«كوفيد ـ 19» يتحدى القوى العظمى

بلبلة في البحريتين الأميركية والفرنسية... ومهام جديدة لأسطول روسيا

«كوفيد ـ 19» يتحدى القوى العظمى
TT

«كوفيد ـ 19» يتحدى القوى العظمى

«كوفيد ـ 19» يتحدى القوى العظمى

علّقت جائحة «كوفيد - 19» إلى حد كبير النشاط العسكري المعتاد للقوات المسلحة في عدد من القوى العالمية الكبرى، كون الأولوية الآن تتمثل في تكثيف الجهود لمحاربة انتشار فيروس الجائحة، الذي لم تكن الجيوش بمنأى عن إصابة أفرادها به، وهو ما تمثل في وصوله إلى حاملات طائرات فرنسية وأميركية، اضطرت على إثرها باريس وواشنطن على اتخاذ خطوات لاحتوائه. كذلك أدى انتشار الفيروس في هذه القطع البحرية بجانب القواعد العسكرية في مختلف مناطق العالم، مخاوف كبيرة من أن يترك ذلك تداعيات على حماية الممرات المائية وسيطرة تلك الدول على البحار وخطوط التجارة العالمية.
من جانب آخر، كلفت القوات المسلحة، أمام تهديد الجائحة بمهام غير تقليدية، منها الإسهام في الإغاثة الصحية، أو مهام الأمن الداخلي، أو ضبط خطوط الإمداد والتموين، في ظل قرارات الإغلاق والبقاء في المنازل.
يوم 13 أبريل (نيسان) المنصرم عادت حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول»، ذات الدفع النووي والوحيدة التي تملكها فرنسا، إلى قاعدتها في مدينة طولون قبل عشرة أيام من الموعد المحدد، واضعة بذلك حدا لمشاركتها في مناورات بحرية أوروبية في شمال المحيط الأطلسي، وذلك بسبب تفشي فيروس جائحة «كوفيد - 19» على نطاق واسع بين عسكرييها البلغ عددهم 1786 فرداً، ومنذ ذلك التاريخ والحاملة رابضة في مرفأ طولون، من دون أن تفصح البحرية الفرنسية عن تاريخ محدد لمعاودة أنشطتها مع المجموعة البحرية التي تواكبها. وبذلك، تكون فرنسا قد فقدت، مؤقتاً، القدرة على الاعتماد على هذه الحاملة التي تشكل العمود الفقري لبحريتها.
وفي هذه الأثناء، كان على الولايات المتحدة، التي باتت أكثر دول العالم تعرضاً للإصابة بـ«كوفيد - 19» أن توازن بين كيفية دعم جهودها المدنية لاحتواء الوباء وتوفيرها للإمدادات الطبية ودعم الأسر والاقتصاد، والدفاع عن الأمة من الأخطار الخارجية. ورغم حرص وزارة الدفاع «البنتاغون» على إظهار «شفافيتها» عبر بياناتها والمؤتمرات الصحافية للمتحدثين باسمها، للحديث عن انتشار فيروس الجائحة وسط وحدات الجيش الأميركي البرية والبحرية والجوية، فإن الإحراج كان واضحاً في بيانات البنتاغون، بعد تداعيات انتشاره على واحدة من أقوى حاملات الطائرات الأميركية. أما في العاصمة الروسية موسكو، فلم تكن مفاجأة، العبارة اللافتة التي أطلقها أخيراً عمدة موسكو سيرغي سوبيانين، حول احتمال اللجوء إلى نشر قوات الجيش في المدن، في حال لم يلتزم المواطنون بتدابير العزل المفروضة. فقد مهد لذلك تلويح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالاستعانة بالجيش لمواجهة تفاقم الوضع مع المنحى التصاعدي لتفشي الوباء في روسيا.

حكاية الحاملة «شارل ديغول»
تتميز «شارل ديغول» بأنها حاملة الطائرات الوحيدة في أوروبا التي تعمل بالدفع النووي. وتخطط باريس لبناء حاملة طائرات ثانية. إلا أن تحقيق هذا الهدف سوف يستغرق سنوات إن لم يكن عقوداً. فالخطة أطلقها الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي ثم تبناها خلفه فرنسوا هولاند، إلا أنه جرى التخلي عنها لاحقاً. ومع وصول إيمانويل ماكرون إلى رئاسة الجمهورية، أعيد إحياؤها وأعلنت وزيرة الدفاع فلورانس بارلي خلال عام 2018 رصد مبلغ 200 مليون يورو للدراسات الفنية والهندسية.
تمثل هذه الحاملة الكثير بالنسبة لقدرات فرنسا العسكرية. وخلال السنوات العشرين الماضية، كانت مركز الثقل في المشاركة الفرنسية في العمليات العسكرية الخارجية بدءاً من الحرب في أفغانستان على مرحلتين - ما بين عامي 2001 و2002 ثم في عام 2010 - وصولاً إلى الحرب في ليبيا، أو ما يسمى فرنسا «عملية هارمتان» وحتى الحرب على «داعش»، في إطار مشاركة باريس في التحالف الدولي للحرب على الإرهاب بدءاً من عام 2014.
وتواصلت مشاركة «شارل ديغول» الجوية بفضل طائرات الـ«رافال» المحمولة، إلى جانب طلعات الطائرات الفرنسية من مطارين في منطقة الشرق الأوسط والخليج لعام 2019. في إطار العملية المسماة «كليمنصو» بعد أشهر الصيانة الطويلة (18 شهراً) التي أخضعت لها الحاملة في الأحواض العسكرية في طولون. وخلال العام الجاري، أبحرت الحاملة في مياه المتوسط وشاركت في مناورات وانتقلت إلى المحيط الهندي لتعود إلى قاعدتها وتنطلق بعدها إلى المحيط الأطلسي عبر مياه مضيق جبل طارق. وعندما ظهرت أولى حالات الجائحة على أفراد من طاقمها، كانت قبالة الشواطئ الدنماركية.

... وأهميتها للعمليات الفرنسية
الواضح أنه عندما تكون باريس في حاجة لإبراز عضلاتها في الخارج، فإن وسيلتها الأولى هي «شارل ديغول». فهذه الحاملة التي انطلقت في أولى مهماتها في 7 مايو (أيار) 1994. هي الوسيلة الرئيسية لقدرات الانتشار الفرنسية في أي مكان من العالم بفضل قوة الدفع النووية التي تتمتع بها. فضلاً عن ذلك، فإن هذه الحاملة التي يبلغ طولها 261 وارتفاعها 75 متراً، بحمولة تصل إلى 45 ألف طن، تتمتع بقدرات جوية استثنائية بفضل ما يزيد على 30 طائرة قاذفة - مقاتلة من طراز «رافال» البحري وطوافات وطائرات استطلاع كما أنها مزودة بأحدث المعدات الدفاعية والرادارات. وفي أي حال، لا تبحر «شارل ديغول» أبداً وحيدة، بل مع مجموعتها البحرية المؤلفة من ثلاث فرقاطات وغواصة هجومية تعمل بالطاقة النووية ومن سفينة قيادة وتموين. وأهم من ذلك كله، فإن «شارل ديغول» مكوّن رئيسي من قدرات الردع النووية الفرنسية بفضل طائرات الـ«رافال» القادرة على حمل الصواريخ النووية. وليس سراً أن قوة الردع الفرنسية تعتمد على مكوّنين: بحري وجوي. فالبحري يتمثل بأربع غواصات نووية قاذفة مزودة بـ48 صاروخاً نووياً. أما المكوّن الجوي فيتمثل بالطائرات الاستراتيجية، إن المنطلقة من القواعد الجوية أو من على متن «شارل ديغول».
وبالنظر إلى هذه الإمكانيات المتوقفة اليوم، فإن باريس تحرم نفسها من قطعة أساسية في استراتيجيتها العسكرية، وهو ما لم يتردد القادة العسكريون الفرنسيون في الإشارة إليه أكثر من مرة منذ أن رست الحاملة في مرفأها. وهنا تجدر الإشارة إلى أن فرنسا ليست فقط أوروبية القارة بل إنها منتشرة في المحيطين الهندي (في جزيرتي مايوت وريونيون) والمحيط الهادي (كاليدونيا الجديدة وبولينيزيا الفرنسية إضافة إلى أرخبيل واليس وفتونا) وفي المحيط الأطلسي (جزيرتا الغوادلوب والمارتينيك) وخصوصاً غويانا الفرنسية بشمال شرقي البرازيل. وفي الوقت عينه، فإنها تملك أراضي محاذية لكندا (جزيرتي سان بيار وميكييون). ويبني هذا الانتشار الحاجة لما يسميه العسكريون الفرنسيون «القاعدة الجوية المتنقلة» القادرة بفضل دفعها النووي الوصول إلى أي منطقة بحرية في العالم دون أدنى عائق. وما بين عام 2001 و2016. قطعت «شارل ديغول» ما يساوي 30 دورة حول الأرض وأمضت 2071 يوماً في إطار مهماتها المتنوعة وشهدت 70 عملية إقلاع وهبوط على مدرجها.

التحديات أمام «البنتاغون»
في أميركا، كان الجيش الأميركي، الذي يعد أكبر قوة عسكرية في العالم وأقواها، الدخول في تحدٍ صعب وموازنة دقيقة بين توفير الحماية لأفراده، والحفاظ على جهوزيته العسكرية في المناطق التي ينتشر فيها، من الشرق الأوسط إلى أوروبا وآسيا، في ظل قرارات «البنتاغون» الأخيرة وتداعياتها المتوقعة. وتحديداً، لجهة تحويل بعض الموارد لتلبية الحاجات الطبية جراء تفشي فيروس الجائحة بين أفراده، وإلغاء التدريبات والتنقلات العسكرية لقواته البرية والبحرية وجزئياً على قواته الجوية.
أولى تلك التداعيات كانت تراجع نشاط القوات الأميركية في سوريا، وإعادة نشرها في قواعد في العراق، عبر تخليها عن بعضها، إثر تصاعد الأخطار الناجمة عن استغلال إيران وميليشياتها تفشي الجائحة وتنفيذ هجمات متكررة على بعض القواعد. كذلك عمد الجيش إلى تقييد تحركاته في أفغانستان وأخّر تنفيذ خطط انسحاب القوات الأميركية تنفيذاً للاتفاق الذي وقع مع حركة طالبان في 29 مارس (آذار) الماضي. وأوقف أيضاً التدريبات العسكرية مع حلف شمال الأطلسي «ناتو» في أوروبا، وكذلك مع بعض الدول العربية وأيضاً مع إسرائيل. ولعل انتشار الفيروس بين أفراد القوة العسكرية الأميركية البحرية، شكل أكبر المعضلات التي واجهت «البنتاغون»، وأدت إلى إحداث بلبلة غير مسبوقة وأزمة قيادية عندما ضرب الفيروس أفراد طاقم حاملة الطائرات النووية «تيودور روزفلت» فأخرجها عملياً من الخدمة بعد رسوها في قاعدة في جزيرة غوام المحيط الهادي. وتسبب الأمر بإقالة قائد الحاملة بريت كرويزر إثر نشره رسالة إلى قيادته يطلب فيها السماح للحاملة بالرسو لمعالجة المصابين، الذين بلغ عددهم أكثر من 800 من أفراد طاقمها البالغ نحو 5 آلاف، بينهم هو شخصياً. كما استقال توماس مودلي وزير البحرية بالوكالة على خلفية تعامله مع الأزمة نفسها.
ورغم تراجع وتيرة البيانات «العملانية»، توقع قادة «البنتاغون» أن يصيب فيروس الجائحة مزيداً من سفن البحرية، مشددين على ضرورة تكيف الجيش مع هذه الأوضاع. وقال الجنرال جون هيتين، نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة، إنه «ليس من الجيد الاعتقاد بأن (روزفلت) قضية فريدة من نوعها... لدينا الكثير من السفن في البحر..... الاعتقاد بأن ذلك لن يحدث مرة أخرى ليس وسيلة جيدة للتخطيط». وأشار إلى أن حاملة الطائرات «نيميتز»، التي ترسو في ميناء بريميرتون بولاية واشنطن، تعد للإبحار في المحيط الهادي، وعلى متنها عدد غير محدد من البحارة المصابين بالفيروس.

اختبار في مياه الخليج
وفي سياق متصل، شكلت الجائحة أول اختبار لجهوزية القوات الأميركية، مثلما كانت حافزاً لأعداء الولايات المتحدة ومنافسيها على محاولة اختبار ردة فعلها على «التحرشات». هذا ما حصل في العراق وكذلك مع إيران وروسيا والصين وكوريا الشمالية، في الأسابيع الأخيرة. إذ نفذ 11 زورقاً حربياً إيرانياً عمليات اقتراب وصفتها واشنطن بالخطرة في مياه الخليج من سفن حربية أميركية في الأسبوعين الماضيين. وبعد إعطاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب أوامره بإغراق أي مركب إيراني، أكدت قيادة المنطقة الوسطى «سانتكوم» على جهوزية عالية لمواجهة أي احتمالات «تحرش» من قبل بحرية «الحرس الثوري الإيراني» في مياه الخليج الدولية، وأن أي تعرض للمصالح الأميركية في المنطقة سيرتب نتائج سلبية وخطيرة.
أيضاً، تصدّت طائرات مقاتلة أميركية لطائرات استطلاع روسية اقتربت من المجال الجوي لولاية ألاسكا الأميركية، فيما تصدت طائرات روسية لطائرة استطلاع أميركية فوق البحر المتوسط. ونفذت الصين بعض المناورات في بحر الصين، وخصوصاً بالقرب من الجزر المتنازع عليها مع دول أخرى، وأغرقت زورق صيد فيتنامي، في تعبير عن «انزعاجها» من الوجود العسكري الأميركي في آسيا، فيما عادت كوريا الشمالية لتجربة العديد من الصواريخ قصيرة المدى والمتوسطة، وأطلقت مقذوفات نحو بحر اليابان.

روسيا: مهام مختلفة
عودة إلى روسيا، فإن الأمر لا يقتصر على المهام التي يمكن أن ينفذها الجيش الروسي لمساعدة السلطات في تنفيذ قرارات العزل، إذ بدا واضحاً تعاظم دور المؤسسة العسكرية في البلاد كواحد من تداعيات انتشار جائحة «كوفيد - 19»، مما أثار سجالات كثيرة على المستوى الداخلي. ويذكر أن بوتين كان قد قال في اجتماع حكومي إن «العسكريين الروس أثبتوا كفاءة عالية واكتسبوا خبرات مهمة في مواجهة الوضع في عدد من البلدان الأجنبية، وهذه الخبرة يجب أن تستخدم على الصعيد الداخلي». ووفقاً لبوتين فإن المؤسسة العسكرية قادرة على تسريع عمليات بناء المراكز الطبية ومستشفيات مسبقة التجهيز في وقت قياسي، وهو أمر تحتاج إليه البلاد كثيراً، خصوصاً مع الإعلان عن نقص حاد في هذا المجال.
ولم يطل انتظار تطبيقات ذلك، إذ سرعان ما أعلن عن إطلاق الجيش نشاطاً واسعاً لبناء عشرات المستشفيات في مناطق روسية مختلفة. وتبع ذلك التركيز على أن المؤسسة العسكرية تحديداً ستسهم في توفير لقاح ضد الفيروس. وكتبت وسائل إعلام روسية أن الأقسام العلمية التابعة لوزارة الدفاع بدأت بالفعل نشاطاً واسعاً في هذا الاتجاه. وهنا أيضاً برزت ضرورة الاستعانة بالخبرات العسكرية الروسية التي تراكمت خارجياً، وقالت مصادر إن تجربة علماء الأوبئة العسكرية الروسية الذين عملوا في أفريقيا وآسيا مع إصابات خطيرة بشكل خاص ينخرطون حالياً في تجربة لقاحات تم تجريبها في إيطاليا وصربيا وأرمينيا.

اهتمامات بحثية طبية
ووفقاً للجنرال إيغور كيريلوف، رئيس قوات الحماية من الإشعاع والكيمياء والبيولوجية التابعة للقوات المسلحة للاتحاد الروسي، فإن المتخصصين في المعهد المركزي الثامن والأربعين للبحث العلمي وهو مركز يحاط نشاطه بسرية مطلقة في العادة، يعكفون على تطوير لقاحات حالياً. وكان هذا المركز نظم نشاط مكافحة وباء الجمرة الخبيثة في يامال في صيف عام 2016. ووفقاً للمصادر العسكرية، فقد شارك معهد الأبحاث الثامن والأربعون أيضاً بنشاط في تطوير لقاح ضد إنفلونزا الطيور. لكن تعاظم دور المؤسسة العسكرية برز أيضاً على المستوى الخارجي، وأثارت المساعدات الطبية الروسية المرسلة لبلدان مختلفة موجة سجالات وتساؤلات كثيرة على خلفية اتهامات للكرملين باستخدام الكارثة العالمية في مواجهة الـ«كوفيد - 19» سياسياً، من خلال تعميق السجالات في أوروبا والعالم والتركيز على نقطة ولادة عالم جديد بخريطة قوى مختلفة في المرحلة التي تلي انحسار الجائحة.

مساعدات خارجية
وأرسلت وزارة الدفاع عشرات الطائرات العسكرية محملة بمواد مختلفة وطواقم طبية إلى إيطاليا التي «أغلقت حولها الحدود»، وبدت كما يقول مسؤولون روس: «وحيدة في مواجهة الكارثة التي حلت بها».
وظهرت أدوار جديدة للعسكريين الروس في بلدان مثل فنزويلا وإيران وسوريا، في إطار ما وصف بأنه «مساعدات وتدريبات لرفع كفاءة المؤسسات المحلية في مواجهة الفيروس». ولم تلبث موسكو أن أعلنت عن إرسال طائرة عسكرية من طراز «أنتونوف» إلى الولايات المتحدة تحمل مساعدات إنسانية وكمامات ومستلزمات طبية أخرى أساسية لمكافحة الفيروس. وشكلت هذه خطوة غير مسبوقة، فهذه أول طائرة تابعة للقوات الجوية الروسية تحط على الأراضي الأميركية. وبدا المشهد استعراضاً سياسياً قوياً، وفي مقابل تأكيد وسائل إعلام غربية أن «المساعدات العسكرية الروسية» لا جدوى منها وأن هدفها استخدام الكارثة لتحقيق أغراض سياسية، دافعت موسكو بقوة عن موقفها وتحدثت عن ضرورة «التضامن العالمي في مواجهة الجائحة». وبدا من كل تلك التطورات أن الجيش تحديداً بات يلعب الدور الأساسي في تعزيز النشاط الدبلوماسي وتمدد الوجود الروسي في مناطق جديدة، ولكن كان غريباً في هذا المسار أن تعلن موسكو أخيراً أن نحو عشرة بلدان في منطقة الشرق الأوسط «طلبت مساعدة روسية لمواجهة الجائحة». وهذه مهمة إذا اتفق عليها ستناط بالجيش الروسي.
ومع امتداد نشاط الجيش داخلياً وخارجياً، أثار التركيز على دور العسكريين ردود فعل متباينة، وفي مقابل تأكيد الوكالات الرسمية على أهمية هذا الدور في هذه المرحلة بالتحديد، خصوصاً لأن لدى المؤسسة العسكرية قدرات كبيرة يمكن الإفادة منها، فإن معلقين انتقدوا هذا التركيز ورأوا فيه واحداً من التجليات المحتملة للمرحلة المقبلة، من خلال أن بوتين يعزز القطاعات الأمنية والعسكرية مستغلاً الأزمة الحالية، وأن ما يجري يمهد للمرحلة المقبلة ليس في روسيا وحدها، بل وفي بلدان عديدة أخرى ستغير أولوياتها وفقاً لمحللين بعد انتهاء المعركة مع الوباء وتتجه لتعزيز الأنظمة الداخلية الوطنية بقدر أكبر من الانعزال والابتعاد عن سياسات الليبرالية والعولمة. وكتب ديمتري غودكوف وهو معارض ونائب سابق في مجلس الدوما، أن «الوباء سوف ينحسر عاجلاً أو آجلاً، لكن القوانين التي تسن حالياً والإجراءات التي تتخذها السلطات سوف تبقى لفترة طويلة مقبلة».

القوى الكبرى حوّلت جهودها لمكافحة الجائحة... والأولويات العسكرية العالمية تتراجع
> في لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال العميد الركن المتقاعد خالد حمادة، مدير المنتدى الإقليمي للاستشارات والدراسات في العاصمة اللبنانية بيروت، إنه بعد حملة التعقيم والتطهير التي قامت بها البحرية الفرنسية لحاملة الطائرات «شارل ديغول» والقطع المرافقة في مرفأ طولون العسكري بجنوب فرنسا «يمكن لها أن تعود إلى المياه الدولية»، لكنه يشير إلى أن هذه القضية الآن ليست بالأهمية القصوى.
ويتابع أن «التجارة الدولية في هذا الوقت تقلصت إلى مستويات كبيرة، كما أن المشروع الأميركي لبسط سيطرة الولايات المتحدة على طريق التجارة الصينية من المحيط الهادي إلى بحر الصين والمحيط الهندي، لم يعد في هذه الظروف مجالاً للتنافس لأن الاقتصاد العالمي تجمّد، وبالتالي، تبدلت الأولويات وفقد التنافس على السيطرة أهميته».
حمادة، وهو باحث عسكري واستراتيجي، لا يرى - في المقابل - أن ثمة تأثيراً عسكرياً لتلك التطورات، بالنظر إلى أن الجيوش «تستطيع تبديل طواقم العمل في حال كانت هناك إصابات، وتستأنف نشاطها العسكري إذا دعت الحاجة»، علماً بأن الحروب الآن معلقة «بسبب تبدل الأولويات نحو مكافحة الفيروس». ويعزز تقييمه بأنه «لا إصابات بالغواصات التي تشكل قوى بحرية هائلة، حتى أنه لم تُرصد إصابات داخل التجمعات العسكرية البحرية مثل قوى (المارينز) الأميركية، وبالتالي فإن الجيوش لا تزال قادرة للحفاظ على قدراتها».
من ناحية ثانية، لم يرصد حمادة نقاطاً ساخنة في ظل تبدل الأولويات إلا محاولة التحرش الإيرانية بالسفينة العسكرية الأميركية خلال الشهر المنصرم، مشيراً إلى أن إيران «تحاول الخروج من أزمة كورونا وتدني مستويات الاقتصاد، محاولة إظهار (حيوية عسكرية بالحفاظ على النمط الهجومي داخل الخليج) رغم الإصابات بالـ(كوفيد - 19) التي سجلت في إيران وتعطل الحركة التجارية وتوقف الحياة في البلاد». ويقول إن «إطلاق القمر الصناعي يصب بالموضوع نفسه، إذ تسعى إيران للقول إنها تطلقه لتعبر عن خطوة متقدمة على طريق توجيه الصواريخ الباليستية، وهذا ما يدخل المنطقة في مرحلة الخطر المتزايد لأن توجيهها بدقة وإيصالها لآلاف الكيلومترات يمثل خطراً على الأمن والسلام الإقليميين».
ويعود حمادة إلى ملف تأثير الجائحة على العمليات العسكرية من زاوية تأثيره على كل الناس، «إذ ساهم بشل قدرات أو على الأقل خفض قدرات التمويل العسكرية»، وعليه «لم تعد العمليات العسكرية تحتل قائمة القرارات الكبرى، ولم يعد لديها أولوية»، لكنه يؤكد أنه «إذا ارتفع مستوى التهديد لأي دولة كبرى، ستقفز العملية الدفاعية إلى الصف الأول»، لافتاً إلى أنه «رغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل على عاتقه مسؤولية مواجهة انتشار الجائحة ويقف وراء الجهود لمكافحته، فإنه إذا حصلت تحديات عسكرية سيعطيها أولوية، ويعيد بالتالي الأولويات الأمنية إلى المربع الأول، ويكون مرتاحاً من ضغوط الديمقراطيين ليعود ويلعب الدور للحفاظ على الولايات المتحدة كقوة عظمى أولى بالعالم».



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.