«كورونا» ينعش الحياة في غزة بتجارة «الملابس الواقية» إلى إسرائيل

عشرات المصانع تعمل بطاقة قصوى وتوظف آلاف العمال لمواكبة الطلبات

عمال فلسطينيون في مصنع بغزة يقومون بتصنيع أقنعة وسترات للوقاية من فيروس {كورونا} لتصديرها إلى إسرائيل والضفة الغربية (نيويورك تايمز)
عمال فلسطينيون في مصنع بغزة يقومون بتصنيع أقنعة وسترات للوقاية من فيروس {كورونا} لتصديرها إلى إسرائيل والضفة الغربية (نيويورك تايمز)
TT

«كورونا» ينعش الحياة في غزة بتجارة «الملابس الواقية» إلى إسرائيل

عمال فلسطينيون في مصنع بغزة يقومون بتصنيع أقنعة وسترات للوقاية من فيروس {كورونا} لتصديرها إلى إسرائيل والضفة الغربية (نيويورك تايمز)
عمال فلسطينيون في مصنع بغزة يقومون بتصنيع أقنعة وسترات للوقاية من فيروس {كورونا} لتصديرها إلى إسرائيل والضفة الغربية (نيويورك تايمز)

بدت مهارات الحياكة لدى الخياط زياد قاسم، تلك المهنة التي أتت على 25 عاماً من عمره، بلا قيمة حقيقة في ظل الأوضاع الاقتصادية القاسية التي يعاني منها قطاع غزة المحاصر، فهو عاطل عن العمل تماماً منذ ما يربو على 8 أشهر، مع تراكم الديون، والتزامه منزله أغلب الوقت، تساوره الشواغل والمخاوف بشأن كيفية إعالة زوجته وأطفاله الخمسة.
وجاء الإنقاذ لزياد قاسم بقدوم فيروس كورونا الوبائي الجديد!
فمع ارتفاع الطلب في كل أرجاء العالم على الكمامات والأقنعة والملابس الواقية، اجتاحت أوامر الشراء الجديدة أغلب مصانع الملابس في قطاع غزة منذ أوائل مارس (آذار) الماضي، من جانب مختلف التجار من كل الأماكن، بما في ذلك إسرائيل، التي ينظر إليها أغلب سكان قطاع غزة من الفلسطينيين على أنها العدو اللدود الأول.
وعرضت شركة الزهراء للملابس على زياد قاسم، البالغ من عمره 42 عاماً، وظيفة لقاء 12 دولاراً في اليوم الواحد مقابل الاستعانة بمهارته المتقنة في العمل على ماكينة الحياكة في مصنع الشركة.
يقول زياد قاسم عن ذلك: «يمكنني تنفس الصعداء الآن، ويمكنني شراء بعض الأشياء لأسرتي، عندما كنت بلا عمل، كنت أشعر بإحباط نفسي عميق، ولم يكن معي أي أموال أعطيها لأطفالي».
وعبر كل أنحاء العالم، أسفر وباء كورونا الراهن عن تدمير الاقتصادات وأدى إلى ارتفاع معدلات البطالة بصورة كبيرة غير مسبوقة. غير أن قدوم فيروس كورونا كان بمثابة النعمة العظيمة على صناعة الملابس في غزة، حيث البطالة المرتفعة، والفقر المدقع، والاعتماد شبه الكامل على الإعانات الأجنبية تحمل سمات وبائية هي الأخرى.
كانت صناعة الملابس، في وقت من الأوقات، من أهم ركائز الاقتصاد المحلي في قطاع غزة الذي ينتشر فيه 900 مصنع يعمل فيها ما يقرب من 36 ألف مواطن فلسطيني. غير أن تلك الصناعة قد انهارت في عام 2007 إثر بسط حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، سيطرتها على القطاع، وقررت حظر تصدير الملابس من قطاع غزة إلى إسرائيل أو إلى الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل.
يقول محمد أبو جياب، رئيس تحرير صحيفة «الاقتصادية» الفلسطينية الصادرة من قطاع غزة: «شهدت مصانع الملابس خسائر مدمرة، ولقد خرجت من نطاق الأعمال تماماً منذ ذلك الحين». وسمحت السلطات الإسرائيلية، بعد حرب قطاع غزة في عام 2014، لصناع الملابس من القطاع باستئناف تصدير المنتجات، ما شكل الأساس لإحياء الصناعة على نحو متواضع داخل القطاع.
وبحلول عام 2019، كان هناك أكثر من 200 مصنع يعمل فيها نحو 6 آلاف عامل، وفقاً لبيانات الاتحاد الفلسطيني لصناعات الملابس والمنسوجات والجلود، على الرغم من أن العمال وأرباب الأعمال أفادوا بأن الأجور اليومية لا تتعدى 8.50 دولار عن اليوم الواحد.
أما الآن، فشرع نحو 12 مصنعاً في إنتاج الكمامات، والأقنعة، والملابس الواقية، ويواصل كثير من المصانع تعيين العمال والموظفين الجدد، مع زيادة ساعات الدوام أو حتى العمل بنظام التعاقد من الباطن مع المتاجر الصغيرة.
وفي مدينة غزة، كان الطابق الأرضي من مصنع الزهراء للملابس مليئاً بكثير من العمال الذكور خلال الأسبوع الجاري، حيث يواصلون العمل على حياكة الأقنعة ذات اللون الأزرق الفاتح، في حين يعمل الآخرون في سرعة واضحة على قص أنسجة النايلون مع استخدام ماكينات الحياكة القديمة على تجميعها لإنتاج الملابس الواقية في النهاية.
وكانت هناك مسافة تبعد بضعة أقدام بين كل عامل وزميله على الأقل، ولكن كان عدد قليل من الموظفين يرتدون الأقنعة الواقية على وجوههم. وقال مالك المصنع، محمد عودة، البالغ 42 عاماً من عمره، إنه رفع القوة العاملة في المصنع من 30 إلى 55 عاملاً مع تمديد ساعات الدوام في المناوبة الواحدة من 8 إلى 12 ساعة يومياً.
واستطرد عودة يقول: «لقد أعاد فيروس كورونا الحياة مجدداً إلى مصنعنا. ولم تجلب لنا الكمامات والأقنعة مزيداً من العمل فحسب، وإنما أتاحت المجال أيضاً لاستمرار العمل طوال الوقت خلال الأزمة الراهنة».
وتعمل شركة «يونيبال 2000»، وهي شركة صناعة الملابس الكبيرة في المنطقة الصناعية في مدينة غزة، على إنتاج ما يصل إلى 50 ألف قناع واقٍ، و15 ألف قطعة من الملابس الواقية في اليوم الواحد، ولقد ضاعفت من القوة العاملة لديها من 850 عاملاً إلى 1250 عاملاً، كما أفاد بشير البواب المالك المشارك في الشركة.
وأضاف بشير: «أود لو أن الجميع في صحة جيدة وعافية وأن يختفي الفيروس من عالمنا تماماً، غير أن صناعة هذه المنتجات قد منحتنا فرصة مهمة للغاية».
وقال روتيم كوهانيم (37 عاماً)، وهو تاجر من مستوطنة «بيت حورون» الإسرائيلية في الضفة الغربية، إنه يستعين بمصانع الملابس في قطاع غزة لإنتاج معدات الحماية الشخصية التي يباشر بيعها، نظراً لأن العمالة لديهم جيدة للغاية، وينتجون الأشياء بسرعة، وبتكاليف زهيدة.
ويواصل عمال المصانع الوجود في مناوبات العمل بانتظام. ولقد تخلى الفيروس نفسه عن الوجود بصورة كبيرة بين سكان القطاع البالغ تعدادهم قرابة مليوني نسمة، وذلك بسبب الضوابط الصارمة التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على المعابر الحدودية، فضلاً عن قرار حركة حماس بعزل كل السكان العائدين من منشآت الحجر الصحي لمدة ثلاثة أسابيع.
ومن المعروف تعرض 17 مواطناً فقط من سكان القطاع للإصابة بفيروس كورونا، مع عدم الإبلاغ حتى الآن عن أي حالات وفيات.
وإجمالاً للقول، تمكنت مصانع الملابس في قطاع غزة من إنتاج ملايين الأقنعة والكمامات الواقية، ومئات الآلاف من الملابس والسترات الواقية، وفقاً لإفادات كبار صناع الملابس في القطاع، الذين يواصلون العمل بصفة عامة على المواد الخام المستقدمة من إسرائيل وتصدير المنتجات النهائية إلى هناك، أو إلى الضفة الغربية ولكن بنسبة أقل.
وتتراوح أسعار الكمامات الواقية من النماذج رخيصة الثمن بأقل من 50 سنتاً إلى النماذج فائقة الجودة التي تُباع بـ50 دولاراً للقناع الواحد.
كما قام بعض المصانع بتلبية طلبات الشركاء من إسرائيل لإنتاج الأقنعة والملابس ذات التصاميم الخطيرة من الناحية السياسية، كما يُقال على أدنى تقدير، إذ يتميز بعضها بوجود العلم الإسرائيلي عليها، أو شعار منتخب كرة القدم الإسرائيلي الوطني، فضلاً عن مصلقات «صُنع في إسرائيل» التي توضع عليها.
وقال العديد من الخياطين الذين تحدثنا إليهم إنهم لا يشعرون بأي حرج في صناعة الأقنعة والكمامات التي تستخدم في حماية الناس من الوباء الفتاك داخل إسرائيل، تلك التي خاضت 3 حروب دموية مع الجماعات المسلحة في قطاع غزة على مدار السنوات الـ12 الماضية، بالإضافة إلى عدة مناوشات عسكرية صغيرة. وقال رائد دحمان، العامل البالغ من العمر 42 عاماً لدى مصنع «حسانكو» في مدينة غزة: «في نهاية الأمر، كلنا بشر، وينبغي أن نحاول التأكد من سلامة وعافية الجميع من دون استثناء».
وقالت منظمة «غيشا»، وهي من المنظمات الحقوقية الإسرائيلية وثيقة الصلة برصد الأوضاع في قطاع غزة، إنه ينبغي على السلطات الإسرائيلية تخفيف القيود التي تفرضها على التحرك من وإلى القطاع من أجل مساعدة الاقتصاد المحلي هناك على مزيد من العمل والإنتاج.
وقالت المنظمة ذاتها في بيان صادر عنها: «تعيد مصانع الملابس في قطاع غزة ضبط خطوط الإنتاج لديها لصناعة معدات ولوازم الحماية الشخصية، ما يعكس قدر الإمكانات التي يملكها القطاع عندما يتمكن من الوصول إلى الأسواق والمواد الخام المطلوبة. وفي فترة ما بعد زوال فيروس كورونا، لا ينبغي أن يكون هناك مكان لمزيد من القيود المفروضة غير الضرورية على التحرك، تلك التي تحبط سبل العيش والحياة والصحة لمجتمعات وأحياء بكاملها داخل القطاع».
وعلى الرغم من نجاح تجربة القطاع في صناعة معدات الحماية الشخصية، يقول كبار صناع الملابس في غزة إنهم تساورهم المخاوف بشأن عدم استمرار الأوضاع على منوالها في المستقبل المنظور.
وقال فؤاد عودة، المسؤول لدى الاتحاد الفلسطيني لصناعات الملابس والمنسوجات والجلود: «فترة وجود فيروس كورونا مؤقتة بكل المقاييس، ما يعني أن الحاجة الماسة والراهنة إلى الكمامات والأقنعة والملابس والسترات الواقية هي حاجة مؤقتة أيضاً، وسوف نضطر في خاتمة المطاف إلى الاعتماد على صناعة الملابس بصورتها المعتادة سابقاً».
ولقد استشعر بعض مصانع الملابس في القطاع بالفعل تراجع طلبات الشراء على معدات الحماية الشخصية، الأمر الذي أرجعه أصحاب المصانع بصورة أساسية إلى وصول شحنات من تلك المعدات واللوازم إلى إسرائيل من الصين. وقال حسن شحادة، صاحب شركة «حسانكو» للملابس، إنه لا يزال يحاول العثور على مشترين لعدد 120 ألف قناع واقٍ معبأة في الصناديق داخل المصنع. وقال بهاء مدهون، مدير مصنع «نور البهاء» في مدينة غزة، إن شركته لديها أوامر شراء معلقة لعدد 20 ألف قناع واقٍ، بانخفاض كبير عن مئات الآلاف من الأقنعة الواقية قبل بضعة أسابيع فقط.
تترك هذه الأوضاع عمال المصانع يشعرون بالقلق من أن الأوقات السعيدة من الأعمال المربحة قد تعقبها عودة إلى الأيام الصعبة والأوقات العسيرة، وذلك مع تعافي العالم من انتشار الوباء الفتاك.
وقال رائد عطار، الخياط في مصنع «حسانكو» للملابس، الذي كافح كثيراً من أجل العثور على فرصة عمل ثابتة لمدة عام قبل أن يحصل على الوظيفة في المصنع مؤخراً: «أخشى أن يطلبوا مني فجأة مغادرة العمل والمكوث في المنزل مرة أخرى، حيث تزداد الصعوبات التي أواجهها في حياتي بسبب فقدان العمل».
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended