الاستكتاب الجماعي... إعادة إنتاج المعاد والمكرور

ظاهرة انتشرت أخيراً في أوساط ثقافية

سعيد يقطين
سعيد يقطين
TT

الاستكتاب الجماعي... إعادة إنتاج المعاد والمكرور

سعيد يقطين
سعيد يقطين

لا عجب أن يأخذ النقد بطريقة الاستكتاب الجماعي المنتشرة مؤخراً في أوساطنا الثقافية لوجود مؤسسات داعمة لها أو راعية كما في الجوائز الأدبية التي فيها يأتي الاستكتاب لا فعلاً مركزياً بل هامشاً من هوامش فعالية التكريم. وهو ما يجعل كثيراً من الأفعال النقدية المستجمعة والجماعية محفوفة بالمخاطرة، إما لانعدام خطة بحثية منهجية تجعل العمل الاستكتابي موحداً ومنظماً في أغراضه ووسائله، أو بسبب تغاير مستويات المستكتَبين وتباين حظوظهم في النقد، ومن ثم يضيع النقد الجيد والمتين في خضم النقد الهزيل والواهن.
ولكي ينجو الاستكتاب من التشتت والمجانية ينبغي أن يكون التأليف فيه متسماً بالتنسيق والوحدة العضوية، فتصب محصلاته في صلب فرضياته وتتلاقى خيوطه المنهجية تلاقياً موضوعياً حتى لكأن الذي كتب الكتاب مؤلف واحد وليس جماعة. وهذا يتوقف بالدرجة الأساس على الأسلوب الذي يعتمده المحرر في التجميع والربط والتوصيل، فضلاً عن الآلية التي بها يَستكتب الباحثين وقد حدد لهم مسائل منهجية بشكل منطقي وغير عشوائي، وعندها يكون الهدف المبتغى من الاستكتاب متحققاً.
والسؤال المرير هنا كيف يكون الفعل النقدي الجماعي ناجعاً وناقدنا العربي لا يتخلى عن الافتتان بسنواته النقدية، أعني أنه ما أن يمضي عليه زمن وهو يتخصص في موضوع من مواضيع النقد حتى يأخذه الزهو وتعتريه العزة ويتلبسه الافتتان، فتراه يغتر بعديد السنوات التي قضاها وهو ينقد النصوص... مما أعده أهم مثلبة تثلب الاستكتاب الجماعي وحدته وتجعله أحادياً مفتتاً وقد تمفصل كل باحث معتداً بذاته، ومأخوذاً بإنجازاته، ومرتهناً بما كان قد ألَّفه ومشدوداً إلى ما سبق أن نشره، ليكون المستعاد والمكرور هو الظاهر على الاستكتاب، حيث لا جديد أو مستجد يذكر.
وسنختار من كتب الاستكتاب «التاريخ واشتغال الذاكرة في الرواية العربية». وقد تضمن أبحاثاً خمسة تدور حول موضوعة واحدة هي التاريخ والرواية، منها البحث المعنون «تشكل الرواية التاريخية العربية وتأريخها الشكل والدلالة» للدكتور سعيد يقطين، الغني عن التعريف بشخصيته النقدية التي احتلت مكاناً في النقد الأدبي عموماً ونقد السرديات تحديداً.
ولا خلاف أنّ أهمية معالجة موضوعة مهمة كهذه ستتوقف على إمكانات المستكتَبين في التوازن بين المبحوثيْن (التاريخ - الرواية)، وأي تعكز على واحد منهما يعني شرخاً في فهم علاقته بالآخر وخلطاً في تحديد دينامية التوظيف الإبداعي لكليهما. وما شغل الدكتور يقطين في هذه الموضوعة هو التسمية الاصطلاحية والبنية الأجناسية وما يتبعها من علاقات وتموضعات حتى شكَّل بحثه ما يقارب الثلث من حجم الكتاب الكلي.
وأول ما وجه له الدكتور يقطين اهتمامه هو تسمية الرواية التاريخية التي عدها نوعاً خاصاً من نوع عام هو الرواية في نوعيتها الفرعية (كذا) بمعنى أن هناك فرقاً عنده بين النوع والفرع، معرجاً على نظريتي الأجناس والتداخل ولو من بعيد مكتفياً بالإحالة على كتابه «الكلام والخبر».
ومسألة الإحالة على مؤلفاته هي ثاني ما وجّه له الدكتور يقطين اهتمامه جاعلاً كتبه ومنها «قضايا الرواية العربية الجديدة الوجود والحدود» و«الرواية والتراث السردي» مراجعه الأولى في المعالجة البحثية للرواية والتاريخ، فضلاً عن استطراداته الذاتية التي فيها يؤكد لقارئه أنه خبير، وخبرته وحدها تكفي مرجعاً، كقوله: «منذ بداية اشتغالي بالسرديات كان من بين انشغالاتي المركزية العمل على فهم المصطلحات» أو قوله: «تابعت الكثير من الدراسات وحضرت مؤتمرين...».
وتتضارب عند الدكتور يقطين بعض التوجهات؛ فهو إذ يحدد «الرواية التاريخية» بأنها التي تستمد مادتها من التاريخ، وهي نوع ككل الأنواع تمييزاً لها عن الأجناس التي هي ثابتة ومتعالية على الزمن نجده يعد «السرد» جنساً يضم أنواعاً، فهل للسرد قالب به يغدو راسخاً ومتعالياً؟ وإذا كان كذلك، فكيف يصبح التجريب والتنويع فيه متاحاً على المدى؟ والصحيح أنّ السرد والشعر والأدب فنون وليست أجناساً، لأن أي فن سمته أنه لا نهائي أي بلا حدود تقيده ولا قوالب تحجمه.
أما حرص يقطين على مقارنة التجربة الروائية الغربية بالتجربة الروائية العربية فيتعارض مع قوله: «إننا نعتبر الرواية العربية منغمسة في مجمل القضايا التي عرفتها الرواية العالمية» (ص115).
وبدلاً من أن يفك الإشكال بين سرد تاريخي ورواية تاريخية راح يضيف لهما سرد الحياة والسرد الوثائقي والتاريخ السردي والتشكل التاريخي والتخييل التاريخي الذي قصد به التخيل التاريخي الذي حاول تكريسه الدكتور عبد الله إبراهيم، هذا أولاً، وثانياً أنه راح يلقي باللوم على الترجمات جاراً الإشكال نحو الافتراق اللغوي بين اللغتين الإنجليزية والفرنسية مُكثراً من العنوانات الفرعية ذات المتون القصيرة، مسوداً في ذلك صفحات كثيرة، ليصل إلى نتيجة استنتجها قبله عشرات الباحثين، وهي أن مصطلح fiction في الاستعمال الإنجليزي يطلق على السرد أياً كان نوعه وأحياناً على الرواية. (الكتاب، ص103)
والمؤسف حقاً أنه تغاضى أو لعله تحاشى الوقوف الدقيق عند الفهم الجديد الذي طرأ على الروائي العربي المعاصر الذي صار يتعامل مع التاريخ الرسمي بطريقة مبتكرة وإبداعية، مطوعاً إياه كسردية صغرى لا مقدسة ولا كبرى، مفككاً مسلماته ومشككاً في وقائعه باحثاً عن المخبأ والمستور الذي تحاشاه المؤرخ وحاول تزييفه أو تغييبه كما فعل المصري جمال الغيطاني والمغربي سالم بن حميش والجزائري واسيني الأعرج والعراقي جهاد مجيد.
وبسبب الافتقار إلى المرجعيات في النظرية التاريخية المعاصرة وفلسفة التاريخ صار التعيين في فهم التاريخ والرواية تعميمياً وجاهزاً، ومن تبعات ذلك التعميم على بحث الدكتور يقطين:
- أن الرواية التاريخية التي كتبها زيدان وأنطوان تطورت وازدهرت - وأقول فهم التاريخ هو الذي تطور - وأن الرواية التاريخية بحسب الناقد يقطين صارت في العقدين الأخيرين من القرن العشرين نوعاً سردياً له أنواع «كذا» تتحدد في «رواية الشخصية التاريخية - رواية الزمن التاريخي - رواية الجغرافية التاريخية- رواية الأطروحة التاريخية»، وكأن الروائي العربي ظل يرى التاريخ هدفاً وسيلته السرد مثلما كان يرى جرجي زيدان في الرواية التاريخية. والصواب أن هذا الروائي صار يتخذ التاريخ وسيلة غايتها السرد، وهو ما فصلت القول فيه تحت مصطلح «رواية التاريخ» في كتابي «السرد القابض على التاريخ».
- الانتقال من مسمى الرواية التاريخية إلى مسمى الرواية التاريخية الجديدة ـ وجورج لوكاش هو أول من اجترح هذه التسمية في كتابه «دراسات في الواقعية» ـ ثم الاصطدام بإشكالية مسميات «الرواية التاريخية ورواية الخيال التاريخي والرواية العربية الجديدة».
- اللامنهجية في الرؤية البحثية متمثلة أولاً: في العودة في الجزء الأخير من البحث نحو مسميات «قصة وخطاب وحكاية ومادة حكائية»، ثم الانتقال فجأة نحو رواية جرجي زيدان «السائرون نياماً» وتحليل موضوعها وشكلها بادئاً بحملة نابليون والمماليك والعثمانيين متتبعاً الصوت السردي وزمن القصة وزمن الخطاب منتهيا بالبنية الحكائية وصيغة الخطاب. وثانياً: في المقالة التي ختمت البحث والمعنونة «على سبيل التركيب» التي فيها لا يتحصل الدكتور يقطين نتائج بحثه، وإنما يسأل: ماذا يفعل الروائي حين يحول النص التاريخي ليصبح مادة لروايته؟ ويجيب «انه ببساطة ينتج خطاباً روائياً تاريخياً لا علاقة له بالخطاب التاريخي» ص166. بهذه البساطة ينسف الدكتور يقطين كل الإشكاليات النظرية والمنهجية في الفكر النقدي الغربي التي انطوت عليها موضوعة التاريخ والسرد، شاطباً كل إنجاز تجريبي يريد أن يبتكر في هذا المجال.
- اتخاذه التاريخ منهجاً من مناهج البحث وليس غاية في ذاته، جعل فعل التجميع عنده هو الغالب على فعل النقد، وصارت الممارسة قائمة على تتبع الجذور والنشأة من المرحلة الشفاهية والكتابية إلى المؤثرات «الثقافة العالمية والثقافة الشعبية والرواية الغربية»؛ وهو مما تسبب في ترهل البحث.
أما أهم ممارسات فعل التجميع لا النقد فاذكرها بعجالة: 1- تثبيت بضع مقولات غربية وردت هكذا على التوالي لجورج لوكاش وهاري شو وتورنر ووايت وهاريس وتريفلتان ونانسي مورزيللي ماري فرديريك دي بيان ودلوروس. 2- اتبعها بتثبيت مقولات عربية كتبها جرجي زيدان وفرح أنطوان وما جاء في ملف المائدة المستديرة في مجلة «فصول» وعلى هذه الشاكلة «يكتب زيدان... يقول محمد جبريل... يؤكد جمال الغيطاني... في جواب ناصر عراق...». 3- يأتي إلى آراء بعض النقاد وهم على التوالي فخري صالح، وسيزا قاسم، ومحمد القاضي.
أما استدراك الدكتور يقطين بعد ذلك كله في قوله: «نسجل من خلال هذه الآراء أن هناك رؤية جديدة... قراءة جديدة... رواية جديدة... لا تهتم بتمجيد التاريخ وتسجيل انتصاراته» فيدلل على أنه غير معني بالفلسفة التاريخية المعاصرة، وأن المتوقع لديه كان محدداً في كون التاريخ سردية كبرى ونصاً لا يطاله الشك والتفكيك.
واستدراكه الآخر الذي فيه يقول: «إن الهدف من تقديم تصورات الروائيين ليس المراد منه تدعيم تصوراتهم أو تأكيدها» يجعلنا نتساءل ما الغاية إذن التي أوجبت على الناقد ذلك التقديم، أهي الإعادة التي أراد منها الإفادة أم هي الوقوع في الحشو والإطالة؟



وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
TT

وسط التحقيقات... منع الأمير السابق أندرو من ركوب الخيل

الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)
الأمير البريطاني السابق أندرو يمتطي حصاناً (رويترز)

في تطور جديد يحيط بالأزمة المتصاعدة التي يواجهها الأمير البريطاني السابق أندرو ماونتباتن ويندسور، طُلب منه التوقف عن ركوب الخيل، في خطوة يُنظر إليها على أنها محاولة لتفادي أي ظهور علني قد يُفسَّر على أنه استخفاف بالتحقيقات الجارية بحقه.

ووفقاً لما نقلته صحيفة «التلغراف»، حذّر مساعدو العائلة المالكة دوق يورك السابق من الظهور ممتطياً حصانه، خشية أن يُفهم ذلك على أنه استمتاع بالحياة في وقت يخضع فيه لتدقيق رسمي وتحقيقات حساسة.

وكان ماونتباتن ويندسور قد أُلقي القبض عليه للاشتباه في ارتكابه مخالفات تتعلق بمنصبه العام، وخضع لاستجواب استمر نحو 12 ساعة، وسط اتهامات بتسريب معلومات حكومية سرية إلى جيفري إبستين، المتهم بالاعتداء الجنسي على الأطفال. ويُعدّ أول فرد من العائلة المالكة يُحتجز في التاريخ الحديث.

وقبل إجباره على مغادرة «رويال لودج» في وندسور، كان الأمير يُشاهد كثيراً وهو يمتطي حصانه في أرجاء المكان. بل إن أول ظهور علني له بعد تجريده من ألقابه الملكية جاء وهو على صهوة جواد، برفقة سيدة.

وقال مصدر مطّلع: «منذ اعتقاله الأسبوع الماضي، مُنع من ركوب الخيل. يُعتبر ذلك تصرفاً غير لائق. لا يرون أنه من المناسب أن يُشاهد مبتسماً على حصانه كما كان يفعل في وندسور. لكنها كانت من الأشياء القليلة التي يستمتع بها، فماذا سيفعل بوقته إذاً؟».

ويُزعم أن ماونتباتن ويندسور أثار استياء مساعديه بعدما التُقطت له صور وهو يبتسم ويُلوّح للمارة في وندسور، رغم تزايد الدعوات لإجراء تحقيق أوسع في طبيعة تعاملاته مع إبستين.

في السياق ذاته، تُجري شرطة وادي التايمز تقييماً للادعاءات الواردة فيما يُعرف بملفات إبستين، والتي تشير إلى أن الأمير السابق أرسل إلى المموّل الأميركي رسائل بريد إلكتروني حكومية حساسة خلال الفترة بين عامي 2001 و2011، عندما كان يشغل منصب مبعوث تجاري. وكان الضباط قد أنهوا بالفعل عملية تفتيش «رويال لودج».

وعلى الصعيد السياسي، خالف عدد من أعضاء البرلمان، يوم الثلاثاء، التقاليد البرلمانية المعمول بها، وانتقدوا ماونتباتن ويندسور علناً، واصفين إياه بأنه «رجل وقح، متغطرس، متعجرف»، ومتهمين إياه بالتغاضي عن جرائم إبستين، التي شملت استدراج قاصرات. وحسب الأعراف، يمتنع النواب عادةً عن توجيه انتقادات مباشرة لأفراد العائلة المالكة.

في المقابل، لطالما نفى ماونتباتن ويندسور ارتكاب أي مخالفات تتعلق بعلاقته بإبستين. وعقب اعتقاله، صدر بيان عن شقيقه الملك تشارلز جاء فيه: «يجب أن يأخذ القانون مجراه».


أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
TT

أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر... تحديات وآليات الصيانة في المتاحف

إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)
إنقاذ بردية نادرة يسلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر (وزارة السياحة والأثار)

عقب إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن «الصيانة الدورية»، سلّطت جهود إنقاذ بردية نادرة من التلف الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر، وآليات المتابعة الدورية للقطع المعروضة بالمتاحف.

وانتهى المتحف المصري بالتحرير من تنفيذ أعمال ترميم وصيانة بردية الكاتب (أوسر-حات-مس)، التي تعود إلى العصر المتأخر، وذلك في إطار جهوده المستمرة للحفاظ على كنوزه الأثرية وصونها وفق أعلى المعايير العلمية الدولية، بعدما تعرضت للتلف خلال عرضها.

وأكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار الدكتور هشام الليثي، في إفادة رسمية الثلاثاء، أنه جرى «نقل البردية من مكان عرضها بالمتحف إلى معمل ترميم البردي، حيث باشر فريق العمل أعمال الترميم باستخدام أحدث الأساليب العلمية المتبعة، ووفقاً للمواثيق والمعايير الدولية الموصى بها في مجال صون البردي وترميمه، حتى تم الانتهاء من جميع أعمال التنظيف والمعالجة وإعادتها إلى مكان عرضها الأصلي»، موضحاً أنه «تمت إحالة المسؤول عن عدم تنفيذ أعمال الصيانة الدورية للبردية في موعدها، وفقاً للخطة المعتمدة مسبقاً، إلى التحقيق».

وحسب بيان لوزارة السياحة والآثار، أكد الليثي أن «البردية كانت تعاني من ظهور بعض الفطريات التي تسببت في تبقعات لونية مؤقتة ظهرت في صورة نقاط سوداء، وهي من الحالات الشائعة التي يتم التعامل معها بسهولة من خلال فرق الترميم المتخصصة». وأضاف أن «هذه الفطريات لا تؤثر على التركيب التشريحي أو الكيميائي للمادة الأثرية، إذ لا تُعد من الإصابات الميكروبولوجية المُحلّلة».

إنقاذ البردية النادرة سلط الضوء على أزمات ترميم المقتنيات الأثرية في مصر والتحديات التي تواجهها، وآليات المتابعة الدورية للمعروضات بالمتاحف. أكّدت الدكتورة رشا شاهين، اختصاصية الترميم المتخصصة في المخطوطات والبرديات بالمتحف المصري في التحرير، أنه تجري متابعة المعروضات بالمتحف بشكل يومي. وقالت لـ«الشرق الأوسط» إن «قاعات العرض في المتحف تقسَّم إلى أجزاء، وتُوزّع على العاملين بقسم الترميم، حيث يتولى كل واحد الإشراف والمتابعة اليومية للجزء المسؤول عنه. فإذا وجدنا، على سبيل المثال، قطعة عليها ذرات تراب، ننظّفها بالطرق العلمية في مكان عرضها، كما نراقب تأثيرات التغيرات المناخية والرطوبة على المعروضات. وإذا وجدنا قطعة تحتاج إلى صيانة، تُنقل إلى المعمل».

إحالة مسؤول للتحقيق لتغاضيه عن الصيانة الدورية (وزارة السياحة والآثار)

وتوضح رشا شاهين أن «أهم تحدٍّ يواجه عمليات ترميم الآثار في مصر هو الميزانية اللازمة لتوفير الأجهزة الحديثة وتطوير المعامل، بالإضافة إلى الإنفاق على تطوير العنصر البشري. لدينا في مصر خبراء ترميم يتمتعون بكفاءة عالية، لكن يجب أن يشاركوا في التدريب في دول أخرى على أحدث تكنولوجيا الأجهزة الحديثة لمواكبة تطورات علوم الترميم».

وحسب بيان وزارة السياحة، أكد مدير المتحف المصري بالتحرير الدكتور علي عبد الحليم أنه «لا تزال هناك بعض الأجزاء من البردية تميل ألوانها إلى الدرجة الداكنة أو السواد، وذلك لا يُعد عفناً أو إصابة فطرية، وإنما هو جزء أصيل من طبيعة البردية منذ الكشف عنها، نتيجة لعوامل الزمن ودفنها في التربة لفترات طويلة قبل اكتشافها».

المتحف المصري بالتحرير يضم قسماً لترميم الآثار (المتحف المصري)

ويرى باحث الدكتوراه في جامعة «سيرجي باريس» بفرنسا الأستاذ المساعد في كلية الآثار بجامعة عين شمس إسلام عزت أن «ترميم المقتنيات الأثرية في مصر يواجه تحديات متنوعة يجب العمل على حلها»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «أبرز هذه التحديات هو عدم توافر الأجهزة العلمية الحديثة اللازمة للكشف عن أسباب التلف في القطعة الأثرية، أو الأجهزة اللازمة لمتابعة تأثيرات العوامل الجوية والرطوبة وغيرها». وأشار أيضاً إلى «محدودية مواد الترميم التي تستخدم في مصر ونوعيتها، حيث يجب أن تتوافر اختيارات متنوعة لتمكين المرمم من اختيار المادة التي تناسب حالة القطعة».

ويرى عزت أن «المتحف المصري يمتلك مدرسة متميزة في الترميم وخبرات بشرية كبيرة، لكنه يواجه تحديات مضاعفة للحفاظ على مقتنياته، حيث يقع وسط العاصمة ذات التلوث المرتفع، وهو ما يعرض المعروضات لمشكلات كبرى».

من جانبه، يرى الأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للآثار الدكتور محمد عبد المقصود أن «المتحف المصري يحتاج إلى إعادة صياغة نظام الصيانة الدورية والترميم». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المتاحف التي افتُتحت حديثاً، مثل المتحف الكبير ومتحف الحضارة، تضم معامل ترميم تحتوي على أحدث الأجهزة التكنولوجية، وهو ما يحتاج إليه المتحف المصري». وأضاف أن «التمويل المالي ضروري لتحقيق ذلك، كي تُغيَّر وسائل الصيانة والترميم في المتحف». وحسب عبد المقصود، فإن «مصر تمتلك خبراء واختصاصيين في الترميم بكفاءة عالية، لكن أي خبير لا يمكنه إنجاز عمله بشكل جيد من دون أجهزة علمية متطورة».


مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
TT

مسلسل «عين سحرية» يحصد إعجاباً نقدياً في مصر

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)
عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

على غرار «روبن هود» الذي كان يسرق الأغنياء ليطعم الفقراء ويساعد المحتاجين ويناصر المظلومين، يكشف المسلسل المصري «عين سحرية» كواليس عالم الكاميرات السرية التي تخترق الأنظمة وتراقب الفاسدين لتقتص منهم نيابة عن المجتمع.

وأثار المسلسل اهتماماً لافتاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وحاز إشادات من فنانين ونقاد، إذ وصفوه بأنه «من أفضل أعمال النصف الأول من رمضان»، لما يتمتع به من قوة الحبكة الدرامية، والسيناريو المميز، وتميز الحوار والصورة البصرية، وبراعة عناصره الفنية. علاوة على الأداء اللافت لبطليه عصام عمر، وباسم سمرة اللذين يشكلان ثنائياً ناجحاً ويقطعان رحلة محفوفة بالمخاطر لكشف رموز الفساد في المجتمع، مُزيحين الستار عن عالم خفي من الأسرار والفضائح.

المسلسل من قصة الكاتبة السورية والإعلامية لانا الجندي، في حين كتب المعالجة الدرامية والسيناريو والحوار هشام هلال. يضم بين أبطاله محمد علاء، وولاء شريف، وفاتن سعيد، وجنا الأشقر، وعمر شريف، وهو من إخراج السدير مسعود، والإنتاج لمحمد مشيش. يُعرض عبر قناة «أون» ومنصة «يانغو بلاي».

عصام عمر وباسم سمرة في لقطة من المسلسل (الشركة المنتجة)

تدور أحداث المسلسل في أجواء من الإثارة والتشويق من خلال شخصية «عادل» (عصام عمر)، وهو فني ماهر في تركيب كاميرات المراقبة ويعمل في توصيل الطلبات باستخدام «الموتوسيكل».

يتورط «عادل» في تركيب كاميرات لشقة سيدة ثرية، وعندما يعود إليها لاستعادة شيء نسيه، يكتشف جريمة قتل مروعة لرجل وعشيقته، تقف وراءها زوجته التي سجلت الكاميرات خيانته لها. يضبطه المحامي «زكي غالب» (باسم سمرة) داخل الشقة، ويطلب منه أن يشاركه في كشف الفاسدين عبر تركيب كاميرات سرية لهم، وابتزازهم، وإبلاغ الشرطة عنهم. يرفض عادل في البداية، ولكن مع تهديده لعائلته وحاجته الماسة للمال، يُجبر على خوض رحلة صعبة مليئة بالمخاطر.

يعيش «عادل» مع والدته وشقيقه الأصغر، ويعاني من ماضٍ يؤرقه ويفسد خطوبته، بسبب وفاة والده في السجن بعد اتهامه في قضية سرقة. وفي الوقت نفسه، يعاني من إدمان شقيقه الأصغر «حسن» (عمر شريف) على السرقة. أما «زكي غالب»، فيواجه ماضياً غامضاً ويزور طبيبة نفسية بسبب فقدان ابنته. تتطور علاقة «عادل» و«زكي» من الخوف إلى الثقة، بعدما يكتشف كل منهما الجوانب الإنسانية في الآخر.

ينقلنا المسلسل في رحلته إلى شوارع وسط القاهرة، التي تعكس مزيجاً بين المباني العتيقة والتطوير العمراني، لتكون شاهدة على رحلة البطل. ويصور المسلسل القاهرة ليلاً بشكل بديع، ليكشف عن سحرها وجمالها.

حاز المسلسل إعجاب عدد من الفنانين عبر حساباتهم على «فيسبوك»، حيث أشادت الفنانة سلوى محمد علي بأداء بطلي العمل، قائلة: «باسم سمرة وضع اسمه بين كبار (الجرندات) في تاريخنا، وعصام عمر أثبت أنه ممثل موهوب ومجتهد. وهذا لم يكن ليتحقق إلا بوجود (سكريبت) قوي ومخرج متميز»، مؤكدة أن «(عين سحرية) دراما جيدة الصنع ومكتملة».

الملصق الدعائي للعمل (الشركة المنتجة)

كتبت المخرجة هالة خليل على «فيسبوك»: «لتحكم على حجم موهبة ممثل، شاهد المشهد من دون صوت وركز في عين الممثل أولاً ثم تعبيرات وجهه. ولو تأثرت أو جذبك دون معرفة الحوار الذي تقوله الشخصية، فذلك يعني أنك أمام ممثل موهوب بالفعل»، مشيرة إلى أن «المشاهد الصامتة باتت شحيحة جداً في الدراما، وأصبح الحوار هو الذي يقود. رغم ذلك، لا يزال لدينا ممثلون لا يتركون الحوار يقودهم لأنهم أصحاب موهبة حقيقية»، مستعينة بصورتي عصام عمر وباسم سمرة.

ونشر صبري فواز صورة لباسم سمرة من العمل، وكتب مُشيداً بأدائه: «على الهادي خالص، وفي الحلو منه، ألماظ حر».

في ثالث عمل درامي له بمصر بعد «منعطف خطر» و«موعد مع الماضي»، تنطق لمسات المخرج السوري السدير مسعود الفنية بالتفرد عبر الكادرات والإضاءة والمونتاج. أما موسيقى خالد الكمار الموحية، فقد وصفها الناقد خالد عشري بأنها «الموسيقى الأجمل في دراما رمضان، وتتفوق في إبداعها على الموسيقيين العالميين».

ووصف الناقد المصري محمود عبد الشكور المسلسل بأنه من «أفضل ما شاهده حتى الآن من مسلسلات شكلاً ومضموناً وفكرة وبناء وتشويقاً»، وكتب عبر حسابه على «فيسبوك»: «إن (عين سحرية) حقّق هذه المكانة بفكرته الجيدة، ومعالجته الذكية، ورسم شخصياته، وحبكته العامة المشوقة والمُحكمة، بل وعلى مستوى حبكات فرعية متعددة، وبتكامل لافت لعناصره الفنية والتقنية».

عصام عمر وسما إبراهيم التي تؤدي دور والدته (الشركة المنتجة)

رأى الناقد طارق الشناوي أن مسلسل «عين سحرية» لفت الانتباه بداية من الفكرة التي كتبتها لانا الجندي، والسيناريو والحوار لهشام هلال، ثم الإخراج للسدير مسعود، وهو مخرج يتعامل بإحساس إبداعي، ويحيل الحالة الدرامية إلى صورة على الشاشة من خلال حركة الكاميرا، والإضاءة، والموسيقى، وتتر المطرب «ويجز» الذي يعبر عن حالة المسلسل.

مُشيراً في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «تسكين الأدوار مناسب للغاية، وأن عصام عمر هو النجم الجماهيري في جيله، وممثل لا يمكن تصنيفه (كوميديان) ولا (جان) ولا (كاركتر)، بل مزيج من كل هذا. كما أن دور باسم سمرة يحتوي على ملامح كثيرة تتجاوز التنميط»، لافتاً إلى «وجود كيمياء في الأداء بين باسم وعصام، وكذلك الأدوار النسائية التي تقدمها سما إبراهيم بشكل جيد، وجنا الأشقر التي يراها (موهوبة ووجهاً طازجاً على الشاشة)».