كرة القدم ستحيا من جديد... لكن رياضات أخرى ستواجه صراعاً من أجل البقاء

عندما يتم استئناف الدوري الإنجليزي الممتاز ستعود العائدات المالية مرة أخرى إلى جميع الأطراف

ملعب الإمارات معقل فريق آرسنال قد يشهد مثل غيره من الملاعب الإنجليزية استئناف بطولة الدوري (غيتي)
ملعب الإمارات معقل فريق آرسنال قد يشهد مثل غيره من الملاعب الإنجليزية استئناف بطولة الدوري (غيتي)
TT

كرة القدم ستحيا من جديد... لكن رياضات أخرى ستواجه صراعاً من أجل البقاء

ملعب الإمارات معقل فريق آرسنال قد يشهد مثل غيره من الملاعب الإنجليزية استئناف بطولة الدوري (غيتي)
ملعب الإمارات معقل فريق آرسنال قد يشهد مثل غيره من الملاعب الإنجليزية استئناف بطولة الدوري (غيتي)

في مرحلة ما خلال الأيام المقبلة، ستتلقى المجموعة العلمية الحكومية للطوارئ مقترحات لإعادة الحياة الرياضية في بريطانيا إلى سابق عهدها. ورغم أنني أتفهم حقيقة أنه لا يزال يجري دراسة التفاصيل الصغيرة المتعلقة باستئناف النشاط الرياضي من قبل مجموعة عمل رياضية، فإن الخطوات الأكبر والأوسع نطاقا – استئناف مباريات الدوري الإنجليزي الممتاز، وسباقات الخيول والكريكيت بدون جمهور، مع إجراء اختبارات دورية لفيروس كورونا المستجد – تخضع للدراسة أيضا منذ عدة أسابيع.
ومهما حدث بعد ذلك في هذه الأوقات المضطربة، فمن المفترض أن الدوري الإنجليزي الممتاز لن يصاب بأذى وسيتم استئنافه. صحيح أن الأمر قد ينتهي بحصول اللاعبين على مكافآت وعائدات مالية أقل، وصحيح أن قيمة صفقات انتقالات اللاعبين وعائدات البث التلفزيونية ستنخفض، لكن عندما يتم استئناف المباريات مرة أخرى، فستعود العائدات المالية مرة أخرى وسيجذب الدوري الإنجليزي الممتاز أنظار الجميع مرة أخرى.
في الواقع، أن الأنشطة الرياضية الأخرى هي التي يجب أن نشعر بالقلق حيالها، نظرا لأنه في الوقت الحالي تلوح في الأفق السحابة الاقتصادية الأكثر قتامة في حياتنا، ولست متأكداً من أننا قد استوعبنا العواقب المحتملة على عالم الرياضة، وعلينا نحن شخصيا.
وقد لاحظ الأكاديميون منذ فترة طويلة «تأثير الركود»، حيث ينخفض النشاط الرياضي بين الجمهور خلال أوقات الانكماش الاقتصادي، لأن الناس يكونون أقل قدرة على دفع المقابل المادي لمتابعة الرياضات الجماعية أو الحصول على عضوية في الصالات الرياضية - أو يشعرون بالقلق ببساطة بسبب الصعوبات المالية. لكن عندما تحدثت إلى شخصية رائدة في عالم الرياضة في نهاية هذا الأسبوع، فقد حذر من «خطر جسيم» من أن الكثير من البنية التحتية التي تمكننا من ممارسة الرياضة قد لا تبقى على قيد الحياة لمدة 18 شهراً، وهي المدى المتوقع أن يستغرقه الأمر من أجل الوصول إلى علاج لهذا الفيروس.
وتعاني العديد من سلاسل الترفيه والصالات الرياضية بالفعل من مشاكل مالية هائلة. ومؤخرا، حذرت مؤسسة «يو كيه أكتيف»، التي تمثل أكثر من 3500 صالة رياضية تجارية ومركز ترفيه مجتمعي، من أن الملاك «يجبرون صالات الألعاب الرياضية على دفع الإيجار خلال فترة التوقف بسبب فيروس كورونا» – وأن هناك «عددا متزايدا من الحالات التي هدد فيها الملاك باتخاذ إجراءات قانونية ضد المستأجرين في حال التوقف عن دفع الإيجار».
ولا يبدو أن المجالس المحلية ستكون قادرة على التدخل لحل هذه المشكلة، نظرا لأن التخفيضات الضخمة في ميزانيات المجالس المحلية خلال سنوات التقشف جعلت من الصعب عليها أداء مهامها القانونية، مثل رعاية الأطفال وأصحاب المعاشات المعرضين للخطر، ناهيك عن توفير المتنزهات وأحواض السباحة ومراكز الترفيه. في الواقع، في بعض الحالات كانت المجالس المحلية هي التي تطالب الصالات الرياضية بالاستمرار في دفع إيجاراتها في هذه الظروف الصعبة!
وفي غضون ذلك، ووفقاً لأحد التقارير الحديثة، فقد تم بيع أكثر من 200 ملعب كرة قدم مدرسي وإغلاق 700 ملعب مملوك للمجالس المحلية منذ عام 2010 - في حين تم بيع ما يقرب من 700 ملعب تنس كان متاحا للجمهور العادي وأكثر من 80 ملعباً للكريكيت كان مخصصا لتلاميذ المدارس. إنه أمر سيئ للغاية بكل تأكيد. لكن ماذا سيكون تأثير ذلك على الأطفال الذين قد يحرمون من دروس التربية الرياضية وممارسة الأنشطة الرياضية لشهور؟ من المرجح أن يكون لجميع هذه القضايا تأثيرات أكبر مما كنا نعتقد. وإذا خرجت مراكز الترفيه من الأعمال التجارية، على سبيل المثال، فهذا يعني انخفاض عدد الملاعب التي كان المواطنين يلعبون عليها مثل كرة الريشة أو كرة الشبكة، أو السباحة أو ممارسة اليوغا لكبار السن عندما تعود الأشياء إلى طبيعتها.
إننا نعلم أيضاً أن العادات يمكن أن تتغير بسهولة، فهل تعلمون ما هو ثالث أكثر نشاط رياضي كان يتم ممارسته في المملكة المتحدة عام 1977 بعد المشي والسباحة؟ لقد كانت لعبة البلياردو - حيث قال 9.3 في المائة من البالغين في الاستطلاع السنوي للأسر إنهم كانوا يمارسون البلياردو بانتظام. وحلت لعبة الرشق بالسهام في المركز الرابع، حيث قال 5.8 في المائة من الأسر إنهم كانوا يمارسون تلك اللعبة.
وفي عام 1977 أيضا، قال 3.3 في المائة فقط ممن شملهم الاستطلاع إنهم حافظوا على ممارسة الرياضة لتحسين لياقتهم أو مارسوا اليوغا في الأسابيع الأربعة السابقة، في حين قال 2.7 في المائة إنهم لعبوا كرة القدم، و1.9 في المائة قالوا إنهم حافظوا على رياضة ركوب الدراجات. وفي الوقت الحاضر، فقد تغيرت الأمور كثيرا، حيث بات الكثير منا يركب الدراجات أو يذهب إلى صالة الألعاب الرياضية. وبات لدينا أيضاً فهم أفضل لكيفية تأثر الجسم والعقل بصورة إيجابية من ممارسة الأنشطة الرياضية. لكن هناك مخاوف مفهومة من أن يؤدي هذا الركود الاقتصادي وانخفاض عدد المرافق المناسبة وقلة النشاط إلى أن تصبح المملكة المتحدة دولة رياضية ذات مستويين.
وبالمناسبة، قيل لي بأن أي قرار يؤثر على الرياضة لن يؤخذ بمعزل عن القرارات الأخرى. لكن كيف ستتأثر الرياضة بتخفيف بعض الإجراءات والقيود على مدى الأسابيع والأشهر المقبلة؟ تشير بعض التقارير إلى أنه قد يتم تخفيف هذه الإجراءات في يونيو (حزيران)، وربما في وقت لاحق. لكن بينما أتوقع أن يعود بعض السابقات ويعود الدوري الإنجليزي الممتاز بدون جمهور في وقت قريب، فإن الافتراض العملي لمعظم العلماء وكبار الرياضيين الذين أتحدث إليهم هو أنه لن تكون هناك ملاعب مكتظة بالجماهير مرة أخرى حتى العام المقبل.
وقد يكون ذلك مدمرا، بالطبع، لرياضات مثل دوري الرغبي وألعاب القوى وكرة السلة. وتعتمد التصفيات النهائية لدوري كرة السلة البريطاني، على سبيل المثال، على مبيعات التذاكر التي تشكل نحو ثلث دخل الأندية. وستتعرض ألعاب القوى في المملكة المتحدة أيضاً لضربة مالية كبيرة إذا تم إلغاء سباق الجائزة الكبرى لألعاب القوى، المقرر إقامته في يوليو (تموز) المقبل.
وفي الوقت نفسه، تسلط مؤسسة «سبورت إنغلاند» الضوء بالفعل على تدنى النشاط الرياضي للمجموعات الاجتماعية والاقتصادية الأقل خلال فترات الأوبئة – حيث تظهر الأبحاث بالفعل أن الأشخاص ذوي الدخل المنخفض يجدون صعوبة أكبر من المعتاد في ممارسة الأنشطة الرياضية. وخلال الأسبوع الماضي، حث الرئيس التنفيذي للمؤسسة الرياضية، تيم هولينغسورث، الرياضة على البدء في التفكير بشكل جماعي بشأن كيفية الحفاظ على رفاهية الأمة بعد القضاء على الوباء، لكن يبدو أن مثل هذا النقاش لن يبدأ قريبا في حقيقة الأمر!


مقالات ذات صلة

لقاح شامل مصمم بالذكاء الاصطناعي يجتاز أول تجربة سريرية

صحتك ممرضة تقف أمام قارورة لقاح «فايزر - بيونتك» المضاد لفيروس «كورونا» المستجد (كوفيد - 19) بمستشفى جامعة التكنولوجيا الماليزية في سونغاي بولو 2 مارس 2021 (أرشيفية - أ.ف.ب)

لقاح شامل مصمم بالذكاء الاصطناعي يجتاز أول تجربة سريرية

اجتاز لقاحٌ مُبتكرٌ باستخدام الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يوفر حماية أوسع ضد فيروسات «كورونا» المتعددة أولى تجاربه البشرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك إجلاء مرضى من السفينة السياحية "إم في هوندوس" إلى سيارة إسعاف في ميناء برايا بالرأس الأخضر - الأربعاء 6 مايو 2026 (أ.ب) p-circle

أعاد مشاهد العزل والقلق للأذهان... هل علينا القلق من فيروس «هانتا»؟

في وقت لم يتعافَ فيه العالم بالكامل من آثار جائحة "كورونا"، عاد القلق العالمي مجدداً مع تفشي فيروس "هانتا" على متن السفينة السياحية "إم في هونديوس".

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم حافلة تقل رعايا بريطانيين أُعيدوا من سفينة الرحلات «إم في هونديوس» لدى وصولها إلى مستشفى آرو بارك في بريطانيا الأحد (رويترز) p-circle

إجلاء 94 راكباً من «سفينة هانتا»... وثبوت إصابة أميركي وفرنسية بالفيروس

أُجلي، أمس (الأحد)، نحو مائة من ركاب وأفراد طاقم إم في هونديوس التي رُصدت عليها إصابات بفيروس «هانتا»، على أن تستكمل عمليات الإجلاء اليوم.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
آسيا جانب من حفل تأبيني للجنود المقتولين أُقيم في متحف المآثر القتالية التابع لقيادة العمليات العسكرية الخارجية في بيونغ يانغ (أ.ف.ب)

تقرير: الإعدامات تضاعفت في كوريا الشمالية خلال زمن «كوفيد»

أظهر تقرير نشرته «مجموعة العمل من أجل العدالة الانتقالية» الحقوقية أن كوريا الشمالية زادت تنفيذ أحكام الإعدام في زمن انتشار وباء «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (سيول)
صحتك فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر (رويترز)

دراسة: فيروسات «كورونا» في الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر

كشفت دراسة حديثة أن فيروسات «كورونا» التي تحملها الخفافيش تطور طرقاً جديدة لإصابة البشر حيث أصبحت قادرة على إصابة الخلايا البشرية عبر أكثر من مسار.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
TT

مفارقات الطول في المونديال... عندما تفك المهارة شفرة القامات الفارهة

صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله
صورة مركبة لسيزار يانيس وفلوريان ويغله

حين تدور عجلة منافسات كأس العالم 2026، لا تتجه الأنظار فقط نحو الخطط التكتيكية، بل يتسع التحليل ليشمل «الفيزياء الجسدية» التي تصنع فوارق حاسمة على العشب الأخضر. تشهد هذه النسخة الأكبر تاريخياً تبايناً حاداً بين جيل من العمالقة الذين يستغلون طول القامة لفرض الهيمنة الجوية، ومجموعة من قصار القامة الذين يتخذون من الرشاقة والسرعة وسيلة لخلخلة الدفاعات. هذا الصدام الأنثروبولوجي يضعنا أمام مقارنات رقمية مثيرة تعكس كيف يوظف كل مدرب المزايا الجسدية للاعبيه لصناعة التفوق.

ومن بين أكثر الظواهر إثارة للاهتمام هذا العام الفارق الهائل في القامات بين اللاعبين المشاركين، حيث تشهد البطولة وجود أطول لاعب بطول 205 سنتيمترات وأقصر لاعب بطول 160 سنتيمتراً، بفارق يصل إلى 45 سنتيمتراً بينهما.

هذا التباين لا يعكس فقط الاختلافات البدنية بين اللاعبين، بل يؤكد أيضاً أن كرة القدم الحديثة ما زالت لعبة تتسع لجميع المواهب، بغض النظر عن الطول أو البنية الجسدية.

ناطحات السحاب المونديالية... عندما تحكم القامة حراسة المرمى والدفاع

يتربع الحارس النمساوي الواعد فلوريان ويغله على قمة الهرم الفيزيائي في البطولة، حيث يمنحه طوله البالغ 205 سنتيمترات تفوقاً مطلقاً في الكرات العرضية لحماية شباك فريقه فيكتوريا بلزن في الدوري التشيكي، مسجلاً اسمه كأطول لاعب يشارك في المونديال بعمر الخامسة والعشرين.

فلوريان ويغله حارس منتخب النمسا (إنستغرام)

ولا يقف ويغله وحيداً في هذا الطابق العلوي، إذ يزاحمه المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن، لاعب نيوكاسل يونايتد البالغ من العمر 34 عاماً، والذي يصل طوله إلى 201 سنتيمتر، مشكلاً جداراً دفاعياً يصعب اختراقه في الصراعات الهوائية.

المدافع الإنجليزي المخضرم دان بيرن لاعب نيوكاسل يونايتد (إكس)

وينضم إلى هذا النادي الضخم حارس المرمى الكولومبي ألفارو مونتيرو والمدافع البوسني ستيبان راديليتش، وكلاهما يبلغ طوله 201 سنتيمتر، مما يعكس توجهاً خططياً واضحاً لدى بعض المدارس الكروية للاعتماد على الكتل الجسدية الضخمة لتأمين الخطوط الخلفية وإحباط الكرات الثابتة.

سحر مركز الجاذبية المنخفض... قصار القامة يتحدون العمالقة بالرشاقة

مهاجم بنما سيزار يانيس (رويترز)

في المقابل تماماً، يبرز النجم البنمي سيزار يانيس كأقصر لاعب في المونديال الحالي بطول لا يتجاوز 160 سنتيمتراً، ورغم وصوله لسن الثلاثين، فإن نجم نادي كوب ريسال التشيلي يعوض فوارق الطول بمرونة حركية مذهلة وقدرة سريعة على تغيير الاتجاه تُربك المدافعين أصحاب القامات الفارهة.

ويسير على ذات النهج المهاجم الشاب لجزر كوراساو جيريمي أنتونيس البالغ طوله 164 سنتيمتراً، والذي يستغل قصر قامته للتسلل بين الخطوط الضيقة، شأنه شأن الموهبة الكندية مارسيلو فلوريس بنفس الطول، والمهاجم الأسترالي السريع نيستوري إرانكوندا بطول 165 سنتيمتراً. هؤلاء النجوم يثبتون تكتيكياً أن انخفاض مركز الجاذبية يمنح اللاعب توازناً استثنائياً وقدرة أعلى على المراوغة، مما يجعلهم السلاح المثالي لضرب التكتلات الدفاعية البطيئة.

جغرافيا المنتخبات تكتيكياً... صراع الاستراتيجيات بين الطول والقصر

هالاند لاعب منتخب النرويج (غيتي)

على صعيد الجماعة، تكشف أرقام «الفيفا» الرسمية أن منتخب النرويج، مدفوعاً ببنية نجمه الأول إيرلينغ هالاند البالغ طوله 195 سنتيمتراً، يتربع رفقة منتخب البوسنة والهرسك على صدارة المنتخبات الأطول في البطولة بمعدل جماعي يبلغ 187.2 سنتيمتر، وهو ما يفسر اعتمادهم على الكرات الطويلة والاندفاع البدني القوي لفرض أسلوبهم. وفي المقابل، تبرز منتخبات أميركا الوسطى والكاريبي مثل بنما وجزر كوراساو، بمعدلات أطوال جماعية منخفضة تقترب من حاجز 179 سنتيمتراً، حيث تراهن إداراتها الفنية على تقارب الخطوط، والاعتماد على التمريرات القصيرة السريعة والتحركات الديناميكية دون كرة، معوضين فوارق البنية التحتية الجسدية بتفوق مهاري وتكتيكي ملموس على أرضية الميدان.

من مارادونا وميسي إلى يانيس

أسطورة منتخب الأرجنتين مارادونا (أ.ف.ب)

يقدم تاريخ كرة القدم شواهد لا حصر لها على أن الطول لم يكن يوماً الشرط الأساسي لصناعة النجوم أو تحقيق الإنجازات الكبرى، فأسطورة كرة القدم الأرجنتيني الراحل دييغو مارادونا قاد بلاده إلى لقب كأس العالم عام 1986 رغم أنه لم يكن من أصحاب البنية الجسدية الضخمة، وسار على النهج ذاته مواطنه ليونيل ميسي الذي توج مسيرته بقيادة الأرجنتين إلى لقب مونديال 2022.

ليونيل ميسي لاعب منتخب الأرجنتين (أ.ف.ب)

كما برزت أسماء أخرى مثل الإسبانيين تشافي هيرنانديز وأندريس إنييستا، والفرنسي نغولو كانتي، والكرواتي لوكا مودريتش، الذين صنعوا أمجاداً كروية بفضل الرؤية والذكاء والمهارة أكثر من الاعتماد على القوة البدنية.

كرة القدم لا تعترف بالمقاييس التقليدية

بين فيغله ويانيس، تختصر بطولة كأس العالم 2026 واحدة من أجمل حقائق اللعبة. فالفارق الهائل في القامة لم يمنع كليهما من الوصول إلى أكبر حدث كروي على وجه الأرض.

وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى صراع الكبار على اللقب العالمي، تبقى هذه القصص الإنسانية تذكيراً بأن كرة القدم لا تختار أبطالها وفق الطول أو الوزن، بل وفق الموهبة والقدرة على صناعة الفارق عندما تبدأ المنافسة الحقيقية فوق المستطيل الأخضر.


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.