مأساة الكتّاب الروس... من «ثورة أكتوبر» حتى زوال الاتحاد السوفيتي

منهم من انتحر أو نفي إلى سيبيريا أو أُودع المصحات العقلية

مأساة الكتّاب الروس... من «ثورة أكتوبر» حتى زوال الاتحاد السوفيتي
TT

مأساة الكتّاب الروس... من «ثورة أكتوبر» حتى زوال الاتحاد السوفيتي

مأساة الكتّاب الروس... من «ثورة أكتوبر» حتى زوال الاتحاد السوفيتي

بعد انهيار النظام السوفياتي، عام 1991، قامت دور نشر كبيرة بإصدار روايات وأشعار ومجاميع قصصية لكتاب روس لم يستطيعوا نشرها في ظل النظام السابق، وبعضهم دفع حياته ثمناً لها، معلنة حقائق دامغة عن معاناة الكتاب الروس في ظل النظام السابق، خصوصاً الفترة الستالينية!
كتاب الدكتور جودت هوشيار «مأساة الكتاب الروس»، الصادر عن «دار الزمان» عام 2019، يخوض في تفاصيل ذلك، كاشفاً الكثير من الوقائع والحقائق عن معاناة الكثير من الكتاب الروس، حيث أعدم بعضهم، أو انتحر، أو نفي خارج البلاد، وإلى أصقاع سيبيريا، أو أودعوا المصحات العقلية. وكل جريرتهم أنهم عبروا عن صدمتهم من الحياة المنافية للقيم الإنسانية، التي ادعى ثوار أكتوبر أنهم جاءوا من أجلها، ورفضوا أن يكرسوا إبداعهم للدعاية للحزب الشيوعي ولستالين بالذات!
مؤلف الكتاب درس وعاش في الاتحاد السوفياتي السابق منذ الستينات، وقد وجد مصادره من الوثائق، والكتب، وأستاذته ومعارفه الموثوقين!
يتحدث الكتاب كيف أن المثقفين الروس عقدوا آمالاً كبيرة على الثورة الشيوعية، وساندوها! غوركي، مثلاً، تبرع للثوار ببعض أمواله. لكنهم وجدوا أن الشيوعيين ما إن انتصروا حتى تحولوا إلى سلطويين يتنكرون للمثقفين باستثناء كتبتهم الحزبيين، ناظرين إليهم على أنهم لا يمتلكون صلابة العمال وثوريتهم؛ فعاملوهم بإهمال وإذلال!
ذلك جعل المئات من المبدعين يرحلون إلى المنافي! وقد أشرف تروتسكي على تنظيم قوافل طردهم قائلاً إن قتلهم لا يجدي نفعاً، والأفضل الخلاص منهم بموتهم في المنافي، (تروتسكي نفي ثم قتل)!
فرض على المبدعين أن ينتجوا وفق قواعد سميت بالواقعية الاشتراكية أو بالجدانوفية، نسبة إلى أندريه جدانوف عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي، وزير الثقافة آنذاك (يقابل غوبلز في الثقافة النازية)، الذي سعى لتطبيقها بصرامة وقسوة، ما جعل المبدعين محكومين بالتفاؤل الإجباري وتمجيد النظام انتظاراً لجنة الشيوعية!
شارك غوركي، جدانوف، في وضع أسس ومفاهيم الواقعية الاشتراكية، رغم اختلافهما في بعض الأفكار!
يشير الكتاب إلى أن ميخائيل شولوخوف، صاحب رواية «الدون الهادئ» الشهيرة، الحائز على «نوبل للآداب» 1965، كان يساهم في التحقيق مع الكتاب، وإلى أن الآلية التي قام بها الشيوعيون بتدمير الإبداع كانت تعتمد الترهيب والترغيب، فانقسم الكتاب تلقائياً إلى: كتاب امتثلوا لضمائرهم، وكتبوا بصدق وعمق عن الواقع المكتظ بالفساد والقمع، فأعدموا، أو سجنوا طويلاً، أو نفوا إلى سيبريا الثلجية، ليموتوا ببطء، ويعد محظوظاً من اكتفوا بفصله من اتحاد الكتاب، أو من وظيفته، وانتزعوا منه بيته، وتركوه لأرصفة الجوع والتشرد!
آخرون، وهم الأكثرية، أرغموا على الخنوع، والكتابة وفق مواصفات الحزب، فلم ينتجوا سوى أدب دعائي رديء! باحثون قالوا إن الأدب الروسي الحقيقي هو ما أنتج في العهد القيصري، أضيف إليه الأدب المستعاد المنتج سراً، وأحتفظ به الكتاب لدى أصدقائهم أو أقاربهم، ولم ينشر سوى بعد موتهم، وسقوط حكم الشيوعيين!
في مثل هذه الظروف، انتحر الشاعر سيرغي يسينين بشنق نفسه في غرفة الفندق في ليننغراد عام 1925 وكان في الثلاثين من العمر، ولم تنقطع التكهنات بضلوع النظام القائم في قتله!
وأودت الخيبة بالشاعر مايكوفسكي الذي غنى للثورة الاشتراكية، بكل جوارحه، إلى كآبة شديدة فأطلق الرصاص على رأسه، محدثاً ذهولاً كبيراً لدى الناس!
ثم توالت مآسي ونكبات الكتاب والمبدعين: الشاعرة المتميزة مارينا تسفيتايفا انتحرت، والشاعر أوسيب مندلشتام اعتقل بسبب قصيدة تعرض فيها لستالين وتوفي في معسكر الاعتقال! الكاتبان المعروفان بوريس بيلنياك وإسحق بابل حكم عليهما بالإعدام، بتهم مدبرة، وأعدما سريعاً، وثمة مئات الكتاب والشعراء الأبرياء أزهقت أرواحهم دون ذنب! والكاتب ميخائيل بولغاكوف، اعتقل، ولُوحق، ومنع نتاجه من التداول لحقب طويلة، حتى بزغ بعد انهيار النظام السوفياتي كأحد أهم كتاب الرواية والمسرح! وكانت حياة الكاتب فاسيلي إكسينوف وحدها رواية مأساوية فظيعة: عندما كان في الخامسة اعتُقلت والدته، وكانت أستاذة جامعية، حكم عليها بالسجن 18 عاماً مع النفي، ثم سجن والده وحكم عليه بالسجن مع النفي أيضاً، وأرسلت السلطات الصبي فاسيلي إلى ملجأ «أطفال أعداء الشعب»، عَمّ يكتب فاسيلي وقد صار كاتباً؟ هل ينسى أو يتجاهل ما عاناه مع والديه؟ راحت السلطات تراقبه وتحاصره وتدقق فيما يكتب حتى اضطر لمغادرة البلاد!
وعن معاناة مكسيم غوركي. يورد الكتاب حدثاً أليماً جداً: فقد ابنه بشكل غير متوقع. ذكروا رسمياً أنه مات بالتهاب رئوي، لكن غوركي وأسرته لم يصدقوا ذلك، وأيقنوا أن موته كان مدبراً، وأن هذا كان عقاباً للكاتب الذي رفض كتابة رواية عن ستالين وسيرته! بعد سنوات مات غوركي في ظروف غامضة، ويقال إن ستالين أمر بقتله طبياً، ثم حمل جنازته على كتفه إلى مثواه الأخير!
تعرض زوشينكو الكاتب الساخر لاضطهاد ومضايقات كثيرة لشكوكهم أنه في نصوصه الفكاهية المرحة يسخر من سياساتهم، رغم أنه كان يهدف لنشر البهجة والمرح بين الناس، لتحمل ظروفهم القاسية. لذا كان في أعماقه حزيناً مكتئباً! يروي الكتاب أن زوشينكو زار عيادة طبيب نفسي لمعاناته من الأرق وفقدان الشهية. فحصه الطبيب ثم نصحه بقراءة القصص الفكاهية، خصوصاً قصص زوشينكو، لأنها أفضل علاج لحالته! تنهد المريض وقال: «دكتور، أنا زوشينكو»! وهذه الواقعة تكشف إلى أي مدى كانت الكآبة وصنوف اليأس تحفر في ضمائر كتاب ذلك العهد. يقف الكتاب عند ما أفرزه المؤتمر العشرون للحزب الشيوعي السوفياتي، الذي أطاح بالقبضة الستالينية، حيث خفت موجة قمع الكتاب، وشهدت الحياة الثقافية السوفياتية حركة أدبية وفنية نشطة عرفت بأدب الستينات، برز فيها يفتيشنكو وفوزنينسكي وبيلا أحمدولينا، ولو تواصلت الحياة السياسية وفق ما طرح مبادئها خروشوف، لكانت الحياة الثقافية والعامة قد مضت في طريق آخر، لكنها منيت بنكسة كبرى بعد الإطاحة بخروشوف، وسيطرة بريجنيف وجماعته على السلطة والحزب عام 1964.
ويورد الكتاب مأساة الروائي ألكاسندر فادييف، الذي كان لسنوات طويلة رئيساً لاتحاد الكتاب، حين اتضحت له الحقائق المروعة عن جرائم ستالين، فلم يتحمل الضغط النفسي الشديد، وبات معذب الضمير، فأطلق الرصاص على نفسه!
الكاتب إيليا أهرنبرغ استبشر بمقررات المؤتمر العشرين، وألف رواية صار عنوانها «ذوبان الجليد» مصطلحاً للمرحلة كلها، لكنه مني بخيبة كبيرة بعد التراجع عنها! وظل مقيماً في المنفى، متردداً على بلاده بين فترة وأخرى بحذر، حتى قرر أخيراً العودة؛ فوقع تحت رقابة رجال المخابرات. وعند موته في حديقة منزله، استولوا على جثمانه، وشيعوه على طريقتهم، خشية أن يثير تشييعه اضطرابات شعبية!
ويتطرق الكتاب لما تعرض له الشاعر باسترناك وحبيبته، فعند منحه «جائزة نوبل»، منعوه من الذهاب لاستلامها! وقد دون سولجنستين في رواياته الكبيرة ومقالاته الكثيرة صنوفاً من الاضطهاد الستاليني للكتاب والمثقفين!
يشير الكتاب إلى ما آل إليه الأدب بعد زوال النظام السوفياتي، حيث أضحى أدباً استهلاكياً يلهث وراء متطلبات السوق، ما جعل الكثيرين يعودون إلى رموز الأدب الروسي كتولستوي ودستويفسكي وبوشكين وتشيخوف وغيرهم يحملونهم نزعاتهم واتجاهاتهم الراهنة! الرئيس بوتين صار يتحدث كثيراً عن إعجابه بروايات دستويفسكي، مفسراً رواياته على أنها دعوة للرجوع إلى الدين. ثمة مراقبون يقولون إنه يريد من وراء ذلك دعم توجهاته في الاعتماد على الكنيسة الأرثوذوكسية، لتثبيت أركان حكمه ومنازلة خصومه!
يؤكد الكتاب أن الروس يجلون كتابهم، ويرفعونهم إلى مرتبة الأنبياء والقديسين، ويرونهم أهم من القادة السياسيين والأولى بالطاعة والأخذ بآرائهم ومواقفهم! لذلك هم مولعون بالقراءة يلازمهم الكتاب حيثما يكونون. وهم لا يتحدثون عن آلامهم ومعاناتهم، ويعتبرون جراحات الماضي جزءاً من تضحياتهم في سبيل وطنهم. وحكامهم اليوم استغلوا خصالهم هذه ليمضوا في سياسات تقتضي الكثير من التضحيات بالأرواح كتدخلاتهم في أوكرانيا وسوريا وغيرهما! ويمكن تلمس هذا في كلام أغلب المعلقين على شاشات التلفزيون أو الصحافيين الروس، فهم يعكسون وجهة نظر قادتهم متجاهلين معاناة الناس، وكأنهم ما زالوا في الحقبة السوفياتية!
الكتاب يرد، ودون صخب، على ادعاءات أحزاب سارت في ركب السوفيات، وادعت أنها ساهمت في تطور ثقافة بلدانها، بينما لم يكن دورها يختلف عن دور الشيوعيين السوفيات، سواء في حبس كتابهم في أقفاص آيديولوجية، أو استهلاك طاقتهم في أنشطة حزبية عقيمة، أو تدمير حياتهم في طرق النضال الخاطئة!
- قاص وروائي عراقي



اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.