«رجل من زمني»... عالم ينزع نحو الظلام

روائية أميركية من أصل إيراني تستلهم أحداث أرضها الأولى

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«رجل من زمني»... عالم ينزع نحو الظلام

غلاف الرواية
غلاف الرواية

«كنا جيلاً محذوفاً، أقرب إلى حازوقة في مسيرة التاريخ»، هكذا تحدث حميد مظفريان، القاص في رواية «رجل من زمني» من تأليف داليا سوفير. كان يتحدث عبر الهاتف مع شقيقه، الذي غادر إيران متجهاً إلى نيويورك برفقة والديهما أثناء اشتعال ثورة عام 1979. بينما ظل حميد الذي كان ذات يوم ثورياً مثالياً في إيران. وبمرور السنوات، لم تسر الحياة على ما يرام لأي منهما، وذلك في خضم عالم «ينزع نحو الظلام»، حسب وصف إحدى شخصيات الرواية.
وعبر صفحات روايتها الأولى «شهور سبتمبر في شيراز» الصادرة عام 2007. تستكشف سوفير، التي نشأت في أسرة إيرانية يهودية رحلت إلى الولايات المتحدة عندما كانت في الـ11 من عمرها، السنوات التي أعقبت الثورة. وفي الرواية التالية التي تكمل عملها الأول، تطرح سوفير تصويراً مطولاً ومتعدد الطبقات لحياة رجل عبر عقود عدة حمل خلالها معه عناصر متناقضة من جمال ووحشية، وثورة وقمع من تاريخ بلاده.
يرافق حميد رئيسه، وهو وزير بالحكومة، في زيارة إلى نيويورك لحضور اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، على أمل أن ينجح في استعادة لوحة مسروقة داخل مخزن في كوينز لحاج أبدعها الرسام الإيراني رضا عباسي في القرن الـ16. وسرعان ما ندرك المفارقة الساخرة في سعي حميد وراء استعادة عمل فني اعتبر سرقته «مسألة تثير الغضب الوطني»: فرغم أنه كان ذات يوم فناناً ناشئاً ويطمح للعمل بمجال رسوم الكرتون، انتهى به الحال إلى قضاء الجزء الأكبر من حياته كمحقق تابع للدولة و«حكم متجهم يقضي في مصائر الناس» ويعمل على إسكات أصوات الفنانين الإيرانيين.
أيضاً، داخل نيويورك توجد رفات والد حميد، وكان بروفسوراً في تاريخ الفنون ومسؤولاً رفيعاً سابقاً في وزارة الثقافة في عهد الشاه، وكان قد توفي للتو بعد عقود من آخر محادثة جرت بينه وبين حميد. وسيرحل حميد في النهاية من دون لوحة عباسي، لكن حاملاً جزءاً من رماد جثمان والده داخل علبة معدنية صغيرة لحلوى النعناع داخل جيبه، وذلك لأن الأمنية الأخيرة لوالده كانت أن يدفن في وطنه.
وتأتي أحداث الرواية في الجزء الأكبر منها تستعاد من الماضي، بينما دراما الوقت الحاضر، رغم أهميتها المحورية، فإنها تتلقى اهتماماً أقل بكثير عن الطريق التي قطعها حميد من كونه «شخصاً ثورياً تتملكه الحيرة إلى أسير كهل لحياة اتخذت منحى خاطئاً». ويحضر حميد ويفسد مأدبة العشاء التي أقيمت إحياءً لذكرى والده في نيويورك، ويلتقي (عبر سلسلة من الأحداث المواتية على نحو مبالغ فيه) رجلاً تولى هو بنفسه الإشراف على إعدام عمه، ويحاول التصالح مع ابنته الناضجة، ويناضل من أجل إيجاد الوقت والمكان المناسبين لنشر رفات والده في بلد تحرم سلطاته حرق جثث الموتى.
ونقضي وقتاً أطول في طفولة حميد ومراهقته المضطربة وفترة الشباب الأولى المفعمة بالغضب. أما الثمن الذي ندفعه نحن والكاتب عن قراءة قصة تنظر إلى الوراء أننا نجد أنفسنا في النهاية تماماً عند النقطة التي كانت تسير نحوها الأحداث، أما نقطة الفضول الكبرى لدينا فتبقى كيف آلت الأوضاع إلى هذه الحال. إلا أنه لحسن الحظ يؤتي هذا الأسلوب هنا بثمار ثرية، ذلك أن مواهب سوفير الكبيرة والخيانات التي تعرض لها حميد من نفسه ومن آخرين وتركته في النهاية شبحاً للرجل الذي كان عليه من قبل، تبقى جديرة حتى نهاية القصة باهتمامنا وكامل تركيزنا.
ويبدو أن قصر النظر يشكل نقطة الضعف التراجيدية في شخصية حميد، فمثلما الحال مع الكثير من الشخصيات المثالية حسنة النية، سواء في أنظمة سابقة أو حاضرة، يدرك حميد جيداً أن باستطاعته من خلال منصبه كمحقق خلال حقبة ما بعد الثورة تقويض النظام من الداخل. إلا أنه بدلاً عن ذلك يتنقل بخطوات متثاقلة من طرح مبررات مهتزة إلى السقوط في مستوى من الخيانة يتعذر وصفه، لينتهي به الحال إلى التحسر قائلاً: «ببطء شديد أصبحت أنا النظام».
في أحد المواقف يخبر حميد شقيقه بأنه: «أنت ـ أنتم جميعاً يا من رحلتم ولم تعودوا ثانية قط ـ تجمد بكم الزمن». وفي مشهد آخر يقول أكبري، اللص الثوري الذي ينتهي به الحال لأن يصبح رئيس حميد في العمل صاحب الشخصية المرعبة: «بعض الناس تخلق والبعض الآخر يدمر. أنا وأنت من المدمرين». وفي خضم حالة الضباب الأخلاقي التي تشكل روح بطل الرواية، من المفيد وجود بعض العلامات الإرشادية الكبرى لاتباعها، لكن سوفير هنا تطرح لنا ما هو أعقد بكثير من مجرد إجابات قوية. ولا تحمل الرواية بأكملها عبارة أو وصفاً واحداً يمكنه إيجاز شخصية حميد أو الحياة التي يكابدها.
ونظراً لإدراكها مخاطبتها لجمهور غير متمرس في التاريخ الفارسي، تخرج سوفير عن عادتها بتقديم خلفية تاريخية - أحياناً، ببراعة في صورة قصاصات إخبارية قديمة، وأحياناً في صورة أكثر ثقلاً عبارة عن حوار توضيحي. على سبيل المثال، يخبر والد حميد القاص في مشهد من أيام الطفولة: «كانت بدايته في الثورة الدستورية عام 1906»، في إشارة إلى رئيس الوزراء المنفي، محمد مصدق. وأضاف: «عندما كان رئيساً للوزراء، أقر إصلاحات تتعلق بالأمن الاجتماعي وامتلاك الأراضي، وكان سبب سقوطه، مثلما يعرف الجميع، تأميم صناعة النفط، والتي كانت خاضعة حتى تلك اللحظة لسيطرة البريطانيين». ورغم أن مثل هذه المعلومات قد تكون مفيدة لقارئ غير مطلع على التاريخ الإيراني، فإنها ربما تبدو مفرطة للغاية في إطار محادثة مع طفل في طريقه إلى منزله بعد زيارة لطبيب الأسنان.
وبالمثل، فإن العبارات الفارسية، وأغلبها اصطلاحية، المنتشرة عبر الحوار في الرواية تجري ترجمتها للقارئ على امتداد صفحات الكتاب - وغالباً، ما تجري ترجمتها على لسان الشخص الذي نطق بها لتوه، ما يبدو مثيراً للحيرة. في بعض الأحيان، تتمكن سوفير من التعامل مع هذا الأمر على نحو طبيعي، بينما تحشر الترجمة في أحيانٍ أخرى على نحو يبدو بلا معنى.
ويثير كل ذلك علامة استفهام كبيرة حول ليس من الذي يخاطبه هذا الكتاب، وإنما من يجري قص أحداث الرواية عليه. لمن يحكي حميد مظفريان هذه القصة؟ ولمن يعمل، نظرياً، على شرح نفسه. في الواقع، يوحي التفحص الذاتي الذي يعايشه في نيويورك ومن بعدها في طهران لدى عودته إليها، بأن هذا الصوت موجه نحو الداخل ويخاطب الذات. أو ربما يكون الجمهور الذي يضعه نصب عينيه هو أسرته، ووالده المتوفى الذي ترك إرثاً يجد حميد نفسه في دوره كمدمر، يبجله ويمحيه في الوقت ذاته. ومع هذا، تبدو زاوية الرواية موجهة نحو شخص من الخارج يتابع بشغف - وثمة خلاف حقيقي بين التزام القاص بالحديث إلى الداخل والمجهود الكبير الذي يبذله في شرح نفسه. ويبدو هذا الصراع الدائم الذي يواجهه أي كاتب يفتقر إلى التوافق الكامل بين جمهوره المتخيل والجمهور الفعلي للعمل الأدبي. ومع هذا، تبقى هناك حلول أكثر إبداعاً عن تلك التي لجأت إليها الروائية في هذا العمل.
ومع ذلك نجحت الرواية في رسم ملامح حياة حميد بإبداع ودقة، وتبدو في مجملها عملاً مبهراً في رسم طبقات من الزمن والتناقضات التي تكشف لنا خبايا روح بشرية بعمق شديد ـ وهي مهارة تحسد عليها الكاتبة وتعتبر ضرورية كي تنجح في ربط القراء بشخصية رغم كل محاولاتها الحثيثة لتحسين الذات، يبقى من المتعذر أن يغفر لها القارئ. إلا أنه مثلما شرحت ابنة حميد، غولناز، التي تجابه صعوبة كبيرة في التصالح معه: «الغفران ليس النقطة، وإنما أفضل ما يمكنني عمله أن أحاول أن أستوعب».
وربما لست الوحيدة التي ترى في هذا الانقسام ملمحاً شخصياً، فقد انتقل والدي إلى الولايات المتحدة كلاجئ في أعقاب ثورة الطلال الفاشلة في المجر عام 1956. وفي الأسبوع ذاته، الذي قرأت فيه عن رحلة حميد مع رماد والده، وجدت نفسي مضطرة في خضم الحجر الصحي المفروض على شيكاغو بسبب الوباء، إلى تقبل فكرة أنني لن أتمكن من السفر إلى المجر هذا الربيع لدفن رماد والدي في بودابست، حيث عاد في عمر الـ80. ومثلما الحال مع الكثير من الأطفال الذين تشكلت حياة والديهم من جانب مسارات تاريخية شديدة الاختلاف عن تاريخ أبنائهم ـ ومثل غولناز وحميد ـ وجدت بعض الأحيان من الصعب الغفران والاستيعاب.
وبينما تشكل سوفير جزءاً من جيل لافت من الكتاب الإيرانيين - الأميركيين الذين يكتبون عن أسر ممزقة وعوالم مقسمة وأرواح منشطرة. كما أنها تعتبر جزءاً من تقليد أميركي طويل: الكاتب يعيش بروحه المبدعة هنا وفي أرض خيالية في زمن آخر، بينما تخيم الجذور العائلية أو الشخصية بظلالها الواسعة على القصة. في الواقع، دائماً ما كان القلب النابض للأدب الأميركي أولئك الذين ينظرون نحو الخلف والأمام، داخل أميركا وفي العالم. ورغم أنهم ليسوا بالضرورة أعضاء أجيال محذوفة، لكنهم يملكون أكثر من رأس ويكتبون عن أشياء أكثر صعوبة عن مجرد الغفران.

-خدمة «نيويورك تايمز»



هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟
TT

هل مات الناقد الأدبي؟

هل مات الناقد الأدبي؟

قرأنا كثيراً عن ميتات متعدّدة في تاريخ الفكر، وبالتخصيص في تاريخ الممارسة الأدبيّة؛ لكنّي أحسبُ أنّ موت الناقد الأدبي هي الميتة الأكثر تحقّقاً في عصرنا. هذه الميتة الناجزة تملك مسوّغاتها الكاملة، وليست محض تمنّيات منشودة أو رغبات متفلّتة. ربّما الكياسةُ وحدها هي التي دفعتني لأن أجعل العنوان بصيغة تساؤل يحتملُ التشكيك. أنا من جانبي لا أميلُ للتشكيك، بل لتعضيد فكرة موت الناقد الأدبي.

ربّما في دوائر صناعة الأدب الغربية بات واضحاً أنّ الناقد الأدبي مات، وإن لم يُصرّحْ بهذه الحقيقة، مثلما جرى التصريح بموت المؤلّف. المعضلة تكمنُ فينا؛ فالنقد الأدبي، كما يُمارَسُ في شكله التقليدي، ما زال يقاتِلُ من أجل الاحتفاظ بهالته السلطوية، كأنّما الزمن لم يتزحزحْ عن ستينات وسبعينات القرن الماضي، وكأنّما القرّاء لم يصبحوا شركاء كاملين في إنتاج المعنى، وكأنّما النصوص لم تتفلّتْ منذ زمن بعيد من يد الكاهن الذي يحتكرُ قراءتها وتفسيرها.

تقوم فكرةُ مداخلتي هذه على دحض القناعة الراسخة بأنّ الناقد الأدبي يمتلك سلطة مرجعية تُخوّلُهُ تحديد ما يُعدّ أدباً جيداً وما ليس كذلك. تلقّى القارئ العربيُّ، لعقود طويلة، خطاباً نقدياً يجعل من الناقد الأدبي حارساً للهيبة الأدبية، يستدعي معايير قديمة، ويُصدِرُ الأحكام، ويتصرّف كما لو أنّ ذائقته محمولةٌ على يقين معرفي لا يتزعزع. هذا الخطاب، إذا ما تعهّدناه بما يكفي من المُدارسة والتنقيب المعرفي، سننتهي إلى وضع اليد على هشاشته المؤكّدة؛ إذ يقوم على افتراضٍ غير معلن جوهرُهُ أنّ الناقد يمتلك موقعاً معرفياً أرفع من موقع القارئ العادي. هذا الافتراض ربما كان له شيءٌ من مقبولية في أزمان سابقة؛ لكنّه لم يَعُد اليوم مقبولاً في زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعّت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّبَ طويلاً.

يمكنُ عدّ الناقد الأدبي قارئاً بصوتٍ أعلى من القارئ العادي، وهذا الصوت العالي جاء من تمكين وسائل النشر وسلطة الذيوع الأكاديمي أو الصحافي. سيكون أمراً مشروعاً أن نتساءل: ما الذي يميّز الناقد الأدبي ويمنحُهُ عُلْوية ثقافية فوق القارئ؟ هل يمتلك أدوات قراءة تتمنّعُ عن أيُّ قارئ شغوف لا يحيدُ عن موارد الرصانة الفكرية؟ هل يحتكر الناقد الأدبيُّ مسافة من الفهم لا تُنالُ إلّا عبر طقسٍ سري؟ الجواب ببساطة: لا. الناقد الأدبيّ، مهما امتلك من معرفة، ليس سوى قارئ يشكّلُ رأيه تبعاً لمرجعياته الثقافية، وتربيته الجمالية، وميوله الشخصية، ومواقفه الآيديولوجية. رأيُ الناقد الأدبيّ ليس «حقيقة مكتشفة» بل «موقف مُنتَج أو مصنوع»، وإذا كان كذلك فلماذا نمنحه سلطة غير مسوّغة ليكون رقيباً ومبشّراً ونذيراً؟

القراءةُ ليست حقلاً يمكن لأحد أن يحتكر فيه «الصواب»، وكلّ محاولة لإضفاء صفة المرجعية المطلقة على الناقد الأدبيّ ليست سوى محاولة لإعادة إنتاج سلطة المثقف التقليدي، ذلك الذي كان يتكلّم باسم الآخرين، ويُفكّر نيابة عنهم، ويصادرُ الحقّ الطبيعي للقُرّاء في أن يفهموا النصوص برُؤاهم الخاصة.

*****

يموت الناقد الأدبي اليوم لأنّ شروط وجوده القديمة تفسّخت: تغيّرت الوسائط، وتغيّرت طرق تلقّي الأدب، وتحوّلت القراءة من نشاط نخبوي ضيّق إلى ممارسة يومية واسعة. منصّات التواصل الاجتماعي وحدها كفيلةٌ بخلخلة سلطة ناقد أدبي كان يُحسَبُ كلامُهُ كأنّه «القول الفصل». اليوم، منشورٌ على منصّة تواصل اجتماعي قد يوجّهُ دفّة الاهتمام الأدبي أكثر مما يفعله مقالٌ نقدي مطوّل في مجلة ثقافية. هذه حقيقة لا يصحّ، ولن نستطيع، أن نتغافلها.

يموت الناقد الأدبي أيضاً لأنّ النصوص ذاتها تغيّرت: لم تعُدْ تُنتَجُ لتُقرأ بعينٍ واحدة بل بعيون كلّ قارئ. الأدب المعاصر -وبخاصّة في عصر السرد المتشظّي إلى ألوان أدائية عصية على التوصيف الدقيق- لم يَعُدْ يحتمل قارئاً واحداً يقرّر معناه تحت سلطة النقد الأدبي؛ بل يفرض تعدّدَ القراءات، وتفكّكَ سلطة المؤلّف، و«ديمقراطية التأويل». لك -إنْ شئت- أن تنفر من هذا الوضع وأن لا تطيقه؛ لكن لن يفيدك نفورُك في تغيير مسار العجلة.

من المثير تاريخياً أن نشير إلى حقيقة مغيّبة: حين أعلن رولان بارت موت المؤلف، كان يُشير إلى تفكّك سلطة المؤلّف المركزية داخل النص: سلطة المعنى. الجيل النقدي القديم قاوم هذه الفكرة بشراسة، لا لأنّه كان متيّماً بعشق المؤلّف؛ بل لأنّه أدرك -وإنْ من غير تصريح- أنّ موت المؤلف يعني أيضاً تخلخل أساس سلطته؛ فالناقد الأدبي الذي كان يستند في قراءته إلى سلطة المؤلف واعتباره خالقاً مركزياً للنص، وجد نفسه (أعني الناقد الأدبي) ليس أكثر من قارئ آخر، لا يحقّ له ادعاءُ امتلاك الحقيقة، بل تقديم قراءة من بين أعداد هائلة من القراءات الممكنة. هنا صار الناقد الأدبي أسير مساءلة مُرْهِقَة: كيف يمكن للناقد الأدبي أن يمضي في تعزيز سلطته وهو يفقد الموقع الاعتباري الذي يُشرعنُ وجودَهُ؟ وإذا كان المؤلف -بهيبته ورمزيته- قد مات؛ فكيف يظلُّ حيّاً مَن كان يتحدّث باسمه أو يتربّع على عرش تأويله أو يدور في مدارات صنائعه الإبداعيّة؟

موتُ الناقد الأدبيّ ليس ظاهرة منفردة مستقلّة؛ بل هو الوجه الآخر المتعشّقُ عضوياً مع موت المؤلّف، وكلاهما جزء من حركة ثقافية واسعة تُعيدُ تعريف السلطة داخل النص الأدبي. النصّ لم يَعُدْ «موقعاً يُدارُ من الأعلى»، بل «فضاءٌ مفتوحٌ يشارك في تشكيله القرّاء».

هل يعني موت الناقد الأدبي انتصار الرثاثة؟ سيدافع كثيرٌ من النُقّاد عن حصونهم، وهذا أمر متوقّع. سيدبّجون المقالات، ويُحاضرون، ويُسفّهون فكرة موتهم، وسيعتبرونها جزءاً من «انحطاط الذائقة العامّة». أعرف هذا تماماً. سيتحدّثون عن الفوضى، والانهيار، وسقوط المعايير؛ لكنّما العجلة دارت، وما مِنْ سبيلٍ لإيقافها. يبدو أمراً محتّماً أنّ الناقد الأدبيّ التقليدي يشرع في مقاربته الدفاعية من مواضعة، يراها راسخة، مفادُها أنّه كان دوماً المدافع الشرس عن الجودة الأدبية. التاريخ الأدبيّ مليء بالنقّاد الذين احتفوا بأعمال متواضعة وحاربوا نصوصاً عظيمة. هل آتي بأمثلة: الرفض النقدي الطويل لكافكا، واستقبال بودلير العاصف، والهجوم العنيف على نيتشه، والسخرية من شعراء الحداثة العرب في بداياتهم. ثمّ دارت الأيام دورتها وأعيد تقييمُ كلّ شيء.

لم يكن الناقد حارساً للجودة الأدبيّة، بقدر ما كان حارساً لذائقته الخاصة ولذيوع سطوته في الحلقات الثقافية. موت الناقد الأدبي لا يعني موت الذائقة، بل تحريرها. لا يعني سقوط معايير الجودة، بل تعدّدها. لا يعني شيوع الرثاثة، بل إزاحة الحاجز الذي كان يشكّلُ حائط صدّ أمام القرّاء يردعهم عن إثبات جدارتهم.

في هذا السياق، يمكن الإشارة إلى كتاب «The Death of the Critic» للكاتب البريطاني رونان ماكدونالد (Ronan McDonald)، وهو عمل حديث نسبيّاً، نُشِر عام 2007، وتُرجِمَ إلى العربية عام 2014. هذا الكتاب أعاد بقوة طرح السؤال حول جدوى النقد الأدبي التقليدي.

يرى ماكدونالد أنّ سلطة الناقد تتآكل في ظلّ تعدّد الأصوات الثقافية وتحوّل القرّاء إلى مستهلكين/ منتجين للمعنى، وهو ما ينسجم تماماً مع واقعنا العربي والعالمي اليوم.

فضلاً عن ذلك يقدّمُ ماكدونالد في كتابه هذا قراءة عميقة لتحوّلات المؤسسة النقدية الأدبية في العصر الحديث، موضحاً كيف تراجعت سلطة الناقد التقليدي لصالح أصوات القرّاء، ووسائط الإعلام الجديدة، والمنصّات الرقمية التي منحت الجميع حقّ التعبير عن رأيهم في النصوص الأدبية. يرى ماكدونالد أنّ النقد لم يَمُتْ بوصفه ممارسة فكرية؛ بل ماتت سلطته القديمة التي كانت تجعل منه مرجعية أولى للحُكْم على القيمة الأدبية. الكتاب يكشف تعاظم «ديمقراطية القراءة»، ويرصد صعود أشكال جديدة من التلقّي تُقصي الناقد الأدبي الكلاسيكي من موقعه الكهنوتي.

*****

المُشْتَغِل الثقافي (Cultural Worker) هو العنوان الأكثر مقبولية وملاءمة لعصرنا من عنوان الناقد الأدبي، ويبدو أكثر تلاؤماً مع تاريخ التطوّر الطبيعي والثقافي. المشتغل الثقافي يتحرّكُ في فضاء أوسع من حدود النص ومرجعياته الجمالية الكلاسيكية، ويمتدُّ في وسائله التشريحية إلى قراءة سياق إنتاج العمل الثقافي، لا الأدبي فحسب، وأنماط تلقّيه، وصِلاتِهِ بالبنى الاجتماعية والسياسية والمعرفية. فضلاً عن ذلك في استطاعة «المشتغل الثقافي» تقديمُ قراءة مركّبة، بعيداً عن مرجعيات سلطوية مفترضة أو متوقّعة، تعيدُ إطلاق حيوية الأدب كتيّار في الثقافة البشرية هو أبعد ما يمكن عن نمط التمارين الأكاديمية المعزولة عن الحراك العالمي في كلّ ألوانه.

ما الذي يبقى بعد موت الناقد الأدبي؟ يبقى القارئ الشغوف، ويبقى النصّ الخلّاق، ويبقى الاشتغال الثقافي الحيوي، ويبقى الحوار المفتوح الذي لا يحتاج رمزيّة كهنوتية سلطوية مغلقة كي تُشَرْعِنَهُ.


لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟
TT

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

لماذا يعد التلوث البيئي «معركة ثقافية» بامتياز؟

يكشف كتاب «20 خرافة عن التلوث البيئي» الصادر عن دار «العربي» بالقاهرة لثلاثة من علماء الاجتماع والباحثين الكنديين، كيف أن قضية التلوث البيئي هي في جوهرها معركة ثقافية تتعلق بتزييف الوعي العام وخداع الجماهير العريضة عبر «شعارات زائفة وأفكار مغلوطة» تبثها دوائر رأسمالية تستهدف تحقيق أرباح خرافية على حساب سلامة كوكب الأرض وموارده، دون أن تبدو هى في الصورة نهائياً.

ويقول أرنو توريا كلوتييه وفردريك لوغو وآلان سافار في الكتاب، الذي ترجمته أماني مصطفى، إن جميع من في العالم أصبحوا من أصحاب «التوجه الأخضر» بما في ذلك شركتا «كوكاكولا» و«توتال» على نحو يوحي أن البيئة هي «الفطرة السليمة الجديدة» وأننا يجب أن نسعد بهذا، لكن الحقيقة على عكس ذلك.

إن لديهم أسباباً وجيهة للقلق؛ فإذا كان الجميع ذوي توجه أخضر، فكيف نبرر الكارثة البيئية وتوابعها حيث تعاني الإنسانية بالفعل من عنف الاضطرابات المناخية، مثل موجات الحر والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات والأعاصير المدمرة؟ البيئة هي ساحة معركة ثقافية بالأساس، ففيها نجد حلفاء حقيقيين ولكننا نجد أيضاً أعداء شرسين، والمدهش أنه حتى المرتزقة، عديمو الرحمة، يتخفون وراء شعارات نبيلة يأتي في مقدمتها اللون الأخضر.

ويوضح العلماء الثلاثة أن البيئة ليست مسألة بسيطة تتعلق بقناعات أخلاقية أو سياسية، كما أنها وقبل كل شيء نتاج القيود الاقتصادية تلك المفروضة على معظمنا للعمل لمصلحة شركة كبيرة ملوثة للبيئة، أو استخدام سيارة للذهاب إلى العمل أو شراء أغذية غير عضوية لأنها أرخص، أو المعاناة من التلوث الناتج عن منجم أو ازدحام السيارات أو الإسراف في استخدام الطاقة لتدفئة المساكن السيئة العزل، بل أيضاً القيود المفروضة على معظم الشركات لخفض التكاليف عن طريق زيادة التلوث وتحقيق الأرباح، والتميز في المنافسة من خلال إغفال هذه القيود وكيفية تطبيقها بلا مساواة، ومن ثم قد ينتهي بنا الأمر إلى الاعتقاد بأننا جميعاً في القارب نفسه. هذا الوهم جميل بقدر ما هو خطير.

إن المصدر الرئيس للأزمة البيئية هو أننا نستهلك كثيراً، فإذا تمكنا من استهلاك ما هو ضروري فقط لتلبية احتياجاتنا واستهلكنا بطريقة أكثر ذكاء فسوف نتمكن من حل الأزمة البيئية. يجري هذا الكلام على لسان الجميع إلى درجة أنه يصعب علينا أحياناً التخلص من الشعور بالذنب إزاء إقدامنا على شراء ملابس جديدة، فهم يودون أن يضعوا كل ثقل خيارات الاستهلاك على عاتق المستهلكين وحدهم كأفراد يتمتعون بسلطة شرائية معينة وليس لكونهم مواطنات ومواطنين يتمتعون أيضاً بسلطة اجتماعية.

ويلفت العلماء إلى أنه في جوهر هذه الحجة تكمن فكرة تفترض أن المستهلك ستكون لديه السلطة والسيادة أو حتى السيطرة الكاملة على الاقتصاد، حيث يقال لنا إن الشراء اختيار، فالشركات بعد كل شيء تخدم فقط احتياجات المستهلكين، أليس كذلك؟

من وجهة نظر أخلاقية يمكن أن تمتد مسؤولية المستهلك قدر الإمكان إلى المعلومات والسلطة الشرائية التي يمتلكها، لكن من المغالطة والتضليل تحميلنا نحن المستهلكين العاديين مسؤولية انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة بإنتاج القلم الذي نشتريه لأمر مضلل لأنه من المستحيل في أغلب الأحيان معرفة الانبعاثات الناتجة عن إنتاجه، فضلاً عن الظروف البيئية والاجتماعية التي أنتج فيها. وقبل كل شيء فإنه من المستحيل أيضاً ممارسة سيطرة حقيقية على هذا الإنتاج فتظل هذه المعلومات وهذه السلطة في الأساس ملكاً للشركة، إذ يكون الزبون بعيداً جداً عن أن يكون المالك.

والمؤكد أن الاستهلاك ليس بالضرورة عملاً من أعمال الحرية، ففي أميركا الشمالية أصبح شراء سيارة ضرورة في بيئة تهيمن عليها الطرق السريعة والضواحي دون وجود شبكة نقل عام كبيرة، ففي ثلاثينات القرن العشرين قلصت شركات «ستاندرد أويل» و«جنرال موتورز» و«فايرستون» للإطارات خيارات النقل بشدة بعد شراء شبكة النقل العام للترام الكهربائي وتفكيكها في 45 مدينة بالولايات المتحدة. وهو ما يثبت أن الخضوع لقرارات عدد قليل من الشركات الكبرى ليس بالأمر النادر بل إنه اتجاه قوي في السوق يفضل تركيز رؤوس الأموال ومركزيتها من خلال السباق المستمر لتحقيق الأرباح.

كما أن جزءاً لا بأس به من انبعاثات الغازات الدفيئة المرتبطة باستهلاكنا غير مرغوب فيها بقدر ما هي مقيدة، خاصة بالنسبة للفئات الأشد فقراً، حيث يفرض تنظيم الساحات والنقل على أعضائه استخدام السيارة للوصول إلى أعمالهم خاصة إذا كانوا يعيشون خارج المراكز الرئيسة، كما أن الدخل المحدود يجبر هذه الأسرة الفقيرة أو تلك على اختيار طراز سيارة اقتصادي وهي ليست بالضرورة الأكثر صداقة للبيئة.

وخلافاً للفرد الثري الذي يسافر عدة مرات في السنة بالطائرة، فإن الانبعاثات الصادرة عن الأشخاص الأقل حظاً ليست من باب الرفاهية، لكنها في كثير من الأحيان ضرورة في الواقع، فمن يستطيع شراء سيارة كهربائية اليوم حيث تتطلب نفقات مرتفعة للغاية؟ لا يمكننا أيضاً إلقاء اللوم على أفراد هذه الأسرة لعدم شراء المنتجات العضوية عندما تكون خارج ميزانيتهم في ظل خضوع المواد الغذائية لديناميكيات السوق التي تهيمن عليها الشركات الكبرى.

ويخلص العلماء الثلاثة إلى أنه بالطريقة نفسها فإن الأسر ذات الدخل المنخفض التي تكون من فئة المستأجرين عموماً نادراً ما تتحكم في تدفئة منازلها وتضطر أحياناً إلى التعاون مع أنظمة التدفئة الملوثة التي تعمل بالمازوت أو الغاز.

وفي كثير من الأحيان تكون مبانيها معزولة عزلاً سيئاً، فضلاً عن أنه نادراً ما يكون من الممكن لها اختيار شركة الكهرباء التي قد تعمل بالفحم أو الغاز، كما يمكن أن تؤدي معايير البناء المطبقة حالياً أيضاً إلى ارتفاع استهلاك الطاقة.


شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى
TT

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

شخوص صامتة وقصص ترصد العالم في أسى

عبر 21 نصاً مشحوناً بالمشاعر والمفارقات الإنسانية، ترسم الكاتبة المصرية نرمين دميس عالماً من الأسى أبطاله أبطال مهزومون، ومصائر عنوانها العريض العزلة والدموع الصامتة، وذلك في مجموعتها القصصية «صندوق أرابيسك» الصادرة أخيراً في القاهرة عن دار «الأدهم».

فضلاً عن أن النصوص تطمح في مجملها لأن تكون لسان حال الشخصيات الصامتة، معبرةً عن أحلامها وصدماتها الدفينة التي يبدو أنها استقرت في «صندوق» مغلق لم يعد بإمكان أحد أن يطلع عليه، وما يزيد الأمر صعوبة وتعقيداً هو أن تلك الشخصيات أدمنت السكوت واعتادت التجاهل من الآخرين، حتى أصبحت العزلة خيارها المفضل على طريقة «مجبر أخاك لا بطل».

على هذه الخلفية، تتعدد النماذج المثيرة للتأمل بين دفتي المجموعة مثل العجوز البسيطة ذات الملابس المهترئة التي تريد أن تصبح واحدة من «حفيدات السندريلا»، والأب الذي يشعر بالعجز وهو يطالع عبر واجهات المحال أسعار الملابس الضرورية لابنته، فضلاً عن البيت الذي يتحول إلى سجن، والمطر الذي يطلق طاقة تحرر داخلية والخوف الذي يصبح إدماناً والدموع التي تصدر عن شخص يحترف مهنة إسعاد الآخرين.

تتعدد التقنيات السردية في المجموعة ومنها «الأنسنة»، أي خلع صفات إنسانية على الأشياء والجمادات، واعتماد المراسلات كأداة لعرض الحدث، فضلاً عن اللجوء إلى التصوير الفانتازي الذي يتجاوز حدود العقل والمنطق ليسبح في حالة شعورية من الانطلاق.

ويبدو أن اسم المجموعة «صندوق أرابيسك» يكتسب دلالته ورمزيته من حالة التعقيد والتشابك، كما في فن الأرابيسك، التي تعكس واحدة من تجليات النفس البشرية والقصص المتداخلة داخل المجموعة، وكذلك حالة التكتم والسرية لهواجس الإنسان المؤلمة التي لا تظهر لنا لأنها استقرت داخل صناديق مزخرفة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«وسط ظلام ليلة عاصفة تنازل فيها القمر عن عرش السماء، وقفت وحيدة مذعورة يلفها الصقيع ويتسلل إلى داخلها، يزلزلها، يكاد يقتلعها من مكانها، تحاول التشبث بالفراغ من حولها فلا يغيثها، تخور قواها وتخمد مقاومتها وتتساءل... كيف تبدل حالها هكذا ما بين عشية وضحاها؟ بالأمس القريب، كانت تستيقظ على زقزقة العصافير وعبير الأزهار، تؤنسها ضحكات الأطفال، تتردد أصداؤها في الفضاء الفسيح، يعانقونها ويختبئون خلف جسدها فتبادلهم العناق كأم حنون. كم من أسرار حفظتها وأطبقت عليها بين الضلوع، لطالما لاذ بها المتعب حتى يستريح، الجائع حتى يشبع، والظمآن حتى يرتوي، شاركت الأحباب أوج الغرام ودمعت معهم لحظة الفراق.

كانت جميلة فتية، لا تكسرها ريح ولا يسكن قلبها برد، تتدثر بردائها الأخضر النضر وأنفاس ساكنيه الدافئة في أعشاشها، تستمتع بزخات السماء، تمنحها سر الحياة. أما اليوم فزال عنها الرداء، وهجرها الأحباب، صارت قاحلة المحيا بذراعين مصلوبتين تستميتان من أجل البقاء، يمزق نياط قلبها إعراض الناس عنها حتى أصبحت كيتيمة تفتقد السكن والونس، تقتلها نظرات التجاهل تلك، يكاد صراخها المكتوم يشق عنان السماء هاتفاً:

- ما زلت على قيد الحياة، لم أمت بعد!».