آمال إنتاج لقاح «كوفيد ـ 19» تتضاءل... وخيار «التعايش مع التهديد» يقترب

الخبرات السابقة تدعم السيناريو السيئ

آمال إنتاج لقاح «كوفيد ـ 19» تتضاءل... وخيار «التعايش مع التهديد» يقترب
TT

آمال إنتاج لقاح «كوفيد ـ 19» تتضاءل... وخيار «التعايش مع التهديد» يقترب

آمال إنتاج لقاح «كوفيد ـ 19» تتضاءل... وخيار «التعايش مع التهديد» يقترب

سجلت الصين أول إصابة بأحد فيروسات عائلة كورونا، وهو فيروس المتلازمة التنفسية الحادة الوخيمة (سارس) في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2002، قبل أن يتحول إلى تهديد عالمي في مارس (آذار) من عام 2003، ورغم مرور 17 عاماً على هذا التاريخ، لم ينتج العالم أي لقاح لهذا الفيروس، فلماذا يتم التعويل الآن على إنتاج لقاح خلال أقل من عام لأحدث أعضاء عائلة كورونا، وهو فيروس «كورونا - سارس - 2»، الذي يعرف أيضاً باسم «كوفيد - 19»؟
قد يكون الرد على مثل هذا السؤال، بأن فيروس «سارس» وإن كانت شدته تفوق العضو الحديث من عائلة كورونا، فإنه لم ينتشر مثل «كوفيد - 19» وبالدرجة التي تحفز العالم على المضي قدماً في طريق إنتاج اللقاح، ولكن الحقيقة أن العالم فشل في إنتاج لقاح لـ«سارس».
واللقاح الناجح هو الذي «ينشط استجابة مناعية تتجه نحو الخلايا التي يستهدفها الفيروس، وإذا أثار اللقاح استجابة تفتقد تلك الخلايا، تكون النتيجة أسوأ مما لو لم يتم إعطاء اللقاح، وهذه كانت إحدى المشكلات التي حالت دون المضي قدماً نحو إنتاج لقاح لـ«سارس»، حيث تسببت تجارب على الحيوانات أجريت باستخدام أحد اللقاحات في التهاب بالرئتين، ولم يكن ليحدث ذلك، إذا لم يتم إعطاء اللقاح، كما يقول د. إيان فريزر من جامعة كوينزلاند بأستراليا، وهو أحد الذين شاركوا في التطوير الناجح للقاح لفيروس الورم الحليمي البشري الذي يسبب سرطان عنق الرحم، بعد أن عمل مع آخرين لسنوات.
ويوضح د. فريزر في تقرير نشره موقع هيئة الإذاعة الأميركية في 27 أبريل (نيسان) الماضي، أن المشكلة التي حالت دون إنتاج لقاح لسارس، هي ذاتها التي تواجهنا الآن، فالفيروس يستهدف في البداية الجهاز التنفسي العلوي، وهي منطقة صعبة لاستهداف اللقاح».
وتكمن صعوبة هذه المنطقة في أن لديها نظام مناعة منفصلا، لا يمكن الوصول إليه بسهولة عن طريق اللقاحات، فالجهاز التنفسي يعتبر سطحاً خارجياً عن الجسم، مما يجعل من الصعب استهدافه لأغراض التحصين، فالمسألة تشبه إلى حد ما محاولة الحصول على لقاح لقتل فيروس على سطح البشرة، كما يؤكد فريزر.
ويقول: «البشرة والطبقة الخارجية من الخلايا في الجهاز التنفسي العلوي يعملان كحاجز ضد الفيروسات، لمنع دخولها إلى الجسم، وإيجاد طريقة لتحييد الفيروس خارج الجسم أمر صعب للغاية، ويرجع ذلك لأن الطبقة الخارجية فقط من الخلايا (الخلايا الظهارية) هي التي تصاب بالعدوى، وهي مقارنة بالعدوى الحادة للأعضاء الداخلية لا تنتج الاستجابة المناعية نفسها، لذلك يصعب استهدافها».
ولأنه «من الصعب إنتاج لقاح ناجح إذا لم ينشط الفيروس استجابة مناعية قوية، فإن كثيرا من خيارات إنتاج اللقاح تبدو غير عملية ولن تؤدي إلى نتائج»، كما يؤكد فريزر.
وفي الوقت الحالي، تعمل الفرق البحثية في جميع أنحاء العالم على تقنيات مختلفة في تطوير اللقاح، من قتل الفيروس واستخدامه في اللقاح كما نفعل مع الإنفلونزا، إلى استخدام الحمض النووي الريبي الرسولي لتحفيز الخلايا المصابة على إنتاج الأجسام المضادة، لكن واقع تطوير اللقاح هو أن الكثيرين يفشلون قبل تطوير ناجح، كما يتنبأ د. البروفسور فريزر.
ويقول: «المرشح الأكثر احتمالاً سيكون لقاحاً يستخدم جزءاً من الفيروس المرتبط بمادة كيميائية للحث على الاستجابة المناعية أو ما يطلق عليه لقاح (الوحدة الفرعية)».
ولكن حتى هذا اللقاح إذا تم إنتاجه، فإنه لن يوفر الحماية الأبدية من الفيروس، وعلينا للتأكد من ذلك العودة إلى ما نعرفه عن الفيروسات التاجية الأخرى التي تسبب نزلات البرد، وفقاً للدكتور فريزر.
ويقول: «نعم، نحصل على أجسام مضادة بعد عدوى نزلة البرد، ونعم تستمر لفترة، لكنها ليست مدى الحياة. إنها تكون لعدة أشهر وليس لسنوات».
ويضيف: «أعتقد أنه سيكون من الإنصاف أن نقول إن المناعة الطبيعية التي تحصل عليها بعد الإصابة بهذا الفيروس التاجي ربما ستتحول مثل الفيروسات التاجية التي رأيناها في الماضي، حيث ستكون هناك بعض الحماية الطبيعية على مدى أشهر، وربما حتى سنوات، لكنها لن تكون مدى الحياة».

تأكيد بريطاني
هذه الحقائق التي ذكرها د. فريزر، أشار إلى بعضها كبير الأطباء في المملكة المتحدة، كريستوفر ويتي، أمام لجنة برلمانية يوم الجمعة، حيث قال: «هناك أدلة مثيرة للقلق، تشير إلى أنه قد لا يكون من الممكن تحفيز المناعة ضد الفيروس».
قال ويتي: «السؤال الأول الذي لا نعرف إجابته هو: هل تحصل على مناعة طبيعية ضد هذا المرض لفترة طويلة من الزمن إذا كنت قد عانيت منه؟» واستطرد: «نحن ببساطة لا نعرف، وهذا لا يجعل الوصول لإنتاج اللقاح مستحيلاً، ولكنه يجعله أقل احتمالاً في الوقت الحالي».
تستند الشكوك حول إمكانية وجود لقاح قابل للتطبيق إلى حد كبير على حقيقة أنه لم تتم الموافقة على أي لقاح للاستخدام في الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة ضد أشكال أخرى من فيروسات التاجية.
وأبلغ ويتي اللجنة أن الأدلة من أشكال أخرى من فيروسات التاجية هي أن «الحصانة ضد الفيروس تتضاءل بسرعة نسبية».
وقال إن العالم بحاجة إلى «توخي الحذر لأننا لا نفترض الحصول على لقاح لهذا المرض يكون فعالاً مدى الحياة مثل الحصبة».
وألقت منظمة الصحة العالمية يوم السبت الماضي أيضاً بظلال من الشك على احتمال تحريض المناعة ضد الفيروس، وقالت المنظمة في بيان حول خطط بعض الحكومات لإدخال ما يسمى «جوازات مناعة» لمن أصيبوا بالفيروس سابقاً في بيان: «لا يوجد حالياً أي دليل على أن الأشخاص الذين تعافوا من الفيروس ولديهم الأجسام المضادة محميون من عدوى ثانية».
وفي مقابلة مع «الأوبزرفر»، قال ديفيد نابارو، أستاذ الصحة العالمية في إمبريال كوليدج، إن «على العالم أن يدرك أن اللقاح قد لا يكون ممكناً».
وقال للصحيفة: «أنت لا تطور بالضرورة لقاحاً آمناً وفعالاً ضد كل فيروس، فبعض الفيروسات شديدة الصعوبة عندما يتعلق الأمر بتطوير اللقاح، لذا في المستقبل المنظور، سيتعين علينا إيجاد طرق للتعامل مع هذا الفيروس كتهديد مستمر».
العلاج أهم وتنتمي المادة الوراثية لهذا الفيروس إلى النوع الذي يعرف باسم الحمض النووي الريبوزي RNA، وهو أخطر من الأنواع الذي تكون مادتها الوراثية DNA، كما يقول د. تامر سالم، أستاذ العلوم الطبية الحيوية بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا بمصر.
وتشهد الأنواع التي تكون مادتها الوراثية هي الـRNA، مثل فيروسات الإنفلونزا وفيروس التهاب الكبد الوبائي (سي)، طفرات تجعل الفيروس يغير من شكله من حين لآخر، وهذا يجعل هناك صعوبة في إنتاج اللقاح.
ويقول: «لا يوجد لقاح ثابت للإنفلونزا، ولكن يوجد كوكتيل يضم الطفرات التي تحدث في الفيروس، وتتغير خلطة هذا الكوكتيل من عام لآخر، لذلك فإن الأقرب في حال إنتاج لقاح، أنه لن يكون ثابتاً، ولكن ستغير من عام لآخر لملاحقة الطفرات التي قد تحدث في الفيروس».
ويرى سالم أنه مثل فيروس سي، الذي لا يوجد لقاح له إلى الآن، ولكن يوجد علاج، سيكون من الأهم هو التركيز على إنتاج علاج يوقف تضاعف المادة الوراثية الخاصة بالفيروس، كما يفعل دواء «سوفوسبوفير»، الخاص بالتهاب الكبد الوبائي.
ويبدو أن منظمة الصحة العالمية تدرك هذه الصعوبات، ورغم أن مدير الطوارئ بإقليم شرق المتوسط د. ريتشارد برينان، قال في مؤتمر صحافي نظمه الإقليم أمس، إنه يوجد 108 لقاحات قيد التطوير، منها 8 لقاحات حالياً في مرحلة التجارب السريرية، إلا أنه شدد أكثر من مرة خلال المؤتمر على أن العالم لا يزال يتعلم الجديد كل يوم عن الفيروس.
وأشار إلى أن العالم يتجه إلى التعايش مع الفيروس، مشيراً إلى بعض الضوابط التي ينبغي أن يتم الالتزام بها ونحن نفعل ذلك، منها تأكد الدول من قدرة مستشفياتها على استيعاب الأعداد الكبيرة من المصابين، وتطبيق إجراءات التباعد الاجتماعي في أماكن العمل، وأن يكون النظام الصحي قادراً على رصد المرض وتطوراته.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».