المفوضية الأوروبية تدعو أعضاءها إلى تنسيق تدابير استئناف الطيران

تلاميذ يتلقون درساً في غابة قرب يوبي بمقاطعة دروم في جنوب شرقي فرنسا (أ.ف.ب)
تلاميذ يتلقون درساً في غابة قرب يوبي بمقاطعة دروم في جنوب شرقي فرنسا (أ.ف.ب)
TT

المفوضية الأوروبية تدعو أعضاءها إلى تنسيق تدابير استئناف الطيران

تلاميذ يتلقون درساً في غابة قرب يوبي بمقاطعة دروم في جنوب شرقي فرنسا (أ.ف.ب)
تلاميذ يتلقون درساً في غابة قرب يوبي بمقاطعة دروم في جنوب شرقي فرنسا (أ.ف.ب)

منذ تأسيسه لم يشهد الاتحاد الأوروبي تعقيدات في حركة التنقّل داخل حدوده كالتي يشهدها منذ بداية أزمة «كوفيد19»، التي تضع المواطن الأوروبي أمام تساؤلات عديدة حول: متى وكيف ستُستأنف حركة الطيران والسفر بين البلدان الأعضاء التي أقفلت حدودها منذ نحو شهرين لاحتواء الوباء ومنع انتشاره؟
وبعد إقفال الحدود الداخلية الذي عطّل اتفاقية «شنغن» لتنقّل الأفراد والبضائع بحرية بين بلدان الاتحاد، تستعدّ بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لفرض حجر صحّي على الآتين إليها قبل استئناف حركة النقل الجوي المشلولة منذ شهرين.
وبينما تجد المفوضية الأوروبية نفسها عاجزة في الوقت الحاضر عن فرض إجراءات موحّدة على الدول الأعضاء، دعت أمس الثلاثاء إلى التنسيق الوثيق بين الحكومات والاستناد حصراً إلى المعايير العلمية والصحيّة، وكانت بعض العواصم الأوروبية تضع اللمسات الأخيرة على اتفاقات ثنائية تعفي مواطنيها من إجراءات الحظر، متجاهلة توجيهات المفوضية بعدم التمييز بين المواطنين واعتماد معيار التناسب أساساً لقرارتها.
المفوضيّة لا تعترض على الاتفاقات الثنائية التي يجري التفاوض عليها حالياً بين الدول الأعضاء، كما يستفاد من الوثيقة التي ستعرض اليوم الأربعاء في بروكسل على مجلس وزراء النقل والتي اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، خصوصاً أن تدابير الحجر الصحي هي من الصلاحيات الحصرية للدول الأعضاء وتقع كلّياً خارج سلطة المؤسسات الأوروبية. لكن المفوضّية تحذّر في الوثيقة من أنه «في حال إبرام اتفاقات ثنائية بين الدول للإعفاء من الحجر الصحي، فيجب ألا تكون هذه الاتفاقات خاضعة لاعتبارات سياسية أو مصالح تجارية تتعلّق بسوق القطاع السياحي، ومستندة بشكل حصري إلى الاعتبارات الوبائية في دولة المنشأ التي يبدأ المسافر رحلته منها».
وكان الخوف من موجة وبائية ثانية تقضي على جهود شهرين من العزل الصارم وتعيد الأنظمة الصحية المنهكة إلى المربّع الأول وتفاقم الوضع الاقتصادي المنهار، قد دفع ببعض الحكومات الأوروبية إلى فرض إجراءات متشددة على القادمين إليها من الخارج. وكانت فرنسا السبّاقة في الإعلان عن فرض حجر صحي لفترة أسبوعين على الوافدين إليها، لكن بعد الضغوط التي تعرّضت لها تراجعت واستثنت من قرارها مواطني الاتحاد الأوروبي وبريطانيا. وفيما قالت باريس إنها قد تفرض الحجر الصحي على مواطني دول أوروبية إذا تدهور الوضع الوبائي من جديد، قررت بريطانيا اعتماد التدبير نفسه لكنها لم تستثن منه سوى فرنسا وآيرلندا.
كل الدلائل تشير إلى أن الاتفاقات الثنائية بين البلدان هي التي ستحكم مرحلة استئناف حركة الطيران المدني داخل الاتحاد الأوروبي. فقد أعلنت إسبانيا أمس الثلاثاء أنها ستفرض الحجر الصحي لفترة أسبوعين على المسافرين الوافدين إليها بدءاً من يوم الجمعة المقبل، في الوقت الذي قالت فيه وزيرة النقل الإيطالية باولا دي ميكيلي إن فرنسا وألمانيا وإسبانيا وإيطاليا تتفاوض على اتفاق رباعي يسمح باستئناف الرحلات الجوية بينها من غير فرض تدابير صحيّة بدءاً من مطلع الصيف المقبل.
خبراء المفوضيّة الأوروبية يخشون من أن هذه الاتفاقات تميّز لصالح مواطني الدول التي تملك قدرة أكبر على التفاوض، ويدعون الدول الأعضاء التي تفرض تدابير الحجر الصحي على الوافدين إليها إلى أن «تطبّق التدابير نفسها على مواطني الدول التي تتشابه أوضاعها الوبائية».
ومن المنتظر أن تقدّم المفوضية اليوم في مجلس وزراء النقل والسياحة خطوطها التوجيهية للقطاع السياحي في محاولة للتخفيف من الأضرار الجسيمة التي لحقت بهذا القطاع الأساسي في كثير من الدول الأعضاء.
وكانت شركات النقل الجوي الأوروبية قد حذّرت من أن فرض إجراءات إلزامية للعزل قد يؤدي إلى إفلاس كثير من هذه الشركات التي أعلن بعضها عن نيته استئناف رحلاته مطلع يوليو (تموز) المقبل. ويتوقّع المسؤولون في المفوضية الأوروبية معركة حامية في الأسابيع المقبلة حول تدابير الحجر الصحي علـى المسافرين، فيما تجهد الحكومات للموازنة بين واجباتها في حماية صحة المواطنين وإنقاذ قطاع السياحة الذي يشكّل 11 في المائة من إجمالي الناتج المحلي الأوروبي و12 في المائة من فرص العمل.
وكانت المفوضية الأوروبية قد أعلنت يوم الأربعاء الماضي أن الأولوية المطلقة في الجهود التي يبذلها الاتحاد لمساعدة البلدان الأعضاء على النهوض من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن «كوفيد19»، هي لقطاع السياحة الذي ينتظر أن يحصل على 25 في المائة من هذه المساعدات.



روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
TT

روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)

ذكرت وكالة الإعلام الروسية، الخميس، أن موسكو ستطلب من الولايات المتحدة وإسرائيل ضمان وقف إطلاق النار أثناء قيامها بإجلاء مزيد من الموظفين الروس من محطة بوشهر للطاقة النووية في إيران.

ونقلت الوكالة عن أليكسي ليخاتشيف، رئيس شركة روس آتوم النووية الحكومية الروسية، قوله: «سيجري إبلاغ السلطات المعنية في إسرائيل والولايات المتحدة بمسارات التحرك، وسنستخدم جميع القنوات لطلب الالتزام الصارم بوقف إطلاق النار أثناء تحرك القافلة»، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف ليخاتشيف أن «الموجة النهائية من الإجلاء»، التي ستشمل نحو 200 شخص، من المقرر مبدئياً أن تجري، الأسبوع المقبل. وبنت روسيا المفاعل النووي الإيراني في بوشهر، ويعمل موظفو «روس آتوم» هناك على إنشاء وحدات جديدة.

وتشهد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تصعيداً لافتاً في الخطاب العسكري والسياسي، مع تبادل تهديدات مباشرة بين الطرفين بشأن المرحلة المقبلة من الحرب.

ففيما أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اقتراب بلاده من تحقيق أهدافها العسكرية، ولوّح بتوجيه ضربات «شديدة للغاية»، خلال أسابيع، ستعيد إيران «إلى العصر الحجري»، ردّت طهران بتصعيدٍ مماثل، متعهدة بمواصلة القتال حتى «الندم والاستسلام»، وتصعيد عملياتها بهجمات «أكثر سَحقاً واتساعاً وتدميراً».

ويأتي هذا التراشق في ظل استمرار الحديث عن مسار تفاوضي لم تتضح مآلاته بعد.


روسيا سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

روسيا سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا

ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ناقلة النفط الروسية «أناتولي كولودكين» تصل إلى محطة النفط في ميناء ماتانزاس شمال غربي كوبا 31 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أعلن وزير الطاقة الروسي سيرغي تسيفيليف، الخميس، أن بلاده سترسل ناقلة نفط ثانية إلى كوبا، الخاضعة لحصار نفطي تفرضه الولايات المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ومنذ يناير (كانون الثاني) الماضي، تعاني كوبا أزمةَ طاقة، في أعقاب اعتقال القوات الأميركية الرئيس الفنزويلي وحليف هافانا نيكولاس مادورو، من كاراكاس، وهو ما حرم كوبا من موردها الرئيسي للنفط.

في الوقت ذاته، هدّدت واشنطن بفرض رسوم جمركية على أي دولة تبيع أو توفّر نفطاً للجزيرة، رغم أنها سمحت لروسيا بإرسال ناقلة في وقت سابق من هذا الأسبوع لـ«أسباب إنسانية».

ونقلت وسائل إعلام روسية رسمية عن تسيفيليف قوله إن «سفينة من الاتحاد الروسي اخترقت الحصار. ويتم الآن تحميل سفينة ثانية. لن نترك الكوبيين في ورطة».

وموسكو، التي تحافظ تاريخياً على علاقات وثيقة مع هافانا، انتقدت محاولات واشنطن منع وصول إمدادات الوقود إلى الجزيرة الشيوعية التي تعاني انقطاعاً في التيار الكهربائي، وتقنيناً للوقود، ونقصاً في الغذاء.

كانت ناقلة نفط روسية تحمل 730 ألف برميل من الخام قد وصلت إلى ميناء ماتانزاس الكوبي، الثلاثاء، وهي الأولى من نوعها منذ يناير.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي تَعد إدارته كوبا نظاماً معادياً، الأحد، إنه ليست لديه «أي مشكلة» مع إرسال روسيا النفط إلى الجزيرة.

وأضاف: «كوبا انتهت. لديهم نظام سيئ. لديهم قيادة سيئة وفاسدة للغاية، وسواء حصلوا على سفينة نفط أم لا، فلن يغيّر ذلك شيئاً».


هل ينهار الناتو إذا انسحب «العرّاب» الأميركي؟

علم الناتو (رويترز)
علم الناتو (رويترز)
TT

هل ينهار الناتو إذا انسحب «العرّاب» الأميركي؟

علم الناتو (رويترز)
علم الناتو (رويترز)

يعيش حلف شمال الأطلسي (الناتو) واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه، مع تزايد احتمال انسحاب الولايات المتحدة منه إذا أقدم الرئيس الأميركي دونالد ترمب على تنفيذ تهديداته المتكررة.

فخطوة كهذه، إن تحققت، لن تفضي إلى مجرد تغيّر في توازنات الحلف، بل قد تمثل زلزالاً يضرب أساس البنية الأمنية الغربية التي أُسست بعد الحرب العالمية الثانية واستمرت طوال الحرب الباردة وحتى ما بعدها.

منذ تأسيس الناتو في واشنطن عام 1949، شكّل مظلة أمنية في مواجهة الاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي الذي انتظم عام 1955 في حلف وارسو، وتحوّل بعد انهيار الأخير إلى إطار أوسع لضمان «الاستقرار الأوروبي».

ومع توسّعه ليضم 32 دولة، ظلّ الحلف قائماً على مبدأ جوهري هو «الأمن الجماعي»، كما تنص عليه المادة الخامسة من معاهدة إنشائه، التي تؤكد أن أي هجوم على دولة عضو هو هجوم على الجميع.

ورغم أن هذا المبدأ لم يُختبر خلال الحرب الباردة، فقد فُعّل مرة واحدة فقط بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، حين وقف الحلف إلى جانب الولايات المتحدة في أفغانستان.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

تحدٍ غير مسبوق

غير أن هذا التماسك التاريخي يواجه اليوم تحدياً غير مسبوق من داخل الحلف نفسه، وتحديداً من «عرّابته» واشنطن. فترمب، الذي لطالما عبّر عن شكوكه في جدوى الناتو، عاد ليصعّد انتقاداته، واصفاً إياه بأنه «نمر من ورق»، ومؤكداً أنه يفكّر بجدية في الانسحاب من المنظمة، لاقتناعه بأن الحلف لا يقدّم للولايات المتحدة ما يعادل ما تقدمه هي له، سواء في تقاسم الأعباء العسكرية أو في دعم العمليات التي تقودها.

أبرز أسباب التوتر هو رفض دول أوروبية الانخراط في مواجهة عسكرية مع إيران إلى جانب الولايات المتحدة، وهو ما أثار غضب ترمب، مع أن الموقف الأوروبي يستند إلى أن معاهدة الناتو لا تُلزم الأعضاء بالمشاركة في حروب لا ترتبط بهجوم مباشر على إحدى الدول الأطلسية، والحال أن واشنطن لم تتعرض لهجوم وحتى لم تستشر الحلفاء قبل اتخاذ خطواتها.

ورغم ذلك، يرى ترمب أن أوروبا تستفيد من الحماية الأميركية دون أن تتحمّل نصيبها العادل من التكاليف، وهو موقف عبّر عنه قبل سنوات، حين قال عن الحلف «عفا عليه الزمن»، واتهم الدول الأوروبية باستغلال الولايات المتحدة. وقد ذهب أبعد من ذلك حين هدّد بعدم الدفاع عن الدول التي لا تلتزم بمستويات الإنفاق الدفاعي المطلوبة (5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لكل دولة).

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته (د.ب.أ)

ودفعت الضغوط الأميركية الدول الأوروبية إلى زيادة إنفاقها العسكري بشكل ملحوظ، واتفق أعضاء الناتو على رفع المُستهدَف إلى 5 في المائة من الناتج بحلول عام 2035، بعد أن كان المُستهدَف السابق 2 في المائة. وسعى قادة الحلف، وعلى رأسهم أمينه العام الهولندي مارك روته، إلى احتواء «غضب» ترمب والحفاظ على التماسك، حتى عبر خطاب سياسي مرن وصل أحياناً إلى حد المبالغة في الإطراء.

ماذا إذا غاب «الأخ الأكبر»؟

هنا، يبرز سؤال خطير: هل يستطيع الناتو الاستمرار من دون «الأخ الأكبر» الأميركي؟

فالولايات المتحدة لا توفّر فقط قوة عسكرية هائلة، بل تشكّل العمود الفقري للقدرات الاستراتيجية للحلف، من حيث الاستخبارات، والاتصالات، والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، إضافة إلى «المظلة النووية» التي تظلّ العنصر الأهم في الردع. ورغم امتلاك بريطانيا وفرنسا قدرات نووية، فإنها لا تضاهي الترسانة الأميركية، ولا تغطي الحلف بالشكل نفسه من الخطر الروسي المفترض.

ولا شك في أن هذا الواقع هو نتيجة عقود من الاعتماد المتبادل غير المتكافئ، فالرؤساء الأميركيون السابقون لم يطالبوا أوروبا بتطوير قدرات عسكرية، لأن بلادهم تولّت هذا الدور. ونتيجة لذلك، باتت القارة تملك جيوشاً متطورة في بعض الدول، لكنها تفتقر إلى التكامل العملياتي والقيادة الموحدة والقدرة على التحرك السريع المنسّق والفاعل.

تشير تقديرات حديثة إلى أن تعويض القدرات الأميركية قد يتطلب استثمارات تصل إلى تريليون دولار على مدى ربع قرن. لكن المشكلة لا تتعلق بالمال فحسب، بل أيضاً بالخبرة والبنية المؤسسية، أي «اللغة العملياتية المشتركة» التي تتيح تنسيق الجيوش المختلفة بأحجامها ومعدّاتها وتكتيكاتها تحت ضغط الأزمات.

إضافة إلى ذلك، تواجه أوروبا تحديات سياسية داخلية تعرقل بناء منظومة دفاعية مستقلة. فبعض الدول، مثل هنغاريا وسلوفاكيا، لا تتبنى رؤية موحدة تجاه روسيا، ما يجعل أي هيكل أمني أوروبي إما ناقصاً جغرافياً أو منقسماً سياسياً. كما أن مسألة الردع النووي تنطوي على مسائل معقدة تتعلق بالسيادة والقرار السياسي، لا سيما فيما يخص من يملك سلطة استخدام هذا السلاح.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن أوروبا بدأت خطوات جدية نحو تعزيز قدراتها الدفاعية، مدفوعة جزئياً بتهديدات ترمب، وجزئياً بتصاعد ما تراه خطراً روسياً، خصوصاً بعد الحرب في أوكرانيا. وقد أظهرت بعض العمليات العسكرية الحديثة قدرة أوروبية على العمل بشكل مستقل نسبياً، خصوصاً في المجالات البحرية والسيبرانية.

مروحية رومانية من طراز «بوما» تحلق فوق الفرقاطة الرومانية «ماراسيستي» خلال تدريبات للناتو في البحر الأسود تحت اسم «درع البحر 2026» (إ.ب.أ)

أموال وقدرات

مع ذلك، يبقى الفارق كبيراً. فالموازنة العسكرية الأميركية تشكّل نحو 60 في المائة من الإنفاق الإجمالي للناتو، كما أن القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية التي تمتلكها واشنطن لا تزال بعيدة المنال بالنسبة إلى الحلفاء.

في هذا السياق، يمكن القول إن أوروبا تواجه خيارين استراتيجيين: إما إعادة تشكيل الناتو بحيث يصبح أكثر توازناً مع دور أوروبي أكبر، مع استمرار المشاركة الأميركية، أو السعي إلى استقلال دفاعي كامل. الخيار الأول يبدو قابلاً للتحقيق خلال عقد من الزمن إذا توافرت الإرادة السياسية، أما الثاني فيتطلب تحولات عميقة تمتد عقوداً، وتشمل تكاملاً سياسياً وعسكرياً غير مسبوق.

في النهاية، لم يعد السؤال ما إذا كانت أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة، بل متى وكيف يمكنها الوصول إلى ذلك، وما إذا كانت التحديات السياسية والعملية ستسمح لها بالسير في هذا الاتجاه بالسرعة المطلوبة. فالعالم يتغير بوتيرة سريعة، والضمانات التي بدت يوماً ثابتة لم تعد كذلك، الأمر الذي يفرض على الأوروبيين إعادة التفكير في أسس أمنهم الجماعي في مرحلة تتسم بقسط كبير ومتعاظم من عدم اليقين.