الشاعر المغربي حسن نجمي: آن الأوان لخروج الرواية المغربية من حديقتها المسورة

يتهيأ لإصدار رواية جديدة ومجموعتين شعريتين بالفرنسية

الشاعر المغربي حسن نجمي: آن الأوان لخروج الرواية المغربية من حديقتها المسورة
TT

الشاعر المغربي حسن نجمي: آن الأوان لخروج الرواية المغربية من حديقتها المسورة

الشاعر المغربي حسن نجمي: آن الأوان لخروج الرواية المغربية من حديقتها المسورة

* لا أومن بكتابة روائية لا تقوم على البحث والتحري وتعميق القراءة، فضلا عن رصيد الكاتب ومدخراته المعرفية.
* طالما أن المفكرين والأدباء العرب لا يكتبون عن الغرب، سيبقون متقوقعين في عوالمهم، فلكي تصبح الكتابة حقيقية، يجب أن تعيش الوحدة الكونية.

الشاعر والكاتب حسن نجمي، أحد المبدعين المغاربة المهمين على خريطة الأدب المغربي المعاصر، الذين برهنوا على تنوع الكتابة الأدبية الإبداعية بين الشعر والرواية والنقد. له حضور متميز في الثقافة المغربية منذ ثلاثة عقود.
بعد أن نشر عددا من المجاميع الشعرية، صدرت له روايتان، «الحجاب» و«جيرترود» ويتهيأ لإصدار روايته الثالثة «لا أحد رأى الملك في القمر». وهو ليس الشاعر الوحيد الذي جمع بين كتابة الشعر والرواية، فقد سبقه أو جايله نخبة من الشعراء الذين خاضوا كتابة الرواية منهم: محمد الأشعري وأحمد المديني وأحمد عبد السلام البقالي، وعبد الله زريقة، كما هناك الطاهر بن جلون ومحمد خير الدين وعبد اللطيف اللعبي ورجاء بنشمسي ومحمد حمودان في التجربة الأدبية في دور نشر فرنسية معروفة في باريس.
في حوارنا هذا يتحدث نجمي عن علاقة الشعر بالسرد الروائي:

* كيف انتقلت من الشعر إلى الرواية، هل الرواية أكثر قدرة على التعبير عن عوالمك؟
- لا أتصور أن الأمر يتعلق بقرار مسبق. قد أكون انتقلت من الحالة الشعرية إلى الحالة السردية. الكتابة تعلو على الأمر الشخصي المقصود. بدأت أكتب الشعر في سن مبكرة وراكمت عددا من المجاميع الشعرية وأحيانا تجد المرء نفسه مدفوعا أو مضطرا ليكتب في جنس آخر غير الشعر كالرواية مثلا، لكن في النهاية ليس هناك من فاصل هندسي واضح بين الحالة الشعرية والحالة الروائية، على الأقل من خلال تجربتي الصغيرة والمتواضعة. أكتب الرواية ولكنني أبقى في العمق شاعرا. أتعامل مع الأحداث والوقائع والشخصيات بروح الشعر، صحيح أن الرواية لها تقنياتها المعلومة ولكن مع ذلك لا أستطيع التخلص من وضعيتي الاعتبارية كشاعر، ولا أفصل نفسي عن العلاقة الشعرية مع الأشياء والموجودات واللغة والآخرين والمجتمع، إذ لدي إحساس أنني شاعر في كتابة المقالة والسرد، والمحاضرة والقضايا الفكرية. ينبغي أن لا يتحول ذلك إلى نوع من التحايل أو الإحساس بالضعف. أحيانا نتكلم بهذه الصيغ كي لا نتيح للنقاد والقراء الكبار نوعا من حالات الارتباك التي نستشعرها ونحن مقبلون على كتابة الرواية. الأمر ليس بهذا المعنى. وللحرص على روح الشاعر في قلب الرواية، تبقى المسألة «الأجناسية» مجرد إجراءات أكاديمية وإعلامية، تساعد القراء غير المتخصصين والباحثين الشغوفين بالترتيبات ووضع الخانات، على فرز الأشياء وتوضيحها.

* هل تكتب الشعر والرواية بنفس الطريقة أم هناك اختلاف؟
- يمكنني القول نعم، أكتب بنفس الطريقة والطقوس، وبنفس اللحظة الملائمة للمزاج وروح الكتابة، سواء في كتابة القصيدة أو الرواية أو المقالة. وتظل الرواية مسلحة بالروح الشعرية، إذ لا يوجد أدب من دون شعر كما يقول بورخيس، لأن أي أدب يجب أن يحمل روحا شعرية، ويحقق شيئا من الأدبية، وليس شيئا آخر سوى روح الشعر، أي لا وظيفة للكتابة إلا في حد ذاتها كما سماها جاكوبسون ذات يوم.

* لماذا اخترت شخصية جيرترود التي لا يعرفها العرب كثيرا؟
- كان الاختيار مجرد مصادفة، حيث كنت أتردد في 1985 أو 1986 على باعة الكتب المستعملة في المدينة العتيقة في الدار البيضاء، اقتنيت ذات يوم مجموعة من الكتب الفرنسية، من بينها، عثرت على سيرة الكاتبة الأميركية جيرترود شتاين بالفرنسية والتي صدرت عن منشورات غاليمار في عام 1930، وهي في الوقت نفسه، أيضا سيرة أرستو كلاس، التي تربطها بجيرترود علاقة خاصة. وقد كان صدورها حدثا أدبيا وإعلاميا كبيرين، لأنها تضمنت الحقائق اليومية الخاصة لمجموعة من الكتاب والأدباء، وفي مقدمتهم بيكاسو وجورج براك وهنري ماتيس. وأثارت ردودا من الاستهجان والاستنكار والتهكم. وكان السؤال المثير هو: كيف سمحت جيرترود لنفسها أن تكتب بهذا العراء الكامل عن نفسها وعن الآخرين. عندما قرأت هذه السيرة لفت انتباهي الأسلوب الذي انتهجته الكاتبة، فهي لم تتحدث عن نفسها بضمير المتكلم. بل جعلت أرستو كلاس تتحدث عنها، (أي سيرة ذاتية على لسان صديقتها). وفي آخر السيرة تقول لقد حاولت مرارا أن أدفع أرستو كلاس إلى كتابة سيرة حياتها باعتبارها عاشت الأحداث ذاتها معي، ومع كبار العباقرة الذين عرفتهم، لكنها ظلت تتلكأ وتتردد في ذلك، فتوليت الأمر بنفسي، وها هي سيرتي وسيرتها.

* ما الذي أثار انتباهك في سيرتها؟
- أثارت انتباهي إشارتان، الأولى عندما كان بيكاسو يحضر أحد معارض صديقه جورج براك، وهما ابتكرا التكعيبية في الفن، أصر على أخذ لوحة، لأنها أعجبته، وفي إطار التبادل الذي كان سائدا بين الفنانين ولا يزال، وهكذا يفعل جورج براك. وهي تذكر أن بيكاسو كان يضع لوحة براك على الجدار ويسخر منها قائلا: هل هكذا يرسم الفنان؟ وفي الحقيقة، إنهما يختاران أسوأ لوحة يمكن أن يجدوا فيها مداخل للنقد والتجريح. أعجبتني هذه الملاحظة، وكنت أستخدمها في خصام الكتاب والفنانين في المغرب والعالم العربي. والإشارة الثانية التي أثارت انتباهي زيارة أرستو كلاس وجيرترود طنجة في 1912. وكان ماتيس قد زار طنجة في 1911، وتحدث عنها من خلال المراسلات والبطاقات. وجاء ذكر شاب اسمه محمد في طنجة أخذهما إلى عائلته في البادية، وقال لهم: إنهم بدو لكنهم حريصون على نظافة بيوتهم، وملابسهم. وكان محمد هذا ملما بكل مجريات السياسة في بلاده، إذ ذكر أن مولاي السلطان حفيظ سيستقيل من منصبه، وذكر المبالغ التي تسلمها من السلطات الاستعمارية الفرنسية. وبعد ذلك نشرت الصحف الإسبانية المعلومات ذاتها. وقد أثارت لدي هذه الحادثة ركاما من الأسئلة عن حياة الشاب محمد. وقد يكون على قيد الحياة لحد الآن وقد تربى في قصر مولاي حفيظ في طنجة.

* هل لهذا السبب تحول الشاب محمد إلى إحدى شخصياتك في الرواية؟
- فكرت بإعادته إلى الحياة وتشييد هوية له، وبدأت أشتغل على شخصية الشاب محمد والفترة التي عاش فيها، أي عام 1912 حيث كان المغرب يعيش تحت نير الاستعمار وكانت طنجة مدينة دولية خاضعة لجهات متعددة، إنجليزية وألمانية وإسبانية.. إن محمد يبقى شخصية متخيلة بكل المقاييس، ولا ينبغي أن نحمله ما لا يحتمل. ولذلك، ذهبت بعيدا جدا في تفصيل حياته ونحت شخصيته ليصبح مقنعا كما لو كان حقيقيا تماما. كما اشتغلت على شخصية جيرترود وقرأت معظم كتبها بالإنجليزية، وقمت بزيارة بيتها في باريس، الكائن بجوار حديقة لوكسمبورغ، حيث يعلو البناية لوحة رخامية، تشير إليها، أزوره كلما ذهبت إلى باريس.

* هل تعتبر روايتك سيرة أخرى لجيرترود؟
- سيرة عربية لها بكل تأكيد، حيث جمعت كل عناصر شخصيتها البيوغرافية، واستبداديتها وتسلطها وهشاشتها ونقاط ضعفها. وقد قال عنها الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد: الكاتب في رواية جيرترود نحت شخصية واقعية، وهي جزء من التاريخ الأدبي إلى أن أصبحت شخصية متخيلة، ثم نحت شخصية الشاب محمد المتخلية حتى أصبحت واقعية.

* المعروف عن جيرترود أنها شخصية متعددة الاهتمامات من خلال علاقتها بالمبدعين الآخرين وخصوصا في مجال الفن التشكيلي؟
- هذا صحيح، إنها شخصية اشتهرت كإحدى أهم نساء ورجال العالم الذين شغفوا باقتناء وجمع اللوحات الفنية لكبار فناني القرن التاسع عشر والقرن العشرين. واشتهرت بهوايتها هذه أكثر مما اشتهرت بكتابتها الأدبية. لقد كتبت الشعر والأوبرا والنقد الفني أيضا، ولم تشتهر بكل ذلك. وهناك أيضا فضاء باريس في عصرها الذهبي، بكل فنانيها التشكيليين الكبار كما تعلم من خلال معايشتك لباريس فترة طويلة. وحاولت أن أمزج كل ذلك باهتمامي بالفن التشكيلي العربي، وبالوشائج التي تربط الشعر بالفن التشكيلي.

* نفهم من ذلك أنك تعد العدة لكتابة رواية كهذه؟
- بالتأكيد. لا أومن بكتابة روائية لا تقوم على البحث والتحري وتعميق القراءة، فضلا عن رصيد الكاتب ومدخراته المعرفية. حين أفكر في كتابة رواية، يجب أن أستدعي كل ما تعلمته من قراءاتي الروائية ومشاهداتي السينمائية والمسرحية. والروايات العظيمة الراسخة في ذهني، تتميز بشخصيات ذات خبرة مأساوية أو نزوع نحو شك وجودي أو فلسفي أو شخصيات معطوبة. يمكن القول إن الهشاشة الإنسانية هي التي تصنع - في تقديري - الأدب العظيم.

* هل الكتابة عن الآخر باب جديد في أدبنا العربي؟
- تحدث المفكر المغربي عبد الله العروي عن المفكر غرانباون، الذي قال له أثناء لقائه: طالما أن المفكرين والأدباء العرب لا يكتبون عن الغرب، يبقون متقوقعين في عوالمهم. ولكي تصبح الكتابة حقيقية، يجب أن تعيش الوحدة الكونية، والرواية المغربية إذا ظلت تدور في فلك المحلية، فإنها تبقى أسيرة حديقتها المسورة. هناك عشرات المواضيع التي تستحق الكتابة عنها. وطنجة تحمل عشرات من هذه القصص. لقد كان تشرشل يتردد على فندق المأمونية.. يفتح نافذة غرفته ويرسم. كما أن بورخيس زار مراكش مرتين، وتردد على ساحة جامع الفناء باعتباره تراثا شفويا عالميا. أظن أن الرواية الجيدة تحتاج إلى قارئ جيد بالضرورة. وكم نحن في العالم العربي، بحاجة إلى كتابة روائية تلامس علائقنا بالآخرين، وذلك عبر علائق زمننا بالكتابة التي وضعت أزمنة روائية تثير الأسئلة أكثر مما تجيب.

* أيهما يحوز على قراءاتك الشعر أم الرواية؟
- إنني أقرأ من الروايات أكثر مما أقرأ من الشعر، على الرغم من أنني شاعر أساسا.

* هل يمكن أن تتحدث لنا عن أعمالك المقبلة؟
- أتهيأ حاليا لإصدار روايتي الثالثة، كما ستصدر لي مجوعتان شعريتان مترجمتان إلى الفرنسية في باريس، وهي تدور حول مرحلة الاستعمار الفرنسي ودور المقاومة المسلحة، أحاول استعادة تلك اللحظة التي كان فيها المغاربة مستعدون للتضحية بأنفسهم والموت من أجل وطنهم. لكننا في الوقت الحالي غير قادرين على الموت من أجل الديمقراطية كقضية إنسانية. لقد صدرت «جيرترود» وإلى جانبها مجموعتي الشعرية «أذى كالحب». آمل أن تصدر روايتي الجديدة برفقة عملي الشعري الجديد خلال السنة المقبلة.

سيرة
حسن نجمي، ولد عام 1960 شاعر ومؤلف وصحافي مغربي، رئيس اتحاد كتاب المغرب بين 1998 - 2005. ورئيس سابق لبيت الشعر، يشغل حاليا منصب مدير هيئة الكتاب والمطبوعات في المغرب. حاصل على شهادة دكتوراه الدولة في الشعر الشفوي. من أهم أعماله الأدبية «لك الإمارة أيتها الخزامى»، و«1982»، و«سقط سهوا»، و«الرياح البنية»، و«حياة صغيرة» (شعر)، بالإضافة كتبه في النقد والفكر مثل: «الشاعر والتجربة» و«شعرية الفضاء».

جيرترود شتاين
الأميركية الشهيرة جيرترود شتاين كانت واحدة من بين الأدباء والمفكرين والتشكيليين والفنانين الأميركيين الذين هاجروا إلى فرنسا واستقر بهم المطاف بباريس حيث تحولت إقامتها هناك إلى صالون أدبي يلتقي فيه مشاهير فنون الأدب والموسيقى والتشكيل من قبيل: ماتيس - بيكاسو - أبتولينير - همينغواي - فيتزجرالد - أناييس نن - وآخرون. زارت جيرترود مدينة طنجة سنة 1912 رفقة صديقتها البولونية «ألستو كلاس» التي تربطهما علاقة صداقة أثناء مقامهما بطنجة التقيا بشاب يدعى محمد الطنجاوي، فاستندا إليه - كما جاء في فصول رواية حسن نجمي - دليلا سياحيا، حيث سرعان ما تطورت العلاقة بينه وبين جيرترو إلى صديق طيب المعشر، علاقة منحته هوية كاملة بعد أن بعثه السلطان حفيظ ضمن بعثة طلابية لمتابعة دراسته بالخارج، يعود محمد ليندس في الواقع الذي استعصى عليه إصلاحه، ثم قرر تلبية دعوة الالتحاق بالكاتبة والصديقة الأميركية «جيرترود شتاين» بباريس. لقاء عابر تحول إلى علاقة جوهرية وكيانية ووجودية.



الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما
TT

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

الرواية والعمران... هندسة الانتماء إلى مكان ما

لم يكن الكتاب الأخير للفيلسوف الفرنسي تييري پاكو: «حب الأمكنة L’amour des lieux» (باريس، 2025)، إلا حلقة في سؤال فكري ممتد عن صلة العمق الفلسفي للعمران وما يولده من رهاب ويستتبعه من خرائب، باحتمالات الفهم والتأويل الروائيين للأمكنة، التي مثلت إحدى أهم ركائز الوعي الأوروبي بالجغرافيا وبتحولات المدن والأرياف في القارة العجوز، وهو الفهم الذي جعل تييري پاكو يرى في الانتماء إلى «مكانٍ ما»، الأساس المرجعي للأحاسيس المستثمرة في بلاغة الأدب، ما دام كل مكان لا يمكن ترجمته إلا بمقدار ما يمثله من صدمات، أو ما يفتقر إليه من مزايا، أو ما يولده من نشوة وحبور.

سرعان ما تتحول مختلف فصول وفقرات كتاب «حب الأمكنة» إلى مساحة غنية بالإحالات الروائية الممتدة من «بروست» إلى «آني إرنو» إلى «كريستيان بوبان» ومن «بول أوستر» إلى «فليب توسان»، وآخرين... للبرهنة على جوهرية وجود هذا الـ«مكان ما»، من حيث هو كيان متعدد، يؤوي طيفاً كاملاً من المشاعر، بيد أن أحدها يهيمن في النهاية ويصبغ المجموع بنبرته الخاصة. وينتج في النهاية ما يسميه تييري پاكو بـ:«إيكولوجيا التعبير الأدبي» التي تستدعي إلى الذهن: «كيف صاغت الأمكنة من الكائن ما صار عليه، على نحو يجعل وجوده، وعلاقاته بالآخرين وبالأرض، قابلاً للفهم والإدراك» (ص 13).

وبناء عليه يتحول العمران إلى علة لهندسة التخييل، بالمقدار ذاته الذي يكون فيه الدمار قاعدة لـ«تبيئة» الوجود الشخصي، وبيان تعلقه بالمدن التي ينتسب لها، وما تحتويه من شوارع وساحات وحدائق ومرافق صمدت أو انمحت أو تحولت إلى أطلال مهجورة. حتى المنفي، والمُهجّر، والمشرد، والسجين، والمريض في المستشفى، لديهم أيضاً «مكان ما»؛ يحنون إليه، أو يبحثون عنه، أو يبنون صرحه في مخيلاتهم، مزيجاً بين «ما هو فِطري/أصلي» و«ما هو كوني»، بين «الوطن» و«المكان الذي نصير فيه ما نحن عليه».

والظاهر أنه حين كتب الروائي المغربي، الفرنكوفوني، محمد خير الدين روايته الأولى «أغادير»، فقد استهدف تركيب ملامح «ما صار عليه شخصه» في مدينة هدها الزلزال؛ كان ثمة تلال من أنقاض عمارات ودور قضى أهلها، وانتصبت الهياكل وبقايا الجدران المشروخة، والأتربة، والروائح العفنة للجثث المتفسخة، في «أمكنة ما» من شوارع المدينة المنكوبة، وكان زلزالاً رهيباً محا معالم المدينة، ولحقه خراب إنساني بعد نهب ما تبقى منها، من قبل آفاقيين وافدين لسلب ما تحت الأنقاض. وعبر التاريخ ظلت الزلازل والحروب والفيضانات هي التي تعيد تقليب مصائر التوق العمراني للمدن، وتخطط انزياحاتها وارتكاساتها وقطائعها؛ أغادير بعد الزلزال، وبرلين بعد اجتياح الحلفاء، وبغداد بعد حرب الخليج الثانية، وبيروت بعد الحرب الأهلية، ثم الموصل وحلب، ومدن عربية عديدة...، ولعل هذا الخراب هو ما يدفع الروائي للوقوف دوماً ضد الحروب وتخطيطات المحو، لأنه مصير يلغي الدعامات الحسية المبرهنة على ما صار عليه في وجوده.

تشيد الرواية دوما ما يسميه تييري باكو بـ«المحل الوجداني» الذي توحي به الكلمة الألمانية die Heimat العصية على الترجمة، والتي تعني في آنٍ واحد: «الوطن، وأرض الميلاد، والمكان الذي نصير فيه ما نحن عليه، والملاذ، والمهد، وبلد الأصل» (ص 12). ففي الرواية نعثر دوماً على هندسات لشتى أصناف «المحل الوجداني» داخل الشوارع والمقاهي والعمارات والحدائق ودور السينما والمكتبات والبارات والمطاعم...، كانت ذات يوم تنبض بالحياة قبل أن يخلدها السرد والشخوص المنتمية إلى «مكان ما» داخلها، لتغدو تدريجياً مدناً متخيلة، تنتمي لذاكرة وزمن وطراز عمران، ولذوق وقيم اجتماعية، ولنمط عيش، واقتصاد مالي؛ ليست «سان بترسبورغ» المنبثقة من روايات دوستيوفسكي، هي لينينغراد زمن الثورة والحرب العالمية الثانية، والحصار الخرافي، ولا هي المدينة التي استعادت اسمها الأول بعد لفظ التجربة الشيوعية، هي طبقات مدن استوطنت الروايات، وانتصبت كتخطيطات روائية للذاكرة، لا تلوح إلا أطيافها اليوم.

في رسالة لإميل زولا إلى صحيفة «لوسيمافور» بمرسيليا، حول ما جرى في أحد أيام حصار «كومونة باريس» سنة 1871، نشرت ضمن كتاب «الأسبوع الدامي»، يقول: «هذه المقاومة اليائسة، هذا القصف البشع لباريس، وحين يضيع الوطن، يشكل من وجهة نظري، أكبر الجرائم التي لا يزال يرتكبها أولئك البائسون الذين يوسخون المدينة منذ شهرين... على التمرد أن يُسحق في مهده بمونمارتر. وحين يُمحى هذا الحي المنفّر بضربات المدفعية، سيكون حفنة من الباريسيين من يبكون عليه... تدميره ضروري بشكل مطلق من أجل خلاص باريس» (ص 34).

ولا يمكن أن نقرأ رسائل إميل زولا تلك، المناهضة لخراب باريس، بما هي دليل على معاداة الروائي، رائد الموجة الطبيعية، للروح الثورية، هو الذي لم يزعم يوماً أنه يساري، كان يتحدث بضمير الباريسي الحريص على روح عمارة عصية على التكرار أو الاستنساخ، ويرى في خرابها انهياراً لذاكرة رمزية، تتخطى منطق الصراع السياسي حول المناطق، لهذا كان الحي الحاضن لما تبقى من الكومونة الباريسية الثورية، جديراً بالمحو إن كان ذلك سيعصم العاصمة من الخراب.

خلد إميل زولا باريس كما لم يخلدها كاتب من معاصريه، كان ينقل الطبقات اللاحسية للعمران، المنطوي على ألغاز مسترسلة، وكشأن أغلب واقعيي رواية القرن التاسع عشر في فرنسا، يهندس النص عبر تلافيف العمران المديني، أسماء شوارع وأزقة، وساحات، وكاتدرائيات، ومصانع، ومحلات تجارية، وجسور، ودور سكنية، تطل كلها عبر تفاصيل بشرية ومسارات حياتية وتحولات وقائع، إنها الغاية التمثيلية ذاتها التي سعت إليها روايات ما بعد الأحداث التي سميت بالربيع العربي، حيث تنهض المدن الروائية لتستعيد المنمحي والمنذور للغياب، من الرقة إلى الموصل ومن حلب إلى عدن. وبعدها بسنوات قليلة تواترت روايات الحروب الأهلية المتناسلة من العراق إلى ليبيا ومن سوريا إلى اليمن، لتعيد هندسة الانتماءات إلى «المحل الوجداني» (بتعبير تييري پاكو) في خريطة عمائر المدن المنزاحة إلى اليباب.

قبل عقد، أو يزيد قليلاً، احتضن متحف «سرسق» في بيروت حواراً نظمه «المركز العربي للعمارة» و«بيت الكتب»، بين الروائي إلياس خوري والمهندس جاد ثابت، نشر مادته فواز طرابلسي ضمن أحد أعداد مجلة «بدايات»؛ دار الحوار عن المدينة المدمرة وتاريخها الذي طمرته الحرب قبل أن تمحوه جرافات السلام، كان لحظة من لحظات المقاومة التي اصطف فيها المعماريون والروائيون معاً في جبهة واحدة لاستعادة «المكان ما» من مشروع إنشاء مدينة نقيضة، هندسها الرأسمال المتوحش، بعد أن مهدت الحرب الأهلية الطريق إليها، وكان الحوار بمثابة بديل عن المدينة المتلاشية، حيث استعاد الكلام الذكريات والأسماء والصور التي انتفت للأبد، وبات التذكير بما ترمز إليه من روح ومعنى لحظة جديدة في صراع مسترسل، ومن ضمن فقرات ذلك الحوار نقف على مقطع لإلياس خوري يختصر كل شيء. يقول:

«نحن نعيش في عالم ملموس رسمه خيال مهندس، وفي هذا العالم، سواء أكان بيتاً أم مقهى أم شارعاً، نحول هذا الواقع إلى متخيل تصنعه أحلامنا. المعماري يحول الخيال واقعاً، بينما يقوم الكاتب بتحويل الواقع بعناصره البشرية والمادية إلى خيال. عملان يفترقان في الهدف لكنهما يلتقيان عند نقطة يتقاطع فيها المتخيل بالمتخيل، بحيث تصير العمارة كتاباً نعيش بين سطوره، وتصير الرواية عمارة نعيش بين أبطالها الذين يصبحون حقيقيين في وعينا».


قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
TT

قصر الحير الشرقي

قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي
قصر الحير الشرقي في صور تعود إلى منتصف عشرينات القرن الماضي

تحوي البادية السورية سلسلة من المواقع الأثرية تُعرف اليوم بالقصور الأموية، منها موقعان يحملان اسم «قصر الحير»، شُيّدا في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرقي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويتميّز بضخامة أسسه المعمارية. في المقابل، يقع القصر الآخر جنوب غربي تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله التي تجمع بين فنون النقش والنحت والرسم والتلوين. صمدت أطلال القصر الشرقي، وظلّت ماثلة أمام الأعين، كما شهد الرحالة الذين مرّوا بها وأشاروا إليها منذ القرن السابع عشر. مهّدت هذه الشهادات لاستكشاف الموقع في العقود الأولى من القرن العشرين، غير أن أعمال المسح والتنقيب لم تنطلق فعلياً إلاّ في عام 1964، حين شرعت بعثة أميركية تابعة لجامعة ميشيغان بإجراء حملة أولى فيه، تبعتها سلسلة من الحملات استمرت حتى 1972.

بويع هشام بن عبد الملك بالخلافة في دمشق بعد وفاة أخيه يزيد في عام 724، وكان عمره يوم استُخلف 34 سنة. حسب رواية نقلها الطبري في «تاريخ الرسل والملوك»، كان هشام يومها «بالزيتونة، منزله في دويرة له هناك»، فركب من الرصافة حتى أتى دمشق بعدما «جاءه البريد بالعصا والخاتم، وسُلّم عليه بالخلافة». وحسبما سجّله ياقوت الحموي في «معجم البلدان»، «الزيتونة موضع كان ينزله هشام بن عبد الملك في بادية الشام فلما عمّر الرصافة، انتقل إليها فكانت منزله إلى أن مات». انطلاقاً من هذه الشواهد الأدبية، حاول علماء الآثار تحديد موقع قصر هشام في المنطقة التي عُرفت قديماً باسم الزيتونة، واختلفت آراؤهم في هذا المجال. فبينما رأى العالم الفرنسي جان سوفاجي أنها المنطقة التي يقع فيها قصر الحير الشرقي، رأى زميله دانيال شلومبرغر أن الموضع الذي سكنه الخليفة الأموي العاشر قبل أن ينتقل إلى الرصافة في شمال سوريا على الفرات، ما هو إلا موضع قصر الحير الغربي.

كان القصر الشرقي خربة مائلة وسط الصحراء، وأول من أشار إليها كان الرحالة الإيطالي بيترو ديللو فاللي في مدوّنته التي نُشرت في عام 1667 تحت عنوان «رحلات»، وفيها ذكر أن هذا البناء الضخم يُعرف محليّاً باسم «الحير»، وأضاف متهكّماً أنّ سكان المنطقة ينسبونه إلى النبي سليمان. بعدها، ألمح عالم الخرائط الألماني كارستن نيبور إلى هذا القصر حين رافق البعثة الدنماركية إلى الجزيرة العربية وسوريا ومصر، وجاءت هذه الإشارة المقتضبة في تقرير نُشر عام 1774. بدوره، مرّ الرحالة البريطاني سير آير كوت بهذا القصر، وقدّم وصفاً سطحياً له، نُشر في عام 1860، في مقالة تناولت الرحلة التي قام بها «من بصرا إلى حلب في 1780». مهّدت هذه الشهادات لدراسة علميّة أولى قام بها القنصل الفرنسي جاك روسو، ونشرها عام 1808 في كتابه «رحلة من بغداد إلى حلب». خرج قصر الحير الشرقي من الظلمة إلى النور، وقصده المستعرب الدنماركي في 1893، وقدّم وصفاً له في مقالة علمية نُشرت في 1895.

عاد جاك روسو من قصر الحير حاملاً معه نقشاً فُقد أثره لاحقاً للأسف، وهذا النقش بالغ الأهمية، إذ يذكر اسم صاحب القصر وتاريخ بنائه، ونصّه: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، محمد رسول الله، أمر بصنعة هذه المدينة عبد الله هشام، أمير المؤمنين، وكان هذا ممّا عمل أهل حمص على يد سليمان بن عبيد سنة عشر ومائة». اتّضحت هويّة البناء في زمن سبق استكشاف سلسلة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في بوادي بلاد الشام، وأسهم هذا الإيضاح في انطلاق الدراسات الخاصة بقصر الحير الشرقي منذ ذلك التاريخ. زار العالم الفرنسي الموقع في أبريل (نيسان) 1925، وزاره ثانية في مايو (أيار)، وقدّم مقالة علمية خاصة به نُشرت في 1927. توالت الاكتشافات الأثرية الأموية في السنوات التالية، وبرز قصر الحير الشرقي بضخامته التي جعلت منه أشبه بـ«مدينة»، كما جاء في النقش الذي حمله معه جاك روسو. في عام 1964، تولّت البعثة الأميركية التابعة لجامعة ميشيغان مهمّة أعمال المسح والتنقيب في الموقع تحت إدارة العالم الفرنسي أوليغ غرابار. توالت حملات هذه البعثة حتى عام 1972، ونُشرت نتيجة أبحاثها في كتاب أصدرته جامعة هارفارد في 1978، تحت عنوان «مدينة في الصحراء».

شُيِّد هذا القصر بين عام 728 وعام 729 للميلاد في البادية، في منتصف الطريق بين تدمر والفرات، وترتفع أطلاله اليوم على بعد 30 كيلومتراً شمال قرية السخنة شرقاً، وتشكّل مجمعاً ضخماً يتكوّن من بناءين لا تزال جدرانهما قائمة، يحيط بكل منهما سور مربع الشكل. أحد هذين الحرمين كبير، والآخر صغير، ومن هنا جاءت تسميتهما بالقصر الكبير والقصر الصغير. يبلغ أطول أضلاع القصر الصغير نحو 70 متراً، وتحدّ زواياه أربعة بروج مستديرة، وبابه بين برجين في وسط الجانب الغربي. تتوسّط هذا البناء باحة تحيط بها سلسلة من الغرف بُنيت بحجر الآجرّ، تشكّل على الأرجح القصر الملكي، وما بقي من زينة هذا القصر بضعة نقوش تظهر على أعلى برجي مدخله وعلى بعض جدرانه.

في المقابل، يبلغ طول أكبر أضلاع سور الحرم الكبير 160 متراً، ويحدّه 28 برجاً، منها برجان يحملان نقوشاً تذكر اسم الخليفة هشام عبد الملك. ولهذا البناء أربعة مداخل يقع كلّ منها في منتصف كل جانب، تشكّل أربعة أبواب متناظرة، وفي زاويته الجنوبية الشرقية مسجد لا تزال أسسه قائمة. يبدو هذا البناء أشبه بمدينة صغيرة تحوي وحدات سكنية، منها ستة بيوت كبيرة ومجموعة من البيوت الصغيرة، ومنشآت صناعية، ومعصرة زيتون، إضافةً إلى حمام، ومبنيين تتوسّط كلاً منهما ساحةٌ مركزية.

لم يقف استكشاف هذه المدينة عند هذا الحد. استمرّت أعمال البحث، وقامت بعثة سورية سويسرية مشتركة بمسح منطقة سكنية أخرى من الموقع لجهة الشمال بين عام 2007 وعام 2010، وأدت هذه الحملات إلى العثور على قطع من النقوش تشكّل مجموعة من مجموعات الميراث الأموي. بعض هذه القطع زخرفي يجمع بين العناصر الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، والبعض الآخر تصويري، ويعكس جانباً آخر من جوانب الميراث الأموي الخاص بهذا الميدان.


تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟