«كوفيد ـ 19» يتحدى القوى العظمى

بلبلة في البحريتين الأميركية والفرنسية... ومهام جديدة لأسطول روسيا

«كوفيد ـ 19» يتحدى القوى العظمى
TT

«كوفيد ـ 19» يتحدى القوى العظمى

«كوفيد ـ 19» يتحدى القوى العظمى

علّقت جائحة «كوفيد - 19» إلى حد كبير النشاط العسكري المعتاد للقوات المسلحة في عدد من القوى العالمية الكبرى، كون الأولوية الآن تتمثل في تكثيف الجهود لمحاربة انتشار فيروس الجائحة، الذي لم تكن الجيوش بمنأى عن إصابة أفرادها به، وهو ما تمثل في وصوله إلى حاملات طائرات فرنسية وأميركية، اضطرت على إثرها باريس وواشنطن على اتخاذ خطوات لاحتوائه. كذلك أدى انتشار الفيروس في هذه القطع البحرية بجانب القواعد العسكرية في مختلف مناطق العالم، مخاوف كبيرة من أن يترك ذلك تداعيات على حماية الممرات المائية وسيطرة تلك الدول على البحار وخطوط التجارة العالمية.
من جانب آخر، كلفت القوات المسلحة، أمام تهديد الجائحة بمهام غير تقليدية، منها الإسهام في الإغاثة الصحية، أو مهام الأمن الداخلي، أو ضبط خطوط الإمداد والتموين، في ظل قرارات الإغلاق والبقاء في المنازل.
يوم 13 أبريل (نيسان) المنصرم عادت حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول»، ذات الدفع النووي والوحيدة التي تملكها فرنسا، إلى قاعدتها في مدينة طولون قبل عشرة أيام من الموعد المحدد، واضعة بذلك حدا لمشاركتها في مناورات بحرية أوروبية في شمال المحيط الأطلسي، وذلك بسبب تفشي فيروس جائحة «كوفيد - 19» على نطاق واسع بين عسكرييها البلغ عددهم 1786 فرداً، ومنذ ذلك التاريخ والحاملة رابضة في مرفأ طولون، من دون أن تفصح البحرية الفرنسية عن تاريخ محدد لمعاودة أنشطتها مع المجموعة البحرية التي تواكبها. وبذلك، تكون فرنسا قد فقدت، مؤقتاً، القدرة على الاعتماد على هذه الحاملة التي تشكل العمود الفقري لبحريتها.
وفي هذه الأثناء، كان على الولايات المتحدة، التي باتت أكثر دول العالم تعرضاً للإصابة بـ«كوفيد - 19» أن توازن بين كيفية دعم جهودها المدنية لاحتواء الوباء وتوفيرها للإمدادات الطبية ودعم الأسر والاقتصاد، والدفاع عن الأمة من الأخطار الخارجية. ورغم حرص وزارة الدفاع «البنتاغون» على إظهار «شفافيتها» عبر بياناتها والمؤتمرات الصحافية للمتحدثين باسمها، للحديث عن انتشار فيروس الجائحة وسط وحدات الجيش الأميركي البرية والبحرية والجوية، فإن الإحراج كان واضحاً في بيانات البنتاغون، بعد تداعيات انتشاره على واحدة من أقوى حاملات الطائرات الأميركية. أما في العاصمة الروسية موسكو، فلم تكن مفاجأة، العبارة اللافتة التي أطلقها أخيراً عمدة موسكو سيرغي سوبيانين، حول احتمال اللجوء إلى نشر قوات الجيش في المدن، في حال لم يلتزم المواطنون بتدابير العزل المفروضة. فقد مهد لذلك تلويح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالاستعانة بالجيش لمواجهة تفاقم الوضع مع المنحى التصاعدي لتفشي الوباء في روسيا.

حكاية الحاملة «شارل ديغول»
تتميز «شارل ديغول» بأنها حاملة الطائرات الوحيدة في أوروبا التي تعمل بالدفع النووي. وتخطط باريس لبناء حاملة طائرات ثانية. إلا أن تحقيق هذا الهدف سوف يستغرق سنوات إن لم يكن عقوداً. فالخطة أطلقها الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي ثم تبناها خلفه فرنسوا هولاند، إلا أنه جرى التخلي عنها لاحقاً. ومع وصول إيمانويل ماكرون إلى رئاسة الجمهورية، أعيد إحياؤها وأعلنت وزيرة الدفاع فلورانس بارلي خلال عام 2018 رصد مبلغ 200 مليون يورو للدراسات الفنية والهندسية.
تمثل هذه الحاملة الكثير بالنسبة لقدرات فرنسا العسكرية. وخلال السنوات العشرين الماضية، كانت مركز الثقل في المشاركة الفرنسية في العمليات العسكرية الخارجية بدءاً من الحرب في أفغانستان على مرحلتين - ما بين عامي 2001 و2002 ثم في عام 2010 - وصولاً إلى الحرب في ليبيا، أو ما يسمى فرنسا «عملية هارمتان» وحتى الحرب على «داعش»، في إطار مشاركة باريس في التحالف الدولي للحرب على الإرهاب بدءاً من عام 2014.
وتواصلت مشاركة «شارل ديغول» الجوية بفضل طائرات الـ«رافال» المحمولة، إلى جانب طلعات الطائرات الفرنسية من مطارين في منطقة الشرق الأوسط والخليج لعام 2019. في إطار العملية المسماة «كليمنصو» بعد أشهر الصيانة الطويلة (18 شهراً) التي أخضعت لها الحاملة في الأحواض العسكرية في طولون. وخلال العام الجاري، أبحرت الحاملة في مياه المتوسط وشاركت في مناورات وانتقلت إلى المحيط الهندي لتعود إلى قاعدتها وتنطلق بعدها إلى المحيط الأطلسي عبر مياه مضيق جبل طارق. وعندما ظهرت أولى حالات الجائحة على أفراد من طاقمها، كانت قبالة الشواطئ الدنماركية.

... وأهميتها للعمليات الفرنسية
الواضح أنه عندما تكون باريس في حاجة لإبراز عضلاتها في الخارج، فإن وسيلتها الأولى هي «شارل ديغول». فهذه الحاملة التي انطلقت في أولى مهماتها في 7 مايو (أيار) 1994. هي الوسيلة الرئيسية لقدرات الانتشار الفرنسية في أي مكان من العالم بفضل قوة الدفع النووية التي تتمتع بها. فضلاً عن ذلك، فإن هذه الحاملة التي يبلغ طولها 261 وارتفاعها 75 متراً، بحمولة تصل إلى 45 ألف طن، تتمتع بقدرات جوية استثنائية بفضل ما يزيد على 30 طائرة قاذفة - مقاتلة من طراز «رافال» البحري وطوافات وطائرات استطلاع كما أنها مزودة بأحدث المعدات الدفاعية والرادارات. وفي أي حال، لا تبحر «شارل ديغول» أبداً وحيدة، بل مع مجموعتها البحرية المؤلفة من ثلاث فرقاطات وغواصة هجومية تعمل بالطاقة النووية ومن سفينة قيادة وتموين. وأهم من ذلك كله، فإن «شارل ديغول» مكوّن رئيسي من قدرات الردع النووية الفرنسية بفضل طائرات الـ«رافال» القادرة على حمل الصواريخ النووية. وليس سراً أن قوة الردع الفرنسية تعتمد على مكوّنين: بحري وجوي. فالبحري يتمثل بأربع غواصات نووية قاذفة مزودة بـ48 صاروخاً نووياً. أما المكوّن الجوي فيتمثل بالطائرات الاستراتيجية، إن المنطلقة من القواعد الجوية أو من على متن «شارل ديغول».
وبالنظر إلى هذه الإمكانيات المتوقفة اليوم، فإن باريس تحرم نفسها من قطعة أساسية في استراتيجيتها العسكرية، وهو ما لم يتردد القادة العسكريون الفرنسيون في الإشارة إليه أكثر من مرة منذ أن رست الحاملة في مرفأها. وهنا تجدر الإشارة إلى أن فرنسا ليست فقط أوروبية القارة بل إنها منتشرة في المحيطين الهندي (في جزيرتي مايوت وريونيون) والمحيط الهادي (كاليدونيا الجديدة وبولينيزيا الفرنسية إضافة إلى أرخبيل واليس وفتونا) وفي المحيط الأطلسي (جزيرتا الغوادلوب والمارتينيك) وخصوصاً غويانا الفرنسية بشمال شرقي البرازيل. وفي الوقت عينه، فإنها تملك أراضي محاذية لكندا (جزيرتي سان بيار وميكييون). ويبني هذا الانتشار الحاجة لما يسميه العسكريون الفرنسيون «القاعدة الجوية المتنقلة» القادرة بفضل دفعها النووي الوصول إلى أي منطقة بحرية في العالم دون أدنى عائق. وما بين عام 2001 و2016. قطعت «شارل ديغول» ما يساوي 30 دورة حول الأرض وأمضت 2071 يوماً في إطار مهماتها المتنوعة وشهدت 70 عملية إقلاع وهبوط على مدرجها.

التحديات أمام «البنتاغون»
في أميركا، كان الجيش الأميركي، الذي يعد أكبر قوة عسكرية في العالم وأقواها، الدخول في تحدٍ صعب وموازنة دقيقة بين توفير الحماية لأفراده، والحفاظ على جهوزيته العسكرية في المناطق التي ينتشر فيها، من الشرق الأوسط إلى أوروبا وآسيا، في ظل قرارات «البنتاغون» الأخيرة وتداعياتها المتوقعة. وتحديداً، لجهة تحويل بعض الموارد لتلبية الحاجات الطبية جراء تفشي فيروس الجائحة بين أفراده، وإلغاء التدريبات والتنقلات العسكرية لقواته البرية والبحرية وجزئياً على قواته الجوية.
أولى تلك التداعيات كانت تراجع نشاط القوات الأميركية في سوريا، وإعادة نشرها في قواعد في العراق، عبر تخليها عن بعضها، إثر تصاعد الأخطار الناجمة عن استغلال إيران وميليشياتها تفشي الجائحة وتنفيذ هجمات متكررة على بعض القواعد. كذلك عمد الجيش إلى تقييد تحركاته في أفغانستان وأخّر تنفيذ خطط انسحاب القوات الأميركية تنفيذاً للاتفاق الذي وقع مع حركة طالبان في 29 مارس (آذار) الماضي. وأوقف أيضاً التدريبات العسكرية مع حلف شمال الأطلسي «ناتو» في أوروبا، وكذلك مع بعض الدول العربية وأيضاً مع إسرائيل. ولعل انتشار الفيروس بين أفراد القوة العسكرية الأميركية البحرية، شكل أكبر المعضلات التي واجهت «البنتاغون»، وأدت إلى إحداث بلبلة غير مسبوقة وأزمة قيادية عندما ضرب الفيروس أفراد طاقم حاملة الطائرات النووية «تيودور روزفلت» فأخرجها عملياً من الخدمة بعد رسوها في قاعدة في جزيرة غوام المحيط الهادي. وتسبب الأمر بإقالة قائد الحاملة بريت كرويزر إثر نشره رسالة إلى قيادته يطلب فيها السماح للحاملة بالرسو لمعالجة المصابين، الذين بلغ عددهم أكثر من 800 من أفراد طاقمها البالغ نحو 5 آلاف، بينهم هو شخصياً. كما استقال توماس مودلي وزير البحرية بالوكالة على خلفية تعامله مع الأزمة نفسها.
ورغم تراجع وتيرة البيانات «العملانية»، توقع قادة «البنتاغون» أن يصيب فيروس الجائحة مزيداً من سفن البحرية، مشددين على ضرورة تكيف الجيش مع هذه الأوضاع. وقال الجنرال جون هيتين، نائب رئيس هيئة الأركان المشتركة، إنه «ليس من الجيد الاعتقاد بأن (روزفلت) قضية فريدة من نوعها... لدينا الكثير من السفن في البحر..... الاعتقاد بأن ذلك لن يحدث مرة أخرى ليس وسيلة جيدة للتخطيط». وأشار إلى أن حاملة الطائرات «نيميتز»، التي ترسو في ميناء بريميرتون بولاية واشنطن، تعد للإبحار في المحيط الهادي، وعلى متنها عدد غير محدد من البحارة المصابين بالفيروس.

اختبار في مياه الخليج
وفي سياق متصل، شكلت الجائحة أول اختبار لجهوزية القوات الأميركية، مثلما كانت حافزاً لأعداء الولايات المتحدة ومنافسيها على محاولة اختبار ردة فعلها على «التحرشات». هذا ما حصل في العراق وكذلك مع إيران وروسيا والصين وكوريا الشمالية، في الأسابيع الأخيرة. إذ نفذ 11 زورقاً حربياً إيرانياً عمليات اقتراب وصفتها واشنطن بالخطرة في مياه الخليج من سفن حربية أميركية في الأسبوعين الماضيين. وبعد إعطاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب أوامره بإغراق أي مركب إيراني، أكدت قيادة المنطقة الوسطى «سانتكوم» على جهوزية عالية لمواجهة أي احتمالات «تحرش» من قبل بحرية «الحرس الثوري الإيراني» في مياه الخليج الدولية، وأن أي تعرض للمصالح الأميركية في المنطقة سيرتب نتائج سلبية وخطيرة.
أيضاً، تصدّت طائرات مقاتلة أميركية لطائرات استطلاع روسية اقتربت من المجال الجوي لولاية ألاسكا الأميركية، فيما تصدت طائرات روسية لطائرة استطلاع أميركية فوق البحر المتوسط. ونفذت الصين بعض المناورات في بحر الصين، وخصوصاً بالقرب من الجزر المتنازع عليها مع دول أخرى، وأغرقت زورق صيد فيتنامي، في تعبير عن «انزعاجها» من الوجود العسكري الأميركي في آسيا، فيما عادت كوريا الشمالية لتجربة العديد من الصواريخ قصيرة المدى والمتوسطة، وأطلقت مقذوفات نحو بحر اليابان.

روسيا: مهام مختلفة
عودة إلى روسيا، فإن الأمر لا يقتصر على المهام التي يمكن أن ينفذها الجيش الروسي لمساعدة السلطات في تنفيذ قرارات العزل، إذ بدا واضحاً تعاظم دور المؤسسة العسكرية في البلاد كواحد من تداعيات انتشار جائحة «كوفيد - 19»، مما أثار سجالات كثيرة على المستوى الداخلي. ويذكر أن بوتين كان قد قال في اجتماع حكومي إن «العسكريين الروس أثبتوا كفاءة عالية واكتسبوا خبرات مهمة في مواجهة الوضع في عدد من البلدان الأجنبية، وهذه الخبرة يجب أن تستخدم على الصعيد الداخلي». ووفقاً لبوتين فإن المؤسسة العسكرية قادرة على تسريع عمليات بناء المراكز الطبية ومستشفيات مسبقة التجهيز في وقت قياسي، وهو أمر تحتاج إليه البلاد كثيراً، خصوصاً مع الإعلان عن نقص حاد في هذا المجال.
ولم يطل انتظار تطبيقات ذلك، إذ سرعان ما أعلن عن إطلاق الجيش نشاطاً واسعاً لبناء عشرات المستشفيات في مناطق روسية مختلفة. وتبع ذلك التركيز على أن المؤسسة العسكرية تحديداً ستسهم في توفير لقاح ضد الفيروس. وكتبت وسائل إعلام روسية أن الأقسام العلمية التابعة لوزارة الدفاع بدأت بالفعل نشاطاً واسعاً في هذا الاتجاه. وهنا أيضاً برزت ضرورة الاستعانة بالخبرات العسكرية الروسية التي تراكمت خارجياً، وقالت مصادر إن تجربة علماء الأوبئة العسكرية الروسية الذين عملوا في أفريقيا وآسيا مع إصابات خطيرة بشكل خاص ينخرطون حالياً في تجربة لقاحات تم تجريبها في إيطاليا وصربيا وأرمينيا.

اهتمامات بحثية طبية
ووفقاً للجنرال إيغور كيريلوف، رئيس قوات الحماية من الإشعاع والكيمياء والبيولوجية التابعة للقوات المسلحة للاتحاد الروسي، فإن المتخصصين في المعهد المركزي الثامن والأربعين للبحث العلمي وهو مركز يحاط نشاطه بسرية مطلقة في العادة، يعكفون على تطوير لقاحات حالياً. وكان هذا المركز نظم نشاط مكافحة وباء الجمرة الخبيثة في يامال في صيف عام 2016. ووفقاً للمصادر العسكرية، فقد شارك معهد الأبحاث الثامن والأربعون أيضاً بنشاط في تطوير لقاح ضد إنفلونزا الطيور. لكن تعاظم دور المؤسسة العسكرية برز أيضاً على المستوى الخارجي، وأثارت المساعدات الطبية الروسية المرسلة لبلدان مختلفة موجة سجالات وتساؤلات كثيرة على خلفية اتهامات للكرملين باستخدام الكارثة العالمية في مواجهة الـ«كوفيد - 19» سياسياً، من خلال تعميق السجالات في أوروبا والعالم والتركيز على نقطة ولادة عالم جديد بخريطة قوى مختلفة في المرحلة التي تلي انحسار الجائحة.

مساعدات خارجية
وأرسلت وزارة الدفاع عشرات الطائرات العسكرية محملة بمواد مختلفة وطواقم طبية إلى إيطاليا التي «أغلقت حولها الحدود»، وبدت كما يقول مسؤولون روس: «وحيدة في مواجهة الكارثة التي حلت بها».
وظهرت أدوار جديدة للعسكريين الروس في بلدان مثل فنزويلا وإيران وسوريا، في إطار ما وصف بأنه «مساعدات وتدريبات لرفع كفاءة المؤسسات المحلية في مواجهة الفيروس». ولم تلبث موسكو أن أعلنت عن إرسال طائرة عسكرية من طراز «أنتونوف» إلى الولايات المتحدة تحمل مساعدات إنسانية وكمامات ومستلزمات طبية أخرى أساسية لمكافحة الفيروس. وشكلت هذه خطوة غير مسبوقة، فهذه أول طائرة تابعة للقوات الجوية الروسية تحط على الأراضي الأميركية. وبدا المشهد استعراضاً سياسياً قوياً، وفي مقابل تأكيد وسائل إعلام غربية أن «المساعدات العسكرية الروسية» لا جدوى منها وأن هدفها استخدام الكارثة لتحقيق أغراض سياسية، دافعت موسكو بقوة عن موقفها وتحدثت عن ضرورة «التضامن العالمي في مواجهة الجائحة». وبدا من كل تلك التطورات أن الجيش تحديداً بات يلعب الدور الأساسي في تعزيز النشاط الدبلوماسي وتمدد الوجود الروسي في مناطق جديدة، ولكن كان غريباً في هذا المسار أن تعلن موسكو أخيراً أن نحو عشرة بلدان في منطقة الشرق الأوسط «طلبت مساعدة روسية لمواجهة الجائحة». وهذه مهمة إذا اتفق عليها ستناط بالجيش الروسي.
ومع امتداد نشاط الجيش داخلياً وخارجياً، أثار التركيز على دور العسكريين ردود فعل متباينة، وفي مقابل تأكيد الوكالات الرسمية على أهمية هذا الدور في هذه المرحلة بالتحديد، خصوصاً لأن لدى المؤسسة العسكرية قدرات كبيرة يمكن الإفادة منها، فإن معلقين انتقدوا هذا التركيز ورأوا فيه واحداً من التجليات المحتملة للمرحلة المقبلة، من خلال أن بوتين يعزز القطاعات الأمنية والعسكرية مستغلاً الأزمة الحالية، وأن ما يجري يمهد للمرحلة المقبلة ليس في روسيا وحدها، بل وفي بلدان عديدة أخرى ستغير أولوياتها وفقاً لمحللين بعد انتهاء المعركة مع الوباء وتتجه لتعزيز الأنظمة الداخلية الوطنية بقدر أكبر من الانعزال والابتعاد عن سياسات الليبرالية والعولمة. وكتب ديمتري غودكوف وهو معارض ونائب سابق في مجلس الدوما، أن «الوباء سوف ينحسر عاجلاً أو آجلاً، لكن القوانين التي تسن حالياً والإجراءات التي تتخذها السلطات سوف تبقى لفترة طويلة مقبلة».

القوى الكبرى حوّلت جهودها لمكافحة الجائحة... والأولويات العسكرية العالمية تتراجع
> في لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال العميد الركن المتقاعد خالد حمادة، مدير المنتدى الإقليمي للاستشارات والدراسات في العاصمة اللبنانية بيروت، إنه بعد حملة التعقيم والتطهير التي قامت بها البحرية الفرنسية لحاملة الطائرات «شارل ديغول» والقطع المرافقة في مرفأ طولون العسكري بجنوب فرنسا «يمكن لها أن تعود إلى المياه الدولية»، لكنه يشير إلى أن هذه القضية الآن ليست بالأهمية القصوى.
ويتابع أن «التجارة الدولية في هذا الوقت تقلصت إلى مستويات كبيرة، كما أن المشروع الأميركي لبسط سيطرة الولايات المتحدة على طريق التجارة الصينية من المحيط الهادي إلى بحر الصين والمحيط الهندي، لم يعد في هذه الظروف مجالاً للتنافس لأن الاقتصاد العالمي تجمّد، وبالتالي، تبدلت الأولويات وفقد التنافس على السيطرة أهميته».
حمادة، وهو باحث عسكري واستراتيجي، لا يرى - في المقابل - أن ثمة تأثيراً عسكرياً لتلك التطورات، بالنظر إلى أن الجيوش «تستطيع تبديل طواقم العمل في حال كانت هناك إصابات، وتستأنف نشاطها العسكري إذا دعت الحاجة»، علماً بأن الحروب الآن معلقة «بسبب تبدل الأولويات نحو مكافحة الفيروس». ويعزز تقييمه بأنه «لا إصابات بالغواصات التي تشكل قوى بحرية هائلة، حتى أنه لم تُرصد إصابات داخل التجمعات العسكرية البحرية مثل قوى (المارينز) الأميركية، وبالتالي فإن الجيوش لا تزال قادرة للحفاظ على قدراتها».
من ناحية ثانية، لم يرصد حمادة نقاطاً ساخنة في ظل تبدل الأولويات إلا محاولة التحرش الإيرانية بالسفينة العسكرية الأميركية خلال الشهر المنصرم، مشيراً إلى أن إيران «تحاول الخروج من أزمة كورونا وتدني مستويات الاقتصاد، محاولة إظهار (حيوية عسكرية بالحفاظ على النمط الهجومي داخل الخليج) رغم الإصابات بالـ(كوفيد - 19) التي سجلت في إيران وتعطل الحركة التجارية وتوقف الحياة في البلاد». ويقول إن «إطلاق القمر الصناعي يصب بالموضوع نفسه، إذ تسعى إيران للقول إنها تطلقه لتعبر عن خطوة متقدمة على طريق توجيه الصواريخ الباليستية، وهذا ما يدخل المنطقة في مرحلة الخطر المتزايد لأن توجيهها بدقة وإيصالها لآلاف الكيلومترات يمثل خطراً على الأمن والسلام الإقليميين».
ويعود حمادة إلى ملف تأثير الجائحة على العمليات العسكرية من زاوية تأثيره على كل الناس، «إذ ساهم بشل قدرات أو على الأقل خفض قدرات التمويل العسكرية»، وعليه «لم تعد العمليات العسكرية تحتل قائمة القرارات الكبرى، ولم يعد لديها أولوية»، لكنه يؤكد أنه «إذا ارتفع مستوى التهديد لأي دولة كبرى، ستقفز العملية الدفاعية إلى الصف الأول»، لافتاً إلى أنه «رغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل على عاتقه مسؤولية مواجهة انتشار الجائحة ويقف وراء الجهود لمكافحته، فإنه إذا حصلت تحديات عسكرية سيعطيها أولوية، ويعيد بالتالي الأولويات الأمنية إلى المربع الأول، ويكون مرتاحاً من ضغوط الديمقراطيين ليعود ويلعب الدور للحفاظ على الولايات المتحدة كقوة عظمى أولى بالعالم».



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟