«رجل من زمني»... عالم ينزع نحو الظلام

«رجل من زمني»... عالم ينزع نحو الظلام

روائية أميركية من أصل إيراني تستلهم أحداث أرضها الأولى
الخميس - 14 شهر رمضان 1441 هـ - 07 مايو 2020 مـ رقم العدد [ 15136]
غلاف الرواية
ريبيكا ماكاي

«كنا جيلاً محذوفاً، أقرب إلى حازوقة في مسيرة التاريخ»، هكذا تحدث حميد مظفريان، القاص في رواية «رجل من زمني» من تأليف داليا سوفير. كان يتحدث عبر الهاتف مع شقيقه، الذي غادر إيران متجهاً إلى نيويورك برفقة والديهما أثناء اشتعال ثورة عام 1979. بينما ظل حميد الذي كان ذات يوم ثورياً مثالياً في إيران. وبمرور السنوات، لم تسر الحياة على ما يرام لأي منهما، وذلك في خضم عالم «ينزع نحو الظلام»، حسب وصف إحدى شخصيات الرواية.
وعبر صفحات روايتها الأولى «شهور سبتمبر في شيراز» الصادرة عام 2007. تستكشف سوفير، التي نشأت في أسرة إيرانية يهودية رحلت إلى الولايات المتحدة عندما كانت في الـ11 من عمرها، السنوات التي أعقبت الثورة. وفي الرواية التالية التي تكمل عملها الأول، تطرح سوفير تصويراً مطولاً ومتعدد الطبقات لحياة رجل عبر عقود عدة حمل خلالها معه عناصر متناقضة من جمال ووحشية، وثورة وقمع من تاريخ بلاده.
يرافق حميد رئيسه، وهو وزير بالحكومة، في زيارة إلى نيويورك لحضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، على أمل أن ينجح في استعادة لوحة مسروقة داخل مخزن في كوينز لحاج أبدعها الرسام الإيراني رضا عباسي في القرن الـ16. وسرعان ما ندرك المفارقة الساخرة في سعي حميد وراء استعادة عمل فني اعتبر سرقته «مسألة تثير الغضب الوطني»: فرغم أنه كان ذات يوم فناناً ناشئاً ويطمح للعمل بمجال رسوم الكرتون، انتهى به الحال إلى قضاء الجزء الأكبر من حياته كمحقق تابع للدولة و«حكم متجهم يقضي في مصائر الناس» ويعمل على إسكات أصوات الفنانين الإيرانيين.
أيضاً، داخل نيويورك توجد رفات والد حميد، وكان بروفسوراً في تاريخ الفنون ومسؤولاً رفيعاً سابقاً في وزارة الثقافة في عهد الشاه، وكان قد توفي للتو بعد عقود من آخر محادثة جرت بينه وبين حميد. وسيرحل حميد في النهاية من دون لوحة عباسي، لكن حاملاً جزءاً من رماد جثمان والده داخل علبة معدنية صغيرة لحلوى النعناع داخل جيبه، وذلك لأن الأمنية الأخيرة لوالده كانت أن يدفن في وطنه.
وتأتي أحداث الرواية في الجزء الأكبر منها تستعاد من الماضي، بينما دراما الوقت الحاضر، رغم أهميتها المحورية، فإنها تتلقى اهتماماً أقل بكثير عن الطريق التي قطعها حميد من كونه «شخصاً ثورياً تتملكه الحيرة إلى أسير كهل لحياة اتخذت منحى خاطئاً». ويحضر حميد ويفسد مأدبة العشاء التي أقيمت إحياءً لذكرى والده في نيويورك، ويلتقي (عبر سلسلة من الأحداث المواتية على نحو مبالغ فيه) رجلاً تولى هو بنفسه الإشراف على إعدام عمه، ويحاول التصالح مع ابنته الناضجة، ويناضل من أجل إيجاد الوقت والمكان المناسبين لنشر رفات والده في بلد تحرم سلطاته حرق جثث الموتى.
ونقضي وقتاً أطول في طفولة حميد ومراهقته المضطربة وفترة الشباب الأولى المفعمة بالغضب. أما الثمن الذي ندفعه نحن والكاتب عن قراءة قصة تنظر إلى الوراء أننا نجد أنفسنا في النهاية تماماً عند النقطة التي كانت تسير نحوها الأحداث، أما نقطة الفضول الكبرى لدينا فتبقى كيف آلت الأوضاع إلى هذه الحال. إلا أنه لحسن الحظ يؤتي هذا الأسلوب هنا بثمار ثرية، ذلك أن مواهب سوفير الكبيرة والخيانات التي تعرض لها حميد من نفسه ومن آخرين وتركته في النهاية شبحاً للرجل الذي كان عليه من قبل، تبقى جديرة حتى نهاية القصة باهتمامنا وكامل تركيزنا.
ويبدو أن قصر النظر يشكل نقطة الضعف التراجيدية في شخصية حميد، فمثلما الحال مع الكثير من الشخصيات المثالية حسنة النية، سواء في أنظمة سابقة أو حاضرة، يدرك حميد جيداً أن باستطاعته من خلال منصبه كمحقق خلال حقبة ما بعد الثورة تقويض النظام من الداخل. إلا أنه بدلاً عن ذلك يتنقل بخطوات متثاقلة من طرح مبررات مهتزة إلى السقوط في مستوى من الخيانة يتعذر وصفه، لينتهي به الحال إلى التحسر قائلاً: «ببطء شديد أصبحت أنا النظام».
في أحد المواقف يخبر حميد شقيقه بأنه: «أنت ـ أنتم جميعاً يا من رحلتم ولم تعودوا ثانية قط ـ تجمد بكم الزمن». وفي مشهد آخر يقول أكبري، اللص الثوري الذي ينتهي به الحال لأن يصبح رئيس حميد في العمل صاحب الشخصية المرعبة: «بعض الناس تخلق والبعض الآخر يدمر. أنا وأنت من المدمرين». وفي خضم حالة الضباب الأخلاقي التي تشكل روح بطل الرواية، من المفيد وجود بعض العلامات الإرشادية الكبرى لاتباعها، لكن سوفير هنا تطرح لنا ما هو أعقد بكثير من مجرد إجابات قوية. ولا تحمل الرواية بأكملها عبارة أو وصفاً واحداً يمكنه إيجاز شخصية حميد أو الحياة التي يكابدها.
ونظراً لإدراكها مخاطبتها لجمهور غير متمرس في التاريخ الفارسي، تخرج سوفير عن عادتها بتقديم خلفية تاريخية - أحياناً، ببراعة في صورة قصاصات إخبارية قديمة، وأحياناً في صورة أكثر ثقلاً عبارة عن حوار توضيحي. على سبيل المثال، يخبر والد حميد القاص في مشهد من أيام الطفولة: «كانت بدايته في الثورة الدستورية عام 1906»، في إشارة إلى رئيس الوزراء المنفي، محمد مصدق. وأضاف: «عندما كان رئيساً للوزراء، أقر إصلاحات تتعلق بالأمن الاجتماعي وامتلاك الأراضي، وكان سبب سقوطه، مثلما يعرف الجميع، تأميم صناعة النفط، والتي كانت خاضعة حتى تلك اللحظة لسيطرة البريطانيين». ورغم أن مثل هذه المعلومات قد تكون مفيدة لقارئ غير مطلع على التاريخ الإيراني، فإنها ربما تبدو مفرطة للغاية في إطار محادثة مع طفل في طريقه إلى منزله بعد زيارة لطبيب الأسنان.
وبالمثل، فإن العبارات الفارسية، وأغلبها اصطلاحية، المنتشرة عبر الحوار في الرواية تجري ترجمتها للقارئ على امتداد صفحات الكتاب - وغالباً، ما تجري ترجمتها على لسان الشخص الذي نطق بها لتوه، ما يبدو مثيراً للحيرة. في بعض الأحيان، تتمكن سوفير من التعامل مع هذا الأمر على نحو طبيعي، بينما تحشر الترجمة في أحيانٍ أخرى على نحو يبدو بلا معنى.
ويثير كل ذلك علامة استفهام كبيرة حول ليس من الذي يخاطبه هذا الكتاب، وإنما من يجري قص أحداث الرواية عليه. لمن يحكي حميد مظفريان هذه القصة؟ ولمن يعمل، نظرياً، على شرح نفسه. في الواقع، يوحي التفحص الذاتي الذي يعايشه في نيويورك ومن بعدها في طهران لدى عودته إليها، بأن هذا الصوت موجه نحو الداخل ويخاطب الذات. أو ربما يكون الجمهور الذي يضعه نصب عينيه هو أسرته، ووالده المتوفى الذي ترك إرثاً يجد حميد نفسه في دوره كمدمر، يبجله ويمحيه في الوقت ذاته. ومع هذا، تبدو زاوية الرواية موجهة نحو شخص من الخارج يتابع بشغف - وثمة خلاف حقيقي بين التزام القاص بالحديث إلى الداخل والمجهود الكبير الذي يبذله في شرح نفسه. ويبدو هذا الصراع الدائم الذي يواجهه أي كاتب يفتقر إلى التوافق الكامل بين جمهوره المتخيل والجمهور الفعلي للعمل الأدبي. ومع هذا، تبقى هناك حلول أكثر إبداعاً عن تلك التي لجأت إليها الروائية في هذا العمل.
ومع ذلك نجحت الرواية في رسم ملامح حياة حميد بإبداع ودقة، وتبدو في مجملها عملاً مبهراً في رسم طبقات من الزمن والتناقضات التي تكشف لنا خبايا روح بشرية بعمق شديد ـ وهي مهارة تحسد عليها الكاتبة وتعتبر ضرورية كي تنجح في ربط القراء بشخصية رغم كل محاولاتها الحثيثة لتحسين الذات، يبقى من المتعذر أن يغفر لها القارئ. إلا أنه مثلما شرحت ابنة حميد، غولناز، التي تجابه صعوبة كبيرة في التصالح معه: «الغفران ليس النقطة، وإنما أفضل ما يمكنني عمله أن أحاول أن أستوعب».
وربما لست الوحيدة التي ترى في هذا الانقسام ملمحاً شخصياً، فقد انتقل والدي إلى الولايات المتحدة كلاجئ في أعقاب ثورة الطلال الفاشلة في المجر عام 1956. وفي الأسبوع ذاته، الذي قرأت فيه عن رحلة حميد مع رماد والده، وجدت نفسي مضطرة في خضم الحجر الصحي المفروض على شيكاغو بسبب الوباء، إلى تقبل فكرة أنني لن أتمكن من السفر إلى المجر هذا الربيع لدفن رماد والدي في بودابست، حيث عاد في عمر الـ80. ومثلما الحال مع الكثير من الأطفال الذين تشكلت حياة والديهم من جانب مسارات تاريخية شديدة الاختلاف عن تاريخ أبنائهم ـ ومثل غولناز وحميد ـ وجدت بعض الأحيان من الصعب الغفران والاستيعاب.
وبينما تشكل سوفير جزءاً من جيل لافت من الكتاب الإيرانيين - الأميركيين الذين يكتبون عن أسر ممزقة وعوالم مقسمة وأرواح منشطرة. كما أنها تعتبر جزءاً من تقليد أميركي طويل: الكاتب يعيش بروحه المبدعة هنا وفي أرض خيالية في زمن آخر، بينما تخيم الجذور العائلية أو الشخصية بظلالها الواسعة على القصة. في الواقع، دائماً ما كان القلب النابض للأدب الأميركي أولئك الذين ينظرون نحو الخلف والأمام، داخل أميركا وفي العالم. ورغم أنهم ليسوا بالضرورة أعضاء أجيال محذوفة، لكنهم يملكون أكثر من رأس ويكتبون عن أشياء أكثر صعوبة عن مجرد الغفران.


-خدمة «نيويورك تايمز»


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة