فيلم عن ستانلي كوبريك بعد 21 سنة من رحيله

لا أحد يفهمه كما يفهم هو نفسه

ستانلي كوبريك خلال التصوير
ستانلي كوبريك خلال التصوير
TT

فيلم عن ستانلي كوبريك بعد 21 سنة من رحيله

ستانلي كوبريك خلال التصوير
ستانلي كوبريك خلال التصوير

ما الذي يجعل من البعض منّا حالة حاضرة حتى بعد غيابه البدني؟ طبعاً لكل منا فقيد يلازمه بذكراه وأفعاله ويحثه على الشعور بالخسارة الكبرى لفقدانه، لكن هناك فريق من الناس يتركون مثل هذا الأثر على الملايين في كل مكان ولسنوات طويلة.
سنجد أمثال هؤلاء في كل ضرب من ضروب الحياة. من فن العمارة إلى الفلك، ومن الأدب إلى علم الحساب ومن السياسة إلى الرسم أو من الموسيقى إلى العلوم البيولوجية. هناك عمالقة في كل هذه المضارب يتركون أثراً لا يُمحى بعد غيابهم. السبب الظاهر هو تميّـز أعمالهم. السبب الخفي هو كيف.
«كوبريك بأي كوبريك» (Kubrick By Kubrick) لغريغوري مونرو هو أحد تلك الأفلام المصنوعة حول أحد هؤلاء العمالقة. عرضه مهرجان ترايبيكا للنقاد على الإنترنت نظراً لإلغاء دورة المهرجان النيويوركي في مثل هذه الظروف.
- ناقد ومخرج
خلال 21 سنة منذ وفاته، صدرت العديد من الكتب والكثير من الأفلام التسجيلية التي تحدثت عن مخرج «القتلة» و«باري ليندون» و«عينان مغمضتان بإحكام» و«2001: أوديسة فضائية».
أحد أهمها كتاب ضخم صدر سنة 2009 بعنوان «إنسايكلوبيديا ستانلي كوبريك» وضعه جين د. فيليبس ورودني هِل، وحوى كل ما يمكن أن يكون له دلالة خفية أو ظاهرة في سينما وحياة المخرج الكبير. فيه ذكر لكل الموسيقيين الذين استعان كوبريك بأعمالهم أو كل الدلالات والأبعاد التي حفلت بها أفلامه وكل الذين تعاونوا معه من ممثلين أو مديرين تصوير. المواد المختلفة تحتوي على فقرة حول علاقة الرقابة بأعماله، وأخرى حول التقنيات التي استخدمها صوتاً وصورة وثالثة عن المونتاج ومن عمل معه في ذلك الإطار وأسلوبه. هذا عدا عن تحليل كل فيلم من أفلامه طويلاً وحسب منهج رصين وعلمي واثق.
أحد فقرات هذا المرجع يقع تحت اسم الناقد الفرنسي ميشيل سيمَن الناقد السينمائي الفرنسي الذي أجرى خمس مقابلات مطوّلة مع كوبريك تشكل محتوى الفيلم الجديد «كوبريك باي كوبريك».
حظى سيمَن بثقة كوبريك فاستقبله خلال التصوير وخارجه بضع مرّات ومنحه وقته لإجراء مقابلات مطوّلة معه مسجلة صوتاً وصورة ونراها ماثلة في هذا الفيلم التسجيلي الذي بحد ذاته وثيقة تؤرخ للمخرج كما تؤرخ للناقد تماماً كما كانت مقابلات الفرنسي الآخر فرنسوا تروفو مع المخرج الراحل ألفرد هيتشكوك.
نشر الناقد الفرنسي المعروف بعض هذه المقابلات في مجلة «لو إكسبرس» الأسبوعية ونشر بعضها الآخر في مجلته «بوزيتيف» الشهرية. في واحدة من هذه المقابلات يُخبر الناقد المخرج بأن فيلمه «باري ليندن» ينجز نجاحاً تجارياً جيداً في صالات باريس.
يستهجن المخرج الخبر ويسأل الناقد: «لماذا تخبرني بهذا؟ لا أستطيع فعل شيء حيال الأخبار السارة، فقط إذا ما كانت هناك أخبار سيئة أستطيع التدخل».
- خلال التصوير
«كوبريك باي كوبريك» هو كما يعني العنوان حديث لكوبريك يشرح فيه نفسه وأفلامه. هذا عوض أن يقوم نقاد وسينمائيون آخرون بشرحه في كتاباتهم أو أفلامهم كما جرت العادة قبل وبعد وفاة المخرج سنة 1999. أولى مقابلات سيمَن مع المخرج حدثت سنة 1968 عندما انتهى من تصوير «2001: أوديسة فضائية». منذ ذلك الحين خص المخرج ذلك الناقد المحظوظ بالمقابلات أكثر من سواه.
في الفيلم نلحظ أن الغالب في هذه المقابلات غياب الصورة. لم يجلس المخرج والناقد أمام الكاميراً لإجراء معظم هذه الحوارات، بل تم معظمها عبر لقاءات بين الإثنين وبينهما آلة تسجيل يعتمد عليها الفيلم الماثل أمامنا لاستخلاص ما دار بين الناقد والمخرج. على هذا الأساس فإن الشاشة الماثلة أمامنا تعرض النصوص وتعتمد على التسجيلات الصوتية كدليل دائماً.
ما يضيفه المخرج مونرو هو صور ثابتة ومتحركة ومشاهد من الأفلام كما من مكان التصوير بحيث يؤمّن التنوّع المطلوب للمادة الماثلة ويوظفها لإضافة مصوّرة للمعلومات الواردة في النص أساساً. بذلك هي استعانة زاخرة تؤرخ لفقرات الحديث وفحواه.
وإذا كان السائد عن كوبريك أنه لم يكن يحبّذ شرح أعماله، فإن هذا الفيلم هو فرصة نادرة لسماعه وهو يشرحها. لكن ذلك كله لا يشكل كل ما يحتويه الفيلم. في مرّات عديدة نفاجأ بمقابلات أجراها المخرج غريغوري مونرو مع ممثلين ارتبطوا بالمخرج أكثر من مرّة. وفي مرّات أخرى يعمد مونرو إلى الاستعانة بمشاهد من أفلام تم تصويرها للمخرج وهو يتابع تصوير أفلامه ويضع عينه على الكاميرا هنا أو يصدر أمراً هناك.
لكن ما يطلعنا عليه الفيلم هو أكثر من مناسبات التلصص على خلفيات التصوير أو متابعة الحوار القائم بينه وبين الناقد. نكتشف مثلاً أن المخرج، في بعض الأحيان، كان مستعداً لإجراء تغييرات في السيناريو خلال التصوير. هذا يعني استبدال ما في البال أو على الورق بفكرة طارئة (مثل الاستعانة بمشهد من فيلم Singing in the Rain لستانلي دونن (1952). أو التوقف عن التصوير ريثما يأتي المخرج بإجابة مقنعة لسؤال طارئ خطر له كما حدث خلال تصوير فيلمه الخيالي - العلمي الشهير «2001: أوديسة فضائية».
حين سأله الناقد عن سبب استعانته بالممثل رايان أونيل لبطولة «باري ليندن»، وهو فيلم تاريخي الفترة يدور حول شاب أدمن استغلال الفرص للوصول إلى الثراء والسُلطة، يجيب المخرج بأنه كان بحاجة لممثل مقنع في الدور: «الدور يتطلب ممثلاً وسيماً»، ثم يُضيف: «لم يكن بالإمكان أن أجد ما أبحث عنه في ممثلين آخرين كجاك نيكولسن».
غني عن القول أن مجرد الاستماع إلى كوبريك يتحدث عن أفلامه شارحاً ومحللاً يكفي لكي يُثير الفيلم الاهتمام. إنه مثل حديث أستاذ لطلابه وللراغبين في معرفة المزيد حول اختياراته. كوبريك لم يكن في يوم ما واحداً من أولئك المخرجين الذين يريدون الحضور في المناسبات الفنية والاجتماعية ملبياً حاجة الإعلام.
بل إن مقابلاته الصحافية كانت متباعدة. كان يختار ناقداً واحداً في إثر الانتهاء من تصوير كل فيلم ليجري معه المقابلة. بعد ذلك يعود إلى غموضه وعزلته.
هنا لا يكتفي «كوبريك باي كوبريك» بقوّة النص، بل يدلف مشاهد عدة من أفلام كوبريك لتفي بالغرض المنشود ولتذكرنا بقيمة سينمائي عاش منفرداً وأنجز أفلاماً منفردة أيضاً.
أثار كوبريك، كما يشهد الفيلم، أعصاب كل الذين عملوا معه، من الممثلة شيلي دوفال (في «ذا شاينينغ») إلى مدير التصوير راسل مَتي (خلال تصوير «سبارتاكوس») إلى الموسيقار ليونارد روزنمان الذي اضطر لإعادة كتابة قطعة موسيقية 105 مرات بناء على طلب المخرج خلال تصوير «باري ليندن»). لكن الجميع يدرك أنه كان يعمل بمقتضى مخرج متفنن في مراعاة التفاصيل. محترف أمين لرؤيته ومخرج يريد لكل تفصيل ولكل عنصر عمل أن يأتي تماماً حسبما يريده. وهذا ما جعله من المخرجين الأكثر تميّزاً حول العالم.


مقالات ذات صلة

«فم مليء بالذهب»... يوثق رحلة «الأخوين بلين» في عالم «الهيب هوب» بنيويورك

يوميات الشرق استغرق العمل على الفيلم عدة سنوات (الشركة المنتجة)

«فم مليء بالذهب»... يوثق رحلة «الأخوين بلين» في عالم «الهيب هوب» بنيويورك

قال المخرج البريطاني لايل ليندجرين إن الشغف الكبير بموسيقى وثقافة «الهيب هوب» منذ طفولته كان المحرك الأساسي وراء خروج فيلمه الوثائقي الجديد.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق مشهد من فيلم «أحلام البنفسج» المصنوع بالكامل بالذكاء الاصطناعي (شركة الإنتاج Fountain0)

سابقة سينمائية... فيلم إيراني مصنوع بالذكاء الاصطناعي يخترق «مهرجان تريبيكا العالمي»

للمرة الأولى في التاريخ يدخل الذكاء الاصطناعي المهرجانات السينمائية العريقة. والانطلاقة من «تريبيكا» الذي استضاف العرض الأول للفيلم الإيراني «أحلام البنفسج».

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق «يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

«يوم الكشف»... سبيلبرغ يعود إلى المستقبل بعين السبعينات

قبل نحو خمسين عاماً، وقف المخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ خلف كاميرا فيلم Close Encounters of the Third Kind (لقاءات قريبة من النوع الثالث) متأملاً السماء، باحثاً…

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق فيلم «صقر وكناريا» حظي باهتمام كبير بعد إطلاق البرومو الترويجي له (الشركة المنتجة)

انتعاشة قوية للأفلام الكوميدية خلال موسم الصيف السينمائي بمصر

يشهد موسم الصيف السينمائي بمصر، انتعاشة قوية للأفلام الكوميدية، وذلك بعد إعلان طرح أفلام جديدة يطغى على أحداثها اللون الكوميدي.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق يعد «المحطة» أول فيلم يمني يعرض في مهرجان «كان» (الشركة المنتجة)

سارة إسحاق: «المحطة» ينتصر لمثابرة المرأة في زمن الحرب

قالت المخرجة اليمنية سارة إسحاق إن فيلمها الروائي الطويل «المحطة» يعكس تعقيدات النفس البشرية وتناقضاتها.

أحمد عدلي (القاهرة )

رضا الباهي... مخرج البحث عن الهوية والذات

«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)
«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)
TT

رضا الباهي... مخرج البحث عن الهوية والذات

«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)
«جزيرة الغفران» (ماد سوليوشن)

في عام 1976 أُقيمت دورة من مهرجان خُصص لما عُرف آنذاك بالسينما البديلة في بلدة بيت مري اللبنانية. حضر المهرجان عدد كبير من المخرجين العرب الذين كانوا قد بدأوا العمل على نوع مستقل من الأفلام يضمن لهم حرية أكبر في التعبير والإبداع. وجاءوا من سوريا، ولبنان، ومصر، وتونس، والمغرب، ومناطق عربية أخرى.

وكان من بين الحاضرين المخرج التونسي رضا الباهي الذي قدّم فيلمه الروائي الطويل الأول «شمس الضباع». وقد استُقبل الفيلم جيداً لأنه تناول قضية اجتماعية محورها اختلاف الثقافات والاهتمامات بين مستثمرين أجانب يعتزمون إقامة مشروعات سياحية ومواطنين تونسيين يعملون في الصيد ويتمسكون بتراثهم وتقاليدهم، وهي تقاليد ستصطدم، بلا ريب، بالغزو المفاجئ لثقافة مغايرة.

المواطنون والقادمون بعد 50 عاماً على تقديم هذا الفيلم في مهرجان بيت مري، عاد الباهي ليعرضه في احتفال خاص أُقيم في «قصر الثقافة» بالعاصمة التونسية قبل أيام. وقال لي إثر العرض: «كان الإقبال جيداً، وكانت المناسبة فرصة لاستعادة قضايا ما زالت حاضرة إلى اليوم، تتعلق بالهوية الوطنية وبالهوية المغايرة».

رضا الباهي (عليا فيلم)

يتحدث «شمس الضباع» عن ازدواجية المعايير، ويكشف عن بعض جوانب العلاقة غير المتكافئة بين الوافد وابن البلد، وكيف أن سياسة الانفتاح التي بدأ العمل بها في مطلع السبعينات قد تؤدي إلى صدام بين تقاليد راسخة وقيم جديدة وافدة.

هذا الطرح للاختلاف الثقافي والمجتمعي بين أبناء تونس والقادمين إليها للسياحة أو الاستثمار ظل هاجساً حاضراً في أعمال المخرج التونسي اللاحقة. وقد تجلى كذلك في فيلمه القصير «عتبات ممنوعة»، الذي يروي حكاية تونسي اعتدى جنسياً على سائحة أجنبية بعدما شاهدها تتجول وحيدة بملابس غير محتشمة. ومن خلال هذا العمل يدين الباهي محاولة الاستثمار في السياحة والصناعة في بلد يحتاج، قبل ذلك، إلى تطوير أوضاعه المعيشية ومفاهيمه الاجتماعية.

وعبر هذين الفيلمين بدأ الباهي يجذب الأنظار إليه عربياً وأوروبياً. ويقول: «عُرض (شمس الضباع) 3 أشهر متواصلة في باريس. هذا أمر لم يعد يحدث للأفلام غير الفرنسية، ولا للأفلام العربية على وجه الخصوص».

بعد 7 سنوات قدّم الباهي فيلمه الثالث «الملائكة» (1983)، الذي لم يكن تونسياً بالكامل؛ إذ جاء تمويله من الكويت ومصر، وشارك فيه ممثلون مصريون، من بينهم مديحة كامل، وكمال الشناوي، وليلى فوزي. وصحيح أن الأحداث دارت في تونس، لكن الشخصيات وحواراتها كانت مصرية في معظمها. ورأى نقاد تونسيون أن الدافع التجاري طغى على العمل، وأن النتيجة جاءت مخيبة للآمال.

هشام رستم ومهدي باهي في «صندوق عجب» (عليا فيلم)

المواطنون في عام 1989 قدّم الباهي فيلم «وشم على الذاكرة»، الذي عاد فيه إلى معالجة أحداث تونسية خالصة. وطرح الفيلم مسألة تعدد الهويات الثقافية داخل بلد منفتح على اتجاهات عدة.

تدور الأحداث في تونس المستقلة حديثاً عام 1955. ويفاجئ الاستقلال مجموعة من الشخصيات الأجنبية المقيمة في تونس؛ فيقرر بعضها الرحيل في حين يختار بعضها الآخر البقاء. وترتبط المغنية بيتي (جولي كريستي) بعلاقة مع بول (بن غازارا)، لكنه ليس الوحيد الواقع في حبها؛ إذ يشارك ابنه غير الشرعي ونيس (باتريك برويل) هذا الشعور، ما يخلق صدى واضحاً للعقدة الأوديبية الشهيرة.

والفيلم أكثر من مجرد قصة حب؛ لأن ما يدور في أرجائه من عواطف ورغبات يرتبط بمسائل الانتماء، وبالرغبة في التحرر من الماضي حتى قبل أن تتشكل ملامح المستقبل.

أما فيلمه التالي فكان «السنونو لا تموت في القدس» (1994)، الذي جلب للمخرج متاعب إعلامية جديدة لأنه اختار تصويره في فلسطين المحتلة. وبذلك أصبح أول مخرج عربي من خارج فلسطين يقدِم على هذه الخطوة. ولاحقاً أنجز زياد الدويري فيلم «الهجوم» (2012) الذي صُوّر هناك أيضاً.

ومنذ ذلك الحين قدّم الباهي 4 أفلام اختلفت موضوعاتها وحكاياتها، لكنها انتمت جميعاً إلى المنحى نفسه المرتبط بالهوية والانتماء.

كان أولها «صندوق عجب» (2002)، وهو أقرب أفلام الباهي إلى سيرته الذاتية. فمثل بطله، الذي أداه هشام رستم، تزوج الباهي من امرأة فرنسية هي ماريان باسلر، وسعى الاثنان إلى بناء شراكة عاطفية وأسرية دائمة قبل أن تتصاعد الخلافات الناجمة عن اختلاف الرؤى والاهتمامات.

أما مشروعه الأكثر طموحاً فجاء عام 2004 عندما قصد لوس أنجليس والتقى مارلون براندو، عارضاً عليه بطولة فيلم «براندو... براندو»، الذي يدور حول شاب تونسي يشبه براندو ويسعى إلى الاستعانة به لتحقيق حلم التمثيل في هوليوود. لكن وفاة براندو قبل اكتمال المشروع حالت دون إنجازه، فعاد الباهي في عام 2011 إلى تلك التجربة من خلال فيلم «دايماً براندو». وفي كلا العملين يتواصل البحث في مسألة الهوية وتبعات اللقاء غير المتكافئ بين الشرق والغرب.

وفي عام 2016 نقل المخرج اهتمامه إلى سوريا التي كانت لا تزال تعيش أتون حرب أهلية ضارية، فأنجز فيلم «زهرة حلب». ثم قدّم في عام 2022 أحدث أفلامه حتى الآن، وأحد أفضلها، وهو «جزيرة الغفران»، الذي عاد فيه إلى قضايا الهويات والقوميات، داعياً إلى التسامح والتفاهم بين الشعوب والثقافات.


شاشة الناقد: سيرة حياة كوميدي ومشوار مرعب في دهاليز وغرف

رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)
رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)
TT

شاشة الناقد: سيرة حياة كوميدي ومشوار مرعب في دهاليز وغرف

رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)
رينايت رانزف في «باكرومز» (A24)

BACKROOMS

★★☆

• إخراج: كين بارسونز

الولايات المتحدة (2026) | رعب

عروض تجارية

لفيلمه الأول اختار المخرج كاين بارسونز (20 عاماً) تطوير سلسلة من الأفلام القصيرة التي أنجزها قبل سنوات قليلة تحت العنوان نفسه. وتقوم الفكرة على وجود شبكة من الغرف تقع فوق متجر كبير للأثاث وتحته، من دون أن يعرف الموظف كلارك (شيويتل إيجيوفور) شيئاً عنها. ووفقاً لوصف الفيلم، فإن هذه الغرف تمتد على مساحة لا نهائية تقريباً، وتتشعب على نحو يشبه أنفاق المترو.

كلارك، الذي يشعر بالاكتئاب بعدما تركته زوجته ولم تفهم الطبيبة النفسية ماري (رينايت رايسف) حقيقة أزمته، يكتشف جداراً يمكن اختراقه بمجرد ولوجه ليظهر على الجانب الآخر منه. حال يفعل ذلك يجد نفسه في غرفة أخرى ومنها - عبر باب أو نفق أو جدار آخر - ينتقل من غرفة إلى غرفة إلى ما لا نهاية. تتنوّع هذه الغرف مساحات ومكوّنات. بعضها ضيق. بعضها منزلق. بعضها الثالث فسيح وعارٍ من كل شيء. لا نوافذ تطل على الخارج لأن الخارج لم يعد موجوداً.

في نصف الساعة الأولى هناك تأسيس لما سيلي، وتقديم لشخصية كلارك المضطربة، وتصوير يوظِّف إضاءات جيدة وألواناً. كما يتميز العمل بتصاميم فنية لافتة للنظر. لكن ما إن يبدأ المشاهد بالتدقيق في التفاصيل حتى تنهال عليه أسئلة لا يمنحها الفيلم اهتماماً يُذكر. فمثلاً، يبقى من الغامض كيف يعثر كلارك في كل مرة على طريق العودة إلى الجدار الذي يفصل هذه الغرف عن متجر الأثاث.

وعندما تشك الطبيبة في روايته، يرافقه موظفان، شاب وفتاة في رحلة استكشافية مزودة بكاميرا للتوثيق. هنا يتحول السرد إلى وجهة نظر المصور الشاب الذي يسعى إلى تسجيل ما يراه بنفسه، قبل أن يختفي مع الفتاة، ثم يختفي كلارك لاحقاً. وبعد ذلك تتعرض الطبيبة بدورها لتجربة مرعبة عندما تقرر البحث عنه.

غير أن الرعب في هذا الجزء يختلف عما سبقه. فهو يعتمد على المطاردات الطويلة أكثر مما يعتمد على الغموض والاستكشاف اللذين ميزا النصف الأول. والفكرة في جوهرها سوريالية، والفيلم نفسه متاهة تبدأ ولا تنتهي، خصوصاً أن مشهده الأخير لا يوفر خاتمة واضحة.

وسط كل ذلك لا يقدم الفيلم معنىً أو بعداً درامياً يفسر ما يحدث أو يمنحه مغزىً أعمق. ومع ذلك يبقى التنفيذ البصري مثيراً للاهتمام خلال معظم مدة العرض، ويوفر قدراً جيداً من التشويق، خصوصاً في الخمسين دقيقة الأولى. أما بعد ذلك، فلا يقدم السرد مفاجآت حقيقية بقدر ما يكرر الحالة نفسها بصيغ مختلفة.

BEING EDDIE

★★★

إخراج: ‫أنغوس وول

• الولايات المتحدة (2026) | تسجيلي

إيدي مورفي يتحدّث عن نفسهمن بين ما يكشفه فيلم «كونه إيدي» الكيفية التي صعد بها إيدي مورفي إلى موقع الصدارة في الكوميديا الأميركية منذ أول دور رئيسي له في السينما عندما شارك نيك نولتي بطولة فيلم 48 ساعة. (إخراج وولتر هيل، 1982). وكان مورفي قد خرج لتوه من عباءة البرنامج التلفزيوني الكوميدي الأسبوعي «ساترداي نايت لايف»، بعد استحواذه على إعجاب غفير من قِبل مشاهدي هذا البرنامج الساخر.

إيدي مورفي في «كونه إيدي» (نتفلdكس)

لم يكن مورفي الخيار الأول لشركة إنتاج 48 ساعة (باراماونت)، لكن حضوره خلال التصوير أقنع الجميع بأنه كان الاختيار الصحيح.

يرد ذلك من خلال مقابلة مطولة مع مورفي داخل قصره الفسيح في إحدى هضاب لوس أنجليس. يتحدث خلالها عن نشأته ووالديه وبدايات اهتمامه بالتمثيل، وكيف قرر وهو لا يزال ولداً صغيراً أن يصبح ممثلاً. ثم ينتقل إلى الحديث عن مسيرته المهنية وعلاقاته بزملائه، ومن بينهم الكوميدي الراحل ريتشارد بريور.

ويتخلل المقابلة الرئيسية عدد من المقابلات مع ممثلين ومنتجين وأصدقاء، من بينهم أرسينيو هول، وديف تشابيل، وكريس روك، وجيمي فوكس.

بداية الفيلم واعدة؛ فموضوعه أحد أبرز نجوم الكوميديا الأميركية منذ الثمانينات وحتى اليوم، وهو ممثل ذاع صيته عالمياً بفضل خفة أدائه وسرعة بديهته وحضوره المميز. وإلى جانب ذلك، يستفيد الفيلم من خبرة مخرجه أنغوس وول، الذي فاز بجائزتي أوسكار متتاليتين في المونتاج: الأولى عن «The Social Network» عام 2011، والثانية عن «The Girl with the Dragon Tattoo» عام 2012.

يمنح المخرج الفيلم سرعة إيقاع وسهولة الانتقال ما بين المقابلات وما بين الوثائقيات المستخدمة. من يريد معرفة من هو إيدي مورفي فإن هذا الفيلم يساعده.

لا يوفر الفيلم نظرة حيادية ونقدية عن مسيرة الممثل. لا شيء يُذكر عن مستويات أفلامه (بعضها، مثل «48Hrs» و«Beverly Hills Cop» من أفضل كوميديات الفترة)، ولا صفحات مفتوحة عن علاقته مع مخرجيها. هذا لأن الفيلم مُدار باتفاق ما بين الممثل ومنتجي هذا الفيلم ينص على أن يتولى مورفي سرد ما يهمّه هو فقط من مسائل تُدرج تحت بند الدعاية الذاتية. هو متحدّث لبق والفيلم مسلٍّ، ومثير للمتابعة لمعظم الوقت. يحدد هذا التحكم ما يُروى وما يبقى طي الكتمان.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
TT

لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» (Star Wars: The Mandalorian and Grogu) في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً. أما الاستقبال النقدي فتوزّع على 3 فئات شبه متعادلة: معجبة، ومعجبة بحدود، وغير معجبة على الإطلاق (نقدنا في زاوية «شاشة الناقد» أدناه).

رغبة معاكسة

بصرف النظر عن مستوى الفيلم، يستدعي العمل، الذي أنجزه جون فافرو (من أفلامه Avengers: Endgame وIron Man)، نظرة قريبة إلى هذا المسلسل الذي انطلق للمرة الأولى على هيئة حلم صغير عند مخرجه جورج لوكاس. رفضت هوليوود تمويله إلى أن وافقت شركة «توينتيث سنتشري فوكس» على صرف 11 مليون دولار عليه. وكان الناتج مذهلاً، إذ سجَّل خلال أسابيع قليلة من صيف 1977 نحو 775 مليون دولار، أي ما يتجاوز 8 مليارات دولار بسعر الصرف اليوم، وحين كانت التذكرة لا تزيد على 5 دولارات في صالات العرض الأول.

كاري فيشر في أحد أشهر أدوارها السينمائية (توينتيث سنتشري فوكس)

ذلك الفيلم الأول من المسلسل لم يكن بداية عهد من الأفلام المتتالية التي استفادت من إقبال الجمهور عليها فحسب، وإنما أيضاً معالجة فكرية ترتدي ملابس الترفيه وتقدّم بين أحداثها المشوّقة نتفاً من المجازات الميتافيزيقية والميثولوجية. يتبدّى ذلك في الأفلام الثلاثة الأولى من بين الأفلام العشرة التي أُنجزت منذ ذلك التاريخ (وهي الأساسية، كون الإنتاج تمدَّد ليشمل شرائط فيديو وأفلاماً تلفزيونية ورسوماً). بعد ذلك، تداولت الأفلام اللاحقة المغامرة وبعض الإيحاءات الدرامية، مثل اللعب على علاقة الأب بالابن التي عكست علاقة المخرج بالسينما، كون لوكاس ابتعد عن وصية ورغبة والده (جورج واتسون لوكاس) ليشقَّ طريقه بنفسه.

لا بدَّ أنّ الضغط الذي واجهه برفضه الاقتداء برغبة والده قد ولّد فيه الحاجة إلى التعبير عنها. لم يعبّر عنها في أفلامه التي سبقت «ستار وورز» الأول، لا القصيرة منها (9 أفلام ما بين 1965 و1968)، ولا فيلميه الطويلين THX 1138 سنة 1971 و«أميركان غرافيتي» (1973).

جورج لوكاس... مهندس المجرة السينمائية التي انطلقت عام 1977 (ديزني ستوديوز)

تعدُّد أفكار

أخرج لوكاس أول هذه الأفلام («ستار وورز» الذي تغيَّر لاحقاً عنوانه إلى Star Wars: A New Hope تبعاً لتسلسل روائي لاحق). ثم اكتفى بإنتاج الفيلمين التاليين «الإمبراطورية تضرب مجدداً» (The Empire Strikes Back) لإرفين كيرشنر (1980) و«عودة الجيداي» (Return of the Jedi) لريتشارد ماركواند (1983).

غابت السلسلة سنة 1983 وعادت سنة 1999 بـ3 أفلام تسبق حكاياتها الثلاثية الأولى، ممّا جعلها تحمل الأرقام 4 و5 و6 عوضاً عن 1 و2 و3. ومنذ عام 2015، أُطلق عهد جديد من هذه الأفلام أقل قيمة فنية وفكرية من تلك الأولى.

في الأفلام الثلاثة الأولى المذكورة، منحى واضح لتجسيد بعض الشخصيات على نحو متّصل بالتاريخ هنا وبالواقع هناك. جيداي يمثل فيلسوفاً يونانياً تشبه تعاليمه تلك التي لدى أرسطو. والصراع بين الابن المتمرّد ضدّ الإمبراطور دارث فيدر يماثل تمرّد لوكاس الابن ضدّ أبيه، لكنه في الوقت عينه على علاقة بنظرية فرويد التي تقول إنّ الابن يميل إلى الأم أكثر من الأب، والابنة تميل إلى الأب أكثر من الأم. كذلك الحروب ذاتها تحمل سمات صراع الشعوب ضدّ مستبديها، ولو أنّ لوكاس هنا لا يحدّد ما بعد تلك الإشارة.

في «الإمبراطورية تضرب مجدداً» محاكاة للأجواء السياسية المعادية للعرب في ذلك الحين، ترتدي شكلاً عنصرياً واضحاً.

أبعد من ذلك، هناك حضور ديني قوي في الأفلام الأولى من السلسلة. هناك إيعاز بتجسيد الفيلم للمعنى الديني في الصراع بين الخير (مؤمنون) والشر (ملحدون). بل إنّ الأميرة ليا قُصد بها أن تكون رمزاً للسيدة مريم. وهذه بعض الأبعاد التي تتراءى في حال مشاهدة هذه الأفلام اليوم كما في الأمس.

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً

استيحاءات

الفيلم الأول من السلسلة وما تلاه من أجزاء ليست الأولى في السينما لناحية تقديم مغامرات فضائية. الصورة الكليّة لذلك العالم البعيد مثل مسافة، والقريب مثل أجواء سياسية أو اجتماعية حاضرة، نجدها في سلسلة أفلام «فلاش غوردون» في الثلاثينات والأربعينات، حيث الصراع بين عالم متمدّن وآخر معاد.

في الواقع، خطَّط لوكاس في الأساس لإعادة إخراج فيلم «فلاش غوردون» الذي حقّقه فريدريك ستيفاني سنة 1936 قبل أن يُنجز «ستار وورز».

إلى جانب «فلاش غوردون»، هناك استيحاء من حكاية «الباحثون» (The Searchers) لجون فورد (1956)، ومن فيلم أكيرا كوروساوا «القلعة المخفية» (The Hidden Fortress) سنة 1958. هذا الفيلم الياباني هو الأقرب بوصفه حكاية، إذ يدور حول رجلين يسعيان إلى مساعدة أميرة على استعادة عرشها... كما الحال في «ستار وورز».

الأفلام السبعة اللاحقة (آخرها «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو»، 2026) اعتنت بتطوير العمود الفقري للحكاية على نحو أفقي ينهل من الفرص المتاحة للالتزام بالمغامرات والصراعات أكثر من منحها معانيَ ورموزاً. والهم كذلك كان تطوير المؤثرات البصرية وكل ما له علاقة بالخدع البصرية وفنون التحريك، لإبقاء حوافز المُشاهدة والحفاظ على هواة السلسلة أعلى في كل جزء جديد من سابقه.