سيرجيو مورو... مسيرة قاضٍ جريء نحو القمة

وزير العدل الشاب يهدد رئاسة بولسونارو في البرازيل

سيرجيو مورو... مسيرة قاضٍ جريء نحو القمة
TT

سيرجيو مورو... مسيرة قاضٍ جريء نحو القمة

سيرجيو مورو... مسيرة قاضٍ جريء نحو القمة

في أواخر العام 2014 كانت وسائل الإعلام البرازيلية قد بدأت تتناقل الأنباء عن «مآثر» القاضي الفيدرالي الشاب سيرجيو مورو الذي كان يدير قسم الجنايات المالية في محكمة ولاية بارانا البرازيلية الجنوبية، المعروفة بمنتجعاتها السياحية الفخمة، حيث اعتادت عائلات ثريّة من البرازيل وبعض بلدان أميركا اللاتينية تمضية فترات العطلة والاستجمام، وحيث تعيش جالية كبيرة من المتحدرين من أصول لبنانية.
قبل نهاية تلك السنة، وبعد أن كان مورو قد كشف عدداً من فضائح الفساد الضريبي والرشاوى وعمليّات غسل الأموال، وضع يده على قضية احتيال كبيرة بطلها المصرفي ألبرتو يوسف الذي كانت تحوم حولها شبهات كثيرة بتهريب الأموال وتبييضها.
مع التوغّل في التحقيقات في الفضائح الكبرى انكشفت للقاضي سيرجيو مورو حالات فساد واسعة تطال شخصيّات سياسية واقتصادية من الصف الأول. وعندها عقد العزم على تفكيكها فيما صار يعرف بعملية «لافا جاتو» Lava Jato - أي «غسل السيارات» - التي سرعان ما تحوّلت إلى أكبر قضية فساد مالي وسياسي في تاريخ البرازيل وأميركا اللاتينية.
هذه القضية أسقطت عدداً من رؤساء الجمهورية وكبار السياسيين ورجال الأعمال، ورفعت مورو إلى مصاف «البطل القومي»، ووضعته على منصّة الانطلاق نحو مستقبل سياسي لم يتأخر في الوصول إليه عندما عرض عليه الرئيس اليميني الجديد جاير بولسونارو، الآتي من رحم الغضب الشعبي العارم الذي ولّدته فضائح الفساد السياسي، حقيبة العدل والأمن العام وجعل منه أحد الرموز الأساسية لولايته.

بداية التوتر
إلا أنه بعد مضي سنة ونصف على بداية تلك العلاقة التي شهدت فصولاً من التوتّر في الأشهر الأخيرة، انتهى «شهر العسل» السياسي بين الرجلين. وبينما أخذت تترنّح رئاسة بولسونارو وتتراجع شعبيته تحت وطأة جائحة «كوفيد - 19» وإدارته المتعثّرة لها، قرّر مورو أن ساعته قد أزفت لقطف ثمار شعبيته التي واصلت صعودها. وهكذا، فصل مساره عن مصير الرئيس الذي تحاصره الانتقادات من كل حدب وصوب ويتكاثر المطالبون بعزله، أعلن استقالته موجّها اتهامات خطيرة إلى بولسونارو بمحاولة التدخل في تحقيقات قضائية جارية حول قضايا تطال اثنين من أبنائه، دفعت المحكمة العليا إلى إصدار مذكّرة باستجوابه.
عندما عُيّن مورو قاضياً فيدراليّاً عام 1996. بعد نيله شهادة الدكتوراه في الحقوق من جامعة بارانا الفيدرالية، ودراسته لفترة في جامعة هارفارد الأميركية العريقة، فإنه كان لم يزل في الرابعة والعشرين من عمره. ويومذاك بدت عليه ملامح جرأة كانت مثار إعجاب وغيرة بين زملائه، الذين غالباً ما اتهموه برغبة جارفة في الظهور وبالسعي للاستفادة من منصبه للوصول إلى مآرب سياسية.
وبالفعل، تمكّن خلال سنوات من كشف العديد من قضايا الفساد المالي التي أودت بمسؤولين كثيرين إلى السجن، وأطلقته نحو الشهرة في بلد موصوف بالفساد المستشري في مؤسساته وأجهزته الرسمية وإفلات المسؤولين عنه من العقاب.
وعندما باشر مورو تحقيقاته في قضية «بانيستادو» Banestado حول شبكة مصرفية واسعة لتبييض الأموال، تبيّن له أن المسؤول الرئيسي عن هذه العمليات هو ألبرتو يوسف، الذي وصفته الـ«نيويورك تايمز» يومها بأنه «المصرفي البرازيلي المركزي في السوق المالية السوداء» وقالت عنه «بلومبيرغ» بأنه «المبيّض الرئيسي للأموال في البرازيل».
أيضاً، كشفت التحقيقات مع يوسف أنه كان أيضا الوسيط الرئيسي الذي يوزّع العمولات والرشاوى التي كانت تدفعها شركة النفط البرازيلية العملاقة «بتروبراس» Petrobras على المسؤولين السياسيين والإداريين للحصول على عقود مشاريع تنفذها في البرازيل والخارج. ولقد عرض عليه مقايضة تخفيف العقوبات باعترافات وأدلة سرعان ما فجّرت أكبر قنبلة قضائية وسياسية في تاريخ البرازيل الحديث، وجعلت من مورو أحد الأشخاص الأكثر تأثيراً في بلاده حسب استطلاع قامت به صحيفة «أو غلوبو» O Globo الواسعة الانتشار.
أُطلق على تلك القضية التي هزّت البرازيل وما زالت تداعياتها السياسية تتردد إلى اليوم اسم Lava Jato – ويرتبط الاسم (غسل السيارات) بمجموعة من المحطات لغسل السيارات كانت رأس خيط التحقيقات التي أوصلت إلى الكشف عن شبكة واسعة من الفساد السياسي والإداري. ومن ثم، أودت بالعشرات من نخبة من السياسيين ورجال الأعمال إلى السجن، وطالت كل الأحزاب السياسية، خاصة حزب العمّال اليساري الذي كان في الحكم منذ العام 2003.

شخصية تنقسم حولها الآراء
وبينما كانت شعبية مورو تصعد بقوة، ويرى فيه أنصاره «بطلاً قومياً ضد الفساد»، في حين يتهمه خصومه بأنه «وصولي متعطّش للشهرة والسلطة»، أصدر القاضي الشاب أوامره إلى الشرطة القضائية الفيدرالية بمداهمة منزل لويس ايغناسيو لولا، رئيس الجمهورية اليساري السابق والسياسي الأوسع شعبية في تاريخ البرازيل، واقتياده للتحقيق بتهمة الفساد فجر الرابع من مارس (آذار) 2016.
ذلك المشهد الذي ظهر فيه لولا محاطاً برجال الشرطة، ومقيّداً يساق إلى التحقيق، كان نقطة مفصليّة في التاريخ السياسي البرازيلي الحديث. وما زال ذلك المشهد محفوراً في ذاكرة البرازيليين الذين انقسموا بين أقليّة تناصبه العداء وأكثريّة تعتبره «المخلِّص من الفساد».

وبعد جلسة أوليّة للتحقيق، أصدر مورو مذكّرة بإرسال لولا إلى الحبس الاحترازي. وأجهض كل المحاولات التي قام بها الرئيس السابق لإخراج القضية من قبضة مورو، الذي نشر تسجيلات هاتفية تكشف مساعي لولا للتهرّب من العدالة.
وعلى الأثر، أدت مراحل التحقيق الأولى والمحاكمات التي عقبتها إلى سجن عشرات النواب، وطالت عدداً من رؤساء الجمهورية وكبار المسؤولين في بلدان أميركية لاتينية مثل البيرو وبوليفيا وتشيلي. كذلك أودت إلى السجن بزوجة رئيس مجلس النواب بتهمة غسل الأموال وإلى تعليق رئاسة زوجها. وقبل نهاية ذلك العام كان مجلس الشيوخ يقرّر أيضاً عزل رئيسة الجمهورية اليسارية ديلما روسّيف بعد إدانتها بتهمة «هندمة» الموازنة العامة والتوقيع على مراسيم اقتصادية من غير موافقة البرلمان. وكانت روسّيف قبل وصولها إلى الرئاسة من أقرب السياسيين إلى لولا، وكانت تولّت إدارة مكتبه وعدداً من الحقائب الوزارية في حكوماته.

التغيير اليميني بعد إسقاط اليسار
بعد سقوط روسّيف نهاية أغسطس (آب) 2016 وتولّي نائبها رئيس مجلس النواب ميشال تامر - المتهم هو أيضا بقضايا فساد - رئاسة الجمهورية، وضع البرازيليون كل آمالهم بالتغيير وتجديد الحياة السياسية وتطهيرها من الفساد في سيرجيو مورو، بينما كانت البلاد تستعدّ لانتخابات رئاسية حاسمة في أجواء من الاهتراء السياسي والنقمة الشعبية العارمة. غير أن شعبية لولا بقيت هي الأوسع رغم وجوده في السجن والاتهامات الموجهة إليه والأحكام الصادرة بحقه، وأصرّ على ترشيحه للرئاسة في انتظار صدور أحكام قضايا الاستئناف التي كان قد رفعها.
في هذه الأثناء كانت أسهم مرشّح يميني متطرف مغمور اسمه جاير بولسونارو ترتفع بشكل سريع ومفاجئ. وكان وراء صعوده دعم مجموعات اقتصادية ودينية (إنجيلية خصوصاً) نافذة تريد التخلّص من حكم حزب العمال اليساري بأي ثمن، وبنقمة شعبية عارمة ضد حزب العمّال وقيادته بعد فضائح الفساد التي كشفها مورو وكانت الطبق الذي قدّم رئاسة الجمهورية إلى بولسونارو.
وحقاً، بعد فوز بولسونارو في الانتخابات الرئاسية عام 2018، بادر الأخير إلى إسناد حقيبة وزارة العدل والأمن العام لمورو الذي تحوّل إلى إحدى الركائز الأساسية في حكومته. وما كان الرئيس يوفّر مناسبة كي يشيد بإنجازات مورو في مكافحة الفساد وتجديد العمل السياسي. كذلك كانت وسائل الإعلام تتحدث عن «شهر عسل سياسي» بين الاثنين واحتمالات قويّة بخوضهما سويّة معركة الرئاسة في انتخابات العام 2022.
ولكن مع بداية العام الجاري، وبينما كانت إدارة بولسونارو لأزمة الـ«كوفيد - 19» تتعرّض لانتقادات شديدة في الداخل والخارج، وتتراجع شعبية الرئيس حتى في الأوساط التي كانت تؤيده، بدأت تظهر بوادر التوتّر في العلاقات بين مورو وبولسونارو. وازداد التوتر عندما فصل بولسونارو الأمن العام عن الوزارة التي يتولّاها مورو، فقاوم الأخير بشدة تلك المحاولات، إلى أن عاد عنها الرئيس خشية الدخول في مواجهة علنية مباشرة مع وزيره، الذي كان قد أصبح السياسي الأوسع شعبية في البرازيل.

المواجهة والاستقالة
وبعد إقالة وزير الصحة، الذي كان يعترض علناً على إدارة بولسونارو أزمة جائحة «كوفيد - 19»، عادت المواجهة بين الرئيس ومورو إلى الواجهة عندما قرّر بولسونارو إقالة مدير الشرطة الفيدرالية الذي كان مورو قد عيّنه، وحاول تعيين مدير جديد مقرّب منه. عندئذ قرر مورو فتح باب المواجهة مع الرئيس على مصراعيه، وفجّر قنبلة استقالته في أصعب الظروف التي يمرّ بها بولسونارو منذ وصوله إلى رئاسة الجمهورية، ممهداً لمعركة تنتظر تحديد موعد لبدايتها.
ولم يكتفِ مورو بإعلان قرار استقالته من الحكومة التي كان إحدى ركائزها الأساسية، بل دعا إلى مؤتمر صحافي حاشد وجّه فيه اتهامات خطيرة ضد بولسونارو. وقال إنه يحاول التدخّل في التحقيقات الفيدرالية التي تتناول قضايا فساد تتعلّق باثنين من أبنائه. كذلك كشف مورو عن رسائل نصّية تبادلها مع بولسونارو تبيّن أن الرئيس حاول التدخّل في تلك القضايا. أدت هذه الاتهامات إلى إصدار المحكمة العليا قراراً بفتح تحقيق ضد بولسونارو، كما أمرت بتعليق تنفيذ قرار تعيين قائد جديد للشرطة الفيدرالية قبل ساعات من حفل تنصيبه، الذي كان من المقرر أن يتمّ في قصر رئاسة الجمهورية.
في المقابل، في محاولة لتطويق مضاعفات استقالة «نجم» حكومته وحملته الانتخابية ظهر بولسونارو، محاطاً ببقيّة أعضاء الحكومة، ليدحض الاتهامات الموجهة إليه. وقال بأنه منذ اليوم الأول ضمن لوزير العدل استقلالية القرار عن رأس هرم السلطة، نافياً أن يكون قد حاول التدخّل في تحقيقات تتعلْق بأفراد أسرته، وتابع أن المعلومات التي قدّمها مورو عارية عن الصحة.

برنامج سياسي فعلي
في أي حال، كان لافتاً أن بيان الاستقالة الذي تلاه مورو في مؤتمره الصحافي جاء بمثابة برنامج سياسي للرجل الذي أصبح النجم الصاعد في المشهد السياسي البرازيلي الذي يحاصر بولسونارو من كل الجهات، ويضعف حظوظه حتى بإكمال ولايته. وبعد توجيه سلسلة من الاتهامات ضد الرئيس انصرف مورو للدفاع عن سجلّه في مكافحة الفساد والعنف. وتحدّث عن المحاولات المتكررة التي قام بها بولسونارو للحد من استقلالية القضاء والتدخّل في شؤون المؤسسات الرقابية. وقال إنه عندما تجاوب مع عرض الرئيس لتولّي وزارة العدل والأمن العام كان على أساس مواصلة حملته ضد الفساد «لكن الرئيس حنث بوعده عندما تعلّق الأمر بعائلته». وأردف «كان يريد مديراً للشرطة يتصّل به ليعطيه تعليمات ويطلب إليه تزويده بالمعلومات وتقارير المخابرات، الأمر الذي يشكّل انتهاكاً لمبدأ الفصل بين السلطات وخرقاً لاستقلالية السلطة القضائية». واستطرد مورو قائلاً بأنه حاول حتى اللحظة الأخيرة التوصّل إلى حل يمنع انفجار هذه الأزمة في مثل هذه الظروف، وأن «مثل هذا التدخّل السافر لم يحصل من طرف الحكومات السابقة عندما كان بعض أعضائها يخضعون لتحقيقات قضائية».
هذا، وتجدر الإشارة إلى أن مورو كان قد رفض طلباً تقدّم به فلافيو - أحد أبناء الرئيس والعضو في مجلس الشيوخ، وهو متهّم بغسل الأموال - لتقييد استخدام البيانات المالية في التحقيقات القضائية. كما أن ابن بولسونارو الآخر إدواردو - وهو عضو في البرلمان الفيدرالي الذي سعى والده لتعيينه سفيراً لدى الولايات المتحدة - يواجه أيضا تهماً بالفساد المالي وتنظيم حملات لنشر معلومات مزيّفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
ختاماً، لم يكشف مورو بعد عن أوراقه السياسية التي لا يشكّ أحد في أنه لن يتأخر في طرحها عندما تنتهي الجائحة الصحيّة، التي ليس معروفاً كيف سيخرج بولسونارو من كابوسها. وإذ يكثر الحديث منذ أيام عن احتمال استقالة وزير الاقتصاد باولو غيديس، وهو نجم آخر في الحكومة، يرجّح المراقبون أن يكون هذا الثنائي الذي يتمتع بشعبية واسعة في الداخل وبدعم كبير في الأوساط الاقتصادية الدولية، هو العنوان الرئيسي للمشهد السياسي البرازيلي على أبواب الانتخابات الرئيسية المقبلة.



مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.