«الصحة العالمية» ترجئ اجتماعها إلى الخريف على وقع الخلاف الصيني ـ الأميركي

المدير العام لمنظمة الصحة تيدروس ادهانوم
المدير العام لمنظمة الصحة تيدروس ادهانوم
TT

«الصحة العالمية» ترجئ اجتماعها إلى الخريف على وقع الخلاف الصيني ـ الأميركي

المدير العام لمنظمة الصحة تيدروس ادهانوم
المدير العام لمنظمة الصحة تيدروس ادهانوم

لم تنفع المبادرة الاستباقية التي قام بها المدير العام لمنظمة الصحة العالمية ظهر أول من أمس (الاثنين) في الجلسة الافتتاحية للجمعية السنوية للمنظمة، في التخفيف من حدّة هجوم الإدارة الأميركية على الوكالة الدولية بسبب من «عدم استقلاليتها المقلقة تجاه الصين»، كما جاء في الرسالة التي بعث بها الرئيس دونالد ترمب إلى رئيس المنظمة مساء الاثنين، مهدّداً بقطع التمويل عنها بشكل دائم وإعادة النظر في انتماء الولايات المتحدة إلى عضويتها «إذا لم تحصل تحسينات جوهرية مهمة في الثلاثين يوماً المقبلة».
وكان الرئيس الأميركي قد كشف عن مضمون الرسالة من البيت الأبيض بعد ساعات من الكلمة التي ألقاها المدير العام لمنظمة الصحة تيدروس ادهانوم وأعلن فيها موافقته على الاقتراح الذي تقدّم به الاتحاد الأوروبي لإجراء تقييم خارجي مستقلّ وشامل لأداء المنظمة في تنسيق الجهود الدولية لمواجهة أزمة «كوفيد – 19»، والذي يهدف الأوروبيون من ورائه إلى نزع فتيل التصعيد بين واشنطن وبكين. وقال ترمب، إن إدارته قد شرعت في محادثات مع المدير العام للمنظمة تتناول كيفية إصلاحها، وحذّر من تضييع الوقت والمماطلة، ودعا إلى التحرك والعمل بسرعة.
وتستعرض رسالة الرئيس الأميركي التي تقع في 4 صفحات مجمل الإصلاحات التي تطالب بها واشنطن، وتشير في نهايتها إلى أن «السبيل الوحيد للتقدّم أمام المنظمة هو أن تبرهن فعلاً عن استقلاليتها تجاه الصين». وتجدر الإشارة إلى أن دونالد ترمب كان قد أعلن في الرابع عشر من الشهر الماضي تعليق التمويل الأميركي للمنظمة التي تساهم الولايات المتحدة بما يقارب 20 في المائة من ميزانيتها العادية؛ وذلك بسبب ما وصفه بأنه «سوء خطير في الإدارة وتعمّد عدم كشف الحقائق حول تفشّي الوباء في مراحله الأولى».
لكن لدى إعلان المدير العام للمنظمة عن موافقته على قرار الاتحاد الأوروبي، الذي يحظى بتأييد بلدان الاتحاد الأفريقي، وكندا، وروسيا، والمملكة المتحدة، والبرازيل، وأستراليا، واليابان، لإجراء تقييم تدريجي ومستقلّ ومحايد وشامل للمنظمة، قال «سأبادر في أقرب وقت مناسب لاستعراض العبر المستخلصة والخبرة المكتسبة ولرفع توصيات إلى الدول الأعضاء تساعد على تحسين الاستجابة والجهوزية على الصعيدين الوطني والعالمي في مواجهة الجائحات».
ثم أضاف «لكي يكون هذا التقييم شاملاً لا بد أن يتناول الاستجابة الكاملة لجميع الأطراف»؛ الأمر الذي اعتبرته واشنطن غمزاً من قناتها وتلميحاً إلى سوء إدارتها للأزمة؛ ما استدعى الرد العاجل والإنذار الذي أعلنه الرئيس الأميركي من البيت الأبيض.
وكان التقرير الأول الذي وضعته لجنة التقييم الاستشارية في منظمة الصحة، وهي هيئة مستقلة داخل الهيكل التنظيمي للوكالة، قد أشار إلى أن المنظمة أعلنت تحذير الطوارئ العالمي في 30 يناير (كانون الثاني) الماضي بعد زيارة تيدروس إلى الصين وتأكيد الخبراء بأن الفيروس ينتقل بين البشر، وأن انتشاره على الصعيد العالمي بات وشيكاً. لكن يشير التقرير أيضاً إلى أن البلدان لم يتحرّك معظمها بالسرعة الكافية والتدابير اللازمة لمواجهة الوباء واحتوائه، وأن حكومات كثيرة تعترف اليوم بأنها أخطأت في تقدير خطره.
ويقول مصدر دبلوماسي أوروبي رفيع، إن الرد الصيني على الموقف الأخير للرئيس الأميركي «نزل كالصاعقة في الأوساط الأوروبية» التي تجهد منذ أسابيع لتبريد جبهة المواجهة المفتوحة بين واشنطن وبكّين حول أزمة «كوفيد – 19»، والتي علّقت آمالاً كبيرة على مشروع القرار الذي قدمته أمام جمعية الصحة العالمية بهدف تخفيف حدة التوتّر بين الطرفين الأميركي والصيني اللذين كانا قد أبديا استعداداً للتجاوب مع مساعي التهدئة التي قادتها ألمانيا وفرنسا.
ويضيف المصدر الأوروبي الذي أشرف على مفاوضات الشوط الأخير حول مشروع القرار إن الرد الصيني هو تماماً ما كان ينتظره الرئيس الأميركي بعد تصعيده الأخير الذي يدرجه المراقبون في سياق حملته للانتخابات الرئاسية التي أصبحت على الأبواب وتعثّر إدارته في احتواء الوباء بعد أن تجاوز عدد الوفيّات الأميركية 90 ألفاً، وزاد عدد الإصابات المؤكدة عن 1.5 مليون، وسط مشهد اقتصادي قاتم لم تعرفه الولايات المتحدة منذ ثلاثينيات القرن الماضي.
وكان الناطق بلسان الخارجية الصينية زاو ليجيان قد صرّح أمس (الثلاثاء) بأن الرئيس الأميركي «يحاول يائساً التقليل من أهمية الجهود الصينية لاحتواء الوباء»، واتهمه بالكذب وعدم الكفاءة في إدارة الأزمة. وقال إن بكّين ستواصل مساعدة الدول النامية على مواجهة الوباء وتعزيز قدراتها الصحية، وأعلن عن برنامج واسع للتوأمة بين مستشفيات صينية وأخرى في القارة الأفريقية، وخطة لإنجاز المركز الأفريقي لمكافحة الأوبئة. وأضاف ليجيان، أن بلاده ستتعاون مع بلدان مجموعة العشرين لتنفيذ مشروع شطب ديون عدد من افقر البلدان، وقال إن الجهود الدولية يجب أن تنصبّ الآن على تطوير لقاح وإنتاجه على نطاق عالمي في أسرع وقت، ودعا إلى وقف ما وصفه بحملات التشهير المغرضة.
وقررت جمعية الصحة العالمية تعليق أعمال دورتها الثالثة والسبعين قرابة الساعة الرابعة من بعد ظهر أمس، على أن تستأنفها في وقت لاحق هذا أواخر الخريف المقبل. وتجدر الإشارة إلى أن هذه هي المرة الأولى التي تخصص فيها المنظمة جمعيتها السنوية لموضوع واحد منذ تأسيسها في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

- ترمب والدواء
وكان ترمب أعلن مساء الاثنين، أنه يتعاطى الدواء منذ أسبوعين كإجراء وقائي ضد كورونا. وقال: «أتناول دواء الزنك وهيدروكسي كلوروكين.. إنني بخير، وأتلقى الكثير من المكالمات الإيجابية حول هذا الموضوع فما الذي يمكن ان تخسره؟».
وسارع البيت الأبيض في اعقاب تصريحات ترمب إلى نشر تقرير للطبيب شون كونلي الطبيب الخاص بالرئيس الأميركي، أشار فيه إلى أن نتائج اختبار الإصابة بفيروس كورونا جاءت إيجابية لبعض العاملين بالبيت الأبيض المقربين من الرئيس. وأضاف أن الرئيس يتمتع بصحة جيدة وليست لديه اية اعرض ويتم اجراء اختبارات له بشكل منتظم وجميعها جاء نتيجته سلبية. وأوضح انه بعد مناقشات ضخمة بينه وبين الرئيس حول استخدام عقار هيدروكسي كلوروكين «وصلنا الى نتيجة ان فوائده أكثر من مخاطره».


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي في الطب

علوم بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

الذكاء الاصطناعي في الطب

نحو 64 % من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص.

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
صحتك المُحلّيات الصناعية الموجودة في المشروبات الغازية «الدايت» تُسبب في بعض الحالات تحفيز استجابة غير متوقعة لهرمون الإنسولين (بيكسلز)

ما تأثير المشروبات الغازية على العظام؟

يقبل الكثيرون على تناول المشروبات الغازية فيما تنتشر تحذيرات من أضرارها على الصحة خاصة العظام والأسنان.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
المشرق العربي تظهر الصورة المباني المتضررة نتيجة غارة عسكرية إسرائيلية بالقرب من مستشفى رفيق الحريري الجامعي بمنطقة الجناح في بيروت بلبنان يوم 22 أكتوبر 2024 (إ.ب.أ)

«منظمة الصحة»: المستلزمات الطبية ستنفد في بعض مستشفيات لبنان خلال أيام

قالت «منظمة الصحة العالمية»، اليوم (الخميس)، إن بعض المستشفيات في لبنان قد تنفد لديها مستلزمات الإسعافات ‌الأولية المنقذة ‌للحياة خلال ‌أيام

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الخليج تقدم السعودية الرعاية الصحية للمحتاجين وللمتضررين بغض النظر عن جنسهم أو عرقهم أو لونهم (واس)

جهود السعودية الإنسانية... نموذج مضيء في مساعدة الإنسان أينما كان

نفَّذت السعودية 2.247 مشروعاً تنموياً وإنسانياً وتطوعياً بقطاع الصحة في العديد من الدول حول العالم، بقيمة تجاوزت 6 مليارات و488 مليون دولار أميركي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي جنازة فلسطينيين قُتلوا بغارة إسرائيلية في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح وسط قطاع غزة (رويترز)

«الصحة العالمية» تعلّق عمليات الإجلاء الطبي من غزة بعد مقتل متعاقد معها

علّقت منظمة الصحة العالمية عمليات الإجلاء الطبي من قطاع غزة إلى مصر على خلفية «حادث أمني» أدى إلى مقتل أحد المتعاقدين معها.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...