«كورونا» ينعش الحياة في غزة بتجارة «الملابس الواقية» إلى إسرائيل

عشرات المصانع تعمل بطاقة قصوى وتوظف آلاف العمال لمواكبة الطلبات

عمال فلسطينيون في مصنع بغزة يقومون بتصنيع أقنعة وسترات للوقاية من فيروس {كورونا} لتصديرها إلى إسرائيل والضفة الغربية (نيويورك تايمز)
عمال فلسطينيون في مصنع بغزة يقومون بتصنيع أقنعة وسترات للوقاية من فيروس {كورونا} لتصديرها إلى إسرائيل والضفة الغربية (نيويورك تايمز)
TT

«كورونا» ينعش الحياة في غزة بتجارة «الملابس الواقية» إلى إسرائيل

عمال فلسطينيون في مصنع بغزة يقومون بتصنيع أقنعة وسترات للوقاية من فيروس {كورونا} لتصديرها إلى إسرائيل والضفة الغربية (نيويورك تايمز)
عمال فلسطينيون في مصنع بغزة يقومون بتصنيع أقنعة وسترات للوقاية من فيروس {كورونا} لتصديرها إلى إسرائيل والضفة الغربية (نيويورك تايمز)

بدت مهارات الحياكة لدى الخياط زياد قاسم، تلك المهنة التي أتت على 25 عاماً من عمره، بلا قيمة حقيقة في ظل الأوضاع الاقتصادية القاسية التي يعاني منها قطاع غزة المحاصر، فهو عاطل عن العمل تماماً منذ ما يربو على 8 أشهر، مع تراكم الديون، والتزامه منزله أغلب الوقت، تساوره الشواغل والمخاوف بشأن كيفية إعالة زوجته وأطفاله الخمسة.
وجاء الإنقاذ لزياد قاسم بقدوم فيروس كورونا الوبائي الجديد!
فمع ارتفاع الطلب في كل أرجاء العالم على الكمامات والأقنعة والملابس الواقية، اجتاحت أوامر الشراء الجديدة أغلب مصانع الملابس في قطاع غزة منذ أوائل مارس (آذار) الماضي، من جانب مختلف التجار من كل الأماكن، بما في ذلك إسرائيل، التي ينظر إليها أغلب سكان قطاع غزة من الفلسطينيين على أنها العدو اللدود الأول.
وعرضت شركة الزهراء للملابس على زياد قاسم، البالغ من عمره 42 عاماً، وظيفة لقاء 12 دولاراً في اليوم الواحد مقابل الاستعانة بمهارته المتقنة في العمل على ماكينة الحياكة في مصنع الشركة.
يقول زياد قاسم عن ذلك: «يمكنني تنفس الصعداء الآن، ويمكنني شراء بعض الأشياء لأسرتي، عندما كنت بلا عمل، كنت أشعر بإحباط نفسي عميق، ولم يكن معي أي أموال أعطيها لأطفالي».
وعبر كل أنحاء العالم، أسفر وباء كورونا الراهن عن تدمير الاقتصادات وأدى إلى ارتفاع معدلات البطالة بصورة كبيرة غير مسبوقة. غير أن قدوم فيروس كورونا كان بمثابة النعمة العظيمة على صناعة الملابس في غزة، حيث البطالة المرتفعة، والفقر المدقع، والاعتماد شبه الكامل على الإعانات الأجنبية تحمل سمات وبائية هي الأخرى.
كانت صناعة الملابس، في وقت من الأوقات، من أهم ركائز الاقتصاد المحلي في قطاع غزة الذي ينتشر فيه 900 مصنع يعمل فيها ما يقرب من 36 ألف مواطن فلسطيني. غير أن تلك الصناعة قد انهارت في عام 2007 إثر بسط حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، سيطرتها على القطاع، وقررت حظر تصدير الملابس من قطاع غزة إلى إسرائيل أو إلى الضفة الغربية التي تحتلها إسرائيل.
يقول محمد أبو جياب، رئيس تحرير صحيفة «الاقتصادية» الفلسطينية الصادرة من قطاع غزة: «شهدت مصانع الملابس خسائر مدمرة، ولقد خرجت من نطاق الأعمال تماماً منذ ذلك الحين». وسمحت السلطات الإسرائيلية، بعد حرب قطاع غزة في عام 2014، لصناع الملابس من القطاع باستئناف تصدير المنتجات، ما شكل الأساس لإحياء الصناعة على نحو متواضع داخل القطاع.
وبحلول عام 2019، كان هناك أكثر من 200 مصنع يعمل فيها نحو 6 آلاف عامل، وفقاً لبيانات الاتحاد الفلسطيني لصناعات الملابس والمنسوجات والجلود، على الرغم من أن العمال وأرباب الأعمال أفادوا بأن الأجور اليومية لا تتعدى 8.50 دولار عن اليوم الواحد.
أما الآن، فشرع نحو 12 مصنعاً في إنتاج الكمامات، والأقنعة، والملابس الواقية، ويواصل كثير من المصانع تعيين العمال والموظفين الجدد، مع زيادة ساعات الدوام أو حتى العمل بنظام التعاقد من الباطن مع المتاجر الصغيرة.
وفي مدينة غزة، كان الطابق الأرضي من مصنع الزهراء للملابس مليئاً بكثير من العمال الذكور خلال الأسبوع الجاري، حيث يواصلون العمل على حياكة الأقنعة ذات اللون الأزرق الفاتح، في حين يعمل الآخرون في سرعة واضحة على قص أنسجة النايلون مع استخدام ماكينات الحياكة القديمة على تجميعها لإنتاج الملابس الواقية في النهاية.
وكانت هناك مسافة تبعد بضعة أقدام بين كل عامل وزميله على الأقل، ولكن كان عدد قليل من الموظفين يرتدون الأقنعة الواقية على وجوههم. وقال مالك المصنع، محمد عودة، البالغ 42 عاماً من عمره، إنه رفع القوة العاملة في المصنع من 30 إلى 55 عاملاً مع تمديد ساعات الدوام في المناوبة الواحدة من 8 إلى 12 ساعة يومياً.
واستطرد عودة يقول: «لقد أعاد فيروس كورونا الحياة مجدداً إلى مصنعنا. ولم تجلب لنا الكمامات والأقنعة مزيداً من العمل فحسب، وإنما أتاحت المجال أيضاً لاستمرار العمل طوال الوقت خلال الأزمة الراهنة».
وتعمل شركة «يونيبال 2000»، وهي شركة صناعة الملابس الكبيرة في المنطقة الصناعية في مدينة غزة، على إنتاج ما يصل إلى 50 ألف قناع واقٍ، و15 ألف قطعة من الملابس الواقية في اليوم الواحد، ولقد ضاعفت من القوة العاملة لديها من 850 عاملاً إلى 1250 عاملاً، كما أفاد بشير البواب المالك المشارك في الشركة.
وأضاف بشير: «أود لو أن الجميع في صحة جيدة وعافية وأن يختفي الفيروس من عالمنا تماماً، غير أن صناعة هذه المنتجات قد منحتنا فرصة مهمة للغاية».
وقال روتيم كوهانيم (37 عاماً)، وهو تاجر من مستوطنة «بيت حورون» الإسرائيلية في الضفة الغربية، إنه يستعين بمصانع الملابس في قطاع غزة لإنتاج معدات الحماية الشخصية التي يباشر بيعها، نظراً لأن العمالة لديهم جيدة للغاية، وينتجون الأشياء بسرعة، وبتكاليف زهيدة.
ويواصل عمال المصانع الوجود في مناوبات العمل بانتظام. ولقد تخلى الفيروس نفسه عن الوجود بصورة كبيرة بين سكان القطاع البالغ تعدادهم قرابة مليوني نسمة، وذلك بسبب الضوابط الصارمة التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على المعابر الحدودية، فضلاً عن قرار حركة حماس بعزل كل السكان العائدين من منشآت الحجر الصحي لمدة ثلاثة أسابيع.
ومن المعروف تعرض 17 مواطناً فقط من سكان القطاع للإصابة بفيروس كورونا، مع عدم الإبلاغ حتى الآن عن أي حالات وفيات.
وإجمالاً للقول، تمكنت مصانع الملابس في قطاع غزة من إنتاج ملايين الأقنعة والكمامات الواقية، ومئات الآلاف من الملابس والسترات الواقية، وفقاً لإفادات كبار صناع الملابس في القطاع، الذين يواصلون العمل بصفة عامة على المواد الخام المستقدمة من إسرائيل وتصدير المنتجات النهائية إلى هناك، أو إلى الضفة الغربية ولكن بنسبة أقل.
وتتراوح أسعار الكمامات الواقية من النماذج رخيصة الثمن بأقل من 50 سنتاً إلى النماذج فائقة الجودة التي تُباع بـ50 دولاراً للقناع الواحد.
كما قام بعض المصانع بتلبية طلبات الشركاء من إسرائيل لإنتاج الأقنعة والملابس ذات التصاميم الخطيرة من الناحية السياسية، كما يُقال على أدنى تقدير، إذ يتميز بعضها بوجود العلم الإسرائيلي عليها، أو شعار منتخب كرة القدم الإسرائيلي الوطني، فضلاً عن مصلقات «صُنع في إسرائيل» التي توضع عليها.
وقال العديد من الخياطين الذين تحدثنا إليهم إنهم لا يشعرون بأي حرج في صناعة الأقنعة والكمامات التي تستخدم في حماية الناس من الوباء الفتاك داخل إسرائيل، تلك التي خاضت 3 حروب دموية مع الجماعات المسلحة في قطاع غزة على مدار السنوات الـ12 الماضية، بالإضافة إلى عدة مناوشات عسكرية صغيرة. وقال رائد دحمان، العامل البالغ من العمر 42 عاماً لدى مصنع «حسانكو» في مدينة غزة: «في نهاية الأمر، كلنا بشر، وينبغي أن نحاول التأكد من سلامة وعافية الجميع من دون استثناء».
وقالت منظمة «غيشا»، وهي من المنظمات الحقوقية الإسرائيلية وثيقة الصلة برصد الأوضاع في قطاع غزة، إنه ينبغي على السلطات الإسرائيلية تخفيف القيود التي تفرضها على التحرك من وإلى القطاع من أجل مساعدة الاقتصاد المحلي هناك على مزيد من العمل والإنتاج.
وقالت المنظمة ذاتها في بيان صادر عنها: «تعيد مصانع الملابس في قطاع غزة ضبط خطوط الإنتاج لديها لصناعة معدات ولوازم الحماية الشخصية، ما يعكس قدر الإمكانات التي يملكها القطاع عندما يتمكن من الوصول إلى الأسواق والمواد الخام المطلوبة. وفي فترة ما بعد زوال فيروس كورونا، لا ينبغي أن يكون هناك مكان لمزيد من القيود المفروضة غير الضرورية على التحرك، تلك التي تحبط سبل العيش والحياة والصحة لمجتمعات وأحياء بكاملها داخل القطاع».
وعلى الرغم من نجاح تجربة القطاع في صناعة معدات الحماية الشخصية، يقول كبار صناع الملابس في غزة إنهم تساورهم المخاوف بشأن عدم استمرار الأوضاع على منوالها في المستقبل المنظور.
وقال فؤاد عودة، المسؤول لدى الاتحاد الفلسطيني لصناعات الملابس والمنسوجات والجلود: «فترة وجود فيروس كورونا مؤقتة بكل المقاييس، ما يعني أن الحاجة الماسة والراهنة إلى الكمامات والأقنعة والملابس والسترات الواقية هي حاجة مؤقتة أيضاً، وسوف نضطر في خاتمة المطاف إلى الاعتماد على صناعة الملابس بصورتها المعتادة سابقاً».
ولقد استشعر بعض مصانع الملابس في القطاع بالفعل تراجع طلبات الشراء على معدات الحماية الشخصية، الأمر الذي أرجعه أصحاب المصانع بصورة أساسية إلى وصول شحنات من تلك المعدات واللوازم إلى إسرائيل من الصين. وقال حسن شحادة، صاحب شركة «حسانكو» للملابس، إنه لا يزال يحاول العثور على مشترين لعدد 120 ألف قناع واقٍ معبأة في الصناديق داخل المصنع. وقال بهاء مدهون، مدير مصنع «نور البهاء» في مدينة غزة، إن شركته لديها أوامر شراء معلقة لعدد 20 ألف قناع واقٍ، بانخفاض كبير عن مئات الآلاف من الأقنعة الواقية قبل بضعة أسابيع فقط.
تترك هذه الأوضاع عمال المصانع يشعرون بالقلق من أن الأوقات السعيدة من الأعمال المربحة قد تعقبها عودة إلى الأيام الصعبة والأوقات العسيرة، وذلك مع تعافي العالم من انتشار الوباء الفتاك.
وقال رائد عطار، الخياط في مصنع «حسانكو» للملابس، الذي كافح كثيراً من أجل العثور على فرصة عمل ثابتة لمدة عام قبل أن يحصل على الوظيفة في المصنع مؤخراً: «أخشى أن يطلبوا مني فجأة مغادرة العمل والمكوث في المنزل مرة أخرى، حيث تزداد الصعوبات التي أواجهها في حياتي بسبب فقدان العمل».
- خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

تشاكا يعود لارتداء شارة قيادة منتخب سويسرا

رياضة عالمية غرانيت تشاكا يعود لارتداء شارة قيادة منتخب سويسرا (رويترز)

تشاكا يعود لارتداء شارة قيادة منتخب سويسرا

يعود غرانيت تشاكا لارتداء شارة قيادة منتخب سويسرا مجدداً، وذلك بعد غيابه عن آخر أربع مباريات لاعترافه بتزوير شهادات تطعيمه خلال جائحة كورونا (كوفيد - 19).

«الشرق الأوسط» (برن)
صحتك الهواء الجاف قد يؤثر في الأنف والحلق (بيكسلز)

لماذا يزيد الشعور بالتهاب الحلق في الخريف؟

إذا كنت تعاني من ألم في الحلق حالياً، يرى خبراء أن جفاف الهواء خلال فصل الخريف قد يكون وراء هذا الشعور.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية مشجع يحمل صورة للاعب تشاكا خلال مباراة سويسرا واسكوتلندا الأخيرة في دوري الأمم (أ.ب)

تغريم السويسري تشاكا بسبب تزوير شهادة لقاح كورونا

عوقب قائد المنتخب السويسري غرانيت تشاكا، الخميس، بغرامة مالية على خلفية استخدام شهادة مزورة لتلقيح ضد كوفيد خلال فترة تفشي الجائحة.

«الشرق الأوسط» (زيوريخ)
صحتك يُصاب بعض الأشخاص بالزكام أكثر من غيرهم بسبب اختلاف قوة المناعة وكثرة التعرض للفيروسات (بيكساباي)

لماذا يصاب بعض الناس بالزكام أكثر من غيرهم؟

يُصاب بعض الأشخاص بالزكام أكثر من غيرهم بسبب اختلاف قوة المناعة، وكثرة التعرض للفيروسات، ونستعرض في التقرير التالي الأسباب الأخرى.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك التهاب الحلق يُعد أحد الأعراض المميزة لـ«كوفيد-19» (بيسكاباي)

لماذا تنتشر التهابات الحلق في الخريف؟ وكيف تميّزها عن كورونا؟

تنتشر التهابات الحلق في الخريف بسبب تقلبات الطقس وزيادة انتشار الفيروسات مع قضاء وقت أطول بالأماكن المغلقة وتتشابه في الأعراض مع فيروس كورونا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

هجوم حوثي يستهدف مطار عدن وقصر معاشيق

دخان يتصاعد إثر هجوم حوثي صاروخي على مطار عدن الدولي (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد إثر هجوم حوثي صاروخي على مطار عدن الدولي (أ.ف.ب)
TT

هجوم حوثي يستهدف مطار عدن وقصر معاشيق

دخان يتصاعد إثر هجوم حوثي صاروخي على مطار عدن الدولي (أ.ف.ب)
دخان يتصاعد إثر هجوم حوثي صاروخي على مطار عدن الدولي (أ.ف.ب)

استهدفت الميليشيات الحوثية مطار عدن الدولي وقصر معاشيق الرئاسي بصواريخ باليستية، حسبما أعلنت القوات المسلحة اليمنية، الجمعة.

وأشار الناطق الرسمي للقوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إلى استمرار استهداف الميليشيا لمقدرات الشعب، مؤكداً أن الهجمات على المطارات تكشف تناقض الحوثيين بين ادعاء رفع الحصار وممارسته بحق اليمنيين.

من جانبها، أوضحت الحكومة اليمنية أن تجدُّد الهجمات الإرهابية الحوثية على القصر للمرة الثانية، والسابعة ضد المطار، بالتزامن مع محاولة استهداف مكة المكرمة، يكشف نهجاً تصعيدياً يتجاوز الاعتداء على مؤسسات الدولة ومنشآتها المدنية إلى تهديد أمن المنطقة واستقرارها، والاستخفاف بحرمة المقدسات الإسلامية.

وأوضح مجلس الوزراء، في بيان، الجمعة، أن تكرار استهداف مطار عدن، وهو منشأة مدنية حيوية تخدم المواطنين وتربط اليمن بالعالم، يمثل اعتداءً مباشراً على مصالح المواطنين، ومحاولة لتعطيل عمل المؤسسات العامة وتقويض قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها.

وشدَّد البيان على أن استهداف قصر معاشيق، مقر الحكومة ومؤسسات الدولة في العاصمة المؤقتة عدن، لن يغيّر من حقيقة مضي الدولة في أداء مسؤولياتها وواجباتها تجاه المواطنين، ولن يحقق مساعي الحوثيين لإرباك مؤسسات الشرعية أو فرض واقع بالقوة.

قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)

وأضاف أن الحكومة تتعامل مع هذه الاعتداءات بوصفها تهديداً مباشراً لسلطة الدولة وسلامة المواطنين واستمرارية الخدمات والمنشآت الحيوية، مما يستدعي استجابة شاملة وإجراءات عملية لحمايتها وضمان استمرار عملها والمرافق المدنية دون انقطاع.

وأعربت الحكومة اليمنية عن تضامنها الكامل مع السعودية، مُبيِّنة أن تزامن هذه الاعتداءات مع محاولة استهداف مكة المكرمة يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية واضحة إزاء سلوك يهدد أمن المنطقة وحرية الملاحة الجوية والمنشآت المدنية، ويمتد إلى المساس بأقدس مقدسات المسلمين.

وأضاف البيان أن مواجهة هذه التهديدات تتطلب موقفاً دولياً عملياً يتناسب مع خطورتها، ويحول دون استمرارها وإفلات المسؤولين عنها من المساءلة، مُجدِّداً التزام الحكومة اليمنية بمسؤولياتها الدستورية والوطنية، وبالعمل على استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب، بالتوازي مع حماية المواطنين وصون مقدراتهم.


الحوثيون يوسّعون عدوانهم على تعز نحو لحج جنوباً

صورة تظهر قلعة المقاطرة التاريخية حيث يسعى الحوثيون للسيطرة عليها (فيسبوك)
صورة تظهر قلعة المقاطرة التاريخية حيث يسعى الحوثيون للسيطرة عليها (فيسبوك)
TT

الحوثيون يوسّعون عدوانهم على تعز نحو لحج جنوباً

صورة تظهر قلعة المقاطرة التاريخية حيث يسعى الحوثيون للسيطرة عليها (فيسبوك)
صورة تظهر قلعة المقاطرة التاريخية حيث يسعى الحوثيون للسيطرة عليها (فيسبوك)

مع صمود جبهات القوات اليمنية الحكومية في محيط مدينة تعز، خصوصاً في محوريها الجنوبي والغربي، وسّع الحوثيون عدوانهم العسكري، الجمعة، في مديرية المقاطرة شمال محافظة لحج، في محاولة للتقدم نحو مديرية طور الباحة وفرض السيطرة النارية على مناطق استراتيجية تربط المحافظتين.

وتزامن التصعيد الميداني مع تكثيف القوات المسلحة اليمنية عملياتها الجوية والبرية ضد مواقع الجماعة الحوثية المدعومة من إيران، شملت جبهتي تعز والساحل الغربي، وامتدت إلى محافظتي الجوف ومأرب (شرق)، في وقت حذرت فيه القوات الحكومية من تقارير ميدانية تتعلق باستخدام الجماعة قذائف يشتبه في احتوائها على مواد سامة، تسببت في حالات اختناق وإغماء بين مدنيين ومقاتلين.

وأعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 1087 استهدافاً ناجحاً ضمن عملية «فجر اليمن»، باستخدام الطيران الحربي والمسيّر ومدفعية الميدان والراجمات، مشيرة إلى أن العمليات أسفرت عن تحييد نحو 336 قيادياً وعنصراً حوثياً، وتدمير وإعطاب 112 آليةً وعربةً ومعدةً ووسيلة إمداد وقطعة سلاح ثقيل.

وفي أحدث التطورات الميدانية، أفادت مصادر محلية باندلاع مواجهات عنيفة في مديرية المقاطرة بمحافظة لحج، عقب هجوم شنته الجماعة الحوثية من 3 اتجاهات؛ هي هيجة العبد وطريق الصحى ومحور حيفان، في مسعى للسيطرة على المديرية وتهيئة الطريق للتقدم باتجاه طور الباحة.

السيطرة على جبال المقاطرة تتيح لهم السيطرة النارية على شمال لحج (فيسبوك)

وتكتسب المقاطرة أهمية استراتيجية بالنظر إلى موقعها الجغرافي المشرف على طرق ومناطق حيوية في الريف الجنوبي لتعز وشمال لحج؛ إذ يتيح التقدم فيها للجماعة توسيع نطاق تهديدها العسكري وفرض السيطرة النارية على أجزاء من مديرية طور الباحة.

وتزامن الهجوم مع اشتباكات متقطعة على الحدود الإدارية بين تعز ولحج، خصوصاً في جبهة المضاربة، وسط معلومات عن وصول تعزيزات عسكرية للحوثيين، في حين تحدثت مصادر ميدانية عن دفع الجماعة بتعزيزات إضافية إلى مديرية الشمايتين جنوب تعز.

وفي محافظة تعز، شهدت جبهة السِّينة في منطقة الشقب، جنوب شرقي مدينة تعز، مواجهات بين القوات الحكومية والحوثيين، بالتزامن مع تنفيذ طائرات مسيّرة تابعة للقوات الحكومية ضربات استهدفت مواقع وتجمعات للجماعة.

وسجلت الجبهات الغربية للمدينة اشتباكات متقطعة خلال ساعات الفجر، خصوصاً في محيط المنفذ الغربي، بينما ساد هدوء حذر في محاور الأقروض وكحلان وضحيح والشقب، جنوب شرقي المحافظة، وسط استمرار التحركات العسكرية على خطوط التماس.

جندي من القوات المسلحة اليمنية في محيط مدينة تعز المحاصرة من الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي تطور ميداني آخر، قصفت مدفعية القوات المسلحة تجمعاً مسلحاً للحوثيين في نقطة خالد بن الوليد بمنطقة الضباب غرب تعز، وأفادت معلومات ميدانية بسقوط قتلى وجرحى من عناصر النقطة.

كما استهدفت غارات جوية تجمعات للجماعة في سائلة عنقبة بمنطقة برداد، فيما دمرت غارة أخرى عربة عسكرية في منطقة الدعسة بالضباب، ما أدى إلى احتراقها.

وامتدت الضربات الجوية إلى مناطق أخرى في المحافظة؛ إذ استهدفت غارة شبكة الاتصالات في منطقة المجاشة بمديرية مقبنة، بينما طالت غارتان مديرية حيفان.

وفي الساحل الغربي، تعرضت منطقة العمود الصغرى في مديرية المخا لغارات جوية خلال ساعات الفجر، في إطار العمليات التي تستهدف مواقع الجماعة وتحركاتها العسكرية على امتداد الساحل.

صمود تعز أنهك الهجمات الحوثية المتواصلة على المدينة منذ أسابيع (أ.ف.ب)

وشملت الضربات كذلك محافظتي الجوف ومأرب (شرق)، حيث استهدفت غارتان منطقة حويشان في الجوف، بينما طالت غارة جوية مديرية ماهلية في مأرب.

وتقول القوات المسلحة اليمنية إنها نفذت مئات العمليات الجوية والبرية خلال الساعات الماضية، تركز جانب كبير منها على جبهات تعز، مع امتداد الضربات إلى مواقع الجماعة وخطوط تحركاتها في الساحل الغربي والمحافظات الشرقية.

قذائف سامة

في تطور يثير مخاوف بشأن طبيعة التصعيد العسكري، أعلنت القوات المسلحة اليمنية أنها تتعامل بجدية بالغة مع البلاغات الواردة من جبهات تعز بشأن استخدام الحوثيين قذائف يشتبه في احتوائها على مواد سامة، وسط تقارير عن إصابة مدنيين وأفراد من المقاومة الشعبية بحالات اختناق وإغماء.

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن هذه البلاغات تستوجب تحقيقاً عاجلاً لتحديد طبيعة المواد المستخدمة، وتوثيق آثارها، والكشف عن مصادرها والجهات المتورطة في توفيرها.

وأوضح النزيلي، في بيان، أن هذه الحوادث تأتي ضمن تصعيد مستمر تنتهجه الجماعة الحوثية بحق سكان تعز، يجمع بين القنص والقصف العشوائي للأحياء السكنية والحصار وقطع الطرق، ومنع وصول المياه والغذاء والدواء والإمدادات المنقذة للحياة.

مواقع سيطرة الحوثيين في تعز تتعرض لضربات جوية متواصلة (أ.ف.ب)

وحذرت القوات المسلحة الجماعة من التمادي في استهداف المدنيين أو استخدام وسائل قتالية محظورة، مؤكدة أن حماية المواطنين وكسر الحصار عن تعز مسؤولية ثابتة للدولة وقواتها المسلحة، وأنها ستتخذ الإجراءات اللازمة وفق التزاماتها الدستورية والقانون الدولي الإنساني.

ودعا البيان الأمم المتحدة والجهات الدولية المختصة إلى تحمل مسؤولياتها في ردع الانتهاكات، ودعم التحقيق العاجل في الحوادث المتعلقة بالقذائف المشتبه في احتوائها على مواد سامة، والضغط من أجل فتح الطرق وضمان وصول المساعدات والإمدادات الإنسانية دون عوائق.

وشددت القوات المسلحة اليمنية على أن مرتكبي الاعتداءات على المدنيين والقيادات المسؤولة عنها لن يفلتوا من المساءلة والعقاب.

جاهزية القوات في صعدة

في سياق التحركات العسكرية والسياسية المرتبطة بعملية «فجر اليمن»، تفقد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، عثمان مجلي، قوات الفرقة الرابعة طوارئ في منطقة كتاف والبقع بمحافظة صعدة، واستمع إلى إيجاز من قائد الفرقة اللواء رداد الهاشمي، بشأن مستوى الجاهزية العسكرية والمعنويات والاستعدادات الميدانية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي يتفقد القوات في صعدة (إعلام حكومي)

وقال مجلي، في تصريح رسمي، إن الزيارة هدفت إلى تفقد أوضاع المقاتلين والاطلاع على مستوى التنظيم والجاهزية، معرباً عن ثقته بقدرة القوات المسلحة والأمن على استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين.

وثمّن الدعم العسكري والإنساني والاقتصادي الذي تقدمه السعودية لليمن، مشيداً بجهود القوات المشتركة ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن.

وأكد مجلي أن عملية «فجر اليمن» لا تزال في بدايتها، وأن مجلس القيادة الرئاسي والحكومة ماضيان في استعادة مؤسسات الدولة، وبسط سلطتها على كامل الأراضي اليمنية وتحقيق أهداف العملية.


صنعاء تحت وطأة استدراج القاصرين والشبان للقتال

تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)
تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)
TT

صنعاء تحت وطأة استدراج القاصرين والشبان للقتال

تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)
تقارير حقوقية تتهم الجماعة الحوثية بتجنيد مزيد من الأطفال (إعلام محلي)

تصاعدت حالات اختفاء القاصرين والشبان في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وضواحيها خلال الأسابيع الأخيرة، وسط اتهامات للحوثيين باستدراجهم إلى معسكرات التجنيد وإخضاعهم لتدريبات قتالية، قبل نقلهم إلى جبهات القتال دون علم أسرهم أو موافقتها، في وقت تتزايد فيه مخاوف الأهالي من استغلال هذه الحوادث لابتزازهم، في ظل غياب المساءلة وعدم الكشف عن مصير المفقودين.

وقالت مصادر حقوقية محلية لـ«الشرق الأوسط»، إن حالات الاختفاء الغامضة باتت تؤرق السكان وأولياء الأمور، مع فقدان أطفال وشبان من المدارس والشوارع والأحياء السكنية، دون معرفة مصير بعضهم أو الحصول على معلومات عن أماكن وجودهم. وأضافت أن أسر المفقودين تضطر إلى البحث عن أبنائها بمفردها، وإطلاق مناشدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، في ظل ما تصفه بتجاهل الأجهزة الأمنية الخاضعة للحوثيين بلاغاتها.

وكشفت المصادر في صنعاء عن اختفاء نحو 13 طفلاً وشاباً من مناطق متفرقة في صنعاء منذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، موضحة أن أعمار أغلب المفقودين تتراوح بين 15 و23 عاماً، وأن بعضهم عُثر عليهم لاحقاً في جبهات ومعسكرات حوثية، بعد استدراجهم وإخضاعهم لدورات قتالية دون علم أسرهم أو موافقتها.

تدريب حوثي للأطفال على استخدام السلاح داخل فصول المدارس (إعلام محلي)

وأشارت المصادر إلى أن صنعاء ومدناً أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين سجلت منذ مطلع العام الحالي مئات البلاغات عن اختفاء أطفال وشبان، في حين لا تزال أسر تبحث عن أبنائها دون التوصل إلى معلومات بشأن مصيرهم. واتهم أجهزة أمن الجماعة بعدم التجاوب مع بلاغات الأهالي ومناشداتهم؛ ما يفاقم معاناة العائلات ويترك المفقودين عرضة للاستغلال والتجنيد.

وسُجلت أحدث الحالات خلال اليومين الماضيين، مع اختفاء المراهق أمجد نعمان السروحي (16 عاماً) من حارة الآنسي بمديرية معين وسط صنعاء، والشاب مختار عبد الله حسن الرفاعي (22 عاماً)، الذي فُقد بالقرب من سوق حزيز بضواحي صنعاء، وفقاً للمصادر الحقوقية.

استدراج إلى المعسكرات

تعكس شهادات أسر المفقودين مخاوف متزايدة من أن تكون حالات الاختفاء مدخلاً لاستدراج الأطفال والشبان إلى معسكرات الحوثيين، في ظل اتهامات لمشرفين تابعين للجماعة وسماسرة باستقطاب صغار السن واستغلال ظروفهم الاجتماعية والمعيشية لدفعهم نحو الالتحاق بالجبهات.

وفي إحدى هذه الحالات، روى أحد أقارب قاصر اختفى قبل شهرين من أحد أحياء صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، أن الأسرة أمضت خمسة أيام في البحث عنه بين الأحياء والمستشفيات، قبل أن تصل إليها معلومات من مشرف حوثي تفيد بوجوده في أحد المعسكرات شمال المدينة.

وقال قريب القاصر إن المشرف أبلغ الأسرة بأن عناصر حوثية استدرجت الصغير وأخضعته لتدريبات قتالية دون علم ذويه. وأوضح أن أيام البحث اتسمت بالخوف والقلق؛ خشية تعرض القاصر للأذى، قبل أن تكتشف الأسرة وجوده داخل معسكر حوثي، بعيداً عنها ودون موافقتها على إخضاعه للتدريبات العسكرية.

تلامذة في صف مدرسي يهتفون بـ«الصرخة الخمينية» (الشرق الأوسط)

من جهته، يقول «مُجيب»، وهو من سكان صنعاء وأب لأربعة أبناء، إن تزايد حالات اختفاء الأطفال والشبان جعل الأسر تعيش في خوف دائم على أبنائها، حتى أثناء ذهابهم إلى المدارس أو خروجهم لقضاء احتياجات بسيطة.

وأضاف: «أصبحنا نعيش في خوف دائم على أبنائنا، ولم نعد نشعر بالاطمئنان حتى عندما يخرج أحدهم لقضاء حاجة بسيطة. نخشى أن يستدرجه أحد العناصر والمشرفين الحوثيين أو يستغل حاجته وظروفه المعيشية، ثم نجد أنفسنا أمام أمر واقع لا نستطيع تغييره».

وأكد أن الأسر تريد ضمان سلامة أبنائها وتمكينهم من مواصلة تعليمهم وحياتهم بصورة طبيعية، بعيداً عن الاستقطاب والزج بهم في جبهات القتال.