يوميات الحرب الليبية (الحلقة السابعة والأخيرة) «الإخوان» متهمون بعرقلة فرص الحوار بين الفرقاء الليبيين

يرفضون تقديم تنازلات ويعتمدون في موقفهم على قوة السلاح

ليبيون ينتظرون ذويهم أمام مطار طبرق المدني في شرق البلاد، وهو من المطارات القليلة التي تعمل في ليبيا بسبب حرب الجيش ضد المتطرفين («الشرق الأوسط»)
ليبيون ينتظرون ذويهم أمام مطار طبرق المدني في شرق البلاد، وهو من المطارات القليلة التي تعمل في ليبيا بسبب حرب الجيش ضد المتطرفين («الشرق الأوسط»)
TT

يوميات الحرب الليبية (الحلقة السابعة والأخيرة) «الإخوان» متهمون بعرقلة فرص الحوار بين الفرقاء الليبيين

ليبيون ينتظرون ذويهم أمام مطار طبرق المدني في شرق البلاد، وهو من المطارات القليلة التي تعمل في ليبيا بسبب حرب الجيش ضد المتطرفين («الشرق الأوسط»)
ليبيون ينتظرون ذويهم أمام مطار طبرق المدني في شرق البلاد، وهو من المطارات القليلة التي تعمل في ليبيا بسبب حرب الجيش ضد المتطرفين («الشرق الأوسط»)

يدير الشيخ حسن عبد الله، أحد أبناء قبيلة «ورفلة» كثيرة العدد في ليبيا، دكانه تحت اسم «تشاركية السلام»، في ضاحية تطل على ميناء طبرق البحري. وتنعقد في هذه المدينة جلسات البرلمان، ويوجد بالقرب منها مقر قيادة أركان الجيش الجديد. ويستمع عبد الله إلى نشرة الأخبار من مذياع قديم معلق على الجدار. وكانت النشرة تتضمن حديثا عن مساعي الصلح بين ميليشيات المتطرفين التي تقودها جماعة الإخوان في طرابلس، من جانب، وقوات الجيش والبرلمان، من الجانب الآخر. ويقول «يتعاملون مع ليبيا وكأن فيها هذين الطرفين فقط. أين نحن من معادلة المصالحة؟ ما زالوا يتجاهلوننا».
وتعد قبيلة ورفلة، ومركزها الرئيس في مدينة بني وليد، واحدة من قبائل ليبيا التي اتهمها «ثوار 17 فبراير 2011» بموالاة العقيد معمر القذافي أثناء حكمه للبلاد طيلة 42 سنة، مع قبائل أخرى من بينها «القذاذفة» و«المقارحة»، إضافة للآلاف من عائلات وبيوت عدة مدن ترى أنها تعرضت للغبن جراء «الثورة»، مثل مدينة تاورغاء التي جرى تهجير سكانها بالكامل عقب مقتل القذافي. ويضيف الشيخ عبد الله قبل أن يغلق تشاركيته في ذلك المساء أن الجميع يحصر مساعي المصالحة بين حكام «17 فبراير» الذين انقسموا على أنفسهم و«يتقاتلون على السلطة الآن»، بينما هناك الألوف في السجون، ونحو مليون اضطروا للهجرة للدول المجاورة ولا يتحدث عنهم أحد، ويجري اتهامهم بأنهم «من أتباع القذافي».

تتبنى الأمم المتحدة الدعوة إلى الحوار بين الخصوم الليبيين، من خلال مبعوثها الخاص إلى ليبيا، برناردينو ليون، لكن مساعيه ما زالت تقتصر، على ما يبدو، على محاولة جمع رؤوس قيادات «ثورة فبراير»، من خلال «حوار غدامس» بين وفد من البرلمان وعدد من النواب الذين يقاطعون جلساته، في حين تتواصل محاولات أخرى، تبدو أكثر شمولية، تقوم بها الجزائر، للاستماع إلى وجهات نظر جميع الفرقاء، بمن فيهم المحسوبون على نظام القذافي، قبل الدعوة إلى اجتماع موسع للمصالحة، إلا أن مصادر سياسية تقول إن جماعة الإخوان المسلمين التي تقود ميليشيات المتطرفين في البلاد تعرقل مساعي لم الشمل وترفع شعارات متشددة وتقدم نفسها كأنها الوصي على الشعب الليبي، رغم قيامه بإسقاط مرشحيها للبرلمان الصيف الماضي.
وفي أول إجراء عملي لدعوات الحوار والمصالحة التي أطلقها رئيس البرلمان الليبي، عقيلة صالح، خصص البرلمان لجنة من لجانه سماها «العدل والمصالحة الوطنية». وتسعى اللجنة إلى استلهام تجارب بعض الدول التي شهدت نزاعات مماثلة لما تمر به ليبيا، لوضع أسس لحوار شامل يبني لمرحلة جديدة في البلاد التي تشهد حربا بين المتطرفين، والجيش. ويعد من أكبر هذه الميليشيات ما يسمى بـ«قوة فجر ليبيا» التي يقودها إخوان متشددون ينتمون لمدينة مصراتة الواقعة على بعد نحو 200 كيلومتر شرق العاصمة.
ويقول عضو لجنة «العدل والمصالحة الوطنية»، النائب عن مدينة بنغازي، إبراهيم عميش «نسعى للتعلم من التجارب السابقة للعديد من الدول التي مرت بحروب محلية أو بثورات داخلية، مثل ليبيا». ويوجد إدراك لدى عدد من أعضاء هذه اللجنة لأن الصراع في جوهره «صراع قوى سياسية وكيانات مسلحة على قضية السلطة والديمقراطية والممارسة ومن يحكم وبأي طريقة، والعلاقة بالنظام السابق وغيرها».
ويعلق عميش قائلا «كل هذه التقاطعات تضع البلاد في حالة من الصراع الذي يمتد إلى أن يصل إلى قضية الصراع المسلح، وتبدأ أعمال القتل والتدمير، وهذا ما نمر به الآن»، مشيرا إلى أن التجارب التي مرت بها العديد من الدول وعلى رأسها جنوب أفريقيا، أكدت على أنه لا بد، في النهاية، من أن يستقيم الأمر، وأن تكون هناك دولة وشعب يريد أن يطمئن على مستقبله في دولة ذات سيادة. ولهذا - كما يقول «لا بد أن تجلس جميع الأطراف على طاولة حوار، وتطرح فيه كل القضايا، ويجري الاتفاق على الحد الأدنى لتحقيق السلم الاجتماعي وتحقيق مراحل بناء الدولة، والتوافق حول الكثير من المسائل الأخرى».
ودعا البرلمان نوابه الذين يقاطعون جلساته للحضور، ولم يستخدم بحقهم اللائحة الداخلية والقوانين التي تعطيه الحق في فصلهم بسبب الانقطاع عن الجلسات. ويبلغ عدد النواب المقاطعين أقل من 25 غالبيتهم من جماعة الإخوان ومدينة مصراتة. ويتحجج هؤلاء النواب بأن البرلمان انعقد في غير المكان الذي ينص عليه الإعلان الدستوري، وهو مدينة بنغازي، ويقول عميش «طبعا البرلمان انعقد في غير مكانه لأسباب كثيرة أمنية، ونملك وثائق وشهادات وتقارير صادرة عن عسكريين ومن الاستخبارات ومن وزير الداخلية، تقول إنه لا يمكن انعقاد المجلس في مدينة بنغازي أو مدينة طرابلس بسبب الأوضاع الأمنية، وبالتالي تم اختيار مدينة طبرق باعتبارها مدينة آمنة ومؤمنة».
ويقول إنه بالإضافة إلى دعوة الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار والبدء في الحوار حول هذا الأمر، كانت الاستجابة من مجلس النواب (البرلمان) بأن وجه الدعوة للنواب الذين امتنعوا عن الحضور والذين هم محسوبون على قوى ما يعرف بـ«فجر ليبيا»، وأيضا بعض الأطراف التي اتخذت موقفا في هذا الخصوص ومنحازة للصراع الموجود في المنطقة الغربية، وقلنا لهم أن يأتوا وأن يحلفوا اليمين وأن يتولوا مهامهم البرلمانية من أجل تحقيق مرحلة بناء الدولة وفتح قضايا الحوار، وهو ما أكد عليه أيضا الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، حين حضر لليبيا أخيرا، إلى جانب استمرار جهود ممثله الخاص، ليون، الذي أشرف على «لقاء غدامس» وجرى الاتفاق فيه على وقف إطلاق النار وإتاحة الفرصة لاستخدام المطارات التي دمرت، وعلاج جرحى المواجهات وإتاحة الفرصة لعودة النازحين.
ويزيد عميش موضحا أنه بدأ بالفعل وضع قواعد لهذا الحوار، لكن العقبة الحقيقية تكمن في أن الذين شاركوا فيه «كانوا من النواب الذين انحازوا للطرف الآخر (الإخوان المتشددين) ولم يحضروا»، مشيرا إلى أن «عددهم قليل، وغيابهم لم يؤثر على الإطلاق في قضية النصاب القانوني لجلسات البرلمان، أو حتى على سير جلسات مجلس النواب نفسه».
ويتخذ البرلمان الليبي مواقف مبدئية من أي حوار، قائلا إنه يتمسك بشروط إلقاء السلاح والاعتراف بالمسار الديمقراطي قبل المصالحة.. وبينما تواصل الجزائر الاستماع للفرقاء الليبيين قبل «الحوار الشامل»، اتهم أنصار القذافي جماعة الإخوان بمحاولة إفشال كل محاولات لم الشمل، ويقولون إن الجماعة مثلها مثل رؤساء الميليشيات المسلحة، يرفضون تقديم تنازلات، ويعتمدون في موقفهم على قوة السلاح، وعلى دعم بعض الأطراف الإقليمية والدولية التي لها قنوات اتصال مع قوى ما يعرف بـ«الإسلام السياسي»، وقادته من «الإخوان» والجماعات الليبية المقاتلة و«أنصار الشريعة» التي صنفتها الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية.
وتجري جهود الأمم المتحدة والجزائر بالتزامن مع جهود يقوم بها سياسيون ليبيون، من الداخل والخارج، لوضع حد للفوضى الجارية في البلاد. وأبدى البرلمان مجددا، وكذا عدة أحزاب وشخصيات سياسية، الاستعداد للتحاور وتجاوز الماضي وفتح صفحة جديدة لإنقاذ ليبيا، بشرط ترك السلاح جانبا، والارتضاء بما يقرره الشعب بالوسائل الديمقراطية وبشكل سلمي، ورحبوا باللقاء الذي عقد في «غدامس». لكن ما هي قدرة مثل هذا اللقاء على وقف الاقتتال الداخلي خاصة في المناطق الغربية؟ يجيب نائب بنغازي قائلا «الذين حضروا (حوار غدامس) هم نواب، ولم يستطيعوا أن يلتزموا بأي شيء يمكن أن يفرضوه على الأطراف المسلحة. بل بالعكس.. الأطراف المسلحة أدانتهم واتخذت مواقف ضدهم بهذا الخصوص، بسبب مشاركتهم في الحوار، وهذا طبعا يثبت أن الجماعات المسلحة لا تريد الحوار، وأنها (جماعات إرهابية). مثلا تنظيم ما يعرف بـ(أنصار الشريعة) لا يعترف حتى بقضية الدستور، ولا بكيانات الدولة، ولا يريد قيام جيش وشرطة، و(...).. هذا الأمر مرفوض».
ويقول فرج بوهاشم، الناطق الرسمي باسم البرلمان الليبي، إن عدد النواب المقاطعين لجلسات مجلس النواب يتراوح بين 20 و25 نائبا، وإن من بين هؤلاء من يتردد على المجلس بشكل غير منتظم.. أي أنه يأتي ثم يذهب ويغيب لفترات طويلة، ومنهم من جاء وانقطع عن الحضور، ومنهم من لم يأت منذ البداية، وأغلب هؤلاء المقاطعين محسوبون على التيار المتشدد، وعلى جماعة الإخوان المسلمين. أي أنهم من «الإخوان» ومن مجموعة أخرى تتستر بالدين أو ما يعرف بـ«الإسلام السياسي».
ويتكون البرلمان من 188 نائبا، وليس 200 نائب كما هو مفترض وفقا للإعلان الدستوري، لكن بوهاشم يقول إن هناك دوائر لم تجر فيها الانتخابات من الأساس بسبب الظروف الأمنية، وتشمل 12 مقعدا، وستجرى الانتخابات فيها في حال توافرت الظروف المناسبة، مشيرا إلى أن «هؤلاء لا تستطيع أن تدخلهم في عملية جمع وطرح لإجمالي عدد النواب، كما يحاول البعض أن يفعل، وذلك بأن يضيف عدد الدوائر التي لم تجر فيها الانتخابات على دوائر النواب المقاطعين». وبالنسبة لتقييمه لـ«حوار غدامس» مع عدد من أولئك النواب، يقول بوهاشم إن الأمر الإيجابي هو «الروح التي سادت اللقاء والحوار الذي كان يسير بشكل جيد».
ويبدو الضغط في اتجاه الحوار قويا، رغم اتهام أنصار القذافي وأطراف أخرى لجماعة الإخوان بالعمل على عرقلته، وتهديد الجماعة لبعض دول الجوار بأنها لن تشارك في أي عملية تفاهم من هذا النوع يمكن أن يوجد فيها محسوبون على النظام السابق. ومن مظاهر الضغط من جانب السياسيين المعتدلين لحل الاحتقانات القاتلة بين الأطراف الليبية، وجود لجنة جرى تشكيلها سريعا لتعمل بشكل مؤقت إلى أن تتحول إلى لجنة دائمة للحوار، وهذه اللجنة تعمل أيضا تحت إشراف مجلس النواب، وهي برئاسة محمد شعيب، النائب الأول لرئيس البرلمان، وحضر شعيب الاجتماع الذي عقده «بان كي مون» في طرابلس.
ويقول عميش إن الهدف من لجنة المصالحة والحوار ليس فقط محاولات جمع الخصوم حول مائدة واحدة، ولكن ستتولى قضية العدالة الانتقالية، وتطبيق قضايا العدل، ويشمل ذلك الأطراف الذين في السجون، ويشمل أيضا قضية التعويضات وجبر الضرر والمصالحة، بما يعني إنهاء قضية الصراع واللجوء للقضاء، لتسوية جميع القضايا العالقة سواء خلال فترة الحرب ضد القذافي أو بعدها. كما أنها تنطبق أيضا على فترة القذافي، خاصة قضايا النزاع على الأملاك والأراضي، وغيرها، إلى جانب موضوع المهجَّرين ممن كانوا يحسبون على النظام السابق، ومنهم نازحون خارج ليبيا ونازحون داخل ليبيا، وهذا الأمر يشمل مدنا بالكامل مثل تاورغاء.
ومع ذلك، تبدو فرص الحل في ليبيا شديدة التعقيد، بسبب الخلفيات والقرارات التي اتخذت على عجل من جانب قادة الثورة في الأيام الأخيرة لنظام القذافي. ويقول عميش «في الحقيقة هناك أمر مهم جدا.. وهو أن هذه الحالة التي تمر بها البلاد، منذ بدايتها، كان يمكن ألا تصل إلى هذا الحد. أي منذ المجلس الانتقالي (2011) ثم المؤتمر الوطني (البرلمان السابق 2012 - 2013 حتى منتصف 2014)، كان يمكن أن تمر حالة ليبيا مثلها مثل أي بلد عادي فيه جماعات مسلحة وغيره، أي أن تنتهي الأمور سريعا بالمصالحة الوطنية، لكن الصراعات داخل المؤتمر الوطني (البرلمان السابق)، والأجنحة الأخرى التي أرادت أن تكون لها أذرع عسكرية، أفسدت كل شيء»، مشيرا إلى أن العديد من الأطراف حاولت استغلال الميليشيات المسلحة لصالحها، ليس من جماعة الإخوان والمتطرفين فقط، ولكن من أطراف محسوبة على نظام القذافي أيضا.
ويشير عميش إلى الممارسات السابقة التي تسببت في استفحال مشكلة الميليشيات والمتطرفين الرافضين للحوار والذين لا يعرفون غير لغة السلاح للهيمنة على السلطة بالقوة. ويقول «للأسف أن هناك بعض الكتائب المسلحة السابقة، أيا كانت السلطة أو الوسائط التابعة لها.. كانت تصرف لهم رواتب ضخمة. بعضهم كان يقول إن عدد من معه من عناصر الميليشيا التي يقودها يبلغ 11 ألف عنصر، لكن في الحقيقة لم يكن العدد يزيد على 3 آلاف، ومع ذلك تصرف الرواتب لـ11 ألفا، لدرجة أن البنوك اشتكت وقتها من هذا الأمر. كما تشكلت جماعات أخرى قوية كانت تُدعم بالسلاح والمال من أجل «تحرير مناطق» بعينها (من الخصوم السياسيين) بمقابل مالي يصل أحيانا إلى 20 مليون دينار (الدولار يساوي 1.3 دينار ليبي). وأصبح كل من يملك السلاح يريد أن يتحكم في كل شيء لتحقيق السلطة والمال.
ويعول الكثير من السياسيين الليبيين على المتغيرات التي جرت في مصر وتونس، والتي نتجت عنها خسارة جماعة الإخوان لتعاطف الرأي العام وللانتخابات. وبدأت نتائج هذه المتغيرات تنعكس على الواقع الليبي، من خلال اتجاه بعض المتشددين إلى تعديل في مواقفهم، مما تسبب في خلافات، على سبيل المثال، بين قيادات مدينة مصراتة التي تضم أبرز الداعمين لجماعة الإخوان وعملية «فجر ليبيا»، وتدور هذه الخلافات حول مستقبل ارتباط مصراتة بـ«الإخوان» وباقي التيارات المتشددة، ومنها جماعة «أنصار الشرعية» الموالية لتنظيم القاعدة. ويرى بعض قادة المدينة وأغلبهم من رجال الأعمال والعواقل القبليين، أن «الإسلاميين» يستغلون مصراتة وشبابها وقوتها العسكرية في عمليات ضيقة تسببت في خصومات بين مصراتة والعديد من القبائل والمناطق، خاصة في محيط طرابلس إضافة لمدينتي بني وليد وتاورغاء وغيرهما.
كما دخل أكثر من خمسين من الأدباء والفنانين والمثقفين في مصراتة على الخط، وأصدروا نداء لرأب الصدع والتصالح والعيش السلمي بين الليبيين، من خلال «رسالة مفتوحة من مثقفي مصراتة لمثقفي الشرق الليبي»، قالوا فيها «من هنا نبدأ.. وهل من مبتدأ أعظم أثرا وأكثر دلالة في مقام الإصلاح ودرء الخصام من النهي عن تقطيع الأرحام ليكون الجواب نعم للسلام والوئام ولا للخصام وتقطيع الأرحام؟». وتضمنت الرسالة كلمات مشجعة للمثقفين والأدباء في شرق ليبيا، وجاء فيها «أساتذتنا وإخواننا وزملاؤنا من المثقفين والفنانين والإعلاميين والمسرحيين، وكل أهل الثقافة والأدب، في شرقنا الحبيب، شرق الإبداع والتألق، منابت الجود والكرم، أشقاء المصير».
وتقول رسالة مثقفي مصراتة لمثقفي شرق ليبيا أيضا «هذا نداء من قلوب تتحرق شوقا إلى التصافي، ليس عن طمع ولا جشع ولا هلع بل عن يقين بأن كل الليبي على الليبي حرام، دمه وماله وعرضه، وأن إطفاء النار في أي مرحلة من اشتعالها خير من انتظارها لتنطفئ بفعل الزمن أو الوهن أو بعد أن تأكل أخضر الوطن ويابسه ثم تأكل بعضها لتسفر عن الهشيم والرماد. ولأنكم أهل الوعي والتوعية، وأهل الصحوة في الفكر كما القول، ندعوكم لنجعل من قاسم الثقافة والأدب والكلمة والصورة واللوحة، علامة على رقي الإحساس بالوطن والمواطن، وأن نستعلي على الحزازات الضيقة المؤقتة الرديئة، عبر رؤى ثقافية وفكرية وفنية، تقدم للبلد أروع ما فيه».
وجاء هذا الموقف الذي يعضد مساعي الحوار والسلام بين أبناء الوطن الواحد، بالتزامن مع حضور العديد من الشخصيات الأوروبية إلى مصراتة خلال الأسابيع الأخيرة في محاولة لتهدئة الموقف بين الأطراف المتشددة فيها (من «الإخوان») وباقي الأطراف خاصة البرلمان والجيش الوطني، وذلك قبل أن ينفذ هذا الجيش تهديداته بالتدخل لطرد ميليشيات «فجر ليبيا» بالقوة من العاصمة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا ونزوح ألوف الأسر عن العاصمة.
وفي المقابل، تحاول الأطراف الدولية الحصول على تنازلات من البرلمان والجيش أيضا، وهي تتعامل، في بياناتها، خاصة تلك التي تصدرها الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا، على اعتبار أن ليبيا فيها برلمانان وحكومتان وقوتان مسلحتان، وهذا ما يرفضه البرلمان الشرعي الذي انبثقت منه حكومة عبد الله الثني، وأيد عمليات الجيش ضد المتطرفين، حيث يتمسك البرلمان بشرعيته التي اعترفت بها الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية.
ويعلق عميش على بعض البيانات الغربية التي تطالب «جميع» الأطراف الليبية بأن تضع السلاح جانبا وأن تدخل في حوار، وتحاول أن تساوي في التعامل بين الميليشيات والجيش، قائلا «تلك البيانات تتحدث عن كل الأطراف المسلحة التي تستخدم القوة والسلاح والعنف، وتحثها لكي تلجأ إلى الحوار، لكنها لم تذكر اسم الجيش الوطني صراحة.. صحيح أن تلك البيانات الغربية لم تحدد من الذي ينبغي عليه أن ينحي السلاح جانبا، إلا أنه لا يمكن لأي جهة دولية أن توجه نداء مثل هذا (بوضع السلاح جانبا) إلا لقوات غير شرعية تملك السلاح، لكن بالنسبة للجيش الوطني، ومن بعد ترشيح وتعيين اللواء عبد الرازق الناظوري رئيسا للأركان، بدأ الحديث يدور عن عملية محددة تتعلق بعمليات للقوات المسلحة الشرعية ضد المتطرفين».
وعلى الجانب الآخر، بدأ البرلمان في تقديم بوادر حسن نوايا إضافية تجاه المصالحة الشاملة بطريقة بدا أنها تعطي بعض الطمأنينة للعديد من الأطراف الليبية الفاعلة، ومن بينها تلك القطاعات التي كانت مؤيدة للقذافي، والتي كانت تعارضه أيضا، واضطر معظم قادتها للخروج من البلاد منذ أواخر 2013 حتى الآن، والإقامة في تونس ومصر، بسبب تهديدات المتطرفين لهم. ومن بينهم وزراء ونواب سابقون، ورجال أعمال وفنانون ومثقفون وصحافيون، وغيرهم.
وقرر البرلمان، في خطوة يراها الكثيرون مشجعة لجهود المصالحة والحوار، إدخال تعديلات على قانون العزل السياسي، أو إلغاءه في ما بعد بشكل كامل. وكان هذا القانون قد أصدره المتطرفون أثناء هيمنتهم على البرلمان السابق، وأجبروا باقي النواب على تأييده تحت تهديد السلاح، وهو قانون يمنع كل من عمل مع نظام القذافي، منذ عام 1969 حتى مقتله في 2011، من العمل السياسي أو العمل الرسمي في الدولة، وينطبق هذا القانون حتى على المعارضين الذين كانوا قد انشقوا عن نظام القذافي في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي، وأيضا من انشق عن نظام القذافي والتحق بـ«ثورة فبراير».
ومن جانبه، يقول عقيلة صالح، رئيس البرلمان، إنه يتعهد بعدم إقصاء أي طرف من الأطراف الليبية من الحوار الوطني الذي يسعى إليه مجلس النواب. ويضيف «لن نقصي أحدا، بشرط أن يترك السلاح، وأن يرتضي بالعملية الديمقراطية»، مشيرا إلى أنه يوجد على جدول أعمال مجلس النواب قانون العدالة الانتقالية الذي يهدف إلى رد الحقوق إلى أصحابها، ومعالجة الأوضاع التي وقعت في الماضي، بما فيها تعديلات ستشمل ما يخص الأراضي والمساكن والشركات سواء أجنبية أو محلية.
وبينما يعزز الجيش من مواقعه في حربه على المتطرفين في بنغازي ودرنة، تمكّن أخيرا من الوجود بقوة عبر قواعد عسكرية مهمة في كل من جنوب غربي العاصمة وشمال غربي العاصمة، وقام بتجديد قاعدة «الوطية» العسكرية التي تعد قوة ضاربة يمكنها أن تحدد مصير من يسيطر على طرابلس. ومن جانبها، تسعى حكومة الثني أيضا لترك أبواب الحوار مفتوحة مع من لا يحملون السلاح، ومع من يرتضون بنتائج انتخابات مجلس النواب، ولهذا تواصل ليبيا اتصالاتها مع دول الجوار لمساعدتها في بسط الاستقرار والأمن والخروج من النفق المظلم الذي فرضته عليها الميليشيات المتطرفة.
وتعد تونس من بين دول الجوار المهمة بالنسبة لليبيا رغم وجود حزب النهضة الإخواني وزعيمه راشد الغنوشي في ذلك البلد. لكن رئيس البرلمان الليبي يتعامل بأريحية مع جارته ومع تصريحات الغنوشي الداعية للمصالحة، قائلا «تونس دولة جارة لنا، ولدينا نازحون ليبيون هناك، ولهذا نحن نشكرهم على عنايتهم بالأسر الليبية وعلاج الجرحى الليبيين. حتى بالنسبة لجماعة النهضة، وحسب ما نعلم، هي تؤيد الاستقرار وتؤيد المصالحة في ليبيا. كما أن السيد الغنوشي يدعو للمصالحة، وأذكر حين التقيت بفخامة الرئيس التونسي أكد لي أنه رجل ديمقراطي ويؤيد الشرعية والديمقراطية في ليبيا».
ويدير الشيخ عبد الله ابن قبيلة «ورفلة» رأسه يمينا ويسارا قبل أن أين يقول مجددا «ما زالوا يتجاهلوننا»، ويختفي في شارع الكورنيش المطل على الميناء، ومن هناك بدت أضواء السفن تنعكس على صفحة البحر، وهي تودع يوما استعدادا لاستقبال يوم جديد.

يوميات الحرب الليبية (الحلقة السادسة): ميليشيات الإخوان تتجه جنوبا للسيطرة على حقول النفط
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الخامسة) خريطة ولاءات القبائل في الصراع مع المتطرفين
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الرابعة): مقتل قيادات مهمة في أنصار الشريعة بينهم جزائريون ومصريون في معركة «جسر بنينة الأول»
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الثالثة): زعيم «إمارة درنة» يتحصن بضاحية «لميس التركية» ويستخدم طيور الكناري لمراقبة هجمات الجيش
يوميات الحرب الليبية (2): «إخوان» ليبيا أسسوا جهاز مخابرات في طبرق.. وسعوا لاغتيال نواب من البرلمان الجديد ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الأولى): عناصر الأمن أكثر من المسافرين على حدود ليبيا.. وتحذير من «بوابات» للمتطرفين


اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.