«رجل من زمني»... عالم ينزع نحو الظلام

روائية أميركية من أصل إيراني تستلهم أحداث أرضها الأولى

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«رجل من زمني»... عالم ينزع نحو الظلام

غلاف الرواية
غلاف الرواية

«كنا جيلاً محذوفاً، أقرب إلى حازوقة في مسيرة التاريخ»، هكذا تحدث حميد مظفريان، القاص في رواية «رجل من زمني» من تأليف داليا سوفير. كان يتحدث عبر الهاتف مع شقيقه، الذي غادر إيران متجهاً إلى نيويورك برفقة والديهما أثناء اشتعال ثورة عام 1979. بينما ظل حميد الذي كان ذات يوم ثورياً مثالياً في إيران. وبمرور السنوات، لم تسر الحياة على ما يرام لأي منهما، وذلك في خضم عالم «ينزع نحو الظلام»، حسب وصف إحدى شخصيات الرواية.
وعبر صفحات روايتها الأولى «شهور سبتمبر في شيراز» الصادرة عام 2007. تستكشف سوفير، التي نشأت في أسرة إيرانية يهودية رحلت إلى الولايات المتحدة عندما كانت في الـ11 من عمرها، السنوات التي أعقبت الثورة. وفي الرواية التالية التي تكمل عملها الأول، تطرح سوفير تصويراً مطولاً ومتعدد الطبقات لحياة رجل عبر عقود عدة حمل خلالها معه عناصر متناقضة من جمال ووحشية، وثورة وقمع من تاريخ بلاده.
يرافق حميد رئيسه، وهو وزير بالحكومة، في زيارة إلى نيويورك لحضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، على أمل أن ينجح في استعادة لوحة مسروقة داخل مخزن في كوينز لحاج أبدعها الرسام الإيراني رضا عباسي في القرن الـ16. وسرعان ما ندرك المفارقة الساخرة في سعي حميد وراء استعادة عمل فني اعتبر سرقته «مسألة تثير الغضب الوطني»: فرغم أنه كان ذات يوم فناناً ناشئاً ويطمح للعمل بمجال رسوم الكرتون، انتهى به الحال إلى قضاء الجزء الأكبر من حياته كمحقق تابع للدولة و«حكم متجهم يقضي في مصائر الناس» ويعمل على إسكات أصوات الفنانين الإيرانيين.
أيضاً، داخل نيويورك توجد رفات والد حميد، وكان بروفسوراً في تاريخ الفنون ومسؤولاً رفيعاً سابقاً في وزارة الثقافة في عهد الشاه، وكان قد توفي للتو بعد عقود من آخر محادثة جرت بينه وبين حميد. وسيرحل حميد في النهاية من دون لوحة عباسي، لكن حاملاً جزءاً من رماد جثمان والده داخل علبة معدنية صغيرة لحلوى النعناع داخل جيبه، وذلك لأن الأمنية الأخيرة لوالده كانت أن يدفن في وطنه.
وتأتي أحداث الرواية في الجزء الأكبر منها تستعاد من الماضي، بينما دراما الوقت الحاضر، رغم أهميتها المحورية، فإنها تتلقى اهتماماً أقل بكثير عن الطريق التي قطعها حميد من كونه «شخصاً ثورياً تتملكه الحيرة إلى أسير كهل لحياة اتخذت منحى خاطئاً». ويحضر حميد ويفسد مأدبة العشاء التي أقيمت إحياءً لذكرى والده في نيويورك، ويلتقي (عبر سلسلة من الأحداث المواتية على نحو مبالغ فيه) رجلاً تولى هو بنفسه الإشراف على إعدام عمه، ويحاول التصالح مع ابنته الناضجة، ويناضل من أجل إيجاد الوقت والمكان المناسبين لنشر رفات والده في بلد تحرم سلطاته حرق جثث الموتى.
ونقضي وقتاً أطول في طفولة حميد ومراهقته المضطربة وفترة الشباب الأولى المفعمة بالغضب. أما الثمن الذي ندفعه نحن والكاتب عن قراءة قصة تنظر إلى الوراء أننا نجد أنفسنا في النهاية تماماً عند النقطة التي كانت تسير نحوها الأحداث، أما نقطة الفضول الكبرى لدينا فتبقى كيف آلت الأوضاع إلى هذه الحال. إلا أنه لحسن الحظ يؤتي هذا الأسلوب هنا بثمار ثرية، ذلك أن مواهب سوفير الكبيرة والخيانات التي تعرض لها حميد من نفسه ومن آخرين وتركته في النهاية شبحاً للرجل الذي كان عليه من قبل، تبقى جديرة حتى نهاية القصة باهتمامنا وكامل تركيزنا.
ويبدو أن قصر النظر يشكل نقطة الضعف التراجيدية في شخصية حميد، فمثلما الحال مع الكثير من الشخصيات المثالية حسنة النية، سواء في أنظمة سابقة أو حاضرة، يدرك حميد جيداً أن باستطاعته من خلال منصبه كمحقق خلال حقبة ما بعد الثورة تقويض النظام من الداخل. إلا أنه بدلاً عن ذلك يتنقل بخطوات متثاقلة من طرح مبررات مهتزة إلى السقوط في مستوى من الخيانة يتعذر وصفه، لينتهي به الحال إلى التحسر قائلاً: «ببطء شديد أصبحت أنا النظام».
في أحد المواقف يخبر حميد شقيقه بأنه: «أنت ـ أنتم جميعاً يا من رحلتم ولم تعودوا ثانية قط ـ تجمد بكم الزمن». وفي مشهد آخر يقول أكبري، اللص الثوري الذي ينتهي به الحال لأن يصبح رئيس حميد في العمل صاحب الشخصية المرعبة: «بعض الناس تخلق والبعض الآخر يدمر. أنا وأنت من المدمرين». وفي خضم حالة الضباب الأخلاقي التي تشكل روح بطل الرواية، من المفيد وجود بعض العلامات الإرشادية الكبرى لاتباعها، لكن سوفير هنا تطرح لنا ما هو أعقد بكثير من مجرد إجابات قوية. ولا تحمل الرواية بأكملها عبارة أو وصفاً واحداً يمكنه إيجاز شخصية حميد أو الحياة التي يكابدها.
ونظراً لإدراكها مخاطبتها لجمهور غير متمرس في التاريخ الفارسي، تخرج سوفير عن عادتها بتقديم خلفية تاريخية - أحياناً، ببراعة في صورة قصاصات إخبارية قديمة، وأحياناً في صورة أكثر ثقلاً عبارة عن حوار توضيحي. على سبيل المثال، يخبر والد حميد القاص في مشهد من أيام الطفولة: «كانت بدايته في الثورة الدستورية عام 1906»، في إشارة إلى رئيس الوزراء المنفي، محمد مصدق. وأضاف: «عندما كان رئيساً للوزراء، أقر إصلاحات تتعلق بالأمن الاجتماعي وامتلاك الأراضي، وكان سبب سقوطه، مثلما يعرف الجميع، تأميم صناعة النفط، والتي كانت خاضعة حتى تلك اللحظة لسيطرة البريطانيين». ورغم أن مثل هذه المعلومات قد تكون مفيدة لقارئ غير مطلع على التاريخ الإيراني، فإنها ربما تبدو مفرطة للغاية في إطار محادثة مع طفل في طريقه إلى منزله بعد زيارة لطبيب الأسنان.
وبالمثل، فإن العبارات الفارسية، وأغلبها اصطلاحية، المنتشرة عبر الحوار في الرواية تجري ترجمتها للقارئ على امتداد صفحات الكتاب - وغالباً، ما تجري ترجمتها على لسان الشخص الذي نطق بها لتوه، ما يبدو مثيراً للحيرة. في بعض الأحيان، تتمكن سوفير من التعامل مع هذا الأمر على نحو طبيعي، بينما تحشر الترجمة في أحيانٍ أخرى على نحو يبدو بلا معنى.
ويثير كل ذلك علامة استفهام كبيرة حول ليس من الذي يخاطبه هذا الكتاب، وإنما من يجري قص أحداث الرواية عليه. لمن يحكي حميد مظفريان هذه القصة؟ ولمن يعمل، نظرياً، على شرح نفسه. في الواقع، يوحي التفحص الذاتي الذي يعايشه في نيويورك ومن بعدها في طهران لدى عودته إليها، بأن هذا الصوت موجه نحو الداخل ويخاطب الذات. أو ربما يكون الجمهور الذي يضعه نصب عينيه هو أسرته، ووالده المتوفى الذي ترك إرثاً يجد حميد نفسه في دوره كمدمر، يبجله ويمحيه في الوقت ذاته. ومع هذا، تبدو زاوية الرواية موجهة نحو شخص من الخارج يتابع بشغف - وثمة خلاف حقيقي بين التزام القاص بالحديث إلى الداخل والمجهود الكبير الذي يبذله في شرح نفسه. ويبدو هذا الصراع الدائم الذي يواجهه أي كاتب يفتقر إلى التوافق الكامل بين جمهوره المتخيل والجمهور الفعلي للعمل الأدبي. ومع هذا، تبقى هناك حلول أكثر إبداعاً عن تلك التي لجأت إليها الروائية في هذا العمل.
ومع ذلك نجحت الرواية في رسم ملامح حياة حميد بإبداع ودقة، وتبدو في مجملها عملاً مبهراً في رسم طبقات من الزمن والتناقضات التي تكشف لنا خبايا روح بشرية بعمق شديد ـ وهي مهارة تحسد عليها الكاتبة وتعتبر ضرورية كي تنجح في ربط القراء بشخصية رغم كل محاولاتها الحثيثة لتحسين الذات، يبقى من المتعذر أن يغفر لها القارئ. إلا أنه مثلما شرحت ابنة حميد، غولناز، التي تجابه صعوبة كبيرة في التصالح معه: «الغفران ليس النقطة، وإنما أفضل ما يمكنني عمله أن أحاول أن أستوعب».
وربما لست الوحيدة التي ترى في هذا الانقسام ملمحاً شخصياً، فقد انتقل والدي إلى الولايات المتحدة كلاجئ في أعقاب ثورة الطلال الفاشلة في المجر عام 1956. وفي الأسبوع ذاته، الذي قرأت فيه عن رحلة حميد مع رماد والده، وجدت نفسي مضطرة في خضم الحجر الصحي المفروض على شيكاغو بسبب الوباء، إلى تقبل فكرة أنني لن أتمكن من السفر إلى المجر هذا الربيع لدفن رماد والدي في بودابست، حيث عاد في عمر الـ80. ومثلما الحال مع الكثير من الأطفال الذين تشكلت حياة والديهم من جانب مسارات تاريخية شديدة الاختلاف عن تاريخ أبنائهم ـ ومثل غولناز وحميد ـ وجدت بعض الأحيان من الصعب الغفران والاستيعاب.
وبينما تشكل سوفير جزءاً من جيل لافت من الكتاب الإيرانيين - الأميركيين الذين يكتبون عن أسر ممزقة وعوالم مقسمة وأرواح منشطرة. كما أنها تعتبر جزءاً من تقليد أميركي طويل: الكاتب يعيش بروحه المبدعة هنا وفي أرض خيالية في زمن آخر، بينما تخيم الجذور العائلية أو الشخصية بظلالها الواسعة على القصة. في الواقع، دائماً ما كان القلب النابض للأدب الأميركي أولئك الذين ينظرون نحو الخلف والأمام، داخل أميركا وفي العالم. ورغم أنهم ليسوا بالضرورة أعضاء أجيال محذوفة، لكنهم يملكون أكثر من رأس ويكتبون عن أشياء أكثر صعوبة عن مجرد الغفران.

-خدمة «نيويورك تايمز»



«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض
TT

«القاهرة للكتاب» يستعد لدورة قياسية

ملصق المعرض
ملصق المعرض

الثقافة المصرية على موعد قريب من احتفائها السنوي المتمثل في معرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي شهد إقبالاً جماهيرياً مليونياً في الأعوام الأخيرة، على نحو يعزز مكانته الإقليمية والعالمية منذ بدايته الأولى عام 1969. وتنطلق الدورة الـ57 في الفترة من 21 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 3 فبراير (شباط) المقبل تحت شعار شديد الدلالة مقتبس عن قول مأثور لنجيب محفوظ وهو «من يتوقف عن القراءة ساعة يتأخر قروناً».

ووصف وزير الثقافة أحمد فؤاد هنو النسخة الجديدة بأنها «الأضخم في تاريخ المعرض وستحطم أرقاماً قياسية غير مسبوقة» بمشاركة 1547 دار نشر من 83 دولة، بإجمالي 6637 عارضاً، كما يضم البرنامج الثقافي 400 فعالية أدبية، و100 حفل توقيع، و120 فعالية فنية، بمشاركة 170 ضيفاً عربياً وأجنبياً، وحضور أكثر من 1500 مثقف ومبدع، عبر قاعات متعددة، من بينها قاعة المؤتمرات التي تستضيف 10 فعاليات في اليوم الواحد لأول مرة.

جدل التاريخ والهوية

وبعيداً عن لغة الأرقام، وعد الوزير في مؤتمر صحافي جمهور المعرض بـ«نسخة استثنائية ذات هوية متفردة ومختلفة، تستلهم روح الإبداع محلياً وإنسانياً، وتفتح آفاقاً أوسع للحوار والمعرفة، ليظل المعرض مساحة حية تلتقي فيها الكلمة بالفكر، والكتاب بالإنسان، لا سيما أنها تأتي عقب حدث عالمي تمثل في افتتاح المتحف المصري الكبير، الذي أعاد توجيه أنظار العالم إلى مصر وحضارتها العريقة وتاريخها الممتد، وهو ما انعكس على توجه المعرض وبرنامجه الثقافي، حيث يحتفي هذا العام بالهوية المصرية ويعيد قراءة التاريخ بوصفهما مصدراً أصيلاً للإبداع والمعرفة».

ومن جانبه، أكد أحمد مجاهد، الرئيس التنفيذي للمعرض، أن الاحتفاء بالأديب الكبير نجيب محفوظ بعدّه «شخصية المعرض» يتجسد في برنامج متكامل يشمل ندوات فكرية، وعروضاً سينمائية، وأنشطة فنية، من بينها معرض «نجيب محفوظ بعيون العالم»، الذي يضم 40 لوحة فنية لفنانين من مختلف دول العالم، بالتعاون مع الجمعية المصرية للكاريكاتير.

كما أوضح أن «شخصية معرض كتاب الطفل» هذا العام هي الفنان الكبير محيي الدين اللباد، ويتم الاحتفاء بمسيرته عبر ندوات متخصصة، ومعرض لأعماله، وأنشطة تفاعلية للأطفال، وإعادة طباعة عدد من كتبه، إلى جانب إصدار كتاب تذكاري يوثق مسيرته الإبداعية.

مبادرات جديدة

ويشهد المعرض في نسخته المرتقبة، عدة مبادرات جديدة منها «مكتبة لكل بيت»، التي تهدف إلى إعادة الكتاب ليكون جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية داخل البيوت المصرية والعربية، حيث تضم المبادرة مجموعة مختارة من 20 مؤلفاً متنوعاً من أهم ما أصدرته قطاعات وزارة الثقافة، إلى جانب «حقيبة نجيب محفوظ» التي تشمل 15 إصداراً من أبرز أعماله، في إطار دعم القراءة وإتاحة المعرفة للجميع.

واحتفاءً بتراث مصر غير المادي، يشهد المعرض للمرة الأولى إقامة مخيم «أهلنا وناسنا» الذي يقدم التراث الثقافي غير المادي لمحافظات مصر، إلى جانب الصالون الثقافي وجناح الطفل والبرنامج الفني المتنوع، ليؤكد معرض القاهرة الدولي للكتاب أنه رسالة ثقافية متجددة إلى العالم، تعكس الإيمان بدور الثقافة في بناء الوعي، وترسيخ الهوية، وتعزيز الحوار الإنساني.

ومن بين المبادرات الجديدة كذلك إطلاق «جائزة نجيب محفوظ للرواية العربية» التي تُمنح باسم وزارة الثقافة المصرية، وبرعاية أحد البنوك الوطنية، بقيمة 500 ألف جنيه، وميدالية ذهبية تذكارية. ومن المنتظر أن يتم تنظيم حفل افتتاح فني كبير لأول مرة على مسرح «المنارة» بحي «مدينة نصر» بعنوان «يوسف شاهين... حدوتة مصرية»، احتفاءً بمئوية ميلاده، إلى جانب حفل ختام فني بعنوان «غنا القاهرة»، يتضمن تسليم جوائز المعرض، والإعلان عن الفائز بجائزة نجيب محفوظ للرواية العربية في دورتها الأولى.

دعم رقمي للجمهور

وفي إطار جهود دعم جمهور المعرض وتوفير خدمات ميسرة تجعل من زيارتهم تجربة أكثر إمتاعاً، تم استحداث تطبيق موبايل ذكي يهدف إلى تنظيم الجهود الميدانية داخل المعرض، ضمن مبادرات برنامج «أنا متطوع» حيث يعد التطبيق منصة رقمية متكاملة توفّر للزوار مجموعة من الخدمات الذكية، من بينها خريطة تفاعلية لدور النشر، وإمكانية البحث عن عناوين الكتب ومعرفة أماكن الناشرين، إلى جانب عرض أجندة الفعاليات والأنشطة الثقافية اليومية.

كما يتيح التطبيق تحديد أماكن تمركز المتطوعين ومكاتب الاستعلامات، وتقديم تنبيهات لتجنّب مناطق الازدحام، خاصة عند بوابات الدخول. وعلى صعيد الدعم الميداني، يوفّر التطبيق آلية مباشرة لطلب مساعدة المتطوعين، والإبلاغ عن المشكلات أو حالات الطوارئ، وطلب الإسعاف، بما يضمن سرعة الاستجابة ورفع مستوى الأمان والتنظيم داخل المعرض. ويأتي إطلاق التطبيق استجابةً للزيادة المتواصلة في أعداد زوار المعرض خلال السنوات الأخيرة، وحرصاً على توظيف الحلول الرقمية الحديثة في دعم العمل التطوعي، وتعزيز كفاءة المتطوعين بعدّهم أحد الأعمدة الأساسية لنجاح المعرض.

حضور روماني

وتحل دولة رومانيا «ضيف شرف» الدورة الجديدة من المعرض في إطار الاستعداد للاحتفال بمرور 120 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين مصر ورومانيا عام 2026، حيث سيتم تنظيم 30 فعالية على مدار 13 يوماً، بمشاركة 60 ضيفاً من رومانيا، من بينهم 15 فناناً، و10 دور نشر رومانية، ورؤساء جامعات، إلى جانب مشاركة شخصيات رفيعة المستوى، من بينهم وزير الثقافة الروماني في حفل الافتتاح.


«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي
TT

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

«تحفة الملوك في التعبير» خريطة الحلم في التراث الإسلامي

كتاب «تحفة الملوك في التعبير»، من تحقيق لينا الجمّال وبلال الأرفه لي - دار نشر الجامعة الأميركية في بيروت، 2026 - هو أحد نصوص علم الرؤيا الذي يُظهِر رؤية التراث الإسلامي للحلم أبعد من حادثة خاطفة في الليل، ويتعامل معه كخطاب قابل للفهم، مشروط بالمعرفة والسياق وحال الرائي، ومحكوم بقواعد وآداب للسائل والمسؤول. والكتاب، كما تُبرز مقدّمته، يتحرّك بين ضبط الأصول والانشغال بالتفصيلات التي تُنزل الرؤيا إلى العالم المحسوس، فيبدو الحلم صدى لعلاقات الإنسان بما حوله.

و تُقدّم المقدّمة تمييزاً بين الرؤيا الصادقة والرؤيا الكاذبة، وتفريعاً للأولى إلى «رؤيا تدبير» و«رؤيا تبشير» و«رؤيا إلهام»، وللثانية إلى «رؤيا هِمّة» و«رؤيا حديث نفس». ويظهر الاهتمام بألا تكون العبارة استسهالاً، إذ تتكرَّر الإشارة إلى أنّ اختلاف الناس وأحوالهم ينعكس على التأويل، والرؤيا لا تُنتَزع من سياق الرائي انتزاعاً. كما يتوقَّف الكتاب عند فكرة تداول علم التعبير وترجماته، ويَذكر ترجمة حنين بن إسحاق (260/873) لكتاب أرطيميدروس الأفسسي (القرن الثاني للميلاد)، في إشارة إلى تاريخ أطول لحضور تفسير الأحلام وتحوّلاته.

أما متنه، فمبنيّ على أبواب واسعة تمتد من «أصول الرؤيا وفصولها ومعرفة صدقها من كذبها» (الباب الأول)، إلى «في المسائل المتفرّقة التي سقطت من أماكنها فأثبتناها في هذا الموضع ليتمّ الكتاب بها إن شاء الله تعالى» (الباب التاسع والخمسون). وبين هذين الحدّين يتوزَّع العالم كلّه تقريباً على شبكة من العناوين، منها أبواب في رؤية الله تعالى والجنة والنار والملائكة والصراط والميزان ويوم القيامة (الباب الثالث)، وفي الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرعد والبرق والمطر والثلج والبرد والرياح والغبار والغمامة وما أشبهها (الباب الرابع)، وفي البحار والأودية والأنهار والحَبّ واللؤلؤ والماء والسفينة (الباب الخامس)، وفي النور والظلمة والنار والسراج والشمع والجمرة (السادس)، وفي الجبال والتلال والرمال والمغاور والتراب والآجر والجص والحائط (السابع). ثم ينفتح المتن على تفاصيل العمران والدور والبساتين والحمّامات والطواحين والسلالم (التاسع)، وعلى العطر وأنواعه مثل المسك والعنبر والكافور والعود والصندل وماء الورد والأدهان الطيبة والزعفران (العاشر).

ويتقدَّم الفهرس إلى موضوعات تمسّ الجسد والعبادة والسلطة والمعرفة. فنقرأ باباً في الغسل والوضوء والتيمّم والأذان والإقامة والصلاة والركوع والسجود والحج والغزو والصدقة والزكاة ونحوها (الثاني عشر)، وباباً في رؤية القاضي والخليفة والفقيه والإمام والحاكم والخطيب والمؤذن والطبيب والمريض والمكيال والميزان والقبّان (الثالث عشر)، إلى باب في القلم والدواة واللوح والمحبرة والمنشور والصك والكرّاسة (الرابع عشر). وتتتابع الأبواب لتشمل «جماعة الناس وأعضاءهم وأيديهم وأرجلهم... وما يرى فيهم من زيادة أو نقصان» (الخامس عشر)، ثم «الأبواب والعُقَد والخروج من موضع ضيق... والمفاتيح... والفرش والبُسُط» (السادس عشر)، ثم ما يتصل بالنار والدخان والرماد والشرار والأتون والتنانير والكوانين والقدور (السابع عشر)، وصولاً إلى أبواب في الطعام والشراب والكواميخ والأدوية والألبان والسموم والقيء والإسهال (الرابع والعشرون)، وفي الجواهر والدراهم والدنانير والفلوس والصُّفر والنحاس (الخامس والعشرون)، وفي الثياب والخفّ والنعل والخواتيم (السادس والعشرون)، وفي الحبل والغزل والقيد والخيط والشبكة والإبرة والقطن (السابع والعشرون).

ولا يكتفي المتن بما هو مألوف من الموجودات، فيُخصّص مساحة واسعة للحيوانات والهوام، من السباع والطيور والأسماك والسرطان ودواب الماء (الأبواب 40–49) إلى الحيات والعقارب والهوام وسمومها ولسعتها (الخمسون)، ثم أبواب في رؤية الجنّ والأبالسة والشياطين والسحرة والكهنة والأصنام (الحادي والخمسون). ويقترب الكتاب أيضاً من المجال الاجتماعي والرمزي، فنقرأ باباً في «الرؤيا التي تدل على طول أعمار الملوك وحُسن حالهم ورؤية الرئيس والسلطان... والاستدلال بالأسماء على الخير والشر» (الثالث والخمسون)، وآخر في «التماثيل والأصباغ والاختتان والتزويج والعرس والضيافة والوليمة» (الرابع والخمسون)، ثم باب في «العبادة والشكر لله والاستغفار والحمد والتسبيح وقراءة القرآن والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم» (الخامس والخمسون). ويُختم الفهرس بباب في الزلزلة والرجفة والخسف والمسخ والطليق والخلع والوقوع في الماء والنار والسيل وعباراتها (السادس والخمسون)، وباب في رؤية النصارى والمجوس واليهود والبيعة والكنيسة والمقبرة والنواقيس وبيوت النيران (السابع والخمسون)، وباب في «أسقاط البيت...»، بما فيه من مراوح وغرابيل وقوارير، وغيرها من الأوعية (الثامن والخمسون).

إلى جانب المتن، يقدّم التحقيق خريطةً دقيقة للمخطوطات التي نُقل عنها النصّ، ويذكر أنها محفوظة في مؤسّسات متعدّدة، منها مكتبة أسعد أفندي (يرمز إليها بـ«س»، وتُعدّ أقدم ما رجع إليه التحقيق، وتقع في 72 ورقة، نحو 20 سطراً في الصفحة)، ومخطوطة توب كابي (يرمز إليها بـ«ك» في 75 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع استعمال أربعة ألوان للمداد)، ومخطوطة جامعة إسطنبول (يرمز إليها بـ«ط» في 58 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، مع إبراز العناوين والرموز باللون الأحمر)، ومخطوطة جامعة برنستون (يرمز إليها بـ«ب» في 61 ورقة، 19 سطراً في الصفحة، بالأسود والأحمر)، ومخطوطة تشستر بيتي (يرمز إليها بـ«ت» في 86 ورقة، 15 سطراً في الصفحة، مع حواشٍ)، إضافةً إلى «مخطوطة جوروم» (يرمز إليها بـ«ج» في 61 ورقة، بإطار ذهبي، و19 سطراً في الصفحة). وتكشف المقدّمة كذلك عن علاقات النسخ ببعضها عبر رسم توضيحي، وعن ملاحظات تتّصل بالجمع بين الأبواب في بعض النسخ، وبسقوط مواضع أو انتقال الناسخ مباشرة إلى باب تالٍ.

وتتجلَّى قيمة التحقيق في صرامة منهجه، إذ يتّخذ نصّ «س» أساساً، ولا يثبت اختلافات النسخ الأخرى في الهوامش إلا إذا كان هناك خطأ صريح أو تحريف أو تصحيف أو خشية التباس على القارئ. كما يشرح التحقيق أنه رجّح قراءة نسخة على أخرى عند السقط أو النقص أو فساد العبارة، مشيراً إلى ما لا يُغيّر المعنى فلا يُثقل به الهامش. ويضيف إلى ذلك عملاً مُساعداً يسهّل التعامل مع الكتاب، من شرح مفردات غريبة، وتخريج الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وإلحاق فهرس للرموز المؤولة، إلى جانب فهارس الآيات والأحاديث والأعلام وقائمة المصادر والمراجع. والأهم، أنّ هذا العمل يُبرز صوراً للمخطوطات، بما يمنح القارئ فرصة رؤية المادة التي عبرت القرون قبل أن تستقرّ في هذا الكتاب، مُظهراً صورةً للنص وهو في حالته الأولى، قبل أن يصير كتاباً بين يدي قارئ اليوم.


«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه
TT

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

«بانيبال» الإسبانية: ملف خاص عن حياة محمد الشارخ وأدبه

خصصت مجلة «بانيبال» الأسبانية في عددها الأخير (العدد 18، خريف - شتاء 2025) ملفاً خاصاً عن حياة الأديب الكويتي، ورجل الأعمال الراحل محمد الشارخ (1942 - 2024) وقصصه. وجاء في افتتاحية المجلة التي كتبتها الشاعرة والأكاديمية جوسلين ميشيل ألمايدا: «يُعرف محمد الشارخ عالميّاً بإسهامه في (تعريب التكنولوجيا) من خلال تأسيسه شركة (صخر)، ويمثل دأبه على تطوير أنظمة الكتابة العربيّة والحروف الحاسوبيّة إسهاماً بارزاً في دراسة اللغة العربيّة ونشرها رقميًّا. وليس من المبالغة القول إنّ سعي الشارخ الحثيث فيما يتعلّق بلغته الأمّ يُشكّل إرثاً ثقافيًّا ولغويًّا سيُخلَّد في الذاكرة لقرون».

ومن خلال قراءتها للقصص المترجمة إلى الإسبانية، علقت دوسلين ميشيل ألمايدا قائلة: «تتأرجح تقنيّة الشارخ الأدبيّة بسلاسة بين السرد بضمير المتكلّم والسرد على لسان راوٍ عليم، وفقاً للقصّة، وبواقعيّة شعريّة، من دون أن تصل إلى حدّ الواقعيّة السحريّة، فيُحدث السرد أثراً عميقاً في القارئ من حيث تغيير الواقع من خلال الإدراك أو اكتشاف القارئ لحقيقة الأبطال. وعلى غرار ريموند كارفر أو إرنست همنغواي، يُنمّي الشارخ الطابع الشعريّ لصمت شخصيّاته. على هذا المنوال، تصبح قراءة قصص الشارخ فعلاً إبداعيًّا مشتركاً مع الكاتب، حيث يُسهم خيال القارئ في خلق المعنى الإنسانيّ للتجربة؛ ما يُضفي مزيداً من المتعة على السرد. وتُضفي عناصر مثل بناء الشخصيّات، والاستعارات، والسخرية، والحوار، إيقاعاً يُناسب تطوّر الأحداث في نثر الشارخ، وهو تناغم يمتدّ أيضاً إلى الإطار الجغرافيّ لقصصه».

تضمن ملف مجلة «بانيبال» الخاص عن محمد الشارخ، أجزاء من السيرة الذاتية التي كتبها الشارخ تحت عنوان «محطات من حياتي» (ترجمة ألبارو أبييا)، ومقالات وشهادات لكل من طالب الرفاعي، كاتيا الطويل، سعود السنعوسي، وحسونة المصباحي. بالإضافة إلى ترجمة أربع قصص طويلة وهي «المخاض»، «العزاء»، «الوديعة» و«جاسم الكوفي» قام بترجمتها كل من ماريا لويسا برييتو وإغناثيو غوتييريز دي تيران.

في شهادته التي كتبها تحت عنوان «محمد الشارخ... ماذا أعطته اللغة؟ وماذا أعطاها؟»، يقول الروائي الكويتي سعود السنعوسي: «هنا حكاية قصيرة عن حلمي القديم بأن يكون لدي كتابي الخاص، حينما كنتُ في الرابعة عشرة، وكان مشروع الشارخ (صخر) قد دُشِّن قبل ذلك الوقت بثلاثة عشر عاماً، أي أن كمبيوتر (صخر( في مثل سِني تقريباً... تخيَّل! ولأنه من المستحيل لأي دار نشر أن تطبع كتاباً رديئاً لطفل يجهل أصول الكتابة، ولأن والديَّ أجَّلا حلمي بالكتابةِ خشيةً على تحصيلي العلمي: تكبر وتكتب! فقد أخذت زمام المبادرة طفلاً، وبأصابع مرتعشة كتبت ما كنتُ أحسبه قصصاً عبر لوحة مفاتيح كمبيوتر صديق، وكانت تلك اللوحة تحمل في إحدى زواياها ذلك الشعار الرمادي الذي ارتبط في طفولتنا حول عالم الكمبيوتر السحري، وكان لقائي الأول بكمبيوتر (صخر) ولوحة مفاتيحه العربية. وطبعت قصصي الرديئة على أوراقٍ مرقمة وصنعت لها غلافاً يحمل اسمي وعنوان الكتاب... كتاب من نسخة واحدة، ومنذ ذلك الوقت المبكر في حياتي صار لي كتابي الخاص، كتابي الأول الذي لم يقرأه غيري، كتابي المطبوع عبر كمبيوتر (صخر)».

وكتبت الناقدة اللبنانية كاتيا الطويل عن رواية «العائلة»، وهي الرواية الوحيدة التي كتبها محمد الشارخ قائلة: «يقدّم الشارخ فيما يناهز المائتين وستّين صفحة تفاصيل عائلة سعد بن كعب الناصر ويوميّاتها وتاريخها. عشرة أولاد وتسع بنات يرافقهم السرد، يرافق مراحل نشأتهم ومراحل نضجهم وقصص زواجهم. بين متمرّد ومحافظ، بين مهادن للسلطة وحانق عليها، بين مائل للثقافة الغربيّة ومتمسّك بالعادات العربيّة، تسعة عشر ابناً وبنتاً يرافقهم السرد ويعرّف القارئ بهم في محاولة محمودة من الكاتب لتقديم مختلف الآراء ووجهات النظر في العائلة الكويتيّة والمجتمع الكويتيّ ككلّ».

وتحت عنوان «محمد الشارخ النجم الباقي» كتب طالب الرفاعي: «عُرف الشارخ عربياً وعالمياً بأنه رجل أعمال، لكن ما كان يقبع خلف رجل الأعمال ذاك، كان إنساناً مرهف الحس عاشقاً للقراءة والكتابة وعاشقاً للفن التشكيلي وعاشقاً للسينما، ولقد ترك الرجل خلفه مجاميع قصصية دالة على فكره من جهة ودالة على البيئة المكانية والاجتماعية التي نشأ وترعرع فيها. محمد الشارخ وللطف خلقه لم يكن يزاحم أحداً في كتاباته ولا قدّم نفسه بوصفه كاتباً، لكن هذا لم يكن أكثر من تواضع الأدباء الحقيقي، ولم يكن أكثر من مسلك حياتي طبع حياة الشارخ بأن يكون في الظل أكثر ما يكون في العلن، لكن قدره أن يبقى في العلن ما بقيت اللغة العربية. شخص نذر عمره لها، فأعطته بقاءً أدبياً لم تعطه للكثيرين غيره».ونشرت المجلة مقالة للكاتب التونسي الراحل حسونة المصباحي كان قد كتبها حول قصص محمد الشارخ، قال فيها: «ما إن انتهيت من قراءة قصص محمد الشارخ حتى وجدتني مفتوناً من جديد بفن القصة القصيرة التي كنت أظن أنها دُفنت نهائياً في عالمنا العربي بعد أن أصبح العرب مصابين بـ(هوس الرواية). كما وجدتني راغباً في قراءة المزيد من قصص الشارخ لطرافتها، وانسيابها السريع، وسخريتها المرة، ولغتها الخالية من البلاغة الجوفاء، ومن اللغو، ومن ذلك التصنع البغيض، الذي هو عدو كل الفنون».ومن المواد الأخرى التي نشرتها المجلة في عددها الأخير، نقرأ نصوصاً شعرية وسردية لثلاثة أدباء من سوريا. أجزاء من رواية «الذئاب لا تنسى» للكاتبة لينا هويان الحسن (ترجمة أنخلينا غوتييريز ألمنارا)، وفصول من رواية بشير البكر «بلاد لا تشبه الأحلام» ترجمة أنطونيو مارتينيز كاسترو)، مقاطع طويلة من ديوان الشاعر نوري الجراح «الأفعوان الحجري: مرثية برعتا التدمري لمحبوبته ريجينا» (ترجمة ماريا لويسا برييتو).وكانت لوحة الغلاف، بورتريه لمحمد الشارخ، بريشة الفنان التشيلي توماس بينيفينته.