الكاظمي... ومعضلة إخراج العراق من أزماته

أمام خلفية التنافر بين «الكتل الشيعية» والرئيس برهم صالح

الكاظمي...  ومعضلة إخراج العراق من أزماته
TT

الكاظمي... ومعضلة إخراج العراق من أزماته

الكاظمي...  ومعضلة إخراج العراق من أزماته

لم يكن سهلاً سباق المسافات الطويل نحو عراق يراد له أن يكون جديداً طِبقاً للشعار الذي رفعته ساحات التظاهر التي انطلقت منذ الأول من أكتوبر (تشرين الأول) من العام 2019 بدءاً من التحرير في بغداد إلى باقي الساحات في المحافظات الوسطى والجنوبية، وهو «نريد وطناً».
هذا السباق حاول كثيرون قطعه في أعقاب اضطرار عادل عبد المهدي إلى الاستقالة تحت ضغط المظاهرات وخيار المرجعية الدينية العليا في النجف، وخصوصاً المرجع الأعلى آية الله علي السيستاني. يومذاك كان الهدف من استقالة عبد المهدي هو تشكيل حكومة جديدة قادرة على التعامل مع الأزمة التي تكاد تكون الوحيدة آنذاك، وهي أزمة المظاهرات، وما بدأت تخلفه من تداعيات بدت مُحرجة لكل الطبقة السياسية العراقية التي حكمت البلاد منذ عام 2003 وإلى اليوم. غير أن النزاعات والخلافات بين أقطاب هذه الطبقة السياسية عاودت الظهور بقوة. وبسبب نظام المحاصصة العرقية والطائفية فإن مسار تشكيل الحكومة العراقية كان لا بد أن يمر بعدة مسارات، بدءاً من عملية الاختيار، فالترشيح والتكليف من قبل رئيس الجمهورية، طبقاً للدستور، ومن ثم التصويت داخل قبة البرلمان.
وهكذا، بعد استقالة عبد المهدي بدأ البحث عن البديل المناسب للمهمة القادمة، إلا أن الطبقة السياسية واجهت مشكلة المظاهرات التي كانت سرعان ما تعلن رفض أي مرشح يُطرح اسمه من قبل الكتل السياسية. ثم إن ساحات التظاهر نفسها لم تكن لها هي الأخرى، شأنها شأن القوى السياسية، صاحبة رؤى موحدة حيال المرشحين لهذا المنصب، الذي هو من حيث التمثيل الحصري من حصّة المكوّن الشيعي، والذي رسا في نهاية المطاف على مصطفى الكاظمي. وسيكون الآن على رئيس الحكومة الجديد، الآتي من جهاز المخابرات، أن يقود مهمة إخراج العراق من أزماته المتعددة، في ظل تنافر واضح بين كتل شيعية والرئيس برهم صالح.

بدأت لعبة «الكرّ والفرّ» بشأن مَن سيتمكن من الفوز باختيار رئيس الحكومة العراقية العتيدة تأخذ مسارات مختلفة ومعقّدة، وكان طرفاها الرئيسان في أول الأمر؛ الكتل السياسية، وخصوصاً الشيعية منها، والجسم الأساسي للمظاهرات، التي هي في الغالب مظاهرات لشبان أيضاً من شيعة المدن والمحافظات ذات الغالبية الشيعية. بيد أن هذا «الكرّ والفرّ» السياسي لم يؤدِّ إلى تغيير المعادلة إلا بقدر محدود، تمثل في إقالة الحكومة، ولكن من دون طرح البديل المقنع. وللعلم، كانت قد ظهرت مصطلحات مختلفة، في محاولة للخروج من الأزمة أو التخفيف من وطأتها، مثل «المجرَّب لا يجرَّب» أو «المرشح الجدلي»، وما إلى ذلك من مصطلحات ومفاهيم دخلت حيز الخطاب السياسي العراقي، في وقت تصاعدِ حدة المظاهرات، حتى بعد استقالة عادل عبد المهدي.
وفي حين كان المأمول أن تتوقف المظاهرات، على أمل أن تجد الطبقة السياسية الفرصة المناسبة لاختيار رئيس حكومة بديل لعبد المهدي، فإن المتظاهرين استمروا برفع شعار رفض عبد المهدي وبدلائه. بل كان كل اسم يجري ترشيحه للمنصب (الأهم سياسياً في العراق) كانت تُشاهد صورُه خلال اليوم التالي في ساحة التحرير، وهي إما تُحرق من قبل المتظاهرين وإما توضع عليها علامة «أكس». ومع ذلك، فإن الكتل السياسية ما كانت مستعدة لتقديم تنازلات جدية حيال ما يجري، بل إنها كانت تراهن على عامل الوقت في إنهاء المظاهرات.
الكاظمي والصدر

كان زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر من بين أوائل الزعماء العراقيين الذين طرحوا اسم مصطفى الكاظمي، مدير جهاز المخابرات لمنصب رئاسة الوزراء. وجاء ذلك على شكل تغريدة له، أعلن فيها أنه يطرح، من دون أن يتبنى، أسماء كلٍ من مصطفى الكاظمي، والنائب المثير للجدل في البرلمان العراقي فائق الشيخ علي، والقاضي رحيم العكيلي.
رسالة الصدر وصلت بطرق مختلفة إلى الطبقة السياسية، وكذلك الشارع المتظاهر الذي تعامل معها من زوايا مختلفة. قسم منها ذهب إلى قبول محتواها، وقسم آخر رفضها من منطلق أن الشارع يبحث عن مستقلين تماماً.
القوى الشيعية، وبخاصة بعض أطراف تحالف «الفتح» و«دولة القانون» والفصائل المسلحة، لم تتعاطَ مع الخيار الذي طرحه الصدر فيما يتعلق بالكاظمي، وهو ما جعل الصدر لا يعاود تبني هذا المقترح، وإن كان قد بقي مضمراً لديه. وبالفعل، هذا ما ظهر أخيراً، حين جرى الاتفاق على الكاظمي بوصفه «مرشح الجميع»، إذ أعلنت كتلة «سائرون» التي يدعمها الصدر تأييدها له، وبالفعل صوّتت له داخل قبة البرلمان.
وفي هذا الصدد، يقول النائب عن كتلة «سائرون» برهان المعموري لـ«الشرق الأوسط» إن «موقف كتلة (سائرون) كان واضحاً منذ البداية وهو تخويل رئيس الوزراء المكلف اختيار كابينته الوزارية وفق المعايير الموضوعية التي تنطبق على الجميع دون استثناء». وبيّن أن «الهدف من وراء ذلك كان أن يشكل حكومة بعيدة عن المحاصصة، بحيث لا يُولد اختياره للمرشحين جدلاً، بل يكون المرشح كفؤاً ونزيهاً ومستقلاً بحيث يحظى بالمقبولية».
وأضاف المعموري أن «الأمر الآخر المهم الذي ركزنا عليه هو الانتخابات والتهيؤ لها بطريقة صحيحة». ورداً على سؤال بشأن مواقف الكتل السياسية، يقول المعموري، إن «مواقف بعض الكتل متغيرة، وهذا التغيير يأتي بحجة عدم القناعة بالمرشحين من جانب، ومن جانب آخر حفظ التوازن المكوناتي والقومي». وأردف موضحاً أن «هناك أمراً آخر، وهو أن هناك كتلاً لا تؤمن بالمستقلين، وبالتالي فإنها تبحث عن الاستحقاق الانتخابي». وبشأن حظوظ الكاظمي، يقول المعموري، إن «حظوظه هو الآخر متغيرة ومرتبطة عموماً بمدى التزامه باختيار الشخصيات، وطبقاً للمواصفات التي أشرنا إليها، وكذلك مدى تواصله مع الكتل السياسية لجهة التوافق على شخصيات مقبولة ولا توجد عليها مؤشرات».

أزمة مع صالح

في هذه الأثناء، لم يطل شهر العسل بين الرئيس الكردي للجمهورية الدكتور برهم صالح، وبين الكتل الشيعية الرئيسة، ربما باستثناء الزعيمين الشيعيين البارزين ورجلي الدين مقتدى الصدر زعيم «التيار الصدري» وعمار الحكيم زعيم «تيار الحكمة». فبعد انتخاب صالح رئيساً للجمهورية بطريقة بدت احتفالية داخل البرلمان، في مقابل المرشح الآخر الدكتور فؤاد حسين، الذي هو مرشح زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، بدأت العلاقة تأخذ مساراً أكثر تعقيداً عندما استقال عادل عبد المهدي.
والواقع أن للأزمة مقدماتها، فالشيعة يرون أن الرئيس برهم صالح «تمدد» كثيراً على مساحتهم في الحكم والسلطة. إلا أن ما فعله صالح هو أن منصب رئيس الجمهورية في عهده ما عاد شكلياً. ووفق كلام مصدر مقرب منه لـ«الشرق الأوسط» فإن «الرئيس صالح تصرف منذ أزمة استقالة رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي، ومن ثم سلسلة الأزمات التي لحقت ذلك، وفقاً للدستور الذي ينص في المادة 66 على أن السلطة التنفيذية الاتحادية تتكون من رئيس الجمهورية ومجلس الوزراء، وتُمارس صلاحيتها بموجب الدستور والقانون». وتابع أن «رئيس الجمهورية ليست مهمته تطبيق المادة 76 من الدستور، التي تنص أن رئيس الجمهورية يكلف مرشح الكتلة الكبرى عدداً بتشكيل مجلس الوزراء خلال 15 يوماً. وبالتالي لا بد أن يكون للرئيس له رأي في مسار التكليف، علماً بأن إشكالية (الكتلة الكبرى) قائمة منذ التفسير الأول للمحكمة الاتحادية بشأنها خلال انتخابات 2010 وإلى اليوم». وأوضح المقرب من رئيس الجمهورية أن «التكليفين اللذين سبقا تكليف مصطفى الكاظمي - الذي كان خيار الرئيس المفضل منذ البداية - لم يكن هو السبب في ترشيح صاحبيهما... لا بالنسبة لمحمد توفيق علاوي، ولا عدنان الزرفي، ولا في الآليات، ولا في طريقة التكليف، بل كانت هناك تواقيع أو موافقات صادرة عن كثير من الكتل السياسية التي أعلن بعضها دعمه بشكل واضح لكلا المكلفين». وأشار المقرّب إلى أنه «لو جرى الأخذ بما طرحه رئيس الجمهورية منذ نحو 5 أشهر بشأن تكليف الكاظمي لما دخلنا في هذا النفق من الأزمة السياسية التي ترتب عليها كثير خلال الفترة الماضية؛ خصوصاً أن الجميع عاد ووقف إلى جانب الكاظمي».
في أي حال، على الرغم من تكليف الكاظمي وتمريره فجر الخميس الماضي عبر البرلمان بغالبية واضحة، فإن الأزمة بين صالح وعدد من القيادات الشيعية لم تنتهِ بعد. كما أنها لا تبدو وشيكة النهاية مع الكاظمي نفسه وقيادات أخرى من الوسط الشيعي نفسه، الذي لم يُخفِ رفضه للكاظمي، حتى بعد إعلان إيران ترحيبها به مرتين... مرة عند التكليف ومرة عند نيل الثقة.

حقيبتا
الدفاع والداخلية

صحيح أن 7 حقائب وزارية لا تزال شاغرة، لكن الحكومة المؤلفة من 22 وزيراً مرّ منها 15 حقيبة وزارية، تتصدرها «الدفاع» و«الداخلية»، علماً بأن هاتين الوزارتين كانتا الوزارتين الوحيدتين اللتين لم تمرا إلا بعد شهور من تشكيل الحكومة في كل الحكومات السابقة، ما بعد عام 2003. وفي إحدى الحكومات (عام 2010) بقيت وزارتا الدفاع والداخلية شاغرتين طوال مدة الدورة البرلمانية والحكومية، البالغة 4 سنوات، وكانتا تداران بالوكالة.
مع ذلك، فإنه طبقاً للطيف السياسي العراقي، ورغم حدة التأزم، بدا تمرير الحكومة أمراً طبيعياً. إذ قال السياسي العراقي المستقل عزت الشابندر لـ«الشرق الأوسط» في لقاء: «مع إيماني بما يسمى شرط استقلالية الحكومة، فإنه بدعة ساذجة في قاموس (التخبيص) السياسي في العراق، أو هو أحد أدوات جلد الذات من قبل الفاشلين، دون الإعلان عن فشلهم وتراجعهم... وبذلك يكون أحد أدوات النصب والاحتيال للاستيلاء على السلطة من جديد». وأضاف الشابندر: «أرى أن أحوج ما نكون إليه الآن هو ألا نهزأ بعقولنا ونحتال على الناس إلى حدّ الإسفاف، ونعي أن حقيقة استقلالية الوزير في الحكومة لا تنحصر في ألا يكون حزبياً أو سياسياً، بل تتعدى ذلك إلى ألا يكون مرشحاً من قبل حزب أو جهة سياسية». وتابع أن «الكابينة الوزارية لن تكون مستقلة إلا إذا كان أعضاؤها مستقلين، أو باختيار من قبل المكلف بتشكيل الحكومة، وهو ما يحاول عمله الأخ مصطفى الكاظمي».
ومن جهته، صرّح السياسي والنائب السابق حيدر الملا لـ«الشرق الأوسط» بأن «الكاظمي سيمرّ مع وجود خلافات هنا وهناك، لكنها في النهاية لن تشكل عائقاً أمام التصويت داخل قبة البرلمان، مهما كانت الاعتراضات، التي لم تعد أساسية، بقدر ما أنها تدخل في باب التفاصيل»، وهو ما تم فعلاً من خلال نيل الكاظمي ثقة البرلمان. وأردف الملا أن «المهم في الأمر أن القوى الرئيسية اتفقت على تمرير الكاظمي، وبالتالي لم تعد هناك صعوبات أساسية في طريقه يمكن أن تعرقل عملية التصويت».
وأما فرهاد علاء الدين، رئيس المجلس الاستشاري العراقي، فعلّق لـ«الشرق الأوسط» موضحاً أن «كل المؤشرات تذهب باتجاه تمرير الحكومة، لكن ليس كلها، إذ يمكن التصويت على 18 وزارة من أصل 21، مع بقاء وزارة المالية شاغرة حتى يحُسم الخلاف بشأن الوزارة والوزير معاً». ورداً على سؤال؛ كيف يمكن تصور المشهد السياسي القادم في العراق؟ وما إذا كانت الحكومة المقبلة قادرة على مواجهة التحديات، قال علاء الدين إن «المشهد سيكون معقداً جداً، ولا سيما أن الرئيس المكلف لا يملك عصا سحرية لحل الأزمات الحالية الخانقة».
وأضاف «أن الرئيس المكلف سيكون في موقع جيد للتصدي بمساعدة الدول الصديقة لتقديم المساعدة، كما أنه يريد أن يغير الواقع الحالي الاقتصادي من خلال إطلاق المبادرات. والأزمة الاقتصادية ستكون هي الحاكمة بشكل كبير، يليها الملف الأمني، حيث ستكون هناك تجاذبات وكسر إرادة في الأيام القليلة الأولى، ليختبر كل طرف الطرف الآخر من حيث النوايا والمصداقية».

سيرة ذاتية وسياسية في سطور

> ولد مصطفى الكاظمي في بغداد عام 1967. ولكن جذوره تعود إلى قضاء الشطرة في محافظة ذي قار (عاصمتها مدينة الناصرية)، ودرس القانون في العراق، قبل أن يعمل بالصحافة.
> اشتهر كاتباً لمقالات الرأي، ومديراً لتحرير قسم العراق في موقع «مونيتور» (باللغة الإنجليزية).
> عُرف بمناهضته حكم الرئيس السابق الراحل صدام حسين، من المنفى في إيران والسويد وبريطانيا.
> أدار من بغداد ولندن مؤسسة «الحوار الإنساني». ورغم أنه عاش سنوات في المنفى لم ينضم إلى أي من الأحزاب السياسية العراقية.
> بعد الغزو الأميركي عام 2003، عاد إلى العراق؛ حيث شارك في تأسيس «شبكة الإعلام العراقي»، جنباً إلى جنب مع عمله مديراً تنفيذياً لـ«مؤسسة الذاكرة العراقية»، وهي منظمة تأسست لغرض توثيق جرائم النظام السابق.
> عُيّن رئيساً لجهاز المخابرات الوطني العراقي في يونيو (حزيران) 2016. وكان هذا المنصب آخر منصب تولاه قبل أن تسند إليه رئاسة الحكومة.


مقالات ذات صلة

ديمقراطيو 2028... أسماء كثيرة وبطاقة لم تتبلور بعد

حصاد الأسبوع أوكازيو - كورتيز (أ.ف.ب/ غيتي)

ديمقراطيو 2028... أسماء كثيرة وبطاقة لم تتبلور بعد

لم تتبلور بعد بطاقة ديمقراطية للرئاسة الأميركية، والأسماء المتداولة لا تزال تحت الاختبار. فنتائج الانتخابات النصفية ستؤثر على مكانة المتنافسين وعلى السؤال الذي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع مناصرو الرئيس اليساري يحتشدون في ساو باولو كبرى مدن البرازيل وعاصمتها الاقتصادية (أ.ب)

«لولا» ربح معركته الأخيرة ضد اليمين اللاتيني... لكن انتصاره مهدّد

كثيرة هي العبر التي يمكن استخلاصها من الانتخابات الرئاسية البرازيلية التي، خلافاً لمعظم التوقعات، جدّد فيها لويس إيغناسيو دا سيلفا «لولا» ولايته رغم الخسارة

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف

رائد جبر (موسكو)

ديمقراطيو 2028... أسماء كثيرة وبطاقة لم تتبلور بعد

أوكازيو - كورتيز (أ.ف.ب/ غيتي)
أوكازيو - كورتيز (أ.ف.ب/ غيتي)
TT

ديمقراطيو 2028... أسماء كثيرة وبطاقة لم تتبلور بعد

أوكازيو - كورتيز (أ.ف.ب/ غيتي)
أوكازيو - كورتيز (أ.ف.ب/ غيتي)

لم تتبلور بعد بطاقة ديمقراطية للرئاسة الأميركية، والأسماء المتداولة لا تزال تحت الاختبار. فنتائج الانتخابات النصفية ستؤثر على مكانة المتنافسين وعلى السؤال الذي سيحكم هذا الاختبار: هل يحتاج الحزب إلى wشخصية أكثر مواجهة؟ أم إلى مرشح يستطيع استعادة الولايات المتأرجحة؟ أم أن المشكلة تكمن في برنامجه وتحالفاته وخياراته السياسية والاقتصادية والائتلاف الذي يستطيع حملها؟ وتظهر التحركات المبكرة منافسة مفتوحة بين حكام وسيناتورات وشخصيات خاضت تجارب وطنية سابقة.

كمالا هاريس: تبقى نائبة الرئيس السابقة صاحبة شهرة وطنية واسعة وتجربة حملة رئاسية. وتظهر في مقدّمة عدد من استطلاعات الترشيح المبكّرة. لكن عودتها ستفرض عليها تفسير هزيمة 2024 وإقناع الحزب بأن حملتها المقبلة ستقدم شيئاً مختلفاً. والاستطلاعات البعيدة عن موعد التصويت تقيس الشهرة بقدر ما تقيس الاختيار النهائي.

غافين نيوسوم: يمنحه حُكم كاليفورنيا، كبرى الولايات الأميركية، حضوراً تنفيذياً وإعلامياً كبيراً. وقد تجذب صورته المواجهة لترمب ناخبين يريدون مرشحاً هجومياً، بينما سيحتاج لإثبات أن خطابه يتجاوز قاعدة الحزب في الولايات الديمقراطية.

بيت بوتيجيج (بو دجاج): يمتلك خبرة التنافس الرئاسي والعمل وزيراً للنقل، وقدرة على شرح السياسات أمام جمهور وطني. ويتمثل اختباره في تحويل مهارته الإعلامية إلى ائتلاف انتخابي أوسع ممّا بناه في تجربته الأولى. وترد أسماء نيوسوم وبوتيجيج ضمن أبرز الشخصيات التي تتحرّك باتجاه المنافسة المحتملة.

نيوسوم (أ.ف.ب)

جوش شابيرو وآندي بشير: يمثل حاكما بنسلفانيا وكنتاكي حجة القابلية للفوز خارج المعاقل الديمقراطية المضمونة. لكن نجاحهما محلياً سيختبر أمام منافسين ديمقراطيين أقوياء وتدقيق وطني أشد. وقد أثار موقع «أكسيوس» تحديداً سؤال مدى اختبار شابيرو في مواجهات انتخابية صعبة.

ألكساندريا أوكازيو - كورتيز ورو خانا: نائبان يبرزان في النقاش حول تمثيل الجناح «التقدمي»، مع اختلاف أسلوبيهما. يطرح خانا رأسمالية تقدمية توظّف الاستثمار الخاص لإحياء الصناعة وتحسين أوضاع العمال في مقاربة لتقاليد «الصفقة الجديدة» الأميركية، بينما تمثل كورتيز حضوراً بارزاً للتيار المطالب بتغيير أعمق.

هذا، وتضم اللائحة الأوسع السيناتور مارك كيلي، وحاكم إيلينوي جيه بي بريتزكر، وحاكم ماريلاند ويس مور، ورام إيمانويل وإليسا سلوتكين. بعض هؤلاء يدرس الترشح علناً، وبعضهم يترك الباب موارباً. ولن تحسم الأسماء وحدها المنافسة، فإسرائيل والحروب وتكاليف المعيشة والعلاقة بالشركات ستكون اختبارات للبرامج والتحالفات.


«لولا» ربح معركته الأخيرة ضد اليمين اللاتيني... لكن انتصاره مهدّد

مناصرو الرئيس اليساري يحتشدون في ساو باولو كبرى مدن البرازيل وعاصمتها الاقتصادية (أ.ب)
مناصرو الرئيس اليساري يحتشدون في ساو باولو كبرى مدن البرازيل وعاصمتها الاقتصادية (أ.ب)
TT

«لولا» ربح معركته الأخيرة ضد اليمين اللاتيني... لكن انتصاره مهدّد

مناصرو الرئيس اليساري يحتشدون في ساو باولو كبرى مدن البرازيل وعاصمتها الاقتصادية (أ.ب)
مناصرو الرئيس اليساري يحتشدون في ساو باولو كبرى مدن البرازيل وعاصمتها الاقتصادية (أ.ب)

كثيرة هي العبر التي يمكن استخلاصها من الانتخابات الرئاسية البرازيلية التي، خلافاً لمعظم التوقعات، جدّد فيها لويس إيغناسيو دا سيلفا «لولا» ولايته رغم الخسارة التي مُني بها في الجولة الأولى من التصويت. بهذه النتيجة المفاجئة، أصبح السياسي اليساري المخضرم البرازيلي الأول الذي يتولى الرئاسة أربع مرات، على غرار ما فعل فرانكلين روزفلت في الولايات المتحدة قبل قرار حصر الولايات الرئاسية باثنتين. لكن لعل الأهم بين هذه العبر، أن صناديق الاقتراع كانت قادرة على إلحاق الهزيمة بالمنصّات الرقمية والشركات التكنولوجية العملاقة، وأن الموجة «الترمبية» التي دفعت بسبعة من القادة اليمينيين المتطرفين إلى الرئاسة في دول أميركا اللاتينية ليست قدراً محتوماً. ولا شك في أن آخر فصل من مسلسل هذه الانتخابات، الذي انتهى بهروب المرشح الخاسر مع عائلته إلى الولايات المتحدة حيث يحل الآن في كنف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يضفي مزيداً من التشويق والترقب على هذا الصراع بين اليمين واليسار، ليس في المنطقة فحسب... بل على امتداد العالم.

لو عدنا إلى زعماء الدول الذين تعاقبوا على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، فلن نجد بينهم مَن له سيرة سياسية وشخصية وملحمية تعادل تلك التي يحملها على كتفيه لويس إيغناسيو دا سيلفا «لولا»، هذا الكهل الذي يرفض أن يشيخ، والذي ترك المدرسة الثانوية في صباه الأول ليعمل في مصنع للصلب كي يساعد والدته في تربية الأسرة. ثم أصبح ناشطاً نقابياً وسياسياً تربّع على رئاسة البرازيل ثلاث مرات، وعاد اليوم، بعدما تجاوز سن الثمانين من العمر، ليفوز بولاية رابعة ويقف سداً منيعاً بوجه الإعصار اليميني المتطرف الذي يهبّ على عموم كيانات أميركا اللاتينية.

خطاب «لولا» في الأمم المتحدة

في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، استحضر «لولا» العناوين السياسية الكبرى مثل النظام الدولي المتعدّد الأطراف «المحاصر»، والتهديدات المحيطة بالنظام الديمقراطي، وسيادة الدول التي تهددها شريعة الغاب، والقانون الدولي الذي يكاد يكون حبراً على ورق.

لكن في المهرجانات الشعبية التي كان يتكلّم خلالها «لولا» إلى أنصاره على امتداد الحملة الانتخابية، وجدناه يميل دائماً للكلام عن شؤونه الخاصة، وبالتحديد عن والدته السيدة ليندو، الشخصية المحورية في حياته.

كذلك عندما وقف أمام مؤيديه في الملعب الرياضي، حيث كان يخطب في العمال ضد النظام الديكتاتوري الذي زجّه في السجن عدة مرات، قال مشيراً إلى أمه: «دونيا ليندو، الأميّة، تجرّأت على هجرة زوجها الذي كان يعنّفها، وربّت أولادها الثمانية في كوخ حقير، وحوّلت لولينيا الصغير إلى هذا الشيء الجميل الذي يقف أمامكم».

وحقاً، خلال الأسابيع الثلاثة الفاصلة بين صدمة الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية والجولة الثانية، أظهر «لولا» قدرة استثنائية على المقاومة والمثابرة. وكتب فصلاً بطولياً آخر في سيرته الذاتية عندما استطاع أن يعكس النتيجة لصالحه، ويقف من على أكبر منبر ديمقراطي في أميركا اللاتينية، متحدياً بنجاح التمدّد اليميني المتطرّف الثريّ الذي ترعاه وتغذيه الولايات المتحدة.

من جهة ثانية، لا شك أن منافسه في هذه الانتخابات لم يكن من «العيار السياسي الثقيل»، وكان يجرّ وراءه إرثاً ثقيلاً من الفضائح المالية والملاحقات القضائية المفتوحة.

أيضاً ليس سراً أن نسبة عالية من التأييد الذي قاد المتحدي اليميني فلافيو بولسونارو إلى الفوز في الجولة الأولى مردّها إلى النقمة الشعبية المتزايدة على حزب العمال، الذي شكّل خمس حكومات في السنوات العشرين المنصرمة، ظهرت في معظمها سلسلة طويلة من فضائح الفساد المالي والاقتصادي طالت مقربين من «لولا».

لكن هذا لا يلغي أن «لولا» أبدى قدرة استثنائية على مواجهة الانتكاسات والصعاب، بدءاً من إدخاله السجن وتبرئته بعد سنوات، إلى وفاة زوجته، والهزائم الانتخابية الثلاث التي سبقت وصوله إلى السدة الرئاسية مطلع هذا القرن، فضلاً عن تعافيه من مرض السرطان، ثم هزيمته في الجولة الأولى من الانتخابات الأخيرة بفارق لا بأس به عن منافسه.

«لولا»... الاستحقاقات الصعبة بعد الانتصار الكبير (أ.ب)

انتصار «لولا» يشكّل انتكاسة قاسية للرئيس الأميركي ترمب خاصة

عشية الانتخابات النصفية التي يخوضها وشعبيته في أدنى مستوياتها

احتفاء اليسار... وتقبّل اليمين

اليسار الأميركي اللاتيني الذي كان يتهيّب فوز بولسونارو ويخشاه، سارع إلى الاحتفاء بالنصر التاريخي الذي حققه «لولا»... بل أطلق عليه لقب «بيليه التقدميين» تيمناً بنجم كرة القدم الأسطوري «الجوهرة السوداء». والرئيسة المكسيكية كلاوديا شاينباوم، بدورها، تنفّست الصعداء لهذا الفوز الذي ترى فيه دعماً لها في المواجهة السياسية والدبلوماسية مع «جارتها» الولايات المتحدة، كذلك سارع رؤساء يساريون سابقون لتهنئته، على رأسهم الأرجنتينية كريستينا كيرشنير والكولومبي غوستافو بترو والتشيلي غابريل بوريتش.

في المقابل، دفع الثقل الاقتصادي الوازن للبرازيل «اضطراراً» العديد من القادة اليمينيين في أميركا اللاتينية، أيضاً، إلى تهنئة «لولا» بفوزه. ذلك أن اثنين منهم هما رئيس بوليفيا رودريغو باز ورئيس الباراغواي سانتياغو بنيا، سبقا القيادات اليسارية في التهنئة.

ومن جهته، لم ينتظر الرئيس التشيلي خوسيه أنطونيو كاتس - وهو يميني متطرف - خطاب «لولا» الأول بعد النصر لتهنئته. وقال إنه اتصل بالرئيس المنتخب ودعاه إلى مواصلة العمل معاً «لتسريع وتيرة الاندماج الاقتصادي والتصدي للجريمة المنظمة عبر الوطنية». وأيضاً، رئيسة البيرو المنتخبة حديثاً كيكو فوجيموري، التي تنتمي هي الأخرى إلى المعسكر اليميني الأكثر تطرّفاً، انضمت سريعاً إلى جوقة المهنئين الذين كانوا لأيام خلت ينتظرون بفارغ الصبر سقوط الرئيس البرازيلي اليساري المخضرم.

بل، حتى الرئيس الكولومبي الجديد آبيلاردو دي لا إسبريلا، المعروف باصطفافه المطلق إلى جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، تجاهل تصريحات الأخير التي ادعى فيها وجود «تلاعب» بنتائج انتخابات البرازيل، وقال إنه تكلم هاتفياً مع بولسونارو، لكنه يقف مع الرئيس المنتخب ويعرب له عن تقديره.

بالتالي، وحده الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، بين غلاة قادة اليمين، امتنع حتى الآن عن تهنئة «لولا»، علماً بأنه من المستبعد أن يفعل ذلك بعدما كان قال في الأيام السابقة: «أرجو ألا تكون الحيلة الأخيرة في حملة لولا القذرة هي سرقة الانتخابات». وهذا، فضلاً عن تصريحات سابقة له وصف فيها «لولا» بأنه «يساري لص» و«قمامة اشتراكية»، ما حدا بالبرازيل إلى سحب سفيرها من الأرجنتين واتخاذها قرار تجميد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

اليسار اللاتيني في مواجهة شركات التكنولوجيا العملاقة

الجميع يدرك أن فوز «لولا» بولايته الرئاسية الرابعة، بعد الدعم المتكرّر الذي أعلنه دونالد ترمب لمنافسه فلافيو بولسونارو، ودخول المنصات الرقمية الكبرى والشركات التكنولوجية العملاقة على خط عرقلة حملة لولا الانتخابية، جاء بمثابة المنشّط للمعسكر اليساري الأميركي اللاتيني، بعدما مُني هذا المعسكر بهزائم متتالية في الانتخابات السبع التي أجريت خلال العامين المنصرمين. وهو، بلا أدنى شك، انتكاسة قاسية للرئيس الأميركي، وبخاصة، عشية الانتخابات النصفية التي يخوضها وشعبيته في أدنى مستوياتها.

والحقيقة أن الرئيس ترمب، منذ عودته إلى البيت الأبيض، وضع بين الأهداف الرئيسة لسياسته في أميركا اللاتينية، إيصال حلفائه إلى الحكم، وجعل من البرازيل هدفه الأكبر من خلال دعمه المتواصل والمكشوف لعائلة بولسونارو. وبالتوازي، جاء هذا الفوز المهم للرئيس اليساري البرازيلي ليصيب أيضاً ماركو روبيو، وزير الخارجية الأميركي، الذي جعل المواجهة ضد الحكومات اليسارية في المنطقة بنداً أساسياً في أجندته السياسية وطموحاته الرئاسية.

مع هذا، فإن المعسكر اليساري في البرازيل يدرك جيداً أن هذا الانتصار ليس سوى بداية لمرحلة عسيرة محفوفة بالمخاطر والتحديات الجسام. فهو يعرف، مثلاً، أن نصف البرازيليين تقريباً يحملون حقداً دفيناً على «لولا» وحاشيته، وأن سنوات هذه الولاية الرابعة قد لا تعدو كونها تأجيلاً لانهيار معلن في ظروف داخلية ودولية بالغة التعقيد. أيضاً يعرف «لولا»، وقد دخل العقد التاسع من عمره، أنه لن يكون قادراً وحده على وقف الزحف الفاشي و«الإيفانجيلي» الذي ينخر المؤسسات البرازيلية منذ سنوات.

بالتالي، فإن هذا الفوز الاستثنائي الذي كان بمثابة «ريمونتادا» غير مسبوقة في تاريخ البرازيل السياسي - منذ اعتماد الجولة الثانية في الانتخابات الرئاسية - ليس سوى نصر محدد في ظروف دولية معاكسة. والتحدي الأكبر الماثل أمام «لولا» على مغارب مسيرته السياسية هو تحويل هذه الطاقة الشعبية، التي أعاد اكتشافها، إلى قوة قادرة مواصلة التعبئة في المرحلة المقبلة.

صدمة قوية في أسواق المال البرازيلية

على صعيد متصل، عندما صدرت النتائج النهائية التي أكدت فوز «لولا» في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، لم تقتصر المفاجأة فحسب على الأوساط السياسية التي كانت تتوقع فوز منافسه فلافيو بولسونارو، الذي كان تقدم عليه بفارق أربع نقاط في الجولة الأولى، بل وجدت سوق المال نفسها أمام «سيناريو» كانت قد استبعدته كلياً من حساباتها، وسجلت انهياراً تاريخياً بلغ 15 في المائة عند افتتاح نشاطها صباح الاثنين. وهذه نسبة لم تتجاوزها السوق البرازيلية إلا في عام 1998 عندما بلغت نسبة الانهيار 15.83 في المائة بعد قرار روسيا تعليق سداد جزء من ديونها.

وفي موازاة ذلك، تراجع سعر العملة البرازيلية (الريال) بنسبة 8 في المائة أمام الدولار الأميركي، بينما كانت أسعار الفوائد المطبّقة على الديون البرازيلية ترتفع تحت ضغط المستثمرين الساعين لمزيد من المردودية لمواجهة المخاطر. وحقاً، كان التقدم الواضح الذي أحرزه بولسونارو في الجولة الأولى قد عزّز توقعات المستثمرين بالاتجاه نحو سياسة اقتصادية أكثر مواءمة لأسواق المال التي سجّلت في أعقاب الجولة الأولى من الانتخابات ارتفاعاً بنسبة قاربت 8 في المائة.

من ثم، يعتبر محللون اقتصاديون أن فوز لولا بولاية رابعة سيرفع منسوب التقلّبات في الأمد القصير، بانتظار اتضاح الخطوط الرئيسة للسياسة المالية التي ستنهجها الحكومة الجديدة التي لن تتولى مهامها قبل مطالع العام المقبل.

أيضاً، من المنتظر، بعد استيعاب تداعيات الصدمة، أن يتجه اهتمام السوق المالية إلى التركيز على مسائل ثلاث أساسية:

- موقف المعارضة بعد هروب فلافيو بولسونارو ولجوئه إلى الولايات المتحدة.

- قدرة الرئيس «الجديد - القديم» على تشكيل غالبية تدعمه في الكونغرس الذي تسيطر على أطيافه قوى الوسط واليمين المتطرف.

- السياسة المالية التي ستتبعها الحكومة الجديدة.

المرجح أن الاختبار الأول سيرتبط بهوية الفريق الاقتصادي الذي سيختاره «لولا»، وإلى أي مدى سيكون الرئيس الجديد مستعداً للجمع بين الوفاء بالوعود الاجتماعية التي أطلقها في حملته الانتخابية، والاستراتيجية التي سيعتمدها لضبط الدَّين العام الذي بلغ مستويات قياسية.

أوساط المستثمرين تدرك جيداً الصعوبات التي ستواجه «لولا» بسبب سيطرة الأحزاب اليمينية المعارضة على غالبية المقاعد في مجلسي الشيوخ والنواب. ولقد بدأت منذ الآن تطالب ليس فقط بأسماء تكون موضع ثقتها لأعضاء فريقه الاقتصادي، بل أيضاً بحزمة من التدابير الكفيلة بتوليد فائض يكفي لتحقيق الاستقرار في مستوى الدَّين العام وتحول دون ارتفاعه. وترى هذه الأوساط أنه لا بد من أن تواكب هذه التدابير إجراءات تضبط الإنفاق العام، إلى جانب ضمانات حول استقلالية المصرف المركزي.

في معظم التصريحات التي أدلى بها «لولا»، خلال سيل المهرجانات التي شارك فيها طيلة الحملة الانتخابية التي سبقت الجولة الثانية، كان يكرّر حرصه على خفض الدَّين العام الذي بلغ 80 في المائة من إجمالي الناتج القومي، ولكن «بوتيرة معقولة»، وشريطة ألا تأتي «الإصلاحات» على حساب الأسر متدنية الدخل.

وثمة مَن يعتقد، اليوم، أن الرئيس المنتخب إنما كان يهدف من وراء تلك التصريحات إلى طمأنة الشرائح الفقيرة والمتدنية الدخل من مواطنيه الذين يشكّلون قاعدته الشعبية الأساسية، والذين كان يجهد لاستقطابهم وتعبئتهم في الجولة الثانية. أيضاً، يجمع المحللون الاقتصاديون في تحذيراتهم على أن نسبة الدَّين العام المرتفعة والعجز المتنامي في ميزان المدفوعات، لا يتركان سوى هامش ضيّق جداً للمناورة أمام «لولا» للوفاء بوعوده الانتخابية، فضلاً عن أنه سيواجه غالبية معارضة في مجلسي الشيوخ والنواب.

ولكن في المقابل، تذكر الأوساط المالية والاقتصادية القريبة من «لولا»، أن البرازيل قوة عظمى في الزراعة والطاقة. وهي من أكبر الدول المصدرة للصويا واللحوم والبن والسكر والقطن.


مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.