فنان تتابع موجته ارتفاعها.. وآخر تجتاحنا أفكاره المجنونة

هوكوساي الاستثنائي الذي يأخذنا إلى الدهشة والماركيز دو ساد العنيف في معرضين

موجة كاناغارو لهوكوساي  -  التأثير الصيني في لوحة لهوكوساي
موجة كاناغارو لهوكوساي - التأثير الصيني في لوحة لهوكوساي
TT

فنان تتابع موجته ارتفاعها.. وآخر تجتاحنا أفكاره المجنونة

موجة كاناغارو لهوكوساي  -  التأثير الصيني في لوحة لهوكوساي
موجة كاناغارو لهوكوساي - التأثير الصيني في لوحة لهوكوساي

احتفت العاصمة الفرنسية، باريس، هذه الأيام بأعمال فنية مضى عليها 3 قرون ناجزة، ولم تزل حاضرة في صميم المشهد الثقافي العالمي.
الأعمال الأولى في «الغراند باليه»، معرض للفنان الياباني كاتسوشيكا هوكوساي (1749 – 1849) الذي يعد من أهم أعلام الفن التشكيلي الياباني، وتعد لوحته «موجة كاناغاوا العظيمة» التي رسمت بطريقة الرسم على ألواح الخشب، وهي واحدة من التقنيات القديمة في الفن الياباني، أيقونة فريدة من أيقونات الفن العالمي. أما الأعمال الفنية الثانية التي يعرضها متحف دورسيه فهي ليست لفنان تشكيلي إنما لكاتب يصعب تحديده بإطلاق واحدة من بين صفات الفكر والأدب، هو الماركيز دو ساد، أو دوناسيان ألفونس فرنسوا (1740 – 1814). والمعرض ليس له، إنما لأعمال حول كتاباته ومنجزه الأدبي والفكري الذي مثل تجاوزا لقيم عصره وحتى قيم العالم المعاصر، خارجا من المنظومة الأخلاقية المكرسة اجتماعيا، نحو عالم غرائبي وصل إلى حدود القتل من خلال استعمال وسائل تعذيب الجسد البشري، ما جعله مصطلحا علميا وفلسفيا متداولا في نواحي الحياة كافة.

* موجة هوكوساي
لا نعرف من هوكوساي سوى موجته العظيمة، موجة خرجت من البحر إلى اللوحة، ثم صمدت أمام الزمن ولم تصل إليها القنابل النووية التي ضربت اليابان في القرن الماضي. لكن إن كان لهذا المعرض، الذي يستضيفه «الغراند باليه» في باريس، وهو الأول، الذي يعرض أعمالا بهذا الشمول للفنان الياباني خارج بلده، غاية، فهي اكتشاف الاستثنائي في هذا الفنان الذي غاب قبل قرن ونيف تاركا آلاف الأعمال الفنية التي تتناول، بشكل خاص، الحياة اليومية للشعب الياباني في الفترة التي عاش فيها.
يذهب هوكوساي نحو الانطباعية المترسخة في الفن الياباني بشكل خاص، حيث استفاد أيضا، في معالجته للمفهوم الفني والأبعاد، من الرسومات الصينية. غير أنه لا يختلف كثيرا عن غيره، لا سيما أبناء جيله، سوى بالمواضيع التي تنحو أكثر فأكثر إلى إبراز قوة المشهد الذي يستخدم طاقة كبيرة لتلافي نسيان أي تفصيل، إضافة إلى رؤية خاصة جدا للموضوعات التي يتناولها، مما يضع الرائي أمام تحد فعلي يتعاظم شيئا فشيئا ليكون حالة من الدهشة، لا تمحى بسهولة ويسر، مثلما يحدث عادة لدى مشاهدة أعمال أخرى.
تختلف موضوعات هوكوساي المعروضة بعضها عن بعض، مكونة مراحل تأثره بالأشياء كلما تقدم في العمر، أو حتى تعرض لانتكاسات. إذ تظهر المرحلة الأولى رسوما دنيوية بالحبر الذي كان يستخدمه قبل عام 1829، حيث توفر عندها اللون الأزرق الثابت الذي صنع في ألمانيا بينما كانت الألوان، وخصوصا الأزرق قبلا، تبهت وتزول تدريجيا كلما مر عليها الزمن، حتى زوال اللوحة نهائيا أو أجزاء منها على أقل تعديل. وتعتبر المرحلة الثانية أحلام زوجات الصيادين، واحدة من أهم مراحل حياة هوكوساي، حيث خرج فيها عن المألوف والمتداول في الفن الياباني الذي يميل أكثر إلى المحافظة والانغلاق الأخلاقي الصارم. لكن هذه المرحلة على أهميتها لم تستمر طويلا، حيث رضخ هوكوساي لشروط السوق وعاد لرسم المشاهد الطبيعية للصيادين والطبيعة في مختلف أشكالها.
ختم هوكوساي حياته الفنية بمجموعة جبل فوجي المعروفة بمجموعة 36 منظرا لجبل فوجي المقدس، التي تنتمي إليها لوحة الموجة العظيمة. وهي المجموعة التي كرسته معلما كبيرا في ذلك الجانب البعيد من العالم. فقد تأثر بها كثر، وساعدت هذه المجموعة الانطباعيين الفرنسيين على مقارعة أصحاب الأسلوب الأكاديمي الممل. ذهب هوكوساي في هذه المجموعة إلى حفر انطباعيته الذاتية المعتمدة على مفاهيم فلسفية ودينية خاصة جدا تعتمد المزج ما بين قوة الطبيعية في كل حالاتها وقوة الصفاء الديني الذي ينعكس ثابتا في الطبيعة وما يحيطها، فموجة كاناغاوا التي تنتمي إلى هذه المجموعة تصور غضب الطبيعة العارم والذي لا يقاوم، من خلال البحر الذي يبتلع كل شيء في لحظات خروجه عن وقاره، بينما في وسطها ومن بعيد يظهر جبل فوجي هادئا وشامخا ولا يعكر ثباته شيء.

* العنف فكرةً وسلوكًا
ما من غير الممكن، بعد هذا المعرض التوثيقي الكبير، اعتبار الماركيز دو ساد جنحة أخلاقية في عالم الأدب. الرجل الذي عاش بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، بقي لعقود طويلة وصمة عار على جبين الأدب، ومحط دراسة واختبار من علماء النفس كحالة شاذة، لا مثيل لها، لا يمكن التعاطي معها سوى ضمن جدران الدراسات العلمية والجامعية لا غير. لكن هذا لم يدُم طويلا، جاء السرياليون ونبشوه وقرأوه، ثم أعادوا الاعتبار له كمفكر ساهم بوضع أسس الحداثة الأدبية. لم يكن أبولينير، السريالي الأول الذي أعاد الاعتبار لساد، ليهتم به لولا اعتباره أن ساد وفكره يشكلان أهم علامات القطيعة الفعلية مع الثقافة الغربية التقليدية المبنية على أسس أخلاقية، كان من شأنها أن تؤطر الفكر الغربي وكل ما يدور في فلكه. وقد ساهمت دراسة نشرتها السوربون في عام 1994 للورنس كومبا في تبيان جوهر العلاقة التي تشكلت بين أبولينير وساد لحظة اكتشاف الأول للثاني، ومدة استفادة الأول من الثاني في بناء السريالية التي تبعه فيها بريتون وإيلوار.
والحق أن المجاهرة بالماركيز دو ساد في الأوساط الاجتماعية، على الرغم من مرور قرنين على موته، بقيت حالة شاذة. ذلك أن هذا الكاتب الأرستقراطي وصاحب النزعات العنفية في الجنس، يشكل حتى يومنا هذا حالة شاذة. وعلى الرغم من الاعتراف به أديبا فرنسيا أعطى الأدب مادة مختلفة كليا عن غيره ومميزة إلى أقصى حدود التميز، فإنه ظل مبعدا عن كل ما يتعلق بالنشاطات الأدبية والفكرية، ولا يأتي ذكره سوى لماما، ويكتفي بدراسته طلاب المراحل العليا فقط. وفي حين أن البعض من المفكرين يعطيه أهميته كمفر تحرر من قيود المجتمع الغربي البطريركية، وذهب بعيدا جدا في حريته، إلا أن البعض لا يراه سوى كاتب بورنوغرافي شاذ لا معنى له ولا يجب أن يدخل إلى أي بيت.
يضع متحف دورسيه أمام رواد المعرض مادة غنية جدا حول ساد، تتألف من لوحات فنية تصور متخيلة عالم الكاتب الأرستقراطي، أو بورتريهات تصوره هو نفسه لكن تخيلا. إذ لا يوجد صورة رسمية له على مثال معظم سكان تلك الفترة الذين كانوا يرسمون وتضع صورهم في قصورهم، خصوصا أن الماركيز دو ساد كان ماركيزا حقيقيا من طبقة النبلاء، وكان عسكريا وصل إلى رتبة عقيد في جيش الملك وهو في التاسعة عشرة من عمره، غير أن المهم في المعرض ليس صورته الشخصية قدر اللوحات التي رسمها كبار الفنانين العالميين مثل بيكاسو الذي رسم لوحة - خطف سابين - التي بدا الاهتمام فيها داخل المعرض وتصدرته. إلى جانب غيرها من الأعمال السينمائية مثل الفيلم الذي أخرجه بازوليني (120 يوما لسدوم)، وهو أحد أهم نصوص ساد الذي يصل فيه الوصف الإيروتيكي إلى أقصى درجات العنف الجسدي وصولا إلى القتل. حيث كتبه أثناء سجنه في قلعة الباستيل الشهيرة التي كانت سجنا في عام 1785. ويذكر الكتاب الخاص بالمعرض أن هذا النص كتب على ورق شفاف طوله اثنا عشر مترا بخط دقيق جدا، وهربت المخطوطة إلى ألمانيا قبل أن تعود إلى أحد متاحف باريس في القرن الماضي.
دأب متحف درسيه لسنوات على تنظيم هذا المعرض الذي حتما سيقصر على النخبة والفضوليون الذين سمعوا عن ساد أو قرأوا أحد أعماله، لكن يبقى أن هذا الكاتب والمفكر الكبير عاش ما فكر فيه وما كتبه حرفيا وحتى الموت.



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.