«كورونا» ينشر الرقمنة ويُنمي ميزانيات الصحة

ازدهار التعليم الإلكتروني وتوسع المعارض الافتراضية

«كورونا» ينشر الرقمنة ويُنمي ميزانيات الصحة
TT

«كورونا» ينشر الرقمنة ويُنمي ميزانيات الصحة

«كورونا» ينشر الرقمنة ويُنمي ميزانيات الصحة

خمسة أشهر مرت على بداية ظهور جائحة فيروس كورونا المستجد، ليفرض الفيروس خلال تلك الفترة واقعاً جديدا في مختلف المجالات، ويبدو أن هذا الواقع لن يتغير على المدى القريب، بعد أن اختار العالم سيناريو التعايش معه.
وتسببت الخسائر الاقتصادية الناتجة عن إجراءات التباعد الاجتماعي التي فرضها الفيروس، وعدم الوصول إلى لقاح حتى الآن، في انضمام دول عربية عدة إلى هذا التوجه العالمي، الذي سيفرض واقعا جديدا ومختلفا في شتى المجالات، وعلى رأسها مجال الصحة.

قطاع الصحة
وضخت الحكومات العربية المزيد من الأموال في هذا القطاع منذ بداية الأزمة وحتى الآن، بل وفرضت الأزمة تعديلات جوهرية على موازنات الأعوام القادمة، ليصبح شعارها «لا صوت يعلو فوق صوت الصحة».
وأعلنت أكثر من دولة عربية ضخ المزيد من الأموال في هذا القطاع، بعد أن صار التعايش مع الفيروس خيارا حتميا ستلجأ له دول العالم، بعد تقارير تتحدث عن أنه لن يكون هناك لقاح ضد كورونا قبل عام على الأقل. كان وزير الصحة السعودي، توفيق الربيعة، قال في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء السعودية في 7 أبريل (نيسان) الماضي، بأن وزارته تلقت «دعما من الدولة منذ بداية الأزمة حتى الآن بقيمة 15 مليار ريال، تم تخصيصها لتأمين الأدوية وتشغيل الأسرة الإضافية وشراء الأجهزة الطبية والمستلزمات الصحية وتأمين الكوادر الطبية من داخل وخارج المملكة». ولفت الربيعة في التصريحات ذاتها، إلى أن وزارته رفعت طلبات إلى نهاية السنة بقيمة 32 مليار ريال فوق المبالغ المخصصة سابقا، وقال بأن الصحة السعودية تلقت الموافقة عليها.
ومنذ بداية شهر مارس (آذار) الماضي وحتى الآن، خصصت وزارة المالية المصرية 3.8 مليار جنيه (الدولار يساوي 15.6 جنيه في المتوسط) بغرض تلبية الاحتياجات الملحة والحتمية من الأدوية والمستلزمات الطبية لتمكين هذا القطاع الحيوي من اتخاذ الإجراءات الاحترازية والوقائية لفيروس «كورونا المستجد»، وصرف مكافآت تشجيعية للأطقم الطبية، كما ستشهد ميزانية القطاع الصحي للعام المالي 2020 - 2021 الذي سيبدأ في شهر يوليو (تموز) القادم، أكبر زيادة في تاريخها حيث ستصل إلى 95.7 مليار جنيه بزيادة قدرها 23.4 مليار جنيه، وفق ما أعلن وزير المالية المصري د.محمد معيط في تصريحات صحافية. في مارس الماضي.
وأعلنت وزارة المالية بالمغرب هي الأخرى إن المملكة ستنفق ملياري درهم (200 مليون دولار) مبدئيا لمساعدة النظام الصحي في مواجهة تفشي فيروس كورونا.
ويقول الدكتور محمد خالد أستاذ الميكروبيولوجي بكلية الطب جامعة أسيوط (جنوب مصر) لـ«الشرق الأوسط»، بأن زيادة موارد الصحة، تعكس إدراك الحكومات لتبعات إجراءات تخفيف القيود التي تم فرضها منذ بداية الأزمة، واتجاهها للمرحلة الثانية لمواجهة الوباء، وهي التعايش معه.
ورغم تعبير «منظمة الصحة العالمية» عن قلقها من أن يكون مثل هذا القرار متسرعاً، إلا أنها لا تنكر على كل دولة حقها في اتخاذ ما تراه مناسبا لظروفها وقدرتها على تحمل قرارات الإغلاق التام، شريطة أن يكون نظامها الصحي قادرا على استيعاب حالات الإصابة المتوقعة عند تخفيف القيود، كما يجب أن يكون هناك تحديد للمجموعات الأكثر عرضة للخطر، وتجرى فحوصات دائمة لهذه المجموعات وتكثيف التوعية بينها للالتزام بإجراءات التباعد الاجتماعي.
ويوضح خالد، أن «الإجراءات التي تم الإعلان عنها في أكثر من دولة عربية أخيراً تكشف عن إدراكها للتحديات التي تشير إليها هذه الشروط التي حددتها منظمة الصحة العالمية، والتي تظهر ملامحها واضحة في أكثر من دولة خلال الفترة الأخيرة مع تنفيذ بعض إجراءات تخفيف القيود».
وحولت مصر العديد من المدن الجامعية ونزل الشباب إلى مستشفيات عزل لاستقبال حالات الإصابة بالفيروس، كما أعدت وزارة السياحة في السعودية دور ضيافة تشرف عليها وزارة الصحة، لاستخدامها في الحجر الصحي للحالات المشتبه فيها، وفي الإمارات أعلنت شركة أبوظبي للخدمات الصحية في 22 أبريل (نيسان) الماضي عن تجهيز ثلاثة مستشفيات ميدانية في مناطق مختلفة بأبوظبي، كما قررت هيئة الصحة بدبي تحويل مركز التجارة العالمي إلى مستشفى ميداني لمصابي فيروس كورونا، بسعة 3000 سرير، 800 منها مخصصة للعناية المركزة.
لكن بعدا آخر مهما يلفت إليه د. محمد علي عز العرب، مستشار «المركز المصري للحق في الدواء»، والذي يقول لـ«الشرق الأوسط»، إنه «يخشى من أن انخراط الأنظمة الصحة في مواجهة كورونا قد ينسيها الأمراض الأخرى، كما أن الخوف من العدوى قد يتسبب في عزوف بعض المرضى عن الذهاب إلى المستشفيات».
وظهرت هذه المشكلة فب أكثر من دولة ومنها تونس، حيث قال الصحبي بن فرج، النائب السابق في البرلمان التونسي على صفحته بموقع «فيسبوك»، إن «هناك ارتفاعا غير عادي في حالات الوفاة في أوساط المتقاعدين، خلال الفترة بين 6 و21 أبريل الماضي. وعزا الارتفاع إلى حدوث تدهور في صحة المرضى العاديين من غير المصابين بكورونا بسبب صعوبة التنقل ومراجعة الأطباء وتوقف العمل في العيادات الخارجية والأقسام الطبية لأسابيع طويلة، نظرا لتجنيد المنظومة الصحية بصفة شبه حصرية لمقاومة كورونا.
وأبدت «منظمة الصحة العالمية» مخاوفها من نفس المشكلة، ولكن في قطاع التطعيمات، وحذرت مع بداية الأسبوع العالمي للتطعيمات، والذي يبدأ في الفترة من 24 وينتهى في 30 أبريل من كل عام، من أن إغلاق خدمات التحصين في ظل تفشي جائحة فيروس كورونا، حيث قد يؤدي إلى عودة ظهور الأمراض التي يمكن منعها باستخدام لقاحات آمنة وفعالة، مثل شلل الأطفال والجدري والحصبة.
وبالإضافة إلى المخاوف من عودة تلك الفاشيات، يخشى عز العرب من التأثيرات النفسية لمتابعة أعداد الإصابات بالفيروس، وقال «علينا الأخذ بنصائح وإرشادات دراسة أعدتها جامعة أكسفورد البريطانية، وأهمها أخذ استراحة من مشاهدة الأخبار أو الاستماع إليها».
وأدركت أكثر من دولة هذا الواقع النفسي الذي يفرضه الفيروس، وأعلنت أمانة الصحة النفسية وعلاج الإدمان بوزارة الصحة المصرية في نهاية الشهر الماضي عن حملة «احمي النفسية»، والتي تم خلالها تنظيم دورة تدريبية عن بعد عبر الإنترنت، لتدريب الأطباء وطواقم التمريض واختصاصيين نفسيين واجتماعيين، على تقديم الدعم النفسي للمواطنين.

معارض افتراضية
لجوء أمانة الصحة النفسية بوزارة الصحة المصرية إلى عقد التدريب عن بعد، ليس اختراعا خاصاً بها، بل سيصبح سمة من سمات عصر التعايش مع كورونا، لا سيما أن كل المؤشرات تشير إلى أن هذا الفيروس سيستمر مع البشرية لفترة طويلة، وهو ما عبر عنه تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية بقوله «الجائحة أبعد ما تكون عن الانتهاء»، وذلك في مؤتمر صحافي بمقر المنظمة بجينيف يوم 27 أبريل الماضي.
وأدركت الجمعية الدولية للمعارض والفعاليات هذا الواقع الجديد، ونظم فرعها بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا مؤتمرا من خلال تقنية الاجتماعات الافتراضية في 21 أبريل الماضي بعنوان «التحديات والحلول وأثرها على صناعة المعارض ومستقبل العاملين بها»، واتفق 250 مشاركاً من مختلف دول المنطقة، على دعم الأحداث الافتراضية في الفترة الحالية، تمهيداً لاعتمادها كداعم مستقبلي للفعاليات.
ودعا الرئيس التنفيذي لمركز إكسبو الشارقة، وعضو الجمعية الدولية للمعارض والفعاليات فرع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سيف محمد المدفع، خلال مشاركته في المنتدى، إلى إعادة تعريف طريقة إقامة المعارض من خلال الاستثمار في التقنيات الحديثة، كما دعا إلى الابتكار في تنظيم المؤتمرات والمعارض عبر إيجاد منصات رقمية ذكية لتنظيم معارض افتراضية خلال المرحلة الراهنة.
وقبل نحو ستة أشهر من معرض القاهرة الدولي للابتكار، والذي يقام في أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، استجابت أكاديمية البحث العلمي المصرية، الجهة المنظمة للمؤتمر، لما دعا له الرئيس التنفيذي لمركز إكسبو الشارقة.
وقال الدكتور محمود صقر رئيس الأكاديمية في بيان صحافي في 29 أبريل (نيسان) الماضي، بأن الدورة القادمة للمعرض ستكون افتراضية، وأنهم درسوا الموضوع من كل الجوانب واستمعوا إلى خبراء في المجال من مصر ومن الهند.
ووصف هذا التحدي بأنه عملية تقنية ليست سهلة، لا سيما أنهم يريدون الحفاظ على نفس برامج المعرض عند إقامته افتراضيا، من حيث مشاركة آلاف الابتكارات والاختراعات من مصر والعالم، وتنظيم العديد من ورش العمل والبرامج التدريبية واللقاءات التسويقية وتنظيم محاضرات لكبار الخبراء في مجال إدارة الابتكار والتسويق التكنولوجي والملكية الفكرية والثقافة العلمية، بالإضافة إلى قيام لجان التقييم بالتجول في المعرض للتقييم الفني والاقتصادي للاختراعات ومناقشة المبتكرين في ابتكاراتهم المعروضة، واختيار أفضلها للفوز بجوائز المعرض.
وربما جاء هذا القرار المبكر من أكاديمية البحث العلمي بعد نجاح أول فاعلية أقامتها افتراضيا خلال شهر أبريل الماضي، وكانت «هاكاثون افتراضي لوضع حلول تكنولوجية وصناعية لبعض الأزمات التي أثارها فيروس كورونا. والهاكثون يعني تجمع متخصصي التكنولوجيا على نحو مكثف لوضع حلول لمشكلة ما، ولأن الفيروس فرض إجراءات التباعد الاجتماعي تم عقده افتراضيا، وجاءت ردود الفعل إيجابية للغاية، بل واعتبر المشاركون بأول هاكثون افتراضي أن التعود على مثل هذا النمط من إقامة الفعاليات، ربما يكون وجها إيجابيا للواقع الجديد الذي يفرضه فيروس كورونا.
ويقول أحمد رضوان، صاحب أحد الأفكار التي عرضت بـ«الهاكثون» لـ«الشرق الأوسط»: «لقد تأخرنا كثيرا في التعود على مثل هذا النمط من الفعاليات، وربما يكون فيروس كورونا دافعا لنا على ذلك».
ويلخص رضوان أبرز مزايا الهاكثون الافتراضي مضيفا: «تركيز أكبر في المهمة، مقارنة بالشكل التقليدي، حيث يضيع التركيز بسبب كثافة الحضور في مكان واحد، استثمار أعلى للوقت، حيث تتأجل بعض أحداث الفعاليات التقليدية لبعض الوقت انتظارا لحضور خبير أو مسؤول، وهذا لا يحدث في الشكل الافتراضي».

رقمنة الحياة
ولا يقتصر التغيير الذي أحدثه فيروس كورونا على مجرد فاعلية أو مؤتمر تعقد بشكل افتراضي، بل إن هذا التوجه سيصبح نمط معيشة، فيما يمكن أن نسميه بـ«رقمنة الحياة»، فالبيع والشراء والتعليم والسياحة، بل وحتى العلاقات الاجتماعية ستصبح رقمية.
ويقول إيهاب سعيد، رئيس الشعبة العامة لمراكز الاتصالات باتحاد الغرف التجارية المصرية لـ«الشرق الأوسط»، إن الأزمة وإن كان لها تبعات اقتصادية سلبية على عده قطاعات، إلا أن الوجه الإيجابي لها، هو المساهمة في التحول الرقمي بكل مناحي الحياه في أغلب الدول العربية.
وتغيرت الثقافة العامة للمجتمعات العربية بشكل إلزامي نحو البيع والشراء من خلال الإنترنت، حيث سجلت مبيعات التجارة الإلكترونية نموا بمعدل 20 في المائة في الربع الأول من عام 2020. مقارنة بمعدل 12 في المائة من الفترة ذاتها من عام 2019. كما أعلنت الدول عن برامج تعليم عن بعد لتحفيف الأضرار على الطلاب المتضررين من الإغلاق الكلي للمدارس، والذي تقدر منظمة اليونيسكو عددهم بنحو 291 مليون طالب في العالم.
وشدد سعيد، على أن هذا التغيير الذي فرضه فيروس كورونا، ينبغي أن يسايره تطوير في الجهاز الإداري ببعض الدول التي لا تزال تحبو في مجال الرقمنة، وهو ما يقتضي ضرورة تدريب الموظفين على وسائل الاتصال الحديثة.
وتحركت وزارات التعليم في أغلب الدول العربية سريعا في هذا الملف الإداري الذي أشار إليه سعيد، حيث قامت بتدريب معلميها على تقنيات التدريس عن بعد، ونفذت وزارة التربية والتعليم في الإمارات برنامج تدريب تخصصي عن بعد لأكثر من 25 ألف معلم وإداري في المدارس الحكومية، إضافة إلى أكثر من 9200 معلم ومدير مدرسة من المدارس الخاصة، وركز التدريب على تحقيق مجتمعات تعلم افتراضية تعزز من قدرات المعلم على إدارة العملية التعليمية عن بعد، كما قال بيان صحافي للوزارة نقلته وكالة الأنباء الإمارتية يوم 22 مارس (آذار) الماضي.
كما أطلقت وزارة التربية والتعليم المصرية، موقع «بنك المعرفة» على شبكة الإنترنت، لتمكين الطلاب من متابعة المناهج الدراسية والتواصل مع معلميهم عن بعد، وأطلقت وزارة التربية والتعليم في الأردن منصة https://teachers.gov.jo/، لتدريب المعلمين على تقنيات التعلم عن بعد.
السياحة والعلاقات الاجتماعية
وامتد الواقع الافتراضي إلى قطاع السياحة، الذي وجد في التقنيات الافتراضية وسيلة ترويجية هامة تسمح لمستخدمي الإنترنت بالتجول في المناطق الأثرية افتراضيا، لعل ذلك يكون دافعا لهم لزيارة تلك الأماكن الأثرية عند فتحها للجمهور مجددا.
وأطلقت وزارة السياحة والآثار المصرية، مبادرة لزيارة المناطق الأثرية بشكل افتراضي عبر الإنترنت، حيث تقوم الوزارة بتنظيم جولات افتراضية داخل مواقع ومساجد وأديرة أثرية، بعد تأثر قطاع السياحة بسبب إجراءات مواجهة وباء كورونا، التي أدت إلى إغلاق المناطق الأثرية والفنادق.
وكانت خدمات الجولات الافتراضية للعديد من المعالم والمتاحف ومراكز التسوق في دبي متاحة قبل أزمة كورونا، ولكن الأزمة أعطت هذه الخدمات زخما كبيرا، حيث باتت وسيلة الجمهور الأساسية للاطلاع على المعالم السياحية في دبي والعالم.
ومع تخفيف إجراءات التباعد الاجتماعي، يشدد الخبراء على أن العودة بنفس السلوكيات القديمة من حيث المصافحة باليد والأحضان، قد يؤدي إلى موجات تالية من الإصابة بالفيروس.
ويتوقع الخبراء أن يفرض هذا الفيروس لحين تمكن العلماء من إنجاز لقاح للتحصين ضده، شكلا جديدا من العلاقات الاجتماعية، تصبح افتراضية مثل كثير من مجالات الحياه.
وقالت شركة الاتصالات السعودية stc في 25 مارس (آذار) الماضي، بأن تطبيقات التواصل الاجتماعي شهدت نموا بمعدل 73 في المائة، وأفادت شركة أبحاث السوق Kantar إن تطبيق التراسل الفوري واتساب شهد زيادة كبيرة في الاستخدام في ظل التدابير المتخذة في جميع أنحاء العالم للحد من تفشي فيروس كورونا المستجد، وبحسب التقرير الذي شمل أكثر من 25 ألف مستهلك في 30 سوقا خلال المدة من 14 إلى 24 مارس الماضي، فإن تطبيق واتساب شهد زيادة في الاستخدام بنسبة 40 في المائة.

تأثيرات وتداعيات
وإذا كان قطاع الاتصالات قد شهد نموا بسبب التباعد الاجتماعي الذي فرضه فيروس كورونا، فإن قطاع الصناعة على النقيض تماما قد تعرض لتأثيرات سلبية قاتلة بسبب توقف حركة الطيران وتأثيرات ذلك على استيراد مكونات الصناعة، وتصدير المنتج النهائي.
وقدر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) حدوث انخفاض قدره 50 مليار دولار في صادرات الصناعات التحويلية في جميع أنحاء العالم، خلال شهر فبراير (شباط) وحده، بسبب فيروس كورونا، وذلك وفق تقرير نشره موقع «أخبار الأمم المتحدة» في 4 مارس الماضي، وتشمل الصناعات الأكثر تضرراً من هذا الانخفاض «صناعة الأدوات الدقيقة وصناعة الآلات ومعدات السيارات وصناعة أجهزة الاتصالات».
ويعد قطاع السيارات من أبرز القطاعات المتضررة على مستوى العالم، وتوقع مسح حديث أعدته مؤسسة «Market» للأبحاث السوقية تراجع مبيعات السيارات في العالم بنحو 12 في المائة خلال العام الجاري، وكشف المسح أن مبيعات السيارات حول العالم قد تسجل نحو 8.78 مليون وحدة خلال 2020 بانخفاض نسبته 12 في المائة على أساس سنوي، مقارنة مع هبوط بنسبة 8 في المائة خلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008.
ورغم هذه السلبيات القاتلة، يرى الخبير الاقتصادي د. خالد محمدي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن أزمة فيروس كورونا يمكن أن تخلق واقعا اقتصاديا جديدا، عن طريق الاستفادة من هذه المحنة في تحقيق خطوات ملموسة نحو تعميق المنتج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، كما يمكن أن تساعد في اقتحام أسواق جديدة بديلة للدول التي تعاني من موقف وبائي أشد خطورة.
ويبدو حال قطاع الزراعة والغذاء أخف وطأة من الصناعة، فحتى الآن لا تزال التأثيرات في حدها الأدنى، بسبب كفاية الإمدادات الغذائية ووجود مخزون من القمح والمحاصيل الرئيسية الأخرى، ولكن إذا استمرت إجراءات إغلاق الطرق بسبب القيود التي فرضها فيروس كورونا خلال شهر مايو (أيار) الجاري، فقد تحدث اضطرابات في سلاسل إمداد الغذاء، كما يقول نصر الدين حاج الأمين، ممثل منظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة (الفاو) في مصر في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط». ويضيف إن إغلاقات طرق النقل قد تتسبب في زيادة مستويات فقد وهدر الغذاء، لا سيما في السلع سريعة التلف مثل الخضراوات والفواكه.



الذكاء الاصطناعي يشمّ المرض قبل أن يشعر به المريض

عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض
عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض
TT

الذكاء الاصطناعي يشمّ المرض قبل أن يشعر به المريض

عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض
عيادة المستقبل اختبار التنفس يكشف المرض

في مارس (آذار) عام 2026 نشر فريق بحثي دولي دراسة حديثة في مجلة «Drug Discovery Today» حول مجال علمي ناشئ يُعرف باسم «علم تحليل أنفاس الإنسان» (Breathomics)، وهو علم يعتمد على تحليل المركبات الكيميائية الموجودة في هواء الزفير للكشف المبكر عن الأمراض.

بدايات علم جديد

وأوضح الباحث ميتالي ساهو، من المعهد الهندي للتكنولوجيا في خراجبور (IIT Kharagpur) في الهند، مع فريقه البحثي، أن هواء الزفير يحمل مئات المركبات العضوية المتطايرة التي تعكس ما يجري من العمليات البيولوجية داخل الجسم. وتشير الدراسة إلى أن تحليل هذه المركبات باستخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن يفتح باباً جديداً للتشخيص الطبي غير الجراحي، إذ تستطيع الخوارزميات تحليل أنماط هذه الجزيئات بدقة، والتعرّف على إشارات مرضية مبكرة قبل ظهور الأعراض السريرية.

الأنف الإلكتروني يحلل رائحة النفس

> من الرازي إلى الطب الرقمي. قبل أكثر من ألف عام أدرك الطبيب العربي الكبير أبو بكر محمد بن زكريا الرازي أهمية الحواس في التشخيص الطبي. ففي كتابه الشهير «الحاوي في الطب» أشار إلى أن رائحة نفس المريض قد تحمل دلائل مهمة على طبيعة المرض، وأن الطبيب اليقظ يستطيع أن يستشف من هذه الإشارات الحسية ما يعجز عنه الفحص الظاهري أحياناً. ولم يكن هذا الفهم بعيداً عن تقاليد الطب القديم في حضارات أخرى؛ ففي الفلسفة الصينية القديمة دعا كونفوشيوس إلى ضرورة قراءة الإشارات الدقيقة التي يرسلها الجسد، وهو مبدأ تبنّاه الطب الصيني التقليدي لاحقاً حين اعتبر التنفس ورائحة الجسد نافذة لفهم التوازن الداخلي للصحة. واليوم يعود هذا المفهوم القديم في صورة علمية جديدة، لكن هذه المرة عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل الجزيئات الدقيقة في هواء الزفير، ليصبح ما كان حدساً طبياً في الماضي مجالاً متقدماً من مجالات الطب الرقمي الحديث.

> بصمة كيميائية في كل نفس. عندما يتنفس الإنسان يخرج مع هواء الزفير أكثر من ثلاثمائة مركب كيميائي متطاير، تُعرف علمياً باسم المركبات العضوية المتطايرة (Volatile Organic Compounds). وهذه الجزيئات الدقيقة هي نواتج طبيعية لعمليات التمثيل الغذائي التي تجري داخل خلايا الجسم، ولذلك تعكس بصورة غير مباشرة ما يحدث في الأنسجة، والأعضاء المختلفة.

ويعتقد العلماء اليوم أن أمراضاً كثيرة تترك بصمة كيميائية مميزة في هذه المركبات، بحيث يمكن قراءة إشارات المرض من خلال تحليل تركيبة الهواء الخارج من الرئتين. ولهذا يسعى الباحثون في مراكز الطب الرقمي حول العالم إلى تدريب خوارزميات الذكاء الاصطناعي على التعرف على هذه الأنماط الكيميائية المعقدة، أملاً في تحويل نفس الإنسان إلى وسيلة تشخيصية دقيقة قادرة على كشف الأمراض في مراحلها المبكرة.

الذكاء الاصطناعي يقرأ أنفاس الإنسان

مهمات «الأنف الإلكتروني»

> الأنف الإلكتروني. لتطبيق هذه الفكرة عملياً طوّر العلماء أجهزة تُعرف باسم «الأنف الإلكتروني» (Electronic Nose)، وهي أنظمة استشعار متقدمة تحتوي على مستشعرات كيميائية دقيقة قادرة على التقاط المركبات المتطايرة الموجودة في الهواء، وتحليلها. وتعمل هذه الأجهزة على تحويل الإشارات الكيميائية إلى بيانات رقمية، ثم يتولى الذكاء الاصطناعي تحليل هذه البيانات، واكتشاف الأنماط المرتبطة بأمراض محددة.

وفي دراسة علمية نُشرت في مجلة «ساينتيفيك ريبورتس» (Scientific Reports) التابعة لمجموعة نيتشر (Nature)، تمكّن الباحث ديباك أيير من المعهد الهندي للتكنولوجيا في بومباي (IIT Bombay) في الهند مع فريقه البحثي من تطوير نظام يعتمد على الشبكات العصبية الاصطناعية لتحليل مركبات هواء الزفير، وقد أظهر هذا النظام قدرة ملحوظة على التمييز بين الأنماط الكيميائية المرتبطة بحالات مرضية مختلفة.

> اكتشاف الأمراض قبل ظهور الأعراض. من أكثر الجوانب إثارة في هذا المجال هو القدرة المحتملة على اكتشاف المرض قبل ظهور الأعراض السريرية. فقد أظهرت دراسات حديثة أن تحليل المركبات الكيميائية في هواء الزفير يمكن أن يساعد في الكشف المبكر عن أمراض متعددة، من بينها سرطان الرئة، ومرض السكري، وأمراض الكبد، وبعض الالتهابات الرئوية. وتشير الأبحاث إلى أن التغيرات البيوكيميائية المرتبطة بهذه الأمراض تنعكس في تركيبة المركبات العضوية المتطايرة التي يطلقها الجسم مع كل نفس.

وفي دراسة حديثة أجراها باحثون في جامعة ليستر في المملكة المتحدة بالتعاون مع المعهد الوطني البريطاني للبحوث الصحية، نجح العلماء في استخدام خوارزميات التعلم العميق (Deep Learning) لتحليل أنماط هذه المركبات في هواء الزفير، وتشخيص مرض الانسداد الرئوي المزمن (Chronic Obstructive Pulmonary Disease – COPD) بدقة واعدة. ويشير هذا التقدم إلى أن تحليل النفس قد يتحول في المستقبل القريب إلى أداة تشخيصية مبكرة، وقادرة على كشف المرض في مراحله الأولى قبل أن يبدأ المريض بالشعور بالأعراض.

لدى كل إنسان بصمة كيميائية في كل نفس إذ يخرج مع هواء الزفير أكثر من 300 مركب كيميائي متطاير

نافذة جديدة على صحة الإنسان

لا يقتصر تحليل هواء الزفير على أمراض الرئة فحسب، بل يمكن أن يعكس الحالة الصحية العامة للجسم. فالميكروبات التي تعيش في الفم والجهاز الهضمي تنتج مركبات كيميائية دقيقة تنتقل إلى هواء الزفير، وقد تكشف هذه الجزيئات تغيرات في عمليات التمثيل الغذائي، أو في نشاط الجهاز المناعي. ولهذا يرى الباحثون أن النفس البشري قد يحمل معلومات بيولوجية أوسع بكثير مما كان يُعتقد سابقاً.

وفي هذا السياق يشير باحثون في المعهد التقني الفيدرالي في زيوريخ في سويسرا (ETH Zurich) إلى أن تحليل أنماط المركبات الكيميائية في النفس، باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأجهزة الاستشعار الدقيقة، قد يسمح برصد مؤشرات حيوية متعددة في وقت واحد. ولذلك يعتقد بعض العلماء أن رائحة الفم قد تتحول في المستقبل إلى مؤشر بيولوجي شامل يعكس الحالة الصحية للإنسان، ويقدم للطبيب نافذة جديدة لفهم ما يحدث داخل الجسم دون الحاجة إلى إجراءات تشخيصية معقدة.

وفي ميدان طبّ المستقبل. قد يأتي يوم يدخل فيه المريض إلى العيادة، فيطلب منه الطبيب ببساطة أن يتنفس في جهاز صغير لبضع ثوانٍ. وخلال لحظات تقوم خوارزمية من الذكاء الاصطناعي بتحليل الهواء الخارج من رئتيه، لتقدم للطبيب تقريراً دقيقاً عن حالته الصحية، وربما تكشف إشارات مبكرة لأمراض لم تظهر أعراضها بعد. عندها قد يتحول نَفَس الإنسان نفسه إلى أداة تشخيصية لا تقل أهمية عن الأشعة، والتحاليل المخبرية.

إن ما نشهده اليوم ليس مجرد تطور تقني، بل تحول في فلسفة التشخيص الطبي. فبعد قرون اعتمد فيها الطب على ما يراه الطبيب، أو يشعر به المريض، أصبح العلم قادراً على قراءة اللغة الكيميائية الخفية التي يكتبها الجسم في كل نفس. ومع تقدم أجهزة الاستشعار والذكاء الاصطناعي قد يصبح تحليل الزفير واحداً من أبسط وأكثر أدوات الطب دقة في الكشف المبكر عن الأمراض.

وهكذا، بينما يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة الصور الطبية، والبيانات الجينية، والملفات السريرية المعقدة، بدأ اليوم يتعلم قراءة شيء أكثر بساطة... وأكثر إنسانية: أنفاسنا. وربما يحمل كل نفس في المستقبل رسالة طبية صامتة، لا يسمعها إلا العلم.


تجديد الخلايا لعلاج أمراض العين

تجديد الخلايا لعلاج أمراض العين
TT

تجديد الخلايا لعلاج أمراض العين

تجديد الخلايا لعلاج أمراض العين

انضم ديفيد سنكلير، الأستاذ بجامعة هارفارد والداعي المتحمس إلى إطالة العمر، إلى النقاش عبر منصة «إكس» ليؤكد بشدة على أن: «للشيخوخة تفسيراً بسيطاً نسبياً، ويبدو أن من الممكن دفعها بالاتجاه المعاكس... ستنطلق التجارب السريرية قريباً».

علاج لعكس الشيخوخة

وكان سنكلير يقصد توظيف «إي آر-100» «ER-100». وهو الاسم الرمزي لعلاج طورته شركة «لايف بايوساينسز» ـ شركة ناشئة صغيرة في بوسطن، شارك سنكلير في تأسيسها. وأكد أنها حصلت على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأميركية للمضي قدماً في أول محاولة موجهة لعكس الشيخوخة على متطوعين بشريين.

> «إعادة برمجة الخلايا». وتعتزم الشركة كذلك تجربة علاج أمراض العيون باستخدام مفهوم تجديد جذري يُسمى «إعادة البرمجة» reprogramming، الذي اجتذب حديثاً استثمارات بمئات الملايين من الدولارات وبدعم من شركات تكنولوجية كبرى.

بوجه عام، يعتمد الأسلوب الجديد المقترح على إعادة الخلايا إلى حالة صحية أفضل عبر إعادة ضبط «الضوابط اللاجينية» (المؤثرة على الجينات) epigenetic - مفاتيح تشغيل الجينات التي تحدد ما يجري تفعيله وما يجري تعطيله.

في هذا الصدد، أوضح كارل بفليغر، مستثمر يدعم شركة ناشئة بريطانية أصغر حجماً تُدعى «شيفت بايوساينسز»: «إعادة البرمجة أشبه بالذكاء الاصطناعي في عالم الأحياء».

وتتميز إعادة البرمجة بقوة كبيرة لدرجة قد تثير بعض المخاطر، حتى إنها قد تُسبب السرطان في حيوانات المختبر. ومع ذلك، نجحت النسخة التي تُطورها شركة «لايف بايوساينسز» من هذه التكنولوجيا، في اجتياز اختبارات السلامة الأولية على الحيوانات.

> علاج الغلوكوما. ورغم ذلك، لا تزال هذه التكنولوجيا شديدة التعقيد. مبدئياً، ستسعى الشركة لتجريب العلاج على نحو اثني عشر مريضاً مصاباً بالغلوكوما ـ حالة مرضية يتسبب فيها ارتفاع ضغط العين في تلف العصب البصري. وبحسب وصف الدراسة الذي نُشر للمرة الأولى في ديسمبر (كانون الأول)، سيجري حقن فيروسات (آمنة) تحمل ثلاثة جينات قوية لإعادة البرمجة في عين واحدة لكل مريض.

ولضمان عدم تجاوز العملية الحد المسموح به، ستخضع جينات إعادة البرمجة لسيطرة مفتاح جيني خاص، يتولى تفعيلها فقط في أثناء تناول المرضى جرعة منخفضة من المضاد الحيوي دوكسيسايكلين. ومن المقرر مبدئياً، أن يتناول المتطوعون المضاد الحيوي لمدة قرابة شهرين، مع خضوع آثاره للمراقبة.

وصرّح مسؤولون تنفيذيون بالشركة على مدى أشهر بأن التجربة قد تبدأ هذا العام، وفي بعض الأحيان وصفوها بأنها بداية عهد جديد في مجال جهود مكافحة الشيخوخة. ونقلت مجلة جمعية المهندسين الكهربائيين الأميركيين عن مايكل رينجل، الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة «لايف بيوساينسز»: «إنها خطوة بالغة الأهمية لنا كقطاع. ستكون هذه المرة الأولى في تاريخ البشرية، على امتداد آلاف السنين، التي نبحث فيها عن شيء يُجدّد الخلايا... لذا ترقبوا المزيد».

تحويل الخلية إلى خلية جذعية

> إدخال جينات إلى الخلية. في مجملها، تعتمد هذه التكنولوجيا على اكتشاف حاز على جائزة نوبل، قبل عشرين عاماً، مفاده أن إدخال بضعة جينات فعّالة إلى الخلية يُعيدها إلى خلية جذعية، تماماً مثل تلك الموجودة في الجنين في مراحله المبكرة، والتي تتطور إلى أنواع الخلايا المتخصصة المختلفة. وتُعرف هذه الجينات بـ«عوامل ياماناكا» Yamanaka factors، وقد جرى تشبيهها بزر «إعادة ضبط المصنع» للخلايا.

ومع ذلك، لا يخلو الأمر من خطورة؛ فعند تنشيطها داخل حيوان حي، قد تُسبب ظهور أورام، الأمر الذي دفع العلماء إلى فكرة جديدة أطلق عليها إعادة البرمجة «الجزئية» أو «المؤقتة». وتدور الفكرة على الحد من التعرض لهذه الجينات القوية - أو استخدام مجموعة فرعية منها فقط - على أمل جعل الخلايا تتصرف كخلايا أصغر سناً، دون فقدانها الذاكرة تماماً بخصوص دورها في الجسم.

> برمجة جزئية لإعادة البصر. عام 2020، ادعى سنكلير أن إعادة البرمجة الجزئية هذه قادرة على استعادة البصر لدى الفئران بعد تلف أعصابها البصرية، مشيراً إلى أن هناك أدلة على نمو هذه الأعصاب من جديد. يذكر أن تقريره جرى نشره على غلاف مجلة «نيتشر» المرموقة تحت عنوان «إعادة عقارب الساعة إلى الوراء».

لا يتفق جميع العلماء على أن إعادة البرمجة تُعد فعلاً عكساً للشيخوخة. ومع ذلك، يصر سنكلير على رأيه، مؤكداً على نظرية مفادها أن الفقدان التدريجي للمعلومات الجينية الصحيحة في خلايانا، السبب الرئيس للشيخوخة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن إعادة البرمجة ليست أول حلٍّ لإطالة العمر يروج له سنكلير، مؤلف الكتب الأكثر مبيعاً، الذي يتقاضى أجوراً باهظة مقابل محاضراته في هذا المجال. وقد سبق وأن روّج لفوائد جزيئات تُسمى السيرتوينات sirtuins، بالإضافة إلى الريسفيراترول resveratrol ـ جزيء موجود في النبيذ الأحمر ـ في إطالة العمر.

غير أن بعض النقاد يرون أنه يبالغ كثيراً في تقدير التقدم العلمي. وبلغ ذلك ذروته في مقال نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال» عام 2024 وصفه أحدهم بـ«خبير عكس مسار الشيخوخة»، الذي «لم تُحقق شركاته النجاح المنشود».

وناقشت الشركة إمكانية إعادة برمجة أعضاء أخرى، بما في ذلك الدماغ. من جهته، يؤمن مايكل رينجل، مثل سينكلير، بإمكانية تحقيق تجديد كامل للجسم في المستقبل، لكن في الوقت الراهن، من الأفضل اعتبار الدراسة بمثابة إثبات لمفهوم ما، بينما لا تزال بعيدة كل البعد عن تحقيق حلم الشباب الأبدي. في هذا السياق، قال المستثمر بفليغر: «الجانب المتفائل للأمر أن هذا البحث سيحل مشكلة العمى لدى بعض الأشخاص، ويحفز العمل في مجالات أخرى».

علاج مبتكر

يعتمد العلاج الذي ابتكرته الشركة على آلية «تبديل المضادات الحيوية» antibiotic switching، التي تُستخدم في الغالب على حيوانات المختبر، لكنها لم تُجرَّب على البشر من قبل. ونظراً لأن عملية التبديل هذه تنفذ بمكونات جينية مأخوذة من بكتيريا الإشريكية القولونية وفيروس الهربس، فمن المحتمل أن يُسبب هذا رد فعل مناعي لدى البشر، بحسب ما يعتقد العلماء.

وقد يكون اختيار شركة «لايف بيوساينسز» لعوامل إعادة البرمجة - ثلاثة عوامل تُعرف اختصاراً بـOSK - محفوفاً بالمخاطر؛ فمن المتوقع أن تُفعِّل هذه العوامل مئات الجينات الأخرى، وفي بعض الحالات، قد يؤدي هذا المزيج إلى عودة الخلايا إلى حالة بدائية للغاية، تُشبه حالة الخلايا الجذعية.

وأفادت شركات أخرى تُجري أبحاثاً حول إعادة البرمجة، إن تركيزها ينصب على البحث في الجينات التي يجب الاستعانة بها، بهدف تحقيق عكس مسار الزمن دون وقوع آثار جانبية غير مرغوب فيها. وأعلنت شركة «نيو ليميت»، التي تُجري بحثاً مكثفاً عن هذه الجينات، أنها لن تكون جاهزة لإجراء دراسة على البشر قبل عامين. أما شركة «شيفت»، فقد بدأت التجارب على الحيوانات حديثاً.

وقال دانيال آيفز، الرئيس التنفيذي لشركة «شيفت»، في إشارة إلى «لايف بيوساينسز»: «هل عواملهم أفضل طريقة لتجديد شباب العين؟ لا نعتقد ذلك. أعتقد أنهم يعملون بما هو متاح لديهم. ومع ذلك، أعتقد أنهم في وضع متقدم للغاية عن أي شركة أخرى في مجال التجارب على البشر. لقد وجدوا طريقة فعّالة في العين، تشكل نظاماً متكاملاً ومُحكماً. وحتى لو لم تنجح التجربة، يبقى هناك خيار آخر».


اكتشاف جيني جديد يقدم أملاً في حل لغز غامض وشائع

مرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة… من أعراض متلازمة إهلرز - دانلوس مفرطة الحركة
مرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة… من أعراض متلازمة إهلرز - دانلوس مفرطة الحركة
TT

اكتشاف جيني جديد يقدم أملاً في حل لغز غامض وشائع

مرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة… من أعراض متلازمة إهلرز - دانلوس مفرطة الحركة
مرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة… من أعراض متلازمة إهلرز - دانلوس مفرطة الحركة

في تطور علمي مهم، كشفت دراستان منفصلتان النقاب عن أسرار متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة، وهو اضطراب وراثي يصيب النسيج الضام ويؤثر على ما بين 1 و3 في المائة من سكان العالم، أي نحو 80 مليون شخص. وتكشف النتائج عن أن المتلازمة ليست مجرد اضطراب في الكولاجين كما كان يُعتقد سابقاً، بل تشمل جهاز المناعة والميتوكوندريا.

لغز طبي عمره عقود

يظل معظم المصابين بمتلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة Ehlers-Danlos syndrome (hEDS) دون تشخيص. ويعاني المرضى في المتوسط 22 عاماً قبل الحصول على التشخيص الصحيح بسبب نقص الوعي الطبي وغياب اختبار جيني قاطع.

أما سريرياً، فتتميز المتلازمة بمرونة مفرطة في المفاصل وهشاشة الأنسجة وسهولة الكدمات وبطء التئام الجروح وندبات رقيقة. ويعاني 99 في المائة من المرضى ألماً مزمناً، و84 في المائة اضطرابات هضمية، و71 في المائة خللاً في وظائف الجهاز العصبي الذاتي. ومن المضاعفات المثيرة للقلق بشكل خاص والتي لم تحظَ بالاعتراف الكافي حدوث كسور نتيجة هشاشة العظام في مرحلة الطفولة؛ ما قد يؤدي إلى عواقب اجتماعية وقانونية خطيرة عند الخطأ في تشخيصها على أنها حالات اعتداء.

دراسة بوسطن: الذكاء الاصطناعي يكشف عن 3 مسارات جينية

وفي دراسة نشرتها مجلة Genes في 8 فبراير (شباط) 2026 استخدم باحثون بقيادة الدكتور مايكل هوليك من برنامج الأبحاث السريرية لمتلازمة إهلرز- دانلوس قسم الغدد الصماء والسكري والتغذية وإدارة الوزن كلية الطب جامعة بوسطن الولايات المتحدة الأميركية تقنيات التعلم الآلي لتحليل الحمض النووي (DNA) لـ116 شخصاً من 43 عائلة، بينهم 86 مريضاً و30 من الأصحاء.

وكشف تحليل 36 ألف متغير جيني نادر عن أن المصابين يحملون عبئاً وراثياً أكبر في ثلاثة مسارات بيولوجية رئيسية، هي: المسار الأول يتعلق بتصنيع الكولاجين، وهو البروتين المسؤول عن منح الأنسجة قوتها ومرونتها. وأي خلل في إنتاج الكولاجين قد يفسر هشاشة المفاصل والجلد لدى المرضى.

أما المسار الثاني، فيرتبط بجينات جهاز المناعة التكيفية؛ ما يشير إلى احتمال وجود دور مناعي في تطور الحالة. ويتعلق المسار الثالث بسلسلة التنفس الميتوكوندرية المسؤولة عن إنتاج الطاقة داخل الخلايا، وهو ما قد يفسر أعراض التعب والإرهاق الشائعة بين المرضى.

وتدعم هذه النتائج فكرة أن المتلازمة «متعددة الجينات» polygenic، أي أنها ناتجة من تأثير مشترك لجينات عدة وليست طفرة واحدة فقط.

دراسة كارولينا الجنوبية: هل تبدأ المشكلة من جهاز المناعة؟

وفي سلسلة من الدراسات نُشرت في مجلتي iScience في 19 سبتمبر (أيلول) 2025 وImmunoHorizons في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قدم باحثون من جامعة الطب في كارولينا الجنوبية أدلة جديدة تشير إلى أن متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة قد لا تكون مجرد اضطراب في النسيج الضام connective tissue، بل قد يرتبط أصلها بخلل في الجهاز المناعي.

وقد حلل الفريق بقيادة راسل نوريس، أستاذ الطب التجديدي وبيولوجيا الخلية جامعة ساوث كارولينا الطبية الولايات المتحدة الأميركية الباحث الرئيسي للدراسة، بروتينات الدم لدى 29 امرأة مصابة بالمتلازمة، وكشفوا عن اختلافات ملحوظة في 35 بروتيناً مقارنة بغير المصابات. واللافت أن نحو 80 في المائة من هذه البروتينات ترتبط بوظائف المناعة والالتهاب وتجلط الدم. وكان الكثير منها مرتبطاً بما يُعرف بـ«النظام المتمم» complement system، وهو أحد خطوط الدفاع الأولى والسريعة في مواجهة مسببات الأمراض.

وقد يفسر هذا النشاط المناعي المرتفع سبب معاناة ما يقرب من 70 في المائة من المرضى من متلازمة تنشيط الخلايا البدينة mast cells، وهي حالة تؤدي إلى تفاعلات تحسسية شديدة وأعراض تشبه الحساسية المفرطة.

وفي دراسة أخرى حدد الباحثون متغيراً جينياً في جين يُعرف باسم KLK15 لدى عائلات مصابة بالمتلازمة. وعندما أُدخل هذا المتغير إلى نماذج من الفئران ظهرت عليها مشكلات في النسيج الضام مشابهة لما يحدث لدى البشر، إضافة إلى علامات واضحة على الالتهاب؛ ما يعزز فرضية وجود ارتباط مباشر بين اضطراب المناعة وأعراض الأنسجة.

ويرى الباحثون أن هذه النتائج قد تعيد توجيه فهم المرض. فبدلاً من عدّه اضطراباً يبدأ في النسيج الضام، تشير البيانات إلى احتمال أن يكون الخلل المناعي هو المحرك الأساسي للحالة. ويؤكد الفريق أن هذه النتائج تسهم في سد الفجوة بين ما يصفه المرضى من أعراض متعددة ومعقدة وبين التفسير الطبي التقليدي الذي ركز لسنوات على مرونة الجلد والمفاصل فقط.

آفاق مستقبلية واعدة

وتؤكد الدراستان معاً أن متلازمة إهلرز– دانلوس مفرطة الحركة ليست ناتجة من طفرة في جين واحد، بل هي اضطراب متعدد الجينات تتفاعل فيه متغيرات وراثية متعددة لتُحدث خللاً في الكولاجين والمناعة والطاقة الخلوية معاً.

إن هذا الفهم الجديد يفتح الباب أمام تطوير أول اختبار دم تشخيصي للمتلازمة وتحسين الاستشارات الوراثية وتقييم المخاطر للعائلات المصابة، كما يمهد الطريق لعلاجات مستقبلية موجهة وفقاً للتركيبة الجينية لكل مريض تعالج الأسباب الجذرية للألم وخلل الجهاز العصبي.

ويؤكد الدكتور مايكل هوليك، قائد دراسة بوسطن، أن هذا العمل يقدم نموذجاً لتطبيق الذكاء الاصطناعي في اكتشاف المتغيرات الجينية للأمراض المعقدة؛ ما قد يساعد في حل ألغاز وراثية أخرى استعصت على التفسير.

ويبقى الأمل معقوداً على أن تترجم هذه الاكتشافات قريباً إلى اختبارات تشخيصية دقيقة وعلاجات فعالة تنهي معاناة الملايين من مرضى هذا الاضطراب الغامض حول العالم.