دول أوروبية تفتح دور العبادة وأخرى تقاوم رفع القيود رغم الاحتجاجات

قرار بريطانيا فرض الحجر على الوافدين «يُؤسف» محيطها

جانب من مظاهرة تطالب برفع القيود في مدينة مالقا أمس (إ.ب.أ)
جانب من مظاهرة تطالب برفع القيود في مدينة مالقا أمس (إ.ب.أ)
TT

دول أوروبية تفتح دور العبادة وأخرى تقاوم رفع القيود رغم الاحتجاجات

جانب من مظاهرة تطالب برفع القيود في مدينة مالقا أمس (إ.ب.أ)
جانب من مظاهرة تطالب برفع القيود في مدينة مالقا أمس (إ.ب.أ)

نجحت الضغوط التي مارستها الهيئات الدينية في فرنسا على السلطات، تحديداً على وزارة الداخلية وشؤون العبادة، في حملها على تعديل مضمون قرار رفع الحظر التدريجي، الذي صدر في 11 من الشهر الحالي. كذلك، فإن الحكومة انصاعت لقرار مجلس شورى الدولة يوم 18 مايو (أيار)، الذي طلب منها إعادة النظر في القرار المذكور بعد الشكوى التي تقدمت بها جمعيات دينية تطالب بفتح دور العبادة وإقامة الشعائر الدينية فوراً، في حين كانت الحكومة تريد الانتظار حتى نهاية الشهر. وحسب قرار المجلس، فإن قرار الحكومة «يوجد (تمايزاً في التعامل) بين أماكن العبادة وبين الأماكن الأخرى التي سمح لها بأن تستقبل الجمهور». وأعطى المجلس الحكومة مهلة ثمانية أيام. إلا أن وزارة الداخلية استبقت انتهاء المهلة، ونشرت ليل الجمعة إلى السبت تعديلاً يتيح العودة إلى ممارسة الشعائر الدينية في الكنائس والمساجد ودور العبادة، بدءاً من أمس، شرط احترام مجموعة مشددة من تدابير الوقاية، مثل ارتداء الكمامة والتباعد الاجتماعي، وتوفير السوائل لتطهير الأيدي.
وحمّلت وزارة الداخلية سلفاً، السلطات الدينية، مسؤولية العودة إلى الصلوات الجماعية. وبالمقابل، منح التعديل محافظي المناطق حق منع إقامة الشعائر في حال عدم احترام التدابير الحكومية. ورغم نشر التعديل، فقد نصحت الوزارة المسؤولين الدينيين بانتظار الثالث من يونيو (حزيران) للعودة الجماعية إلى أماكن العبادة، انطلاقاً من مبدأ أن نتائج الخروج التدريجي من الحظر المفروض منذ 17 مارس الماضي على انتشار وباء «كوفيد - 19» لن تظهر قبل نهاية الشهر، وبالتالي من الحكمة الانتظار لمنع ظهور موجة وبائية جديدة يتخوف منها الجميع.
ومنذ أمس، بدأت بعض الرعيات المسيحية بإقامة القداديس، وسط توصيات مشددة من المسؤولين الدينيين. بيد أن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية، الذي يرأسه حالياً محمد الموسوي، سارع صباح أمس إلى نشر بيان يدعو فيه مسلمي فرنسا، البالغ عددهم حوالي 6 ملايين شخص، إلى الامتناع عن إقامة صلوات عيد الفطر في المساجد، والاكتفاء بالصلاة في المنازل، وفي إطار العائلة، وذلك عملاً بـ«المبدأ الأساسي، وهو المحافظة على الحياة». ومنذ البداية، بدا رئيس المجلس الإسلامي حريصاً على العمل بالتوصيات السابقة للحكومة، بما فيها انتظار نهاية الشهر الحالي لعودة المؤمنين إلى أماكن العبادة.
في المقابل، فإن رئيس مؤسسة مسجد باريس شمس الدين حفيظ، عبر علناً عن تحفظه، وهدّد بنقل الملف أمام القضاء، إذا لم تغير الحكومة مواقفها. وتفيد أوساط المجلس الإسلامي بأنه من الصعب الالتزام بتعليمات الحكومة لإقامة الصلوات بالنظر أولاً للحشود الكبيرة التي تجتمع في المساجد، وبالتقليد الإسلامي، حيث المؤمنون يصلون في الجوامع كتفاً إزاء كتف. يضاف إلى ذلك تبادل التهاني والمصافحات والمعانقات، وكلها تدفع إلى التخلي عن الحذر المطلوب للوقاية من انتشار الوباء. واستعاد الموسوي حجج وزارة الداخلية التي تدعو للتريث لتعرف نتائج الوضع المستجد منذ الرفع التدريجي لحالة الحظر التي فرضت قبل 70 يوماً. تجدر الإشارة إلى أن منطقة باريس ومحيطها، وثلاث مناطق أخرى في شمال وشرق البلاد، ما زالت تعتبر خطرة بسبب استمرار تفشي الوباء فيها، وهي تشكل المناطق «الحمراء» على خارطة الوباء التي رسمتها وزارة الصحة. وتأتي فرنسا في المرتبة الرابعة عالمياً «بعد الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا» لجهة أعداد الوفيات بحوالي 28.5 ألف وفاة، وفي المرتبة السابعة عالمياً لجهة أعداد المصابين بـ«كوفيد - 19» بأكثر من 145 ألف حالة.
- إسبانيا تسمح بدخول السياح في يوليو
أعلن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، أمس، أنّ حكومته ستفسح المجال أمام دخول السياح مجدداً بدءاً من شهر يوليو (تموز)، وذلك بعد الإغلاق العام الذي فرض في منتصف مارس (آذار). وقال في مؤتمر صحافي: «أعلن لكم أنّه بدءاً من يوليو، سيستأنف دخول السياح الأجانب في ظروف آمنة». وانتهجت إسبانيا خطوات حذرة ومتأنية لإعادة فتح اقتصادها، ما أثار غضب البعض في اليمين المتطرف. وشارك آلاف من قائدي السيارات والدراجات النارية في احتجاج في إسبانيا، أمس، وهم يطلقون الأبواق ويلوحون بالعلم الإسباني في موكب مر عبر العاصمة مدريد، في إطار احتجاجات في أنحاء البلاد دعا إليها حزب «فوكس» اليميني المتطرف للاعتراض على إجراءات العزل العام المفروضة لاحتواء فيروس كورونا المستجد، كما ذكرت وكالة «رويترز».
وبدأت إسبانيا، التي فرضت في 14 مارس، أحد أكثر إجراءات العزل العام صرامة في أوروبا، تخفيف القيود، لكن مدريد وبرشلونة بقيتا رهن العزل العام لمدة أطول، بسبب حدة انتشار المرض فيهما. وطالب المحتجّون باستقالة رئيس الوزراء بيدرو سانتشيز، ونائبه بابلو إيغليسياس، بسبب تعاملهما مع أزمة «كورونا»، وفرضهما العزل العام والضرر الذي لحق بسببه بالاقتصاد والوظائف. وألقى سانتياغو أباسكال، زعيم حزب «فوكس»، الذي قاد الموكب في مدريد، خطاباً بثّه الراديو، ليتمكن الناس من سماعه في سياراتهم، وقال إن الحكومة «مسؤولة بشكل مباشر عن أسوأ إدارة لتلك الأزمة في الكوكب».
وتستعد مدريد وبرشلونة لتخفيف القيود اعتباراً من يوم الاثنين مع تباطؤ حالات العدوى الجديدة. وسجلت إسبانيا حتى الآن 28628 وفاة بمرض «كوفيد - 19»، و234824 إصابة.
- حجر وحجر مضاد
أثار إعلان بريطانيا فرض حجر إجباري لمدة 14 يوماً على الوافدين إليها كثيراً من الجدل في أوساط الطيران، والسياحة، كما «أغضب» بعض الدول الجارة التي لم تحصل على استثناءات. وقالت وزارة الداخلية الفرنسية: «نأخذ علماً بقرار الحكومة البريطانية، ونأسف له». وأضافت الوزارة، في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية: «فرنسا مستعدّة لفرض تدبير مماثل، ما إن يدخل القرار حيّز التنفيذ من الجانب البريطاني». وجاء في بيان مشترك بين وزارات الداخلية وأوروبا والخارجية والصحة، مساء الجمعة، أنه «سيُطلب (من المسافرين الخضوع) لحجر صحي طوعي على سبيل المعاملة بالمثل». وأضاف البيان: «ستتمّ دعوة المسافرين القادمين من المملكة المتحدة، مهما كانت جنسيتهم، إلى الخضوع لحجر صحي لمدة 14 يوماً عندما يدخل التدبير البريطاني الذي أُعلن هذا المساء، حيّز التنفيذ».
ويربط بين فرنسا وبريطانيا خصوصاً قطار «يورو ستار»، الذي يعبر نفقاً تحت سطح بحر المانش. وكانت فرنسا أعلنت في 14 مايو أنها تنوي فرض حجر على المسافرين القادمين من إسبانيا على سبيل المعاملة بالمثل، إذ إن مدريد قررت فرض هذا التدبير على كل الوافدين من الخارج. وأشار البيان المشترك مساء الجمعة، إلى أنه «ستتمّ دعوة المسافرين الوافدين عبر الجوّ فقط، من إسبانيا اعتباراً من الاثنين، للخضوع لحجر صحي طوعي». وأضاف أن «ذلك يشمل المسافرين الإسبان والفرنسيين ومن كل الجنسيات».
وذكر البيان أن «حجراً طوعياً» سيُطرح على الفرنسيين أو المقيمين الدائمين في فرنسا القادمين من خارج دول الاتحاد الأوروبي في منزلهم، أو في مكان إيواء مخصص. ويُستثنى من هذا القرار، إلا في حال ظهور أعراض، مسافرو الترانزيت والعاملون الذين يعبرون الحدود بشكل دائم، وأفراد طواقم الطائرات، وسائقو شاحنات البضائع، وسائقو الحافلات والقطارات والعاملون فيها، وأفراد طواقم سفن التجارة والصيد. كما يستثنى العاملون في المجال الصحي الذين يساهمون في المعركة ضد «كوفيد - 19»، وأعضاء البعثات الدبلوماسية، والمنظمات الدولية التي تتخذ من فرنسا مقراً لها، وعناصر القوات الأمنية العائدون من مهماتهم والأشخاص الذين لديهم دافع عائلي مقنع.
وأياً كانت الدولة التي يسافرون منها، ينبغي على جميع المسافرين أن تكون بحوزتهم إفادة تنقّل دولية استثنائية وتصريح يؤكد عدم ظهور أعراض «كوفيد - 19». بالنسبة إلى المسافرين القادمين من خارج الاتحاد الأوروبي (كافة دول العالم باستثناء المملكة المتحدة وأندورا وآيسلندا وليشتنشتاين وموناكو والنرويج وسان مارينو وسويسرا والفاتيكان)، يشير البيان إلى أن «المبدأ الذي لا يزال قائماً اليوم وحتى إشعار آخر، هو إغلاق الحدود، وبالتالي منع الدخول».
- بلجيكا تدخل مرحلة متقدمة في تخفيف القيود
أعلنت رئيسة الحكومة البلجيكية، صوفي ويلموس، أمس، أن الحكومة تبحث تنفيذ المرحلة الثالثة والأخيرة من مراحل الخروج التدريجي من الحجر الصحي، على طريق إلغاء إجراءات الحظر التي كانت مفروضة منذ منتصف مارس الماضي. ونوّهت ويلموس إلى اجتماع يعقد في الثالث من يونيو لمجلس الأمن القومي البلجيكي، لاتخاذ قرارات تتعلق بالمرحلة الأخيرة التي ستشمل إعادة فتح المطاعم والمقاهي ودور العبادة، واستئناف بعض الأنشطة الرياضية والثقافية.
كانت المرحلة الأولى قد بدأت في الرابع من مايو، بعودة وسائل النقل العام، مع فرض ارتداء الكمامات، ثم شملت المرحلة الثانية في الحادي عشر من مايو خطوتين؛ الأولى سمحت بفتح المحلات التجارية في ظل الالتزام بشروط السلامة الصحية والسماح بزيارات عائلية تجمع أربعة أفراد كحد أقصى، والخطوة الثانية في 18 مايو أتاحت العودة إلى المدارس، وفتح المتاحف وحدائق الحيوانات وصالونات الحلاقة.
في غضون ذلك، يتواصل تراجع أرقام ضحايا «كورونا» في بلجيكا. وأعلنت وزارة الصحة ظهر أمس عن تسجيل 25 حالة وفاة خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة، وبالتالي يصل إجمالي الوفيات إلى 9237 شخصاً، بينما جرى تسجيل 299 حالة إصابة جديدة في البلاد، وارتفع بذلك العدد الإجمالي إلى ما يقارب 27 ألف إصابة مؤكدة.


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.