مخرجو اليوم يجدون في السينما الصامتة ملاذا للتعبير

عملا بمبدأ {السكوت من ذهب}

من «باب الوداع»
من «باب الوداع»
TT

مخرجو اليوم يجدون في السينما الصامتة ملاذا للتعبير

من «باب الوداع»
من «باب الوداع»

من الأخطاء الشائعة القول إن أول فيلم ناطق كان «مغني الجاز» The Jazz Singer سنة 1927 للمخرج الآن كروسلاند ومن ثم فإن الفيلم، الذي تحدث عن رجل يتحدى تقاليد العائلة اليهودية التي ينتمي إليها وينخرط في سلك الغناء، بنى جزءا كبيرا من سمعته على هذا الأساس. لكن، هناك عدم دقة في هذا الاعتبار سها عنها الكثير من الكتاب وحتى المؤرخين. فالفيلم الذي قام ببطولته آل جولسن وأنتجته وورنر، كان - ولا يزال - فيلما صامتا في الأساس. الناطق هو أجزاء من الفيلم تحتوي على قيام جولسن بتقديم فقرات غنائية.
كذلك، سبق لألان كروسلاند أن غمر تجربة الصوت في فيلمه الأسبق «دون جوان» (1926) من دون أن يثير ذلك أي اهتمام لدى الباحثين. ذلك الفيلم لم يكن غنائيا، لكنه تضمن مشاهد ناطقة على أي حال.
لكن الأهم أن الفرنسي كليمان موريس حقق عام 1900 (أي قبل 26 سنة كاملة على إطلاق «دون جوان» نسخته من «سيرانو دو برجيراك» الذي صاحبه حوار صوتي واضح). طبعا في كل هذه الأفلام، كان الصوت مصاحبا على شريط منفصل وعلى هيئة تجارب، هذا من بعد الكثير من المحاولات ذات الأثر المحدود التي أقدم عليها مهندسون وفنيون غربيون بغاية تحقيق أفلام ناطقة بدأت قبل نهاية القرن التاسع عشر، أي بعد سنوات قليلة من إطلاق السينما ذاتها.

* جيل جديد صامت

* غاية الصمت لم تكن اختيارا في ذلك الحين، بل أمرا مفروضا. تلك التجارب، وحتى عام 1927، كانت جادة في سبيل تقديم فيلم ناطق كما هو مصور. «مغني الجاز» هو أول استقطاب تجاري (كما أن أفلام لوميير كانت أول استقطاب تجاري وإن لم تكن أول الأفلام، بل بعد 7 سنوات من اختراع الفيلم) لهذه المحاولة، ومع نجاحها بدأ تحول تدريجي سريع من الفيلم الصامت إلى الناطق. المخرجون الذين تمنعوا آنذاك في الإنجراف صوب النطق (ومن بينهم ألفرد هيتشكوك ولاحقا تشارلي تشابلن) أدركوا أنه لا يمكن مقاومة عوامل التغيير. السينما الناطقة وجدت لتبقى وبقيت من حينها السائدة.
على ذلك، نتابع اليوم عددا ملحوظا من الأفلام التي تختار الصمت سبيلا. على عكس أفلام الأمس، هذا الصمت الذي يعرض عبره المخرجون تجاربهم، هو اختيار وليس فرضا. وليس صحيحا أن عودة الفيلم الصامت بدأت مع «الفنان» للفرنسي ميشيل هازانافيشوس سنة 2011. هذا لأن الروسي ألكسندر سوخوروف قام به كاملا سنة 1997 عندما حقق «أم وابن».
وقبل ذلك، قام الكوميدي الفرنسي جاك تاتي بتحقيق بعض أعماله صامتة (من بينها «عمي» و«عطلة السيد أولو» في الخمسينات)، والمخرج الهندي سينغيتام شرينفازا راو قام سنة 1987 بتقديم فيلم كوميدي بعنوان «بوشباك» صامتا.
الموجة الجديدة تتضمن أفلاما عربية: «فرش وغطا» لأحمد عبد الله و«باب الوداع» لكريم حنفي. الأول استخدم الأصوات البشرية وحوارات، إنما من شخصيات ثانوية وألزم بطله آسر ياسين الصمت المطبق. الثاني كله بلا حوار. هناك تعليقات مسموعة، لكن الحوار ملغى من الاعتبار.
كذلك تتضمن فيلما هنديا جديدا هو «شغالو الحب» Labour of Love لأديتا فيكرام سنغوبتا، وفيلما روسيا بعنوان «تجربة» لألكسندر كوت، وآخر من جورجيا (بمساهمة دول أوروبية وآسيوية أخرى) عنوانه «جزيرة الذرة» لمخرجه جورج أفاشفيلي. هذه الثلاثة عرضها مهرجان «أبوظبي» السينمائي الأخير وكانت حديث المشتغلين بالنقد وثقافة السينما.

* قواعد سينما الأمس

* على أن الغاية من استخدام الصمت تختلف من فيلم إلى آخر، كذلك مقدار الصمت نفسه. على عكس الأفلام الصامتة الأولى التي كانت لا تستطيع تسجيل تعليق أو استخدام الأصوات والمؤثرات الطبيعية، هذه الحديثة لا تستطيع أن تنتج فيلما صامتا فعليا. لا يوجد سبب فني (ناهيك بضرورة درامية) للامتناع عن تسجيل صوت الباب إذا تم فتحه أو إغلاقه، أو صوت السيارات في الشوارع أو الموسيقى الآتية من المذياع وما سواها. ما تختاره غالبا هو أن تبقي أبطالها صامتين. الحوار سيقلل، في هذه الحالة، من قيمة أي بعد نفسي، عاطفي أو وجداني يختاره المخرج لفيلمه. وفي حالات أخرى، لن يضيف شيئا على ما كان الحوار سيقوم به.
«الفنان» في واقعه تقليد لأفلام العشرينات الصامتة. والتبرير موجود بالفعل: تقع أحداثه في عهد السينما الصامتة، مما يجعل صمته متماشيا مع صمت السينما القديمة التي يقلدها. وحين ينطق في مشهد واحد، فهو في المشهد الذي يعرضه المخرج كشريط مصور داخل فيلمه.
الإسباني بابلو برغر صنع فيلما أكثر أصالة من حيث إنه لم يكن تقليدا، بل اختيارا: «سنو وايت» (2012) مصنوع على قواعد السينما الصامتة. وحين السؤال عن ذلك الاختيار، فإن الجواب الذي يبديه الفيلم هو حرية المخرج في اختيار فن التعبير.
ما يميز هذا الفيلم أيضا هو أنه ليس مجرد حكاية مؤلفة، بل هي استعادة لرواية أطفال شهيرة لا يمكن تصورها من دون حوارات وربما أغان تقوم شخصيات الفيلم بتقديمها. بذلك، خرج بابلو بالفعل على كل تقليد.
وهذا نراه ينطلي على تجربة المخرجين المصريين أحمد عبد الله في «فرش وغطا» وكمال حنفي في «باب الوداع» مع اختلاف أن الأول يضع بطله في وسط الجماعات البشرية التي ينخرط بها والثاني يختار شكلا منتميا إلى الروسيين أندريه تاركوفسكي وألكسندر سوخوروف و(المجري) بيلا تار يلج فيه الحل الصامت الذي يرغب في استخدامه.

* بلا إضافة
* في مرات كثيرة، لا يمكن إلا ملاحظة أنه ليس من الممكن لفيلم صامت حديث تجاهل واقع الحياة. هل يمكن لأب وابنته في «تجربة» أن يعيشا في مكان واحد كل الوقت من دون أن يتكلما معا؟ كذلك الحال بالنسبة لـ«جزيرة الذرة»: عجوز وابنته (ولاحقا رجل آخر) يتشاركون في الحياة فوق مرتفع صغير من الأرض لا تزيد مساحته على بضعة أمتار و... لا يتحدث أي منهم للآخر. هنا ما على الشكل المختار أن يتدخل: «باب الوداع» مشغول بأسره كفيلم وجدانيات وتصميم مناظره ولقطاته يجيء ليؤكد الفواصل بين عوالم الجدة والأم والابن. كذلك، فإن موضوع «شغالو الحب» مناسب: هذان زوجان لا يلتقيان. هو ينام في النهار ويعمل في الليل وهي تعمل في النهار وتنام في الليل. يعملان دائما (ولو في مصنع واحد). الصمت هنا يجيء لإثبات حال عائلي واجتماعي، بالإضافة إلى حقيقة أن أي حوار بين شخصيتيه وأناس آخرين لا قيمة له لو تم ولا إضافة.
في «تانغو الشيطان» لبيلا تار (1994)، هناك حوار مترام هنا وهناك على مدى 7 ساعات و45 دقيقة هي مدة عرض الفيلم. هذا قمة في استخدام الصمت الذي يؤلف ويلف غالبية المشاهد. وهو عاد إلى المنوال نفسه في فيلمه الأخير «حصان تورينو» (2013). السؤال الرئيس في حالته لا يختلف عنه في معظم الأعمال الأخرى: ماذا كان الحوار سيضيف إلى المشاهد أو إلى المشاهد: ويأتي الجواب حاسما: لا شيء، وذلك حسب الحكمة التي تقول «إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب».

* الصامت لا يغني

* في عام 1930، كان لا يزال من الممكن مشاهدة أفلام صامتة، لكن من ينظر إلى أفلام ذلك الحين سيجد أن المستفيد الأول من نطق السينما كانت السينما الغنائية. «مغني الجاز» برهن على أن الصوت مصدر إقبال وأن الجمهور سيُسَرّ لأفلام أخرى تغنى، فما كان من «وورنر» و«مترو غولدوين ماير» و«باراماونت» إلا أن اندفعت لتحقيق أفلام ناطقة لمجرد أنها استعراضية وغنائية، من بينها «مسرح هوليوود 1929» و«لحن بروداي» و«استعراض الحب» من بين أخرى.



لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
TT

لماذا لا تزال ثلاثية «حرب النجوم» الأولى هي الأفضل؟

«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)
«الإمبراطورية تضرب مجدداً» (توينتيث سنتشري فوكس)

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» (Star Wars: The Mandalorian and Grogu) في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً. أما الاستقبال النقدي فتوزّع على 3 فئات شبه متعادلة: معجبة، ومعجبة بحدود، وغير معجبة على الإطلاق (نقدنا في زاوية «شاشة الناقد» أدناه).

رغبة معاكسة

بصرف النظر عن مستوى الفيلم، يستدعي العمل، الذي أنجزه جون فافرو (من أفلامه Avengers: Endgame وIron Man)، نظرة قريبة إلى هذا المسلسل الذي انطلق للمرة الأولى على هيئة حلم صغير عند مخرجه جورج لوكاس. رفضت هوليوود تمويله إلى أن وافقت شركة «توينتيث سنتشري فوكس» على صرف 11 مليون دولار عليه. وكان الناتج مذهلاً، إذ سجَّل خلال أسابيع قليلة من صيف 1977 نحو 775 مليون دولار، أي ما يتجاوز 8 مليارات دولار بسعر الصرف اليوم، وحين كانت التذكرة لا تزيد على 5 دولارات في صالات العرض الأول.

كاري فيشر في أحد أشهر أدوارها السينمائية (توينتيث سنتشري فوكس)

ذلك الفيلم الأول من المسلسل لم يكن بداية عهد من الأفلام المتتالية التي استفادت من إقبال الجمهور عليها فحسب، وإنما أيضاً معالجة فكرية ترتدي ملابس الترفيه وتقدّم بين أحداثها المشوّقة نتفاً من المجازات الميتافيزيقية والميثولوجية. يتبدّى ذلك في الأفلام الثلاثة الأولى من بين الأفلام العشرة التي أُنجزت منذ ذلك التاريخ (وهي الأساسية، كون الإنتاج تمدَّد ليشمل شرائط فيديو وأفلاماً تلفزيونية ورسوماً). بعد ذلك، تداولت الأفلام اللاحقة المغامرة وبعض الإيحاءات الدرامية، مثل اللعب على علاقة الأب بالابن التي عكست علاقة المخرج بالسينما، كون لوكاس ابتعد عن وصية ورغبة والده (جورج واتسون لوكاس) ليشقَّ طريقه بنفسه.

لا بدَّ أنّ الضغط الذي واجهه برفضه الاقتداء برغبة والده قد ولّد فيه الحاجة إلى التعبير عنها. لم يعبّر عنها في أفلامه التي سبقت «ستار وورز» الأول، لا القصيرة منها (9 أفلام ما بين 1965 و1968)، ولا فيلميه الطويلين THX 1138 سنة 1971 و«أميركان غرافيتي» (1973).

جورج لوكاس... مهندس المجرة السينمائية التي انطلقت عام 1977 (ديزني ستوديوز)

تعدُّد أفكار

أخرج لوكاس أول هذه الأفلام («ستار وورز» الذي تغيَّر لاحقاً عنوانه إلى Star Wars: A New Hope تبعاً لتسلسل روائي لاحق). ثم اكتفى بإنتاج الفيلمين التاليين «الإمبراطورية تضرب مجدداً» (The Empire Strikes Back) لإرفين كيرشنر (1980) و«عودة الجيداي» (Return of the Jedi) لريتشارد ماركواند (1983).

غابت السلسلة سنة 1983 وعادت سنة 1999 بـ3 أفلام تسبق حكاياتها الثلاثية الأولى، ممّا جعلها تحمل الأرقام 4 و5 و6 عوضاً عن 1 و2 و3. ومنذ عام 2015، أُطلق عهد جديد من هذه الأفلام أقل قيمة فنية وفكرية من تلك الأولى.

في الأفلام الثلاثة الأولى المذكورة، منحى واضح لتجسيد بعض الشخصيات على نحو متّصل بالتاريخ هنا وبالواقع هناك. جيداي يمثل فيلسوفاً يونانياً تشبه تعاليمه تلك التي لدى أرسطو. والصراع بين الابن المتمرّد ضدّ الإمبراطور دارث فيدر يماثل تمرّد لوكاس الابن ضدّ أبيه، لكنه في الوقت عينه على علاقة بنظرية فرويد التي تقول إنّ الابن يميل إلى الأم أكثر من الأب، والابنة تميل إلى الأب أكثر من الأم. كذلك الحروب ذاتها تحمل سمات صراع الشعوب ضدّ مستبديها، ولو أنّ لوكاس هنا لا يحدّد ما بعد تلك الإشارة.

في «الإمبراطورية تضرب مجدداً» محاكاة للأجواء السياسية المعادية للعرب في ذلك الحين، ترتدي شكلاً عنصرياً واضحاً.

أبعد من ذلك، هناك حضور ديني قوي في الأفلام الأولى من السلسلة. هناك إيعاز بتجسيد الفيلم للمعنى الديني في الصراع بين الخير (مؤمنون) والشر (ملحدون). بل إنّ الأميرة ليا قُصد بها أن تكون رمزاً للسيدة مريم. وهذه بعض الأبعاد التي تتراءى في حال مشاهدة هذه الأفلام اليوم كما في الأمس.

انطلقت عروض فيلم «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي بنجاح جيد، لكنه ليس مميّزاً

استيحاءات

الفيلم الأول من السلسلة وما تلاه من أجزاء ليست الأولى في السينما لناحية تقديم مغامرات فضائية. الصورة الكليّة لذلك العالم البعيد مثل مسافة، والقريب مثل أجواء سياسية أو اجتماعية حاضرة، نجدها في سلسلة أفلام «فلاش غوردون» في الثلاثينات والأربعينات، حيث الصراع بين عالم متمدّن وآخر معاد.

في الواقع، خطَّط لوكاس في الأساس لإعادة إخراج فيلم «فلاش غوردون» الذي حقّقه فريدريك ستيفاني سنة 1936 قبل أن يُنجز «ستار وورز».

إلى جانب «فلاش غوردون»، هناك استيحاء من حكاية «الباحثون» (The Searchers) لجون فورد (1956)، ومن فيلم أكيرا كوروساوا «القلعة المخفية» (The Hidden Fortress) سنة 1958. هذا الفيلم الياباني هو الأقرب بوصفه حكاية، إذ يدور حول رجلين يسعيان إلى مساعدة أميرة على استعادة عرشها... كما الحال في «ستار وورز».

الأفلام السبعة اللاحقة (آخرها «ستار وورز: الماندالوريان وغروغو»، 2026) اعتنت بتطوير العمود الفقري للحكاية على نحو أفقي ينهل من الفرص المتاحة للالتزام بالمغامرات والصراعات أكثر من منحها معانيَ ورموزاً. والهم كذلك كان تطوير المؤثرات البصرية وكل ما له علاقة بالخدع البصرية وفنون التحريك، لإبقاء حوافز المُشاهدة والحفاظ على هواة السلسلة أعلى في كل جزء جديد من سابقه.


شاشة الناقد: خيال علمي وتشويق و«وسترن»

«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)
«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)
TT

شاشة الناقد: خيال علمي وتشويق و«وسترن»

«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)
«ستار وورز- ماندالوريان وغروغو» (ديزني ستديوز)

STAR WARS‪:‬ ★★

THE MANDALORIAN

AND GROGU

إخراج: ‪جون فافريو‬

الولايات المتحدة | خيال علمي

الجزء العاشر من السلسلة

منذ شراء شركة «ديزني ستوديوز» حقوق صنع سلسلة «ستار وورز» سنة 2017، ارتفعت الرغبة في التواصل مع الجمهور السائد من زاوية الترفيه وحدها. طبعاً لا تزال بعض الأفلام الأخيرة، مثل «The Last Jedi» لريان جونسون (2017) و«Rogue One: A Star Wars Story» لغاريث إدواردز خصوصاً، تؤمّن بعض الأفكار الجديدة المنفّذة جيداً.

«ستار وورز: الماندالوريان وغروغو» ليس من بينها. نعم، يوفر شخصية محارب جديد (الماندالوري أو ماندو في الفيلم) الذي يهب حياته لمعاقبة الأشرار. الحكاية تطول منتقّلة من مهمّة جديدة مسندة إليه (إنقاذ ابن المخلوق جابا الذي اختُطِف إلى كوكب شكاري تمهيداً لاحتلال مملكة أبيه ومنعه من الوراثة).

إذ تنطلق الحكاية على هذا النحو، تتعرّض لمغامرات ماندو المتواصلة مع مخلوق صغير اسمه غروغو، موجود لتسلية الصغار بكلّ السذاجة الممكنة. في الواقع، أمكن غروغو أن يكون كلباً أو قرد شمبانزي، فكلاهما يعجب الأولاد من الجنسين. شخصية ماندو بدورها كان يمكن لها أن تأتي في فيلم مستقلّ تماماً عن السلسلة الشهيرة. كما هي الآن، هي «تفليم» لمسلسل تلفزيوني نال نجاحاً كبيراً. خطوة آمنة أخرى بالنسبة إلى «ديزني» لاستثمار لا «حرب النجوم» وحدها، بل المسلسل التلفزيوني أيضاً.

كل ما سبق كان يمكن تقبّله لو أنّ جديداً فعلياً طرأ على القصة أو شخصياتها بمناسبة نقلها إلى الشاشة الكبيرة على الأقل. الأحداث متتابعة لكنها مُعالجة على هيئة حلقات منفصلة تبعاً لخيال، وليس على شكل إبداع وخَلْق. هو فيلم بلا روح، مليء بمعارك مصنوعة بواسطة الرسوم الحاسوبية شوهدت مراراً قبل ذلك، وباتت مثل مطاردات أفلام الوسترن القديمة حيث البطولة للحصان (على الأقل كان مخلوقاً حيّاً) في مطاردات لا تنتهي. التمثيل، وفق التقليد المتَّبع في أفلام ملؤها المؤثرات والموسيقى (للودفيغ غورانسون)، جيد في حال سماعها للمرة الأولى والثانية، قبل أن تُسبِّب الضجر لتكرارها.

THE HOUSEMAID★★

إخراج: ‫بول فيغ‬

الولايات المتحدة | دراما تشويقية

ثرية تستقبل عاملة منزل وتندم

«تستطيعين مناداتي نينا»، تقول الزوجة (أماندا سيفريد) للشابة ميلي (سيدني سويني) في الثواني الأولى من لقائهما. الأولى ربّة بيت كبير لزوجها الثري أندرو (براندون سكلينار)، والثانية وصلت للتو لتشغل وظيفة الإشراف على شؤون المنزل.

«عاملة المنزل» (ليونزغيت)

إذ تبدأ ميلي عملها سعيدة بالاستقبال الجيد والودود، يضع المخرج، الذي اقتبس فيلمه عن رواية ناجحة لفريدا ماكفادن، الخطّة للانتقال من التأسيس إلى الحبكة المراد بها أن تكون درامية نفسية. نينا ستندم على قبول ميلي بعدما لاحظت تقارباً بين زوجها والعاملة المنزلية، تمهيداً لنهاية تأتي بلا مفاجآت.

الواقع أنّ الفيلم بكامله يخلو من مفاجأة فعلية. المفارقات تتابع كما يتوقّعها المُشاهد. المخرج بول فيغ اعتمد خطاً قصصياً من دون إضافة ظلال مناسبة. بذلك يمضي الفيلم، بعد نحو ساعة من التمهيد وربع ساعة من الاسترجاع، صوب تطوّرات لا يشعر المشاهد حيالها بأي اهتمام، إلا إذا كان مدمناً على أفلام تفتقر إلى الحد الأدنى من الغموض والتشويق.

RUST★★★

إخراج: ‫جوِل سوزا

الولايات المتحدة (2025) | وسترن

الحكاية التي تشبه ما حدث وراء الكاميرا

‫ثمة تشابه مؤسف بين الحكاية التي يسردها الفيلم وما حدث في الواقع. هذا هو الفيلم الذي أطلق فيه الممثل أليك بالدوين النار على مديرة التصوير هالينا هاتشينز معتقداً أنّ المسدس يحتوي على رصاص فارغ. في الفيلم (كما كُتبت حكايته قبل الحادثة) صبي يقتل رجلاً بالخطأ أيضاً. في «رست» (اسم الشخصية التي يؤدّيها بالدوين) رغبة محقّة في توفير فيلم «وسترن» بجماليات المكان الطبيعي والعام. مشاهده مؤطرة بدراية، ولقطاته موحية وجميلة، ولو أنّ ألوانها تنتمي إلى نسق داكن واحد نصف ناجح.‬

أليك بولدوين وباتريك سكوت في «رست» (120DB فيلمز)

‫اهتمام المخرج بتوفير جماليات كلّ لقطة وكيفية تأطيرها لا غبار عليه، سوى أنّ الحكاية تبقى بعيدة عن الاستفادة من هذا المنوال. هناك ثلاثة خطوط قصصية، أحدها عن رست وحفيده، والآخران عن مطارديه وخلفياتهم. تتابع هذه الخطوط بسهولة، لكن المخرج ومونتيره (ديفيد أندالمان) لا يملكان القدرة على تلاحمها على نحو يبعث على التشويق، بل حتى على الاهتمام أيضاً.‬

‫بعد عروض قصيرة وفاشلة في صالات السينما، يمكن الآن مشاهدته عبر المنصات، ولو على حساب الجماليات التي توفرها الشاشة الكبيرة في نطاق سينما الغرب الأميركي.‬

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
TT

ستيفن سبيلبرغ يعود إلى عوالم الغزو والخيال العلمي

توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)
توم كروز في «تقرير أقلية» (تونتييث سنتشري فوكس)

في الـ11 من الشهر المقبل، يُطلق المخرج والمنتج ستيفن سبيلبرغ فيلمه الجديد «يوم الكشف» (Disclosure Day)، وهو الفيلم السينمائي الـ40 له، بكونه أنجز 13 فيلماً تلفزيونياً قبل دخوله عالم السينما، ولاحقاً أنجز فيلمَي فيديو وفيلمَيْن قصيرين ما بين 1999 و2022.

في الواقع، فإنَّ فيلمه الأول الذي عُرض في صالات السينما، وهو «مبارزة» (Duel) سنة 1971، كان تلفزيوني الإنتاج داخل الولايات المتحدة، لكنه انتُخب للعروض السينمائية عالمياً خارجها، مثل حال عدد كبير من الأفلام المُشابهة في وضعيّتها آنذاك. و«مبارزة» كان فيلم طريق مع تشويق حاسم حول رجل أعمال بسيط تطارده شاحنة على طريق جبلي في ولاية أريزونا بهدف قتله. ذلك الفيلم، بالتالي، كان تشويقياً، رغم أنّ الحكاية كان يمكن لها أن تضع المطاردة بين عربة فضائية وأخرى أرضية.

سبيلبرغ يعود إلى ثيمته المفضلة: غزو الأرض (يونيفرسال)

عشرة

«يوم الكشف» (أو «يوم الإفصاح») هو خيال علمي عن موضوع غزو الفضاء للأرض. وبذلك، فهو الفيلم العاشر من هذا النوع من توقيع المخرج. هذا بالطبع إلى جانب عدد آخر من الأفلام التي اكتفى بإنتاجها واختار من يخرجها سواه.

الأفلام الـ9 السابقة هي التي بدأت بفيلم «لقاءات قريبة من النوع الثالث» (Close Encounters of the Third Kind) سنة 1977. هذا مع العلم أن سبيلبرغ أخرج فيلم هواة من هذا النوع، وفَّر تكلفته من مصروف الجيب سنة 1964، عندما كان في الـ18 من عمره، لكنه لا يُعدُّ فيلماً حقيقياً.

كان «لقاءات قريبة...» ثالث فيلم سينمائي فعليّ له بعد «ذا شوغرلاند إكسبرس» في 1974 و«جوز» (Jaws). وكلاهما كان من النوع التشويقي، وأفضلهما «جوز»، الذي حطم أرقاماً قياسية في صيف عام 1975. أما الأول فكان حكاية كوميدية مع تشويق حول خطف زوجين ابنهما من منزل عائلة عُهد إليها برعايته، وشرطي أجلساه في المقعد الخلفي من السيارة. لكن «جوز» هو تعامل سبيلبرغ الأول مع فن التشويق.

والتشويق سمة «لقاءات قريبة...» الذي تعامل مع غزاة من ذلك الطابق العلوي للفضاء.

كرَّر ذلك عام 1982 عندما أخرج «خارج الأرض» (E.T. the Extra-Terrestrial)، بعد فيلم كوميدي فشل تجارياً هو «1941»، وآخر مغامراتي حقق نجاحاً كبيراً هو «غزاة الفلك المفقودة» (Raiders of the Lost Ark) في 1981.

من «إي تي- خارج الأرض» (يونيفرسال)

مخلوقات متوحّشة

هذان الفيلمان هما الوحيدان، في سلسلة سبيلبرغ من أفلام الخيال العلمي، اللذان عكس فيهما نظرة تعاطفية مع مخلوقات الفضاء. ففي الأول دعا إلى التفاهم معها، وفي الثاني حوَّل الفكرة إلى ملهاة سريعة الإيقاع حول مخلوق فضائي عادت سفينة الفضاء إلى كوكبها من دونه.

وقبل العودة إلى قصص الفضاء، عمد إلى نوع آخر من أفلام الخيال العلمي، هي أفلام وحوش ما قبل العصور المدنية. ففي 1993 أنجز «جوراسيك بارك»، وتبعاً لنجاحه حقَّق، بعد 4 سنوات، جزءاً ثانياً في 1997. وللإيضاح، يرى المؤرخون وهواة التصنيف أنّ أفلام الوحوش هي نوع من الخيال العلمي، لكنه في الواقع ليس كذلك، وإن كان بعض العلم مُستَخدماً فيه.

النقلة الفعلية لسينما الخيال العلمي، التي حملت في طياتها عودة مكمّلة لفيلميه السابقين «لقاءات قريبة» و«إي تي»، وردت سنة 2001 عبر «ذكاء اصطناعي» (A.I. Artificial Intelligence)، حكاية الصبي غير البشري ديفيد (هايلي جويل أوزمنت) والعائلة التي احتضنته لمدّة لأنّ ابنها الفعلي يرقد في المستشفى. والفارق بين ديفيد وأي منتج اصطناعي آخر أنه مزوَّد بإمكانية الحبّ. وعندما يعود ابن العائلة من المستشفى سليماً، تكتشف العائلة أنها لن تستطيع احتواء الولدين، فتقرّر التخلّي عن ديفيد، الذي سيعاني طوال حياته من حبه للأم التي رعته حيناً (فرانسيس أوكونور).

مشكلة الفيلم الأكبر هي أنه عاطفي إلى حد يكاد يوازي التباكي، لكن فكرته رائعة، وتنفيذ سبيلبرغ له يضع الفيلم في مصاف الأعمال المهمّة في سينما النوع.

«يوم الكشف» هو الفيلم العاشر من هذا النوع للمخرج وسوف يُطلق في الـ11 من الشهر المقبل

بعد ذلك، في 2002، نجد سبيلبرغ في نطاق أفضل شأناً مع «تقرير أقلية» (Minority Report)، حول مستقبل يجد فيه المرء نفسه مُداراً ومحاطاً بتكنولوجيا لا قدرة له على تفاديها، خصوصاً إذا ما كان أحدهم في مركز القيادة يريد الإجهاز عليه.

عاد سبيلبرغ إلى النوع في عام 2005 في «حرب العوالم» (War of the Worlds)، وهو عن غزو من مخلوقات وحشية، من بطولة توم كروز، الذي لعب كذلك بطولة «تقرير أقلية». وكلا الفيلمين ناجح على معظم الأصعدة، كونهما عملين تشويقيين ينتميان فعلياً إلى نوع الخيال العلمي، علماً بأن «حرب العوالم» هو إعادة صنع لفيلم حقّقه بايرون هاسكن عام 1953.

الفيلم التاسع هو ذلك الذي أنجزه سبيلبرغ بعنوان «ريدي بلاير وان» (Ready Player One)، الذي تقع أحداثه في المستقبل (2045)، والمأخوذ عن لعبة فيديو مقتبسة بدورها من رواية. ولم يستقبله النقّاد جيداً، وواقعياً كان فيلماً لا يحمل السبب الكافي ليُنجزه سبيلبرغ.