مواويل إنسانية عكست معالم الحياة الثقافية

وقعها صالح عبد الحي في مسيرة حياته

مواويل إنسانية عكست معالم الحياة الثقافية
TT

مواويل إنسانية عكست معالم الحياة الثقافية

مواويل إنسانية عكست معالم الحياة الثقافية

في مشهد لا يزال صداه يرن في واقعنا الراهن مع وباء «كورونا»، الذي ضرب العالم في مقتل، وفي غُمرة حربه ضد الطاعون، يتصارع مفتش الصحة الدكتور أشرف مع رموز الجدل والشعوذة في قريته مُمثلين في حلاق الصحة، والعمدة، والعطار، يلوح الفشل أمامه كل مرة، وهو في مواجهة مفتوحة مع الجهل، ولكن مفتش الصحة يقاوم حتى النهاية، ليُواجه الطاعون الذي ضرب البلد، هكذا تلوح أجواء فيلم «عاصفة على الريف» من إنتاج عام 1941 بطولة يوسف بك وهبي وأمينة رزق، وحوار بتوقيع الكاتب المسرحي بديع خيري، وفي خلفية الأحداث تسللت أغنية خفيفة شجيّة من ألحان الشيخ زكريا أحمد، وغناء صدّاح لصالح عبد الحي.
صوت الراحل صالح عبد الحي، الذي لم يُطل كثيراً عبر شريط السينما المصرية، هو أحد أبرز الأصوات التي تعد بمثابة مرآة للإرث الثقافي والفني العربي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر حتى النصف الأول من القرن العشرين، فلا يمكن قراءة سيرته دون التوقف عند محطات حاسمة في تاريخ مصر والعالم، حتى تكاد تستمع لشجن مواويله و«طقطوقاته» وأنت تُشاهد أثر «الكساد الكبير» الذي ضرب الولايات المتحدة الأميركية (1929 - 1933)، وهو الحدث الغربي الذي يُنهي رحلة صالح عبد الحي ورفاقه في عالم المسرح الغنائي الشرقي، في حدث لا يخلو من خسارة فنية وشخصية وإنسانية لا يتعاطف معها كساد عالمي شرس يفتك باقتصاد العالم وأحلام ناسه.
لعل هذا المشهد واحداً من مشاهد لافتة نسجها الكاتب والباحث المصري محب جميل، ضمن فصول كتابه «صالح عبد الحي - فارس الطرب»، وهو الكتاب الصادر عن جمعية «عِرَبْ» للموسيقى في بيروت بالتعاون مع الصندوق العربي للثقافة والفنون (آفاق)، وقام بتقديمه الناقد الموسيقي اللبناني أسعد مخّول.
يرسم الكاتب مشهداً بانورامياً لمعالم الحياة الثقافية التي سبقت مولد صالح عبد الحي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لعل أبرزها افتتاح الخديو إسماعيل دار الأوبرا المصرية عام 1869 بعرض لأوبرا «ريجوليتو» للموسيقار الإيطالي فيردي، ثم تلا ذلك عرض أول لأوبرا «عايدة»، وبالتدريج بدأت السمات العثمانية عقب الاحتلال البريطاني (1802 - 1922) لمصر تتقلص في الحياة العامة، وارتقاء حركة الطباعة، وحركة الغناء داخل القاهرة التي تجاوزت شهرتها القطر المصري وصولاً لبيروت وبغداد وحلب ودمشق، وبعد سنوات من استقرار تلك الأوضاع، جاء صالح عبد الحي إلى الدنيا عام 1896، الذي سيصير بصوته الجهوري اللامع أحد أبرز وجوه الطرب الشرقي الذين طافت شهرتهم أرجاء مصر والشام خلال النصف الأول من القرن العشرين.
يمُر الكتاب، الذي يقع في 110 صفحات، على ملامح طفولة صالح عبد الحي التي عاشها دون أب، في كنف أمه وخاله المطرب الشهير آنذاك عبد الحي حلمي، يشب الطفل على التعلق بليالي الجمعة، حيث تكثر الأفراح والليالي، وينتشر المطربون في مقاهي القاهرة «كان يتسلل من البيت مساء كل جمعة ويعود إليه مطلع الفجر». تمر الأيام ويتوفى خاله الذي لم يترك وراءه مليماً واحداً، فيجد الطفل صالح نفسه مسؤولاً عن مصروف البيت، ليدخل عالم الطرب والغناء، لتتحول حياته رأساً على عقب، لينضم لجماعة «الصهبجية»، ويقرر اعتناق لقب خاله بدلاً من والده، فأصبح من صالح عبد الجواد إلى صالح عبد الحي.
يتطرق الكتاب إلى مذكرات صالح عبد الحي التي تركها في أكثر من محل بالكتاب، منها ما كتب عن الغناء في أفراح باشوات وبكوات مصر في هذه الفترة: «كانت الأفراح تُضاء بالشموع، في كل نجفة توضع مائة شمعة تجعل الليل نهاراً. وأول فرح أضيء بالكهرباء غنيت فيه أنا»، وفي موضع أخر يتذكر عبد الحي الفرح الذي أحياه وحضره سعد باشا زغلول وحسين باشا رئيس الحكومة في ذلك الوقت، وهي شذرات يصفها الكاتب بأنها صورة بانورامية تعد واحدة من الوثائق التاريخية النادرة عن شكل الحياة المجتمعية في مصر آنذاك.
ثم يتوقف الكاتب عند محطة المسرح الغنائي الذي دخله صالح عبد الحي من باب الصوت، لا التمثيل، ليسير في ذلك على خُطى كل من سلامة حجازي وسيد درويش وغيرهما، حتى فتحت له سلطانة الطرب منيرة المهدية، باباً واسعاً بتقديمها له دوراً لأداء رواية «كليوباترا ومارك وأنطون» على المسرح، مروراً بقراره تأسيس فرقة مسرحية غنائية خاصة به حتى كانت الأزمة الاقتصادية التي أثرت على مناحي الحياة المختلفة، بما فيها المسرح، ومن رحم أزمة المسرح كان موعده مع وصلات الإذاعة والتسجيلات.
شهدت التسجيلات على القدرات الصوتية الهائلة لصالح عبد الحي، من حيث التطريب، وإضافة الزخارف الصوتية، والسلاسة في المرور بين المقامات، فقد قام بتسجيل الموال والدور والموشح والقصيد إلى جانب عدد من الطقاطيق. يستعيد مؤلف الكتاب كلمة المؤرخ كمال النجمي في وصفه «ويهز صالح رأسه، ويميل بطربوشه بيده يمنة ويسرة، وزره الحريري الأسود يهتز بعنف كأنه هو أيضاً مأخوذ بما يسمع، وبعد أن يُطلق صالح في (يا ليل ويا عين) طلقات متواليات كطلقات الرصاص أو كزخات المطر ينتشي عائداً إلى الدور في صوت يتصنّع الهدوء عقب تلك العاصفة من الليالي والعيون».
ولعل تلك المشهدية التي يصف بها النجمي أداء صالح عبد الحي في تماهيه الكامل مع الموال صوتياً وجسدياً، هو أحد مفاتيح تأمل حالة وشخصية صالح عبد الحي، التي احتفظ بها حتى بعد التحاقه بالإذاعة المصرية، يقول الكاتب «كان عموداً راسخاً، وصوته كان من بين أوائل الأصوات التي انطلقت على الهواء مباشرة في يومها الأول، إلى جانب صوت الشيخ محمد رفعت وأم كلثوم وموسيقى سامي الشوا ومحمد عبد الوهاب». وعبر هذا الأثير، كان عبد الحي يؤدي القوالب التقليدية في الغناء الشرقي، وكان متمسكاً بهذا اللون لدرجة التصادم، رافضاً التوجه لأنماط غنائية حديثة أكثر رواجاً، «كان صالح ينظر إلى الموسيقى الشرقية على أنها فصيحة أصيلة لديها مخزون ثقافي وإنتاجي هائل لا يمكن إهماله أو تجاوزه بأي شكل من الأشكال. فقد كان على خلاف مع حركة التجديد المتواصلة التي انتهجها محمد عبد الوهاب وفريد الأطرش، بينما كان شديد التأثر والحفاوة بكل من منيرة المهدية وأم كلثوم على سبيل المثال. وكان يحب صوت الشيخ محمد رفعت في الراديو أثناء ترتيل آيات القرآن الكريم. وكانت أحب الألحان إلى قلبه من محمد القصبجي وزكريا أحمد ورياض السنباطي وكذلك محمود الشريف».
يرصد الكاتب ملامح الانزواء والعزلة التي أحاطت بمغني «ليه يا بنفسج» و«بحر الصبابة» في نهايات حياته، ما بين مرض، وحياة اجتماعية فارغة من زوجة وأبناء، وجفاء الأصدقاء، وأحلام أخيرة بالغناء ولو بالمجان في سرادقات للناس لإسماعهم الطرب الشرقي الأصيل، مع زحف التيارات الجديدة التي لم ترق له، وفي خضم هذه المعاناة، يأتي الرحيل، عام 1962، ومعه يستدعي المؤلف أصواتاً ثمّنت صوت صالح عبد الحي وتجربته، منها صوت الأديب الراحل عباس محمود العقاد في قوله عنه «كان صوته كالماء العذب النقي، يأخذ من كل إناء لونه كما يأخذ من كل إناء شكله».



«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
TT

«الإغلاق المُبكر» يُعيد صياغة سهرات مصريين

«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)
«ممشى أهل مصر» أحد الأماكن السياحية المستثناة من قرار الإغلاق المبكر (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

مع انحسار أضواء الإسكندرية عند التاسعة مساءً، اصطحب الخمسيني نادر طه زوجته وأبناءه الـ3 إلى «الكورنيش»؛ لقضاء بعض الوقت في ظلِّ «الإغلاق المبكر» للمحال التجارية والكافيهات.

وقال طه، الذي يعمل مديراً للمبيعات بإحدى الشركات الخاصة، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن دائمو التردد على الإسكندرية، نحضر إليها من مسقط رأسنا بالشرقية بشكل دوري، هذه المرة صادف وجودنا تطبيق قرار الإغلاق المبكر، ولأننا نحب السهر، فكان البديل أمامنا خلال ساعات الليل هو جلسة الكورنيش؛ لتجنُّب الشعور بالضيق والملل في المنزل».

بطول امتداده؛ يشهد كورنيش الإسكندرية إقبالاً ملحوظاً من المواطنين هذه الأيام للتنزه وقضاء أوقاتهم في الهواء الطلق، وذلك عقب بدء تطبيق قرار غلق المحال التجارية في تمام الساعة التاسعة مساءً.

أحد شوارع الجيزة خلال فترة «الإغلاق المبكر» (الشرق الأوسط)

وتهدف الحكومة المصرية من قرار «الإغلاق المبكر»، الذي دخل حيز التنفيذ مساء السبت الماضي، لمدة شهر واحد، إلى «تقليل تداعيات الحرب الإيرانية، وفي مقدمتها ارتفاع أسعار النفط عالمياً».

وينصُّ القرار على «غلق المحال العامة كافة بما في ذلك المراكز التجارية (المولات) والمطاعم والكافيهات والبازارات، يومياً ابتداءً من الساعة التاسعة مساءً، عدا يومي الخميس والجمعة وأيام عطلات الأعياد والمناسبات الرسمية فيكون الغلق في العاشرة مساءً، مع استمرار خدمة توصيل الطلبات للمنازل».

وجاء توافد المواطنين على الكورنيش بوصفه المتنفس الرئيسي لأهالي المدينة، حيث فضَّل الكثيرون التجمع على البحر بعد أنْ أغلقت المراكز التجارية والمقاهي والكافيهات، المنتشرة بطول الكورنيش، أبوابها بحلول موعد الغلق.

كورنيش الإسكندرية متنفس رئيسي لأهالي المدينة (الشرق الأوسط)

ويأتي اللجوء إلى الكورنيش بوصفه حيلةً للتعامل مع الإغلاق المبكر، حيث اضطر «السكندريون» وضيوفهم إلى إعادة صياغة عادات السهر والتجمعات الليلية، فبينما كان المقهى أو المركز التجاري يُشكِّل مكاناً للتنزه يومياً، تحوَّل الكورنيش والأماكن المفتوحة إلى البديل الطبيعي، حيث يفضِّل كثيرون البحر والهواء الطلق مساحةً عامةً مجانيةً.

وهو ما يشير إليه الأب الخمسيني، مستكملاً حديثه: «جلستنا بالأمس على الكورنيش كانت بمنطقة محطة الرمل، واليوم اخترنا الجلوس على الصخور المواجهة للبحر بمنطقة كليوباترا، وما يشجِّعنا على تلك الجلسة هو وجود العشرات غيرنا، الذين يتردَّدون ليلاً هنا للاستمتاع بالهواء رغم الإظلام الجزئي على طريق الكورنيش، كما أن وجود بعض الباعة الجائلين، الذين نشتري منهم المشروبات، يُغنينا عن الكافيهات».

وقرَّر مجلس الوزراء، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، أخيراً تعديل مواعيد غلق المحال العامة لتكون الساعة 11 مساءً بدلاً من 9 مساءً، اعتباراً من الجمعة المقبل، 10 أبريل (نيسان) الحالي، وحتى الاثنين 13 أبريل 2026، وفق توصيات اللجنة المركزية لإدارة الأزمات بمناسبة أعياد المسيحيين.

ولا يقتصر التحول للأماكن المفتوحة على الإسكندرية، ففي القاهرة أصبح «كورنيش النيل» و«ممشى أهل مصر» والمنشآت السياحية به بمثابة «رئة» بديلة للمصريين، وكذلك السائحين العرب والأجانب، استجابةً بديلةً لقرار الغلق في مناطق العاصمة المصرية الأخرى، واستثناءً سياحياً، بعد أن أعلنت الحكومة استثناء المنشآت السياحية الواقعة على ضفاف نهر النيل داخل نطاق محافظتَي القاهرة والجيزة من الإغلاق.

المراكب النيلية تواصل رحلاتها وسط أجواء احتفالية (صفحة ممشى أهل مصر على «فيسبوك»)

يفتح الممشى أبوابه أمام الزوار الراغبين في استنشاق الهواء النقي والتمتع بمشهد المياه، ومعه يستعيد نهر النيل مكانته بوصفه متنفساً جماعياً، وبديلاً جاذباً لتغيير ثقافة السهر والتجمعات، كاسراً رتابة ساعات الليل المتأخرة، إذ تتحوَّل ممراته بعد التاسعة مساءً إلى الوجهة الأمثل للعائلات والشباب.

وتعكس المشاهدات الميدانية استمرار العمل بالممشى بكامل طاقته، فالمرافق والخدمات، بدءاً من منافذ التذاكر وصولاً إلى المطاعم والمقاهي المطلة مباشرة على النهر، تعمل بشكل كامل لما بعد منتصف الليل، بينما تواصل المراكب النيلية رحلاتها القصيرة التي تضفي أجواء احتفالية على المكان.

كذلك يبرز خلال أيام الإغلاق المبكر «ممشى الزمالك»، بوصفه «رئة» أخرى يتنفس من خلالها زواره روح وجماليات القاهرة، وسط أرستقراطية حي الزمالك. يحتلُّ الممشى موقعاً فريداً في مواجهة «ممشى أهل مصر»، وهو مناسب للنزهات العائلية، بعيداً عن صخب المدينة وضجيجها.

وبجوار الممشى، تفتح حديقة «المسلة» التراثية ذراعيها للزوار خلال ساعات الإغلاق، وهي خيار مثالي لمَن ينشد الهدوء والجمال في قلب القاهرة، إذ تجمع الحديقة عبق التاريخ والحداثة، كونها تضم مطاعم ومقاهي راقية، تمنح الزائر تجربةً استثنائيةً بينما تغلق مثيلاتها في أنحاء القاهرة.

الخبير السياحي، محمد فاروق، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «قرارات الإغلاق المبكر وإطفاء الأنوار في الميادين الرئيسية، بدأت تعيد صياغة سهرات المصريين والزوار الأجانب على حد سواء، فالقاهرة والمدن الساحلية المصرية كانت تُعرَف بأنها المدن التي لا تنام، فالحياة اليومية والفلكلور الشعبي الذي يملأ الشوارع ليلاً يمثلان جزءاً أصيلاً من المنتَج السياحي المصري، ولأنهما بَدَوَا مفقودَين هذه الأيام، لذا شهدنا إقبالاً لافتاً من المصريين والزوار على المساحات المفتوحة».

وتابع: «للأسف الشديد قرارات ترشيد الإنارة بالشوارع الرئيسية والأماكن العامة تحدُّ من وجود أماكن السهر، لذا لجأ كثيرون إلى ممشى أهل مصر بالقاهرة وكورنيش الإسكندرية، لاسيما أنه يتوافر فيهما الشعور بالراحة النفسية والحيوية».

ويبيِّن فاروق أنَّ قرار الإغلاق المبكِّر يوثر بالسلب على السياحة في مصر، مقترحاً بجانب استثناء المنشآت النيلية أن تكون هناك حلول أخرى، مثل أن يتم تنظيم حفلات في الأماكن التراثية والأثرية لتدارك الموقف، ولفتح أفق جديدة للترويج السياحي وللحد من أي آثار سلبية.

وانتقد مصريون قرار الإغلاق المبكر وإظلام الشوارع في ساعات الليل الأولى في مشاهد لم يعتادوها إلا خلال فترة إغلاق «كورونا» قبل نحو 6 سنوات.


فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
TT

فطائر وقهوة و«مرحاض أُصلح سريعاً»... يوميّات «أرتيميس 2» في مدار القمر

طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)
طاقم «أرتيميس 2» داخل الكبسولة «أورايون» (أ.ف.ب)

لا يعيش رواد الفضاء الذين يسبحون في مدار القمر في إطار مهمة «أرتيميس 2» حياة مختلفة كثيراً عما يجري على الأرض عادة، فهم مثلاً يأكلون الفطائر والكسكس ويلتقطون صوراً بهواتفهم المحمولة ويواجهون مشكلات في البريد الإلكتروني ويصلحون مرحاضاً معطّلاً.

وتستمرّ رحلة الأعضاء الأربعة من طاقم «أرتيميس 2» نحو عشرة أيّام في مدار القمر على متن كبسولة «أورايون» التي تساوي مساحتها مساحة شاحنة صغيرة، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الاستعداد لهذه المهمّة التي تقودها وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» بمثابة تحضّر للتخييم، على ما قالت كريستينا كوك.

ويضمّ الصندوق 58 فطيرة و43 كوب قهوة وبروكلي وصدور لحم مشوي مع خمسة أنواع من الصلصات الحادة، فضلاً عن شراب القيقب ذائع الصيت في كندا لأن أحد رواد الفضاء كندي.

لكن المرحاض تعرّض لمشكلة.

وخلافاً لمهمة «أبولو» التي لم يكن لروادها سوى أكياس لقضاء حاجاتهم تُرك بعضها على سطح القمر، تحظى طواقم «أرتيميس» بمراحيض فعلية.

وتولّت كريستينا كوك إصلاح المرحاض في الساعات الأربع والعشرين الأولى من الرحلة. وقالت، مساء الخميس: «أنا فخورة بأنني سمكرية الفضاء»، مضيفة: «اسمحوا لي بأن أذكّركم بأنه الجزء الأهمّ في المركبة. وقد تنفّسنا جميعاً الصعداء عندما حُلّ الوضع».

مشاكل معلوماتية

استخدام المرحاض يتسبب بجلبة كبيرة في المركبة إلى درجة ينبغي وضع سمّاعات لتجنب الضجيج عند استخدامها.

وصرّح جيريمي هانسن: «إنه المكان الوحيد الذي يمكننا أن نشعر فيه بالعزلة لفترة وجيزة».

وبعد المرحاض، واجه الطاقم مشكلات معلوماتية. وخلال بثّ حيّ لـ«ناسا» سُمع قائد المهمّة ريد وايزمن وهو يشكو من مشاكل في بريده الإلكتروني. وعولج الأمر من «مركز هيوستن» في تكساس.

وفي ظلّ انعدام الجاذبية، لا بدّ أيضاً من التفكير في كيفية النوم خلال رحلة تستمر عشرة أيام. وتمثل الحل في وضع أكياس نوم معلّقة بالجدران لتفادي السباحة في وسط المركبة.

وقال ريد وايزمن مازحاً: «تنام كريستينا ورأسها إلى الأسفل في وسط المركبة، مثل الوطواط المعلّق»، مشيراً إلى أن «الوضعية مريحة أكثر مما تعتقدون».

«كأنني طفل»

يؤثّر انعدام الجاذبية على اللياقة البدنية، لذا لا بدّ من التمرّن نصف ساعة في اليوم. وقد زوّدت المركبة بتجهيزات تشبه تلك المتوافرة في النوادي الرياضية.

وسمحت «ناسا» في الآونة الأخيرة باستخدام الهواتف الذكية على متن مركباتها الفضائية.

وقال مدير الوكالة جاريد آيزكمان في فبراير (شباط): «نعطي لطواقمنا فرصة الاحتفاظ بلحظات خاصة لعائلاتهم ومشاركة صور وتسجيلات ملهمة مع العالم أجمع».

وفي خضمّ مهمّة كلّفت مليارات الدولارات في ظلّ مواجهة جيوسياسية مع الصين، يبقى إعجاب البشر بالفضاء الخارجي طاغياً.

ولم يخف جيريمي هانسن في معرض ردّه على أسئلة الصحافيين فرحه، قائلاً: «أشعر كأنني طفل».

وعند إقلاع الصاروخ، قال فيكتور غلوفر وهو أوّل شخص أسود يسافر إلى القمر: «تحاولون الحفاظ على حسّ المهنية، لكن الطفل في داخلي يريد أن يطلق صيحات فرح».


مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
TT

مصر: ترميم مصحف نادر احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»

صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)
صورة للمصحف النادر بعد ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

احتفالاً بـ«يوم المخطوط العربي»، أبرزَ المتحفُ القومي للحضارة المصرية، أحدَ المصاحف النادرة الموجودة ضمن مقتنياته، ليُقدِّم نسخةً جديدةً منه بعد الترميم تُبيِّن جماليات الطباعة القديمة، وقيمة المخطوطات العربية النادرة.

وتحتفل كثير من المؤسسات في الوطن العربي بـ«يوم المخطوط العربي»، الذي يحلُّ في 4 أبريل (نيسان) كل عام تخليداً لأهمية المخطوطات العربية، وما حملته بين طياتها من أعمال أدبية ودينية وتاريخية وعلمية رسخت بها هوية التراث الثقافي العربي.

ويحتفظ «المتحف القومي للحضارة المصرية» بمجموعة من المخطوطات العربية النادرة، ومنها مصحف نادر عُثر عليه في «مسجد سيدي علي المليجي»، وتمت كتابته على ورق عالي الجودة، وقد رُمِّم جزء من هذا المخطوط بعد تنظيفه من خلال تقويته واستكمال بعض أجزائه المفقودة، وتجميع ملازمه بأسلوب الخياطة القديم نفسه، وفق بيان للمتحف، السبت.

وقد قامت بترميم المخطوط متخصصة الترميم بالمتحف، رحاب جلال.

المصحف النادر قبل وبعد الترميم (متحف القومي للحضارة المصرية)

وكان «المعهد العربي للمخطوطات»، قد أعلن الاحتفال بـ«يوم المخطوط العربي» وفق قرار من المعهد، التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، التابعة لجامعة الدول العربية.

وأشار المعهد، في فيديو تعريفي بـ«يوم المخطوط العربي»، إلى مرور 14 عاماً على الاحتفال بهذا اليوم الذي انطلق في 2013 تحت عنوان «رحلة إلى الماضي»، وحمل في كل عام اسماً مختلفاً مثل «ألف حكاية وحكاية»، و«أسرار من الماضي وأفكار للمستقبل»، والدورة الأحدث لهذا العام تحت عنوان «المخطوط العربي... رحلة التحول والتجديد».

وقدَّم المعهد دعوةً للمؤسسات المعنية في الوطن العربي وخارجه، من مكتبات وطنية وجامعات ومراكز بحثية وجمعيات ثقافية للمشارَكة في الاحتفال بالمخطوط العربي عبر تبادل الخبرات، وعرض المبادرات، وإبراز الجهود المبذولة لصون مخطوطات التراث.

غلاف المصحف الذي تم ترميمه (متحف القومي للحضارة المصرية)

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من الآثار الإسلامية، خصوصاً المخطوطات التي تتنوع بين كتب دينية وعلمية وتاريخية، وسبق أن أبرز جانباً منها في معارض مختلفة مرتبطة بالمناسبات أو الأعياد والمناسبات الدينية الإسلامية.

ويضم «المتحف القومي للحضارة المصرية» كثيراً من القطع الأثرية، لا سيما الإسلامية منها، التي تزخر بنماذج راقية من الفنون والزخارف والخطوط العربية، وتعكس تطور الكتابة وجمالياتها عبر العصور، بما يجعلها شاهداً حياً على عبقرية الفنان المصري، وقدرة اللغة العربية على التجدد والتألق.

كما يضم المتحف، الذي افتُتح عام 2021 في احتفالية ضخمة تمَّ خلالها نقل 22 مومياء ملكية إليه، وفق صفحة وزارة السياحة والآثار، مجموعةً متنوعةً من القطع الأثرية تلقي الضوء على التراث المادي واللامادي لمصر، مما يساعد الزائرين على فهم الحضارة المصرية عبر عصورها المختلفة بداية من عصور ما قبل التاريخ إلى العصور: المصري القديم، واليوناني، والروماني، والقبطي، والإسلامي، وحتى العصر الحديث، كما يضم المتحف قاعةً خاصةً للنسيج المصري.