«ربط نزاع» لبناني لتطويق المواجهات السياسية

الملفات الداخلية وعوائق إسقاط الحكومة والأولويات الدولية تدفع باتجاهه

الرئيس عون خلال اجتماعه مع الزعماء السياسيين لطرح الخطة الاقتصادية في القصر الرئاسي في بعبدا الاربعاء (رويترز)
الرئيس عون خلال اجتماعه مع الزعماء السياسيين لطرح الخطة الاقتصادية في القصر الرئاسي في بعبدا الاربعاء (رويترز)
TT

«ربط نزاع» لبناني لتطويق المواجهات السياسية

الرئيس عون خلال اجتماعه مع الزعماء السياسيين لطرح الخطة الاقتصادية في القصر الرئاسي في بعبدا الاربعاء (رويترز)
الرئيس عون خلال اجتماعه مع الزعماء السياسيين لطرح الخطة الاقتصادية في القصر الرئاسي في بعبدا الاربعاء (رويترز)

هدأ التصعيد المتبادل بين القوى السياسية في لبنان مطلع الأسبوع الحالي، واتجهت الأطراف إلى تنظيم خلافاتها، مدفوعة بتسوية غير معلنة بين الأقطاب، أجّلت ملفات خلافية أو طوتها، وتوصلت إلى قاسم مشترك على طلب مساعدة «صندوق النقد الدولي» لحل الأزمتين الاقتصادية والمالية، وسط دعوات لـ«تجاوز تصفية الحسابات والرهانات السياسية» وصب الجهود لمواجهة الأزمة الاقتصادية.
غير أن «ربط نزاع» بين القوى المتعارضة، تدفع إليه استحقاقات داخلية وعوائق تحول دون التغيير، إلى جانب حيادية دولية لا تضع لبنان وملفاته في أعلى قائمة أولوياتها في هذه الظروف؛ إذ يواجه العالم أزمة تفشي فيروس وباء «كوفيد19»، ومعالجة تداعياته الاقتصادية والسياسية، وبذل الجهود لمواجهة احتمالات وصول الموجة الثانية من الوباء. ولكن مثلت هذه الوقائع فرصة نادرة لتطويق الملفات الداخلية والحدّ من تناميها منعاً لانهيار دراماتيكي، أمني وسياسي، يتزامن مع تنامي الاحتقان الشعبي ضد الحكومة اللبنانية الذي انفجر في طرابلس وصيدا على شكل احتجاجات، لم تخلُ من أعمال عنف ومواجهات مع القوى العسكرية والأمنية، وتركت وراءها مشهدية بالغة الدلالات، تمثلت في صور فروع مصرفية تعرضت للحرق، وفروع مصرفية أخرى رفعت الصفائح المعدنية على واجهاتها تحوّطاً من مواجهات جديدة.

خطّ اللقاء الوطني المالي لعرض خطة التعافي الوطني التي أقرتها الحكومة في قصر بعبدا الجمهوري يوم الأربعاء الماضي، شكلاً جديداً للعلاقات السياسية المتأزمة، طمأن فيه الرئيس اللبناني ميشال عون إلى أن «أحوج ما نكون إليه في أيامنا هذه هو تجاوز تصفية الحسابات والرهانات السياسية، فنتحد للتغلب على أزمتنا المستفحلة وتغطية الخسائر المحققة في قطاعاتنا كافة، العامة والخاصة».
وسار رئيس الحكومة حسان دياب بالاستراتيجية نفسها، إذ عدّ في كلمته «أننا وصلنا إلى اللحظة التي صار لزاماً علينا فيها أن نبدأ بإصلاح الأضرار التي وقعت في البنية المالية والاقتصادية للبلد»، مشيراً أيضاً إلى أنه «لا مجال للمزايدات اليوم، ولا مكان لتصفية الحسابات، ولا يفترض فتح الدفاتر القديمة في السياسة».
العبارة الأخيرة، بنى عليها البعض كثيراً من الرمزيات السياسية، لتكون خطة عمل المرحلة المقبلة، بعد نحو 100 يوم على تشكيل الحكومة، وانفجرت العلاقات فيها في الأسبوعين الأخيرين على ضوء انتقاد دياب مرحلة السنوات الثلاثين الماضية وتحميلها مسؤولية الأزمة المالية الحالية، واندلاع الاشتباك السياسي على خلفية التلويح بإقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. كذلك احتدمت الاتهامات بين الكتل السياسية على ضوء تحميل بعضها بعضاً مسؤولية إسقاط صفة الاستعجال عن اقتراح القانون المعجل المكرر الرامي إلى رفع الحصانة عن الوزراء وإحالته إلى اللجان النيابية لدراسته خلال الجلسة البرلمانية التي عقدت في قصر الأونيسكو قبل أسبوعين، إلى جانب امتعاض دياب من فقدان الجلسة النيابية نصابها القانوني بعد الطلب بتخصيص مبلغ 1200 مليار ليرة (800 مليون دولار وفق السعر الرسمي) لإنفاق مساعدات اجتماعية وتمكين اقتصادي في الأزمة.
الحكومة وجدت نفسها بمواجهة مجلس النواب الذي لم يتح لها إنفاقاً مشابهاً يساهم في تمكينها ورفع رصيدها شعبياً، من غير إلى توافق سياسي يضمن مرور مشروع مشابه في مجلس النواب الذي تتمثل فيه الأطراف السياسية. وهذا ما ترى مصادر الرئيس اللبناني أنه هدف إليه عبر دعوة رؤساء الكتل النيابية والقيادات إلى اجتماع بعبدا، بما يفتح طريقاً للتهدئة، بمعزل عن نتائج الاجتماع الذي قاطعه رئيس الحكومة السابق سعد الحريري، فيما أرسل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ملاحظاته حوله، بعد يومين على لقاء مفاجئ عقده مع الرئيس عون في القصر الجمهوري.

تنظيم خلاف سياسي
جنبلاط لاقى عون عند منتصف الطريق في مبادرة للتهدئة، ولبّى الزعيم الاشتراكي دعوة عون لزيارته في القصر الجمهوري خارج إطار لقاء بعبدا يوم الأربعاء الماضي. وليس خافياً أن هناك علاقة متوترة منذ الصيف الماضي مع «التيار الوطني الحر»، لكن جنبلاط قال «إننا نسعى ونطالب بتحسينها أو بتنظيم الخلاف بيننا. حيث نختلف كان به، وحيث لا نختلف نتفق، ولكن فليكن الأسلوب من قبلهم وقبلنا، بالتعاطي الإعلامي وغير الإعلامي غير انفعالي». كذلك بعث جنبلاط برسالة إيجابية مقابلة، حين قال إنه فيما يتعلق بالحكومة، «لستُ ساعياً لتغيير الحكومة أو غير الحكومة»، لافتاً إلى أنه «في هذا الجو الهائل من المصائب الاجتماعية والاقتصادية، ومع الـ(كورونا)، لا أعتقد أن الوضع مناسب لتغيير الحكومة».

قراءة لموقف جنبلاط
بعيداً عن التوصيفات السياسية والأدبية، حيال ما حصل، يؤكد مستشار رئيس «الحزب التقدمي الاشتراكي» رامي الريس أن «وليد جنبلاط كالعادة عنده هاجس العيش المشترك في الجبل وتحصين المناخات الإيجابية بين كل مكونات الجبل، وهي التي تعرضت لاهتزازات كبيرة في الشهرين الماضيين بفعل بعض المنشورات في مواقع التواصل التي كانت ترمي إلى نكء جراح الماضي والنبش في قبوره، وهو غير مفيد على الإطلاق».
ولفت الريس في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى مبادرة من عون بدعوة جنبلاط إلى الالتقاء، «وكان من الطبيعي تلبية هذه الدعوة، فهو الذي يرفع دائماً شعار الحوار ولو كان على قاعدة الاختلاف». ويرى الريس أن «التعبير الأدق هو تنظيم الخلاف السياسي، وليس ربط النزاع، بمعنى أن للتيار وجهة نظره حيال القضايا الوطنية والسياسية، ونحن لنا وجهة أخرى، وهو مشروع في إطار الحياة الديمقراطية والوطنية على أن يبقى ضمن أصول أدبيات التخاطب السياسي كي لا تنزلق الأمور إلى حيث لا يريد أي من اللبنانيين». وشددً على «أننا حريصون على أن نعطي هذا المسار حقه الكامل حتى الوصول إلى النتيجة المرجوة ولتنظيم الخلاف السياسي».
معارضة من مواقع متباعدة
واقع الأمر؛ أنه لا تحمل الانقسامات والتباينات بين القوى السياسية أي مؤشر على إعادة تنظيم للقوى، ولا تنظيم لطريقة الحكم خارج السياق القائم منذ 10 سنوات على الأقل، باستثناء وجود قوى معارضة تجتمع على ملفات وتختلف على أخرى في مواجهة السلطة. والواضح هنا أن لكل من هذه القوى حساباتها، وهو ما لم يُخْفه رئيس «حزب القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع بعد مشاركته في لقاء بعبدا، موضحاً «أننا لسنا جبهة واحدة، فكل منا من موقعه في موقع معارض على طريقته، ولم نستطع التوصل إلى تشكيل جبهة واحدة». وأردف أن عدم قيام جبهة واحدة حتى الآن «يعود إلى عدم رغبتنا في البقاء على ما كنا عليه، أي أن نتفق على نقطة ونختلف على الكثير غيرها، وأن نتفق على أمر ما وندخل إلى الحكومة وتتغير الأمور، فإما الاتفاق على خطة شاملة، أو أن نبقى نعارض كل من موقعه. حتى الآن لم نستطع الاتفاق على خطة شاملة بعد».
يُستدلّ إلى هذا الواقع، من حضور «القوات» مثلاً، في مقابل غياب «تيار المردة» الممثَّل في الحكومة الحالية. أما تيار «المستقبل» فقاطع انطلاقاً من أن المكان الطبيعي لمناقشة «الخطة الاقتصادية» هو المجلس النيابي، خصوصاً ‏بعد إقرارها في مجلس الوزراء، متعهداً بإعلان موقف وتعليق لتيار «المستقبل» على كل نقطة من نقاط الخطة في ‏القريب العاجل. ‏ وأما على ضفة «الاشتراكي»، فيشير الريس إلى أن «عملية خلط الأوراق السياسية في مسألة التحالفات الداخلية متواصلة منذ التسوية الرئاسية في 2016، ولاحقاً بعد انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي». ورأى أن «المطلوب الآن، بدلاً من بذل الجهود لتركيب التحالفات والجبهات، السعي الجماعي المشترك لإنقاذ الوضع الاجتماعي والمعيشي الذي بلغ مراحل خطيرة وغير مسبوقة... مع تآكل القيمة الشرائية للعملة الوطنية وارتفاع نسب البطالة والتدهور الاقتصادي، وبالتالي فإن الأولوية الآن لهذا المجال»، لافتاً إلى أن الحزب الاشتراكي أعدّ ورقة اقتصادية تتضمن ملاحظاته ورؤيته لتحسين الوضع.
وحقاً، كان جنبلاط قد قال بعد زيارته بعبدا يوم الاثنين الماضي إن الزيارة «جاءت بمبادرة من قبل ساعي خير، ولا علاقة لي بأي أحلاف ثنائية أو ثلاثية». وتابع: «هذه حساباتي؛ مبنية على حساباتي الخاصة، وعلى ضرورة تحسين العلاقة وتنظيم الخلاف إذا وجد مع (التيار الوطني الحر). ومع كل احترامي للرئيس الحريري أو للدكتور سمير جعجع، لا علاقة لي».

ترتيبات داخلية
في أي حال، تتجاوز التهدئة بين المكوّنات، الخطة الاقتصادية المعرّضة للانتقادات في كثير من تفاصيلها، باستثناء طلب المساعدة من «صندوق النقد الدولي». ذلك أن اعتبارات كثيرة تدفع باتجاه ضرورة تنظيم الخلاف، بحكم مجموعة وقائع لا يمكن تخطيها؛ أهمها الحاجة إلى حكومة في هذه الظروف تدير الأزمة التي لا يبدو أن هناك منفذاً لتجاوزها في القريب العاجل، في ظل تبدل في الأولويات الدولية تجاه مواجهة أزمة «كورونا»، واختلاف المقاربات الدولية حيال لبنان والإصرار على تنفيذ الإصلاحات قبل أي مساعدة مطلوبة من المجتمع الدولي لإنقاذ الوضع في لبنان. ويتصدّر واقع أنه لا يمكن تشكيل حكومة قريباً بديلة عن الحكومة الحالية في حال سقوطها، قائمة الوقائع الداخلية، ما يعني ضرورة ربط النزاع مع الحكومة التي يفترض أن تنفذ التعيينات في المواقع الشاغرة، وهو ما يتطلب تهدئة وحواراً معها.
وينظر معارضو الحكومة والقوى المنخرطة في تسويات، إلى الترتيبات الداخلية المستجدة على أنها ناتجة عن ضرورة التسوية بين السلطة والمال في البلاد، بالنظر إلى أن القوى السياسية «باستثناء (حزب الله) لا تحمل مشروعاً خاصاً؛ سواء كانوا من معارضي الحزب وحلفائه»، حسبما يقول الباحث السياسي الدكتور توفيق الهندي. ويعدّ الهندي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنه «لا يوجد توجه لطرح قضية وطنية عند سائر الأقطاب، باستثناء الحزب الذي يمتلك مشروعاً، بينما كل طرف آخر له حساباته الخاصة التي لا تلتقي مع حسابات الآخرين».
ويرى الهندي أن جنبلاط واضح؛ «إذ لا همّ له، منذ عام 2008، إلا حماية الجبل، وهو يريد الحفاظ على هذا الواقع وعلى نفوذه فيه، بينما يحاول آخرون القضم منه» في إشارة إلى رئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل. أما الحريري؛ «فيتحضر لمرحلة مقبلة، ولا يريد أن يغيب بشكل كامل، رغم اليقين أنه في الفترة الحالية لا يريد العودة إلى رئاسة الحكومة، وقد قفز من (التيتانيك) مع جعجع قبل وصول المرحلة إلى الانهيار». واستطرد أن «الصفقة مع عون لإحضاره إلى الرئاسة، ولو أنها في الباطن تبدو صفقة مع (حزب الله)، تعرضت لانتكاسة».
كذلك يرى الهندي أن «البلاد تعيش على المحاصصة، وهو ما يوجب التسويات»، ويعدّ أن من يخرج من السلطة «يبقى ساعياً للحفاظ على وجوه في الدولة العميقة». ويتابع قائلاً أن السلطة اليوم «تقبض عليها إيران عبر (حزب الله)، مما يعني أن أي هدنة معها، هي في المضمون هدنة مع إيران». ويعدّ أن الخطأ الجسيم الذي وقع بعد اغتيال الوزير الأسبق محمد شطح، «كان عقد تسوية بدلاً من الطلاق الحبي، وهي الاستراتيجية التي كنا نعمل عليها أنا وشطح».
معارضون في بعبدا... وممثلون بالحكومة غائبون

> مثّل لقاء بعبدا شكلاً من أشكال «ربط النزاع» بعد التوترات الأخيرة، والسجالات السياسية التي شهدت تصعيداً متبادلاً بين أطراف «التيار الوطني الحر» والحكومة من طرف، والقوى المعارضة من طرف آخر؛ إذ كان لافتاً حضور رئيسي مجلسي النواب نبيه بري والوزراء الدكتور حسان دياب، ورئيس «كتلة لبنان القوي» (والتيار العوني) النائب جبران باسيل، ورئيس «كتلة الوفاء للمقاومة» (حزب الله) النائب محمد رعد، ورئيس «كتلة الجمهورية القوية» (القوات اللبنانية) الدكتور سمير جعجع، في اللقاء، مقابل تغيب رئيس الحكومة السابق سعد الحريري ورئيس «تيار المردة» سليمان فرنجية بشكل أساسي، إضافة إلى تغيب جنبلاط الذي حضر بورقة ملاحظات على الخطة الاقتصادية بعد يومين على زيارته عون في قصر بعبدا.


مقالات ذات صلة

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

حصاد الأسبوع مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع ابراهيم محلب (رويترز)

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع الناشط الأيود الراخل خلال لقائه بالمغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1964 (آ ب)

ترمب يحاول «تبييض» صفحات أميركا

ودّعت الولايات المتحدة أخيراً القس جيسي جاكسون، أحد أهم الشخصيات السوداء في تاريخ البلاد، والقيادي الجماهيري الذي لعب دوراً محورياً في تجييش الناخب الأسود

علي بردى (واشنطن)
حصاد الأسبوع ترمب مع مغنية "الراب" الترينيدادية نيكي ميناج (آ ب)

ترمب... و«أصدقاؤه السود»

> في موازاة السياسات التي تعيد الاعتبار لزعماء كانوا مسؤولين عن بعض أسوأ مراحل الرق، يرفض الرئيس دونالد ترمب الاتهامات التي توجه إليه بأنه «عنصري»، مكرّراً


بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.