الكاظمي... ومعضلة إخراج العراق من أزماته

أمام خلفية التنافر بين «الكتل الشيعية» والرئيس برهم صالح

الكاظمي...  ومعضلة إخراج العراق من أزماته
TT

الكاظمي... ومعضلة إخراج العراق من أزماته

الكاظمي...  ومعضلة إخراج العراق من أزماته

لم يكن سهلاً سباق المسافات الطويل نحو عراق يراد له أن يكون جديداً طِبقاً للشعار الذي رفعته ساحات التظاهر التي انطلقت منذ الأول من أكتوبر (تشرين الأول) من العام 2019 بدءاً من التحرير في بغداد إلى باقي الساحات في المحافظات الوسطى والجنوبية، وهو «نريد وطناً».
هذا السباق حاول كثيرون قطعه في أعقاب اضطرار عادل عبد المهدي إلى الاستقالة تحت ضغط المظاهرات وخيار المرجعية الدينية العليا في النجف، وخصوصاً المرجع الأعلى آية الله علي السيستاني. يومذاك كان الهدف من استقالة عبد المهدي هو تشكيل حكومة جديدة قادرة على التعامل مع الأزمة التي تكاد تكون الوحيدة آنذاك، وهي أزمة المظاهرات، وما بدأت تخلفه من تداعيات بدت مُحرجة لكل الطبقة السياسية العراقية التي حكمت البلاد منذ عام 2003 وإلى اليوم. غير أن النزاعات والخلافات بين أقطاب هذه الطبقة السياسية عاودت الظهور بقوة. وبسبب نظام المحاصصة العرقية والطائفية فإن مسار تشكيل الحكومة العراقية كان لا بد أن يمر بعدة مسارات، بدءاً من عملية الاختيار، فالترشيح والتكليف من قبل رئيس الجمهورية، طبقاً للدستور، ومن ثم التصويت داخل قبة البرلمان.
وهكذا، بعد استقالة عبد المهدي بدأ البحث عن البديل المناسب للمهمة القادمة، إلا أن الطبقة السياسية واجهت مشكلة المظاهرات التي كانت سرعان ما تعلن رفض أي مرشح يُطرح اسمه من قبل الكتل السياسية. ثم إن ساحات التظاهر نفسها لم تكن لها هي الأخرى، شأنها شأن القوى السياسية، صاحبة رؤى موحدة حيال المرشحين لهذا المنصب، الذي هو من حيث التمثيل الحصري من حصّة المكوّن الشيعي، والذي رسا في نهاية المطاف على مصطفى الكاظمي. وسيكون الآن على رئيس الحكومة الجديد، الآتي من جهاز المخابرات، أن يقود مهمة إخراج العراق من أزماته المتعددة، في ظل تنافر واضح بين كتل شيعية والرئيس برهم صالح.

بدأت لعبة «الكرّ والفرّ» بشأن مَن سيتمكن من الفوز باختيار رئيس الحكومة العراقية العتيدة تأخذ مسارات مختلفة ومعقّدة، وكان طرفاها الرئيسان في أول الأمر؛ الكتل السياسية، وخصوصاً الشيعية منها، والجسم الأساسي للمظاهرات، التي هي في الغالب مظاهرات لشبان أيضاً من شيعة المدن والمحافظات ذات الغالبية الشيعية. بيد أن هذا «الكرّ والفرّ» السياسي لم يؤدِّ إلى تغيير المعادلة إلا بقدر محدود، تمثل في إقالة الحكومة، ولكن من دون طرح البديل المقنع. وللعلم، كانت قد ظهرت مصطلحات مختلفة، في محاولة للخروج من الأزمة أو التخفيف من وطأتها، مثل «المجرَّب لا يجرَّب» أو «المرشح الجدلي»، وما إلى ذلك من مصطلحات ومفاهيم دخلت حيز الخطاب السياسي العراقي، في وقت تصاعدِ حدة المظاهرات، حتى بعد استقالة عادل عبد المهدي.
وفي حين كان المأمول أن تتوقف المظاهرات، على أمل أن تجد الطبقة السياسية الفرصة المناسبة لاختيار رئيس حكومة بديل لعبد المهدي، فإن المتظاهرين استمروا برفع شعار رفض عبد المهدي وبدلائه. بل كان كل اسم يجري ترشيحه للمنصب (الأهم سياسياً في العراق) كانت تُشاهد صورُه خلال اليوم التالي في ساحة التحرير، وهي إما تُحرق من قبل المتظاهرين وإما توضع عليها علامة «أكس». ومع ذلك، فإن الكتل السياسية ما كانت مستعدة لتقديم تنازلات جدية حيال ما يجري، بل إنها كانت تراهن على عامل الوقت في إنهاء المظاهرات.
الكاظمي والصدر

كان زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر من بين أوائل الزعماء العراقيين الذين طرحوا اسم مصطفى الكاظمي، مدير جهاز المخابرات لمنصب رئاسة الوزراء. وجاء ذلك على شكل تغريدة له، أعلن فيها أنه يطرح، من دون أن يتبنى، أسماء كلٍ من مصطفى الكاظمي، والنائب المثير للجدل في البرلمان العراقي فائق الشيخ علي، والقاضي رحيم العكيلي.
رسالة الصدر وصلت بطرق مختلفة إلى الطبقة السياسية، وكذلك الشارع المتظاهر الذي تعامل معها من زوايا مختلفة. قسم منها ذهب إلى قبول محتواها، وقسم آخر رفضها من منطلق أن الشارع يبحث عن مستقلين تماماً.
القوى الشيعية، وبخاصة بعض أطراف تحالف «الفتح» و«دولة القانون» والفصائل المسلحة، لم تتعاطَ مع الخيار الذي طرحه الصدر فيما يتعلق بالكاظمي، وهو ما جعل الصدر لا يعاود تبني هذا المقترح، وإن كان قد بقي مضمراً لديه. وبالفعل، هذا ما ظهر أخيراً، حين جرى الاتفاق على الكاظمي بوصفه «مرشح الجميع»، إذ أعلنت كتلة «سائرون» التي يدعمها الصدر تأييدها له، وبالفعل صوّتت له داخل قبة البرلمان.
وفي هذا الصدد، يقول النائب عن كتلة «سائرون» برهان المعموري لـ«الشرق الأوسط» إن «موقف كتلة (سائرون) كان واضحاً منذ البداية وهو تخويل رئيس الوزراء المكلف اختيار كابينته الوزارية وفق المعايير الموضوعية التي تنطبق على الجميع دون استثناء». وبيّن أن «الهدف من وراء ذلك كان أن يشكل حكومة بعيدة عن المحاصصة، بحيث لا يُولد اختياره للمرشحين جدلاً، بل يكون المرشح كفؤاً ونزيهاً ومستقلاً بحيث يحظى بالمقبولية».
وأضاف المعموري أن «الأمر الآخر المهم الذي ركزنا عليه هو الانتخابات والتهيؤ لها بطريقة صحيحة». ورداً على سؤال بشأن مواقف الكتل السياسية، يقول المعموري، إن «مواقف بعض الكتل متغيرة، وهذا التغيير يأتي بحجة عدم القناعة بالمرشحين من جانب، ومن جانب آخر حفظ التوازن المكوناتي والقومي». وأردف موضحاً أن «هناك أمراً آخر، وهو أن هناك كتلاً لا تؤمن بالمستقلين، وبالتالي فإنها تبحث عن الاستحقاق الانتخابي». وبشأن حظوظ الكاظمي، يقول المعموري، إن «حظوظه هو الآخر متغيرة ومرتبطة عموماً بمدى التزامه باختيار الشخصيات، وطبقاً للمواصفات التي أشرنا إليها، وكذلك مدى تواصله مع الكتل السياسية لجهة التوافق على شخصيات مقبولة ولا توجد عليها مؤشرات».

أزمة مع صالح

في هذه الأثناء، لم يطل شهر العسل بين الرئيس الكردي للجمهورية الدكتور برهم صالح، وبين الكتل الشيعية الرئيسة، ربما باستثناء الزعيمين الشيعيين البارزين ورجلي الدين مقتدى الصدر زعيم «التيار الصدري» وعمار الحكيم زعيم «تيار الحكمة». فبعد انتخاب صالح رئيساً للجمهورية بطريقة بدت احتفالية داخل البرلمان، في مقابل المرشح الآخر الدكتور فؤاد حسين، الذي هو مرشح زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، بدأت العلاقة تأخذ مساراً أكثر تعقيداً عندما استقال عادل عبد المهدي.
والواقع أن للأزمة مقدماتها، فالشيعة يرون أن الرئيس برهم صالح «تمدد» كثيراً على مساحتهم في الحكم والسلطة. إلا أن ما فعله صالح هو أن منصب رئيس الجمهورية في عهده ما عاد شكلياً. ووفق كلام مصدر مقرب منه لـ«الشرق الأوسط» فإن «الرئيس صالح تصرف منذ أزمة استقالة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، ومن ثم سلسلة الأزمات التي لحقت ذلك، وفقاً للدستور الذي ينص في المادة 66 على أن السلطة التنفيذية الاتحادية تتكون من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، وتُمارس صلاحيتها بموجب الدستور والقانون». وتابع أن «رئيس الجمهورية ليست مهمته تطبيق المادة 76 من الدستور، التي تنص أن رئيس الجمهورية يكلف مرشح الكتلة الكبرى عدداً بتشكيل مجلس الوزراء خلال 15 يوماً. وبالتالي لا بد أن يكون للرئيس له رأي في مسار التكليف، علماً بأن إشكالية (الكتلة الكبرى) قائمة منذ التفسير الأول للمحكمة الاتحادية بشأنها خلال انتخابات 2010 وإلى اليوم». وأوضح المقرب من رئيس الجمهورية أن «التكليفين اللذين سبقا تكليف مصطفى الكاظمي - الذي كان خيار الرئيس المفضل منذ البداية - لم يكن هو السبب في ترشيح صاحبيهما... لا بالنسبة لمحمد توفيق علاوي، ولا عدنان الزرفي، ولا في الآليات، ولا في طريقة التكليف، بل كانت هناك تواقيع أو موافقات صادرة عن كثير من الكتل السياسية التي أعلن بعضها دعمه بشكل واضح لكلا المكلفين». وأشار المقرّب إلى أنه «لو جرى الأخذ بما طرحه رئيس الجمهورية منذ نحو 5 أشهر بشأن تكليف الكاظمي لما دخلنا في هذا النفق من الأزمة السياسية التي ترتب عليها كثير خلال الفترة الماضية؛ خصوصاً أن الجميع عاد ووقف إلى جانب الكاظمي».
في أي حال، على الرغم من تكليف الكاظمي وتمريره فجر الخميس الماضي عبر البرلمان بغالبية واضحة، فإن الأزمة بين صالح وعدد من القيادات الشيعية لم تنتهِ بعد. كما أنها لا تبدو وشيكة النهاية مع الكاظمي نفسه وقيادات أخرى من الوسط الشيعي نفسه، الذي لم يُخفِ رفضه للكاظمي، حتى بعد إعلان إيران ترحيبها به مرتين... مرة عند التكليف ومرة عند نيل الثقة.

حقيبتا
الدفاع والداخلية

صحيح أن 7 حقائب وزارية لا تزال شاغرة، لكن الحكومة المؤلفة من 22 وزيراً مرّ منها 15 حقيبة وزارية، تتصدرها «الدفاع» و«الداخلية»، علماً بأن هاتين الوزارتين كانتا الوزارتين الوحيدتين اللتين لم تمرا إلا بعد شهور من تشكيل الحكومة في كل الحكومات السابقة، ما بعد عام 2003. وفي إحدى الحكومات (عام 2010) بقيت وزارتا الدفاع والداخلية شاغرتين طوال مدة الدورة البرلمانية والحكومية، البالغة 4 سنوات، وكانتا تداران بالوكالة.
مع ذلك، فإنه طبقاً للطيف السياسي العراقي، ورغم حدة التأزم، بدا تمرير الحكومة أمراً طبيعياً. إذ قال السياسي العراقي المستقل عزت الشابندر لـ«الشرق الأوسط» في لقاء: «مع إيماني بما يسمى شرط استقلالية الحكومة، فإنه بدعة ساذجة في قاموس (التخبيص) السياسي في العراق، أو هو أحد أدوات جلد الذات من قبل الفاشلين، دون الإعلان عن فشلهم وتراجعهم... وبذلك يكون أحد أدوات النصب والاحتيال للاستيلاء على السلطة من جديد». وأضاف الشابندر: «أرى أن أحوج ما نكون إليه الآن هو ألا نهزأ بعقولنا ونحتال على الناس إلى حدّ الإسفاف، ونعي أن حقيقة استقلالية الوزير في الحكومة لا تنحصر في ألا يكون حزبياً أو سياسياً، بل تتعدى ذلك إلى ألا يكون مرشحاً من قبل حزب أو جهة سياسية». وتابع أن «الكابينة الوزارية لن تكون مستقلة إلا إذا كان أعضاؤها مستقلين، أو باختيار من قبل المكلف بتشكيل الحكومة، وهو ما يحاول عمله الأخ مصطفى الكاظمي».
ومن جهته، صرّح السياسي والنائب السابق حيدر الملا لـ«الشرق الأوسط» بأن «الكاظمي سيمرّ مع وجود خلافات هنا وهناك، لكنها في النهاية لن تشكل عائقاً أمام التصويت داخل قبة البرلمان، مهما كانت الاعتراضات، التي لم تعد أساسية، بقدر ما أنها تدخل في باب التفاصيل»، وهو ما تم فعلاً من خلال نيل الكاظمي ثقة البرلمان. وأردف الملا أن «المهم في الأمر أن القوى الرئيسية اتفقت على تمرير الكاظمي، وبالتالي لم تعد هناك صعوبات أساسية في طريقه يمكن أن تعرقل عملية التصويت».
وأما فرهاد علاء الدين، رئيس المجلس الاستشاري العراقي، فعلّق لـ«الشرق الأوسط» موضحاً أن «كل المؤشرات تذهب باتجاه تمرير الحكومة، لكن ليس كلها، إذ يمكن التصويت على 18 وزارة من أصل 21، مع بقاء وزارة المالية شاغرة حتى يحُسم الخلاف بشأن الوزارة والوزير معاً». ورداً على سؤال؛ كيف يمكن تصور المشهد السياسي القادم في العراق؟ وما إذا كانت الحكومة المقبلة قادرة على مواجهة التحديات، قال علاء الدين إن «المشهد سيكون معقداً جداً، ولا سيما أن الرئيس المكلف لا يملك عصا سحرية لحل الأزمات الحالية الخانقة».
وأضاف «أن الرئيس المكلف سيكون في موقع جيد للتصدي بمساعدة الدول الصديقة لتقديم المساعدة، كما أنه يريد أن يغير الواقع الحالي الاقتصادي من خلال إطلاق المبادرات. والأزمة الاقتصادية ستكون هي الحاكمة بشكل كبير، يليها الملف الأمني، حيث ستكون هناك تجاذبات وكسر إرادة في الأيام القليلة الأولى، ليختبر كل طرف الطرف الآخر من حيث النوايا والمصداقية».

سيرة ذاتية وسياسية في سطور

> ولد مصطفى الكاظمي في بغداد عام 1967. ولكن جذوره تعود إلى قضاء الشطرة في محافظة ذي قار (عاصمتها مدينة الناصرية)، ودرس القانون في العراق، قبل أن يعمل بالصحافة.
> اشتهر كاتباً لمقالات الرأي، ومديراً لتحرير قسم العراق في موقع «مونيتور» (باللغة الإنجليزية).
> عُرف بمناهضته حكم الرئيس السابق الراحل صدام حسين، من المنفى في إيران والسويد وبريطانيا.
> أدار من بغداد ولندن مؤسسة «الحوار الإنساني». ورغم أنه عاش سنوات في المنفى لم ينضم إلى أي من الأحزاب السياسية العراقية.
> بعد الغزو الأميركي عام 2003، عاد إلى العراق؛ حيث شارك في تأسيس «شبكة الإعلام العراقي»، جنباً إلى جنب مع عمله مديراً تنفيذياً لـ«مؤسسة الذاكرة العراقية»، وهي منظمة تأسست لغرض توثيق جرائم النظام السابق.
> عُيّن رئيساً لجهاز المخابرات الوطني العراقي في يونيو (حزيران) 2016. وكان هذا المنصب آخر منصب تولاه قبل أن تسند إليه رئاسة الحكومة.


مقالات ذات صلة

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

حصاد الأسبوع مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع ابراهيم محلب (رويترز)

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع الناشط الأيود الراخل خلال لقائه بالمغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1964 (آ ب)

ترمب يحاول «تبييض» صفحات أميركا

ودّعت الولايات المتحدة أخيراً القس جيسي جاكسون، أحد أهم الشخصيات السوداء في تاريخ البلاد، والقيادي الجماهيري الذي لعب دوراً محورياً في تجييش الناخب الأسود

علي بردى (واشنطن)
حصاد الأسبوع ترمب مع مغنية "الراب" الترينيدادية نيكي ميناج (آ ب)

ترمب... و«أصدقاؤه السود»

> في موازاة السياسات التي تعيد الاعتبار لزعماء كانوا مسؤولين عن بعض أسوأ مراحل الرق، يرفض الرئيس دونالد ترمب الاتهامات التي توجه إليه بأنه «عنصري»، مكرّراً


بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.