ترمب يتراجع عن حل فرقة مكافحة الفيروس

اعترف باحتمالات زيادة الإصابات والوفيات مع إعادة فتح الاقتصاد

حاكم ولاية نيويورك أندرو كيومو يشارك في تعقيم مقصورة لقطار الأنفاق (أ.ب)
حاكم ولاية نيويورك أندرو كيومو يشارك في تعقيم مقصورة لقطار الأنفاق (أ.ب)
TT

ترمب يتراجع عن حل فرقة مكافحة الفيروس

حاكم ولاية نيويورك أندرو كيومو يشارك في تعقيم مقصورة لقطار الأنفاق (أ.ب)
حاكم ولاية نيويورك أندرو كيومو يشارك في تعقيم مقصورة لقطار الأنفاق (أ.ب)

تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أقل من 24 ساعة عن خططه لإنهاء عمل فرقة العمل الخاصة بمكافحة فيروس «كورونا» في البيت الأبيض، التي أعلنها مساء الثلاثاء، وعاد صباح أمس (الأربعاء) ليعلن بعد موجة كبيرة من الانتقادات، أن فرقة العمل ستستمر إلى أجل غير مسمى، فيما استمر الجدل حول تحديات فتح الاقتصاد وقرارات حكام الولايات بتخفيف القيود وإعادة فتح المتاجر والشركات وإعادة العمال إلى أعمالهم.
وقال ترمب للصحافيين خلال زيارته لمصنع أقنعة في مدينة فينكس بولاية أريزونا، مساء الثلاثاء، إن «فرقة العمل بقيادة نائب الرئيس مايك بنس قامت بعمل رائع في جمع موارد ضخمة للغاية ووضع معايير عالية ليتبعها الآخرون في المستقبل، لكننا ننظر إلى شكل مختلف قليلاً، وهذا الشكل هو الأمان والانفتاح، وستكون لدينا مجموعة مختلفة على الأرجح لهذا الغرض».
وكان نائب الرئيس الأميركي، مايك بنس، قال لشبكة «إن بي سي نيوز»، أول من أمس (الثلاثاء)، إنه ليس هناك موعد محدد لفرقة العمل لإنهاء عملها رسمياً، لكن هناك توقعات بأن تبدأ الوكالات الفيدرالية في ممارسة هذا العمل أواخر مايو (أيار) الحالي أو أوائل يونيو (حزيران) المقبل. وقال بنس إن مجموعة العمل ناقشت بالفعل هذه الخطة الانتقالية مع الوكالات الفيدرالية لإدارة الطوارئ.
وجاءت تصريحات ترمب بينما تدفع إدارته لإعادة فتح الولايات من أجل إنعاش الاقتصاد الأميركي الذي تأثر بشدة من عمليات الإغلاق. واعترف ترمب بأن بعض الأشخاص سيتأثرون بشدة حينما تتحرك الولايات المختلفة لفتح الاقتصاد. وشدد على أنه عازم على إعادة فتح الاقتصاد رغم أن ذلك قد يعني وفاة مزيد من الأشخاص. وقال للصحافيين: «لا يمكننا إبقاء بلادنا مغلقة للسنوات الخمس المقبلة، هل يتأثر الناس؟ نعم سيتأثرون، ويمكن القول إنه سيكون هناك تكرار للإصابات، ومعظم الأطباء يقولون إن هذا سيحدث، وسنقوم بمواجهة ذلك». وأضاف: «علينا أن نفتح بلادنا وعلينا أن نفتحها قريباً».
وقد أثارت نوايا الإدارة الأميركية إنهاء عمل فرقة مكافحة الفيروس في البيت الأبيض، مخاوف وفزع خبراء الصحة الذين أصروا على أنه ينبغي على البيت الأبيض ألا ينهي عمل الفرقة في خضم استمرار تفشي الوباء.
وكان أعضاء فرقة العمل لمكافحة فيروس «كورونا»؛ من بينهم ديبورا بيركس وأنتوني فاوتشي، قد أقدموا على تصريحات شككوا فيها في صدق ودقة تصريحات ترمب، وحذروا من وعود ترمب بلقاح سريع، كما شككوا في تصريحاته بفعالية الدواء «هيدروكسي كلوروكين».
وسارع الديمقراطيون إلى انتقاد تصريحات ترمب لحل فرقة العمل ونقل مسؤولياتها إلى وكالات فيدرالية أخرى مع حلول أوائل يونيو المقبل، ووصف النائب الديمقراطي ستيني هوير زعيم الأغلبية في مجلس النواب، قرار ترمب بأنه تنازل مخجل عن المسؤولية. وقال: «من غير المعقول حل فرقة العمل التي جرى إنشاؤها لمكافحة الفيروس بينما لا نزال في خضم اكتشاف الآثار الصحية والاقتصادية لهذا الوباء»، فيما وصفه المرشح الديمقراطي السابق السيناتور بيرني ساندرز بأنه «مأساة».
ورفض البيت الأبيض تلك التعليقات، وقالت كايلي ماكناني، المتحدثة الجديدة باسم البيت الأبيض، إنه جرت إساءة تفسير التصريحات، وإن الرئيس ترمب سيواصل منهجه المستند على البيانات نحو إعادة فتح الاقتصاد بأمان.
وتغيرت خطط ترمب صباح الأربعاء، وقال في سلسلة من التغريدات: «ستستمر فرقة العمل إلى أجل غير مسمى مع تركيزها على السلامة وفتح البلاد مرة أخرى، وقد نضيف أو نلغي بعض الأفراد». وفي تغريدة أخرى قال: «ستركز فرقة العمل على السلامة وإعادة فتح الولايات المتحدة وعلى اللقاحات والعلاجات»، مشيراً إلى أن أجهزة التنفس الصناعي يجري إنتاجها بالآلاف، وأن الولايات المتحدة تقوم باختبارات للفيروس أكثر من جميع الدول الأخرى.
ويأتي إعلان ترمب باستمرار فريق العمل لمكافحة فيروس «كورونا» مع ارتفاع أعداد الإصابات إلى أكثر من مليون و200 ألف حالة وارتفاع حالات الوفيات إلى 71 ألف حالة.
ولم تقتصر الانتقادات على تصريحات ترمب الذي تراجع عنها، وإنما امتدت إلى عدم ارتدائه الكمامة أثناء قيامه بجولة في مصنع «هاني وويل» رغم وجود لافتات داخل المصنع عن إرشادات السلامة التي تضمنت مطالب ارتداء القناع في جميع الأوقات، كما لم يقم مسؤولو الإدارة المرافقين لترمب بارتداء الكمامات، ومنهم رئيس موظفي البيت الأبيض مارك ميدوز ومستشار الأمن القومي روبرت أوبراين.
من جانب آخر، تسلط أرقام حالات الإصابة والوفيات بفيروس «كورونا» في الولايات المتحدة الضوء على تحديات إجراءات إعادة فتح الاقتصاد التي أصدرها حكام الولايات، حيث أعلنت 18 ولاية إعادة فتح الاقتصاد يوم الجمعة الماضي، وتلتها 6 ولايات يوم الاثنين، وخلال شهر مايو تضع 26 ولاية خططاً لتخفيف القيود التي أجبرت الشركات على الإغلاق وتبدأ في إعادة فتح الاقتصاد والمتاجر والمطاعم والشواطئ وصالات الألعاب الرياضية وصالونات التجميل وأماكن العبادة.
فيما تشهد تلك الولايات التي فتحت الاقتصاد أعداداً متزايدة من الإصابات والوفيات.
وكانت ولاية جورجيا ومينيسوتا وأيوا ونورث داكوتا وتكساس من أوائل الولايات التي إعادة فتح الاقتصاد. وأعلنت ولاية فلوريدا يوم الاثنين تخفيف القيود وإعادة تشغيل 25 في المائة من كل الأعمال، وشهدت شواطئ فلوريدا إقبالاً كبيراً من السكان. وبحلول منتصف مايو الحالي من المتوقع أن تقوم ولايات مثل أريزونا وديلاوير والعاصمة واشنطن ولويزيانا وميتشغان وفرمونت ونيومكسيكو بإعادة فتح الاقتصاد، بينما تفتح ولايات أخرى مثل هاواي وأوهايو ونيوهامشير وكنتاكي وإلينوي بنهاية مايو الحالي.
وكانت إجراءات إغلاق الاقتصاد وأوامر التباعد الاجتماعي وبقاء السكان في منازلهم قد أدت إلى تداعيات سلبية على الاقتصاد الأميركي مع ارتفاع معدلات البطالة، وخسائر أسواق المال، وتراجع معدلات النمو، وإفلاس بعض الشركات. وأشارت بيانات وزارة العمل إلى وجود 30 مليون أميركي فقدوا وظائفهم بسبب عمليات الإغلاق. وواجه ترمب وحكام الولايات خيارات صعبة بين المخاوف من ازدياد الإصابات، والأضرار الاقتصادية المتفاقمة. وزادت الضغوط لقلب صفحة عمليات الإغلاق التي يعدّها البعض في الإدارة الأميركية تهديداً لإعادة انتخاب الرئيس ترمب.
وشدد الرئيس ترمب مراراً على ضرورة إعادة فتح الشركات، وكرر شعار أن «العلاج لا يمكن أن يكون أسوأ من المشكلة»، وانحاز إلى جانب المتظاهرين الذين تظاهروا في ولايات عدة مثل ميتشغان ومينيسوتا وفرجينا مطالبين برفع قيود البقاء في المنازل والعودة إلى أعمالهم. وفي حديثه لشبكة «فوكس نيوز» مساء الأحد الماضي، أكد ترمب أن الأميركيين مستعدون للخروج من العزلة والعودة للحياة الطبيعية، وقال: «أعتقد أنهم بدأوا يشعرون بتحسن الآن، وعلينا فتح البلاد مرة أخرى. لقد أنقذنا ملايين الأرواح، وعلينا أن نكون حذرين، لكن علينا العودة إلى العمل أيضاً»، وأضاف ترمب أنه يرى ضوءاً في نهاية النفق، وأن جميع الولايات تسير في الاتجاه الصحيح في إعادة فتح الاقتصاد، وقال: «أحب فتح الولايات، وسيفتحون بأمان وبسرعة».
ويشير آخر إحصاء لـ«مركز السيطرة على الأمراض CDC إلى أن الولايات المتحدة تواجه أسابيع من الأرقام المزعجة والمعارك الطويلة مع فيروس «كورونا» الذي أدى لوفاة نحو 70 ألف أميركي حتى الآن.
وقال مسؤول «إدارة الغذاء والدواء» السابق سكون جوتليب، في مقال نشره بجريدة «وول ستريت» إن «قيود التباعد الاجتماعي والإجراءات الأخرى لم تخفض عدد الحالات الجديدة بقدر ما كان متوقعاً أو أن تلك الإجراءات أوقفت الوباء من التوسع».
وقدرت الأرقام أن الولايات المتحدة ستشهد 3 آلاف حالة وفاة يومياً و200 ألف حالة إصابة جديدة يومياً بحلول 1 يونيو (حزيران) المقبل. وأشار نموذج لـ«معهد القياسات الصحية والتقييم» بجامعة واشنطن، إلى أنه يتوقع أن تصل أعداد الوفيات من «كوفيد19» إلى 134 ألف شخص في الولايات المتحدة بحلول أغسطس (آب) المقبل.


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
TT

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأسترالية، اليوم الأربعاء، إنها طلبت من أسر الدبلوماسيين الأستراليين في إسرائيل ولبنان مغادرة البلدين، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، قالت «الخارجية الأسترالية» إن «الحكومة توصي مواطنيها في لبنان وإسرائيل بدراسة المغادرة في ظل الخيارات التجارية المتاحة»، مشيرة إلى أن الحكومة عرضت أيضاً «مغادرة طوعية لأفراد عائلات مسؤوليها العاملين في الأردن وقطر والإمارات».

وتلقّى لبنان تحذيرات من أن تشنّ إسرائيل الحليفة للولايات المتحدة، ضربات تستهدف بنيته التحتية في حال التصعيد بين طهران وواشنطن وتدخل «حزب الله» لمساندة داعمته إيران، بحسب ما قال وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الثلاثاء.

وصعّدت الدولة العبرية أخيراً من وتيرة ضرباتها التي تستهدف «حزب الله» في لبنان، رغم وقف إطلاق النار الذي يسري بينهما منذ أكثر من عام، وأعقب حرباً مدمّرة تكبّد فيها الحزب خسائر باهظة على صعيد الترسانة والهيكلية القيادية.

وفي وقت تعزز الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، حذّرت إيران من أنها ستردّ «بقوة» على أي هجوم عليها، وأن اعتداء من هذا النوع قد يؤدي إلى «حرب إقليمية».

وقال رجّي، الثلاثاء، لوسائل إعلام في جنيف: «هناك مؤشرات على أن الإسرائيليين قد يضربون بقوة في حال التصعيد، بما في ذلك ضربات محتملة على بنى تحتية استراتيجية مثل المطار».

وجدد رجي موقف السلطات اللبنانية الذي أعرب عنه رئيس الوزراء نواف سلام بأن «هذه الحرب لا تعنينا»، في إشارة لمواجهة أميركية إيرانية محتملة.


الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended


أول زيارة بابوية في التاريخ... ليو الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل

البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
TT

أول زيارة بابوية في التاريخ... ليو الرابع عشر إلى الجزائر في أبريل

البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)
البابا ليو الرابع عشر (أ.ف.ب)

أعلن الفاتيكان، الأربعاء، عن سلسلة زيارات خارجية يعتزم البابا ليو الرابع عشر القيام بها في الأشهر المقبلة، بينها جولة أفريقية تشمل 4 دول، منها الجزائر في أول زيارة بابوية في تاريخ هذا البلد.

ويزور البابا العاصمة الجزائرية وعنابة بين 13 و15 أبريل (نيسان)، ثم ينتقل إلى الكاميرون؛ حيث يزور ياوندي وبامندا ودوالا، قبل أن يتوجه في 18 من الشهر نفسه إلى أنغولا؛ حيث يزور العاصمة لواندا وموكسيما وسوريمو. وينهي جولته الأفريقية في غينيا الاستوائية؛ إذ يزور مالابو ومونغومو وباتا بين 21 و23 أبريل، وفق بيان صادر عن الفاتيكان ونقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتشمل محطات البابا الخارجية هذا العام التي أعلنها الفاتيكان، الأربعاء، زيارة إلى إمارة موناكو في 28 مارس (آذار)، ثم إسبانيا بين 6 و12 يونيو (حزيران).