الشاعر المغربي حسن نجمي: آن الأوان لخروج الرواية المغربية من حديقتها المسورة

يتهيأ لإصدار رواية جديدة ومجموعتين شعريتين بالفرنسية

الشاعر المغربي حسن نجمي: آن الأوان لخروج الرواية المغربية من حديقتها المسورة
TT

الشاعر المغربي حسن نجمي: آن الأوان لخروج الرواية المغربية من حديقتها المسورة

الشاعر المغربي حسن نجمي: آن الأوان لخروج الرواية المغربية من حديقتها المسورة

* لا أومن بكتابة روائية لا تقوم على البحث والتحري وتعميق القراءة، فضلا عن رصيد الكاتب ومدخراته المعرفية.
* طالما أن المفكرين والأدباء العرب لا يكتبون عن الغرب، سيبقون متقوقعين في عوالمهم، فلكي تصبح الكتابة حقيقية، يجب أن تعيش الوحدة الكونية.

الشاعر والكاتب حسن نجمي، أحد المبدعين المغاربة المهمين على خريطة الأدب المغربي المعاصر، الذين برهنوا على تنوع الكتابة الأدبية الإبداعية بين الشعر والرواية والنقد. له حضور متميز في الثقافة المغربية منذ ثلاثة عقود.
بعد أن نشر عددا من المجاميع الشعرية، صدرت له روايتان، «الحجاب» و«جيرترود» ويتهيأ لإصدار روايته الثالثة «لا أحد رأى الملك في القمر». وهو ليس الشاعر الوحيد الذي جمع بين كتابة الشعر والرواية، فقد سبقه أو جايله نخبة من الشعراء الذين خاضوا كتابة الرواية منهم: محمد الأشعري وأحمد المديني وأحمد عبد السلام البقالي، وعبد الله زريقة، كما هناك الطاهر بن جلون ومحمد خير الدين وعبد اللطيف اللعبي ورجاء بنشمسي ومحمد حمودان في التجربة الأدبية في دور نشر فرنسية معروفة في باريس.
في حوارنا هذا يتحدث نجمي عن علاقة الشعر بالسرد الروائي:

* كيف انتقلت من الشعر إلى الرواية، هل الرواية أكثر قدرة على التعبير عن عوالمك؟
- لا أتصور أن الأمر يتعلق بقرار مسبق. قد أكون انتقلت من الحالة الشعرية إلى الحالة السردية. الكتابة تعلو على الأمر الشخصي المقصود. بدأت أكتب الشعر في سن مبكرة وراكمت عددا من المجاميع الشعرية وأحيانا تجد المرء نفسه مدفوعا أو مضطرا ليكتب في جنس آخر غير الشعر كالرواية مثلا، لكن في النهاية ليس هناك من فاصل هندسي واضح بين الحالة الشعرية والحالة الروائية، على الأقل من خلال تجربتي الصغيرة والمتواضعة. أكتب الرواية ولكنني أبقى في العمق شاعرا. أتعامل مع الأحداث والوقائع والشخصيات بروح الشعر، صحيح أن الرواية لها تقنياتها المعلومة ولكن مع ذلك لا أستطيع التخلص من وضعيتي الاعتبارية كشاعر، ولا أفصل نفسي عن العلاقة الشعرية مع الأشياء والموجودات واللغة والآخرين والمجتمع، إذ لدي إحساس أنني شاعر في كتابة المقالة والسرد، والمحاضرة والقضايا الفكرية. ينبغي أن لا يتحول ذلك إلى نوع من التحايل أو الإحساس بالضعف. أحيانا نتكلم بهذه الصيغ كي لا نتيح للنقاد والقراء الكبار نوعا من حالات الارتباك التي نستشعرها ونحن مقبلون على كتابة الرواية. الأمر ليس بهذا المعنى. وللحرص على روح الشاعر في قلب الرواية، تبقى المسألة «الأجناسية» مجرد إجراءات أكاديمية وإعلامية، تساعد القراء غير المتخصصين والباحثين الشغوفين بالترتيبات ووضع الخانات، على فرز الأشياء وتوضيحها.

* هل تكتب الشعر والرواية بنفس الطريقة أم هناك اختلاف؟
- يمكنني القول نعم، أكتب بنفس الطريقة والطقوس، وبنفس اللحظة الملائمة للمزاج وروح الكتابة، سواء في كتابة القصيدة أو الرواية أو المقالة. وتظل الرواية مسلحة بالروح الشعرية، إذ لا يوجد أدب من دون شعر كما يقول بورخيس، لأن أي أدب يجب أن يحمل روحا شعرية، ويحقق شيئا من الأدبية، وليس شيئا آخر سوى روح الشعر، أي لا وظيفة للكتابة إلا في حد ذاتها كما سماها جاكوبسون ذات يوم.

* لماذا اخترت شخصية جيرترود التي لا يعرفها العرب كثيرا؟
- كان الاختيار مجرد مصادفة، حيث كنت أتردد في 1985 أو 1986 على باعة الكتب المستعملة في المدينة العتيقة في الدار البيضاء، اقتنيت ذات يوم مجموعة من الكتب الفرنسية، من بينها، عثرت على سيرة الكاتبة الأميركية جيرترود شتاين بالفرنسية والتي صدرت عن منشورات غاليمار في عام 1930، وهي في الوقت نفسه، أيضا سيرة أرستو كلاس، التي تربطها بجيرترود علاقة خاصة. وقد كان صدورها حدثا أدبيا وإعلاميا كبيرين، لأنها تضمنت الحقائق اليومية الخاصة لمجموعة من الكتاب والأدباء، وفي مقدمتهم بيكاسو وجورج براك وهنري ماتيس. وأثارت ردودا من الاستهجان والاستنكار والتهكم. وكان السؤال المثير هو: كيف سمحت جيرترود لنفسها أن تكتب بهذا العراء الكامل عن نفسها وعن الآخرين. عندما قرأت هذه السيرة لفت انتباهي الأسلوب الذي انتهجته الكاتبة، فهي لم تتحدث عن نفسها بضمير المتكلم. بل جعلت أرستو كلاس تتحدث عنها، (أي سيرة ذاتية على لسان صديقتها). وفي آخر السيرة تقول لقد حاولت مرارا أن أدفع أرستو كلاس إلى كتابة سيرة حياتها باعتبارها عاشت الأحداث ذاتها معي، ومع كبار العباقرة الذين عرفتهم، لكنها ظلت تتلكأ وتتردد في ذلك، فتوليت الأمر بنفسي، وها هي سيرتي وسيرتها.

* ما الذي أثار انتباهك في سيرتها؟
- أثارت انتباهي إشارتان، الأولى عندما كان بيكاسو يحضر أحد معارض صديقه جورج براك، وهما ابتكرا التكعيبية في الفن، أصر على أخذ لوحة، لأنها أعجبته، وفي إطار التبادل الذي كان سائدا بين الفنانين ولا يزال، وهكذا يفعل جورج براك. وهي تذكر أن بيكاسو كان يضع لوحة براك على الجدار ويسخر منها قائلا: هل هكذا يرسم الفنان؟ وفي الحقيقة، إنهما يختاران أسوأ لوحة يمكن أن يجدوا فيها مداخل للنقد والتجريح. أعجبتني هذه الملاحظة، وكنت أستخدمها في خصام الكتاب والفنانين في المغرب والعالم العربي. والإشارة الثانية التي أثارت انتباهي زيارة أرستو كلاس وجيرترود طنجة في 1912. وكان ماتيس قد زار طنجة في 1911، وتحدث عنها من خلال المراسلات والبطاقات. وجاء ذكر شاب اسمه محمد في طنجة أخذهما إلى عائلته في البادية، وقال لهم: إنهم بدو لكنهم حريصون على نظافة بيوتهم، وملابسهم. وكان محمد هذا ملما بكل مجريات السياسة في بلاده، إذ ذكر أن مولاي السلطان حفيظ سيستقيل من منصبه، وذكر المبالغ التي تسلمها من السلطات الاستعمارية الفرنسية. وبعد ذلك نشرت الصحف الإسبانية المعلومات ذاتها. وقد أثارت لدي هذه الحادثة ركاما من الأسئلة عن حياة الشاب محمد. وقد يكون على قيد الحياة لحد الآن وقد تربى في قصر مولاي حفيظ في طنجة.

* هل لهذا السبب تحول الشاب محمد إلى إحدى شخصياتك في الرواية؟
- فكرت بإعادته إلى الحياة وتشييد هوية له، وبدأت أشتغل على شخصية الشاب محمد والفترة التي عاش فيها، أي عام 1912 حيث كان المغرب يعيش تحت نير الاستعمار وكانت طنجة مدينة دولية خاضعة لجهات متعددة، إنجليزية وألمانية وإسبانية.. إن محمد يبقى شخصية متخيلة بكل المقاييس، ولا ينبغي أن نحمله ما لا يحتمل. ولذلك، ذهبت بعيدا جدا في تفصيل حياته ونحت شخصيته ليصبح مقنعا كما لو كان حقيقيا تماما. كما اشتغلت على شخصية جيرترود وقرأت معظم كتبها بالإنجليزية، وقمت بزيارة بيتها في باريس، الكائن بجوار حديقة لوكسمبورغ، حيث يعلو البناية لوحة رخامية، تشير إليها، أزوره كلما ذهبت إلى باريس.

* هل تعتبر روايتك سيرة أخرى لجيرترود؟
- سيرة عربية لها بكل تأكيد، حيث جمعت كل عناصر شخصيتها البيوغرافية، واستبداديتها وتسلطها وهشاشتها ونقاط ضعفها. وقد قال عنها الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد: الكاتب في رواية جيرترود نحت شخصية واقعية، وهي جزء من التاريخ الأدبي إلى أن أصبحت شخصية متخيلة، ثم نحت شخصية الشاب محمد المتخلية حتى أصبحت واقعية.

* المعروف عن جيرترود أنها شخصية متعددة الاهتمامات من خلال علاقتها بالمبدعين الآخرين وخصوصا في مجال الفن التشكيلي؟
- هذا صحيح، إنها شخصية اشتهرت كإحدى أهم نساء ورجال العالم الذين شغفوا باقتناء وجمع اللوحات الفنية لكبار فناني القرن التاسع عشر والقرن العشرين. واشتهرت بهوايتها هذه أكثر مما اشتهرت بكتابتها الأدبية. لقد كتبت الشعر والأوبرا والنقد الفني أيضا، ولم تشتهر بكل ذلك. وهناك أيضا فضاء باريس في عصرها الذهبي، بكل فنانيها التشكيليين الكبار كما تعلم من خلال معايشتك لباريس فترة طويلة. وحاولت أن أمزج كل ذلك باهتمامي بالفن التشكيلي العربي، وبالوشائج التي تربط الشعر بالفن التشكيلي.

* نفهم من ذلك أنك تعد العدة لكتابة رواية كهذه؟
- بالتأكيد. لا أومن بكتابة روائية لا تقوم على البحث والتحري وتعميق القراءة، فضلا عن رصيد الكاتب ومدخراته المعرفية. حين أفكر في كتابة رواية، يجب أن أستدعي كل ما تعلمته من قراءاتي الروائية ومشاهداتي السينمائية والمسرحية. والروايات العظيمة الراسخة في ذهني، تتميز بشخصيات ذات خبرة مأساوية أو نزوع نحو شك وجودي أو فلسفي أو شخصيات معطوبة. يمكن القول إن الهشاشة الإنسانية هي التي تصنع - في تقديري - الأدب العظيم.

* هل الكتابة عن الآخر باب جديد في أدبنا العربي؟
- تحدث المفكر المغربي عبد الله العروي عن المفكر غرانباون، الذي قال له أثناء لقائه: طالما أن المفكرين والأدباء العرب لا يكتبون عن الغرب، يبقون متقوقعين في عوالمهم. ولكي تصبح الكتابة حقيقية، يجب أن تعيش الوحدة الكونية، والرواية المغربية إذا ظلت تدور في فلك المحلية، فإنها تبقى أسيرة حديقتها المسورة. هناك عشرات المواضيع التي تستحق الكتابة عنها. وطنجة تحمل عشرات من هذه القصص. لقد كان تشرشل يتردد على فندق المأمونية.. يفتح نافذة غرفته ويرسم. كما أن بورخيس زار مراكش مرتين، وتردد على ساحة جامع الفناء باعتباره تراثا شفويا عالميا. أظن أن الرواية الجيدة تحتاج إلى قارئ جيد بالضرورة. وكم نحن في العالم العربي، بحاجة إلى كتابة روائية تلامس علائقنا بالآخرين، وذلك عبر علائق زمننا بالكتابة التي وضعت أزمنة روائية تثير الأسئلة أكثر مما تجيب.

* أيهما يحوز على قراءاتك الشعر أم الرواية؟
- إنني أقرأ من الروايات أكثر مما أقرأ من الشعر، على الرغم من أنني شاعر أساسا.

* هل يمكن أن تتحدث لنا عن أعمالك المقبلة؟
- أتهيأ حاليا لإصدار روايتي الثالثة، كما ستصدر لي مجوعتان شعريتان مترجمتان إلى الفرنسية في باريس، وهي تدور حول مرحلة الاستعمار الفرنسي ودور المقاومة المسلحة، أحاول استعادة تلك اللحظة التي كان فيها المغاربة مستعدون للتضحية بأنفسهم والموت من أجل وطنهم. لكننا في الوقت الحالي غير قادرين على الموت من أجل الديمقراطية كقضية إنسانية. لقد صدرت «جيرترود» وإلى جانبها مجموعتي الشعرية «أذى كالحب». آمل أن تصدر روايتي الجديدة برفقة عملي الشعري الجديد خلال السنة المقبلة.

سيرة
حسن نجمي، ولد عام 1960 شاعر ومؤلف وصحافي مغربي، رئيس اتحاد كتاب المغرب بين 1998 - 2005. ورئيس سابق لبيت الشعر، يشغل حاليا منصب مدير هيئة الكتاب والمطبوعات في المغرب. حاصل على شهادة دكتوراه الدولة في الشعر الشفوي. من أهم أعماله الأدبية «لك الإمارة أيتها الخزامى»، و«1982»، و«سقط سهوا»، و«الرياح البنية»، و«حياة صغيرة» (شعر)، بالإضافة كتبه في النقد والفكر مثل: «الشاعر والتجربة» و«شعرية الفضاء».

جيرترود شتاين
الأميركية الشهيرة جيرترود شتاين كانت واحدة من بين الأدباء والمفكرين والتشكيليين والفنانين الأميركيين الذين هاجروا إلى فرنسا واستقر بهم المطاف بباريس حيث تحولت إقامتها هناك إلى صالون أدبي يلتقي فيه مشاهير فنون الأدب والموسيقى والتشكيل من قبيل: ماتيس - بيكاسو - أبتولينير - همينغواي - فيتزجرالد - أناييس نن - وآخرون. زارت جيرترود مدينة طنجة سنة 1912 رفقة صديقتها البولونية «ألستو كلاس» التي تربطهما علاقة صداقة أثناء مقامهما بطنجة التقيا بشاب يدعى محمد الطنجاوي، فاستندا إليه - كما جاء في فصول رواية حسن نجمي - دليلا سياحيا، حيث سرعان ما تطورت العلاقة بينه وبين جيرترو إلى صديق طيب المعشر، علاقة منحته هوية كاملة بعد أن بعثه السلطان حفيظ ضمن بعثة طلابية لمتابعة دراسته بالخارج، يعود محمد ليندس في الواقع الذي استعصى عليه إصلاحه، ثم قرر تلبية دعوة الالتحاق بالكاتبة والصديقة الأميركية «جيرترود شتاين» بباريس. لقاء عابر تحول إلى علاقة جوهرية وكيانية ووجودية.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.