقر على صورة نهائية، بينما سيعيد أرسطو الماء إلى نظام العناصر، مانحاً إياه موضعه الطبيعي في بنية الكون وسعيه إلى الاستقرار. وهكذا ظل الماء حاضراً في التفكير الفلسفي، لا بوصفه مادة فحسب، بل بوصفه مثالاً يتيح تأمل الحركة والهوية والزمان الذي يجري كالماء.

وفي فلسفات الشرق، خصوصاً عند أبي الطاوية لاو تسو، سيبلغ التأمل في الماء ذروة رمزية مختلفة. الماء هو النموذج الأعلى للحكمة، لأنه يلين ولا ينكسر، وينساب إلى أدنى المواضع دون عرقلة، ومع ذلك يتغلب في النهاية رويداً رويداً على أصلب الأشياء. وفي العصر الحديث سيعود الماء مادة للتأمل الداخلي، حين رآه باشلار عنصراً للحلم والذاكرة والعمق. في كتابه «الماء والأحلام» يصفه بأنه مادة خيال حميمة تشكّل الوعي الباطن. فالماء لا يعكس العالم الخارجي فقط، بل يوقظ طبقات خفية من التجربة الداخلية.

وحين تأمل هايدغر النهر لم ينظر إليه كعنصر طبيعي فحسب، بل كموضع يتشكل فيه سكن الإنسان وينكشف فيه العالم، حيث يجتمع المكان والزمان والسكن في مجرى واحد. في شروحه لهولدرلين، تحدث عن الراين لا كجسم طبيعي، بل على أنه «مكان ظهور» للتاريخ والشعب والسكن. النهر عنده ليس ماءً جارياً فقط، بل مجال تنكشف فيه علاقة الإنسان بالأرض والسماء. وفي مثال (الجسر) في محاضرة «البناء والسكن والتفكير» عندما يتحدث عن جسر فوق نهر، يقول إن الجسر لا يربط ضفتين فقط، بل يكشف المكان ويجمع الأرض والسماء والبشر والقداسة. النهر هنا جزء مما يسميه «الرباعي». أي أن الماء يدخل ضمن بنية انكشاف العالم لا كموضوع مستقل. الإنسان لا يوجد في فراغ بل يسكن عالماً. والأنهار من أبرز المواضع التي يتشكل فيها هذا السكن، لأنها تجمع الطبيعة والتاريخ والفعل البشري.

ومع كل قراءة جديدة يعود الماء ليذكّر الفكر بأن أكثر الأشياء بساطة في التجربة قد تكون أكثرها عمقاً في المعنى. بهذا المسار الطويل انتقل الماء من كونه عنصراً طبيعياً إلى رمز وجودي، وما بدأ عند ضفاف الأنهار بوصفه شرطاً للحياة صار في الفلسفة سؤالاً عن أصل العالم ومعناه. لم يكن النهر مجرد خلفية صامتة للتاريخ، بل أحد عناصره الخفية التي تعمل في العمق، ومن حضوره اليومي انبثق سؤال التفكير نفسه. والنيل، مثل سائر الأنهار الكبرى، يضعنا أمام هذه الحقيقة القديمة المتجددة، أن الإنسان لم يعش إلى جوار الماء فحسب، بل فكَّر من خلاله أيضاً. وحين نعيد النظر إلى الماء لا بوصفه مورداً طبيعياً فقط، بل بوصفه أحد مفاتيح فهم علاقتنا بالعالم، يتضح أن التفلسف عليه ليس ترفاً ذهنياً، بل محاولة لقراءة الحياة في منبعها الأول.


العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر
TT

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات، لكنها جاءت مشحونة بتأملات فلسفية وخواطر إنسانية تمزج الشجن بالسخرية على هامش تجربة حقيقية يستند إليها العمل وهو إقامة المؤلف لمدة عشرة أيام كاملة في فندق بمدينة لندن كإجراء احترازي وهو «العزل» عند سفره إلى بريطانيا في أثناء جائحة كورونا التي ضربت العالم قبل سنوات.

في الطبعة الجديدة من العمل الصادرة عن دار«ميدياتوبيا»، يروي المؤلف مذكراته في ردهات أغرب معتقل وسمه باسم «زنزانة العزل»، حيث ينسج تفاصيل وحدته القاسية، يوماً بيوم، ودقيقة بدقيقة، لتتفجر من بين سطوره مفارقات المشاعر الإنسانية وأكثرها شجناً.

تتصاعد سطوة العزلة في وجدانه حتى تضيق بها الروح، فيتساءل بمرارة عما إذا كان من الممكن أن يخرج من هذا الحصار معافىً، أم أن جراح النفس سترافقه إلى عيادات الأطباء بعد العناق الأول للحرية، ومن ذا الذي سيرمم وهن جسده، ويداوي عضلاته التي تيبست، وأقدامه التي أثقلها التورم من فرط المكوث خلف قضبان الصمت.

يكتسب النص قيمته من الحكي الحميم عبر لغة بسيطة تتخفف من الجماليات والزخارف البلاغية، فما تستهدفه هو نقل ضغط اللحظة وأشواق الروح عبر عين بارعة في التقاط التفاصيل الصغيرة والمفارقات الدرامية، وكأن «العزل» رغم قسوته فتح نوافذ للتأمل في الذات والحياة والواقع الإنساني برمته.

في تقديمها للكتاب، ترى الكاتبة سكينة فؤاد أن التعبير عن تلك التجربة بلغ ذروة الصدق، حتى كادت أن تتوحد مع آلام كاتبها وهو يدير تفاصيل حياته الرتيبة داخل زنزانة ضيقة؛ حجرة هي العالم بأسره، يمارس فيها طقوس بقائه، ولا ينقصه فيها شيء سوى الحرية، أثمن ما يهبه الوجود.

وتضيف: «هي سطور مست أعماقي، وأثق أنها ستوقظ الصدى ذاته في نفوس كل الذين كبلتهم قضبان فُرضت عليهم قسراً، ليصرخوا مع المؤلف في تساؤل وجودي حارق: كيف قهرتُ نفسي كل هذه السنوات ثم أشكو من هذا السجن الرمزي؟ أنا خبير في تضييع الحرية، وما العزل إلا عينة مما أكابد!».

ويروي محفوظ كيف أنه لم يكن يبالي مطلقاً حين طرقت أصابعه لوحة المفاتيح لتدوين هذه اليوميات وأن يسعى لنشرها في كتاب؛ فقد كان كل ما يشغله حينها هو التنفيس عن الضيق الذي يشعر به، وتفريغ ما يعانيه من كبت، فمنذ الطفولة، لم يجد لي صديقاً يتفهمه كالقلم، وظلت هذه العلاقة وطيدة حتى بعد أن استبدل بريشته أزرار الكمبيوتر. بدأ بنشر اليومية الأولى مقتضبةً على «فيسبوك»، فحظيت باهتمام بعض الأصدقاء، ما دفعه لإتباعها بالثانية ثم الثالثة والرابعة، مع إضافة مزيد من التفاصيل المادية والحسية، ومع ازدياد التفاعل، وجد في هذا التدوين الأنيس والسلوى لروحه.

في اليوميات يتذكر أنه عند هبوط الركاب من الطائرة وتوجههم إلى فندق قريب، وُجّه كل راكب إلى طاولة مستقلة لملء بيانات نظامه الصحي والغذائي، حيث استمعوا إلى شرح أحد الموظفين، من خلف قناعه، حول طبيعة وسير الحياة في هذا «السجن الفندقي». أوضح الموظف أن خروجه للتريض مشروط بالحصول على تصريح مسبق من أقرب حارس لغرفته أو من إدارة الأمن، كما أكد أن موظف أمن سيرافقه لضمان التزامه بقيود التباعد، مع ضرورة ارتداء الكمامة باستمرار خارج الغرفة، ومنع التدخين نهائياً بداخلها، مع توفير بدائل النيكوتين لمن يحتاج إليها.

شملت التحذيرات منع استقبال أي ضيوف داخل الغرفة، أو الدخول لغرف نزلاء آخرين من خارج دائرته المقربة، وبدلاً من ذلك، يمكنه التواصل مع عائلته وأصدقائه عبر تطبيقي «زووم» أو «سكايب»، مستفيداً من شبكة الإنترنت المجانية المتاحة في الغرف.

أشار الموظف في ختام حديثه إلى أن فنادق العزل تحظى باهتمام الرأي العام، ما قد يدفع وسائل الإعلام للتواصل معه، وأكد أن له كامل الحرية في التحدث إليهم أو الرفض، مشدداً على ضرورة احترام خصوصية النزلاء والموظفين، وعدم التقاط أي صور لهم دون إذن مسبق.

ويحق للفندق الاحتفاظ بأي بريد يصل إلى النزيل في حال الاشتباه بوجود خطر على الصحة أو الأمن، على أن يتم تسليمه له عند المغادرة ما لم تتم إعادته للمرسل، كما أن المشروبات الكحولية متاحة عبر خدمة الغرف، مع التأكيد على عدم الإفراط في تناولها لضمان قدرة النزلاء على الاستجابة لتعليمات الحراس.

أوضح الموظف كذلك أن عمال النظافة ممنوعون من دخول الغرف، لذا تقع مسؤولية التنظيف على عاتق النزيل باستخدام الأدوات والمساحيق المتوفرة بالغرفة، كما تشمل تكلفة العزل غسل سبع قطع ملابس صغيرة فقط بمغسلة الفندق طوال فترة الإقامة.

وبالأخير، نجح النص في تحويل العزلة إلى فضاء للتأملات والتداعي الحر في لحظة نفسية مشحونة بالخوف والقلق، مع التطرق بطريقة غير مباشرة إلى أزمات تعاني منها الأجيال الجديدة مثل الانطوائية، والرهاب الاجتماعي، فضلاً عن أثر غياب دور الأهل، ما جعل العمل يلامس واقع الشباب العربي.