الشاعر المغربي حسن نجمي: آن الأوان لخروج الرواية المغربية من حديقتها المسورة

يتهيأ لإصدار رواية جديدة ومجموعتين شعريتين بالفرنسية

الشاعر المغربي حسن نجمي: آن الأوان لخروج الرواية المغربية من حديقتها المسورة
TT

الشاعر المغربي حسن نجمي: آن الأوان لخروج الرواية المغربية من حديقتها المسورة

الشاعر المغربي حسن نجمي: آن الأوان لخروج الرواية المغربية من حديقتها المسورة

* لا أومن بكتابة روائية لا تقوم على البحث والتحري وتعميق القراءة، فضلا عن رصيد الكاتب ومدخراته المعرفية.
* طالما أن المفكرين والأدباء العرب لا يكتبون عن الغرب، سيبقون متقوقعين في عوالمهم، فلكي تصبح الكتابة حقيقية، يجب أن تعيش الوحدة الكونية.

الشاعر والكاتب حسن نجمي، أحد المبدعين المغاربة المهمين على خريطة الأدب المغربي المعاصر، الذين برهنوا على تنوع الكتابة الأدبية الإبداعية بين الشعر والرواية والنقد. له حضور متميز في الثقافة المغربية منذ ثلاثة عقود.
بعد أن نشر عددا من المجاميع الشعرية، صدرت له روايتان، «الحجاب» و«جيرترود» ويتهيأ لإصدار روايته الثالثة «لا أحد رأى الملك في القمر». وهو ليس الشاعر الوحيد الذي جمع بين كتابة الشعر والرواية، فقد سبقه أو جايله نخبة من الشعراء الذين خاضوا كتابة الرواية منهم: محمد الأشعري وأحمد المديني وأحمد عبد السلام البقالي، وعبد الله زريقة، كما هناك الطاهر بن جلون ومحمد خير الدين وعبد اللطيف اللعبي ورجاء بنشمسي ومحمد حمودان في التجربة الأدبية في دور نشر فرنسية معروفة في باريس.
في حوارنا هذا يتحدث نجمي عن علاقة الشعر بالسرد الروائي:

* كيف انتقلت من الشعر إلى الرواية، هل الرواية أكثر قدرة على التعبير عن عوالمك؟
- لا أتصور أن الأمر يتعلق بقرار مسبق. قد أكون انتقلت من الحالة الشعرية إلى الحالة السردية. الكتابة تعلو على الأمر الشخصي المقصود. بدأت أكتب الشعر في سن مبكرة وراكمت عددا من المجاميع الشعرية وأحيانا تجد المرء نفسه مدفوعا أو مضطرا ليكتب في جنس آخر غير الشعر كالرواية مثلا، لكن في النهاية ليس هناك من فاصل هندسي واضح بين الحالة الشعرية والحالة الروائية، على الأقل من خلال تجربتي الصغيرة والمتواضعة. أكتب الرواية ولكنني أبقى في العمق شاعرا. أتعامل مع الأحداث والوقائع والشخصيات بروح الشعر، صحيح أن الرواية لها تقنياتها المعلومة ولكن مع ذلك لا أستطيع التخلص من وضعيتي الاعتبارية كشاعر، ولا أفصل نفسي عن العلاقة الشعرية مع الأشياء والموجودات واللغة والآخرين والمجتمع، إذ لدي إحساس أنني شاعر في كتابة المقالة والسرد، والمحاضرة والقضايا الفكرية. ينبغي أن لا يتحول ذلك إلى نوع من التحايل أو الإحساس بالضعف. أحيانا نتكلم بهذه الصيغ كي لا نتيح للنقاد والقراء الكبار نوعا من حالات الارتباك التي نستشعرها ونحن مقبلون على كتابة الرواية. الأمر ليس بهذا المعنى. وللحرص على روح الشاعر في قلب الرواية، تبقى المسألة «الأجناسية» مجرد إجراءات أكاديمية وإعلامية، تساعد القراء غير المتخصصين والباحثين الشغوفين بالترتيبات ووضع الخانات، على فرز الأشياء وتوضيحها.

* هل تكتب الشعر والرواية بنفس الطريقة أم هناك اختلاف؟
- يمكنني القول نعم، أكتب بنفس الطريقة والطقوس، وبنفس اللحظة الملائمة للمزاج وروح الكتابة، سواء في كتابة القصيدة أو الرواية أو المقالة. وتظل الرواية مسلحة بالروح الشعرية، إذ لا يوجد أدب من دون شعر كما يقول بورخيس، لأن أي أدب يجب أن يحمل روحا شعرية، ويحقق شيئا من الأدبية، وليس شيئا آخر سوى روح الشعر، أي لا وظيفة للكتابة إلا في حد ذاتها كما سماها جاكوبسون ذات يوم.

* لماذا اخترت شخصية جيرترود التي لا يعرفها العرب كثيرا؟
- كان الاختيار مجرد مصادفة، حيث كنت أتردد في 1985 أو 1986 على باعة الكتب المستعملة في المدينة العتيقة في الدار البيضاء، اقتنيت ذات يوم مجموعة من الكتب الفرنسية، من بينها، عثرت على سيرة الكاتبة الأميركية جيرترود شتاين بالفرنسية والتي صدرت عن منشورات غاليمار في عام 1930، وهي في الوقت نفسه، أيضا سيرة أرستو كلاس، التي تربطها بجيرترود علاقة خاصة. وقد كان صدورها حدثا أدبيا وإعلاميا كبيرين، لأنها تضمنت الحقائق اليومية الخاصة لمجموعة من الكتاب والأدباء، وفي مقدمتهم بيكاسو وجورج براك وهنري ماتيس. وأثارت ردودا من الاستهجان والاستنكار والتهكم. وكان السؤال المثير هو: كيف سمحت جيرترود لنفسها أن تكتب بهذا العراء الكامل عن نفسها وعن الآخرين. عندما قرأت هذه السيرة لفت انتباهي الأسلوب الذي انتهجته الكاتبة، فهي لم تتحدث عن نفسها بضمير المتكلم. بل جعلت أرستو كلاس تتحدث عنها، (أي سيرة ذاتية على لسان صديقتها). وفي آخر السيرة تقول لقد حاولت مرارا أن أدفع أرستو كلاس إلى كتابة سيرة حياتها باعتبارها عاشت الأحداث ذاتها معي، ومع كبار العباقرة الذين عرفتهم، لكنها ظلت تتلكأ وتتردد في ذلك، فتوليت الأمر بنفسي، وها هي سيرتي وسيرتها.

* ما الذي أثار انتباهك في سيرتها؟
- أثارت انتباهي إشارتان، الأولى عندما كان بيكاسو يحضر أحد معارض صديقه جورج براك، وهما ابتكرا التكعيبية في الفن، أصر على أخذ لوحة، لأنها أعجبته، وفي إطار التبادل الذي كان سائدا بين الفنانين ولا يزال، وهكذا يفعل جورج براك. وهي تذكر أن بيكاسو كان يضع لوحة براك على الجدار ويسخر منها قائلا: هل هكذا يرسم الفنان؟ وفي الحقيقة، إنهما يختاران أسوأ لوحة يمكن أن يجدوا فيها مداخل للنقد والتجريح. أعجبتني هذه الملاحظة، وكنت أستخدمها في خصام الكتاب والفنانين في المغرب والعالم العربي. والإشارة الثانية التي أثارت انتباهي زيارة أرستو كلاس وجيرترود طنجة في 1912. وكان ماتيس قد زار طنجة في 1911، وتحدث عنها من خلال المراسلات والبطاقات. وجاء ذكر شاب اسمه محمد في طنجة أخذهما إلى عائلته في البادية، وقال لهم: إنهم بدو لكنهم حريصون على نظافة بيوتهم، وملابسهم. وكان محمد هذا ملما بكل مجريات السياسة في بلاده، إذ ذكر أن مولاي السلطان حفيظ سيستقيل من منصبه، وذكر المبالغ التي تسلمها من السلطات الاستعمارية الفرنسية. وبعد ذلك نشرت الصحف الإسبانية المعلومات ذاتها. وقد أثارت لدي هذه الحادثة ركاما من الأسئلة عن حياة الشاب محمد. وقد يكون على قيد الحياة لحد الآن وقد تربى في قصر مولاي حفيظ في طنجة.

* هل لهذا السبب تحول الشاب محمد إلى إحدى شخصياتك في الرواية؟
- فكرت بإعادته إلى الحياة وتشييد هوية له، وبدأت أشتغل على شخصية الشاب محمد والفترة التي عاش فيها، أي عام 1912 حيث كان المغرب يعيش تحت نير الاستعمار وكانت طنجة مدينة دولية خاضعة لجهات متعددة، إنجليزية وألمانية وإسبانية.. إن محمد يبقى شخصية متخيلة بكل المقاييس، ولا ينبغي أن نحمله ما لا يحتمل. ولذلك، ذهبت بعيدا جدا في تفصيل حياته ونحت شخصيته ليصبح مقنعا كما لو كان حقيقيا تماما. كما اشتغلت على شخصية جيرترود وقرأت معظم كتبها بالإنجليزية، وقمت بزيارة بيتها في باريس، الكائن بجوار حديقة لوكسمبورغ، حيث يعلو البناية لوحة رخامية، تشير إليها، أزوره كلما ذهبت إلى باريس.

* هل تعتبر روايتك سيرة أخرى لجيرترود؟
- سيرة عربية لها بكل تأكيد، حيث جمعت كل عناصر شخصيتها البيوغرافية، واستبداديتها وتسلطها وهشاشتها ونقاط ضعفها. وقد قال عنها الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد: الكاتب في رواية جيرترود نحت شخصية واقعية، وهي جزء من التاريخ الأدبي إلى أن أصبحت شخصية متخيلة، ثم نحت شخصية الشاب محمد المتخلية حتى أصبحت واقعية.

* المعروف عن جيرترود أنها شخصية متعددة الاهتمامات من خلال علاقتها بالمبدعين الآخرين وخصوصا في مجال الفن التشكيلي؟
- هذا صحيح، إنها شخصية اشتهرت كإحدى أهم نساء ورجال العالم الذين شغفوا باقتناء وجمع اللوحات الفنية لكبار فناني القرن التاسع عشر والقرن العشرين. واشتهرت بهوايتها هذه أكثر مما اشتهرت بكتابتها الأدبية. لقد كتبت الشعر والأوبرا والنقد الفني أيضا، ولم تشتهر بكل ذلك. وهناك أيضا فضاء باريس في عصرها الذهبي، بكل فنانيها التشكيليين الكبار كما تعلم من خلال معايشتك لباريس فترة طويلة. وحاولت أن أمزج كل ذلك باهتمامي بالفن التشكيلي العربي، وبالوشائج التي تربط الشعر بالفن التشكيلي.

* نفهم من ذلك أنك تعد العدة لكتابة رواية كهذه؟
- بالتأكيد. لا أومن بكتابة روائية لا تقوم على البحث والتحري وتعميق القراءة، فضلا عن رصيد الكاتب ومدخراته المعرفية. حين أفكر في كتابة رواية، يجب أن أستدعي كل ما تعلمته من قراءاتي الروائية ومشاهداتي السينمائية والمسرحية. والروايات العظيمة الراسخة في ذهني، تتميز بشخصيات ذات خبرة مأساوية أو نزوع نحو شك وجودي أو فلسفي أو شخصيات معطوبة. يمكن القول إن الهشاشة الإنسانية هي التي تصنع - في تقديري - الأدب العظيم.

* هل الكتابة عن الآخر باب جديد في أدبنا العربي؟
- تحدث المفكر المغربي عبد الله العروي عن المفكر غرانباون، الذي قال له أثناء لقائه: طالما أن المفكرين والأدباء العرب لا يكتبون عن الغرب، يبقون متقوقعين في عوالمهم. ولكي تصبح الكتابة حقيقية، يجب أن تعيش الوحدة الكونية، والرواية المغربية إذا ظلت تدور في فلك المحلية، فإنها تبقى أسيرة حديقتها المسورة. هناك عشرات المواضيع التي تستحق الكتابة عنها. وطنجة تحمل عشرات من هذه القصص. لقد كان تشرشل يتردد على فندق المأمونية.. يفتح نافذة غرفته ويرسم. كما أن بورخيس زار مراكش مرتين، وتردد على ساحة جامع الفناء باعتباره تراثا شفويا عالميا. أظن أن الرواية الجيدة تحتاج إلى قارئ جيد بالضرورة. وكم نحن في العالم العربي، بحاجة إلى كتابة روائية تلامس علائقنا بالآخرين، وذلك عبر علائق زمننا بالكتابة التي وضعت أزمنة روائية تثير الأسئلة أكثر مما تجيب.

* أيهما يحوز على قراءاتك الشعر أم الرواية؟
- إنني أقرأ من الروايات أكثر مما أقرأ من الشعر، على الرغم من أنني شاعر أساسا.

* هل يمكن أن تتحدث لنا عن أعمالك المقبلة؟
- أتهيأ حاليا لإصدار روايتي الثالثة، كما ستصدر لي مجوعتان شعريتان مترجمتان إلى الفرنسية في باريس، وهي تدور حول مرحلة الاستعمار الفرنسي ودور المقاومة المسلحة، أحاول استعادة تلك اللحظة التي كان فيها المغاربة مستعدون للتضحية بأنفسهم والموت من أجل وطنهم. لكننا في الوقت الحالي غير قادرين على الموت من أجل الديمقراطية كقضية إنسانية. لقد صدرت «جيرترود» وإلى جانبها مجموعتي الشعرية «أذى كالحب». آمل أن تصدر روايتي الجديدة برفقة عملي الشعري الجديد خلال السنة المقبلة.

سيرة
حسن نجمي، ولد عام 1960 شاعر ومؤلف وصحافي مغربي، رئيس اتحاد كتاب المغرب بين 1998 - 2005. ورئيس سابق لبيت الشعر، يشغل حاليا منصب مدير هيئة الكتاب والمطبوعات في المغرب. حاصل على شهادة دكتوراه الدولة في الشعر الشفوي. من أهم أعماله الأدبية «لك الإمارة أيتها الخزامى»، و«1982»، و«سقط سهوا»، و«الرياح البنية»، و«حياة صغيرة» (شعر)، بالإضافة كتبه في النقد والفكر مثل: «الشاعر والتجربة» و«شعرية الفضاء».

جيرترود شتاين
الأميركية الشهيرة جيرترود شتاين كانت واحدة من بين الأدباء والمفكرين والتشكيليين والفنانين الأميركيين الذين هاجروا إلى فرنسا واستقر بهم المطاف بباريس حيث تحولت إقامتها هناك إلى صالون أدبي يلتقي فيه مشاهير فنون الأدب والموسيقى والتشكيل من قبيل: ماتيس - بيكاسو - أبتولينير - همينغواي - فيتزجرالد - أناييس نن - وآخرون. زارت جيرترود مدينة طنجة سنة 1912 رفقة صديقتها البولونية «ألستو كلاس» التي تربطهما علاقة صداقة أثناء مقامهما بطنجة التقيا بشاب يدعى محمد الطنجاوي، فاستندا إليه - كما جاء في فصول رواية حسن نجمي - دليلا سياحيا، حيث سرعان ما تطورت العلاقة بينه وبين جيرترو إلى صديق طيب المعشر، علاقة منحته هوية كاملة بعد أن بعثه السلطان حفيظ ضمن بعثة طلابية لمتابعة دراسته بالخارج، يعود محمد ليندس في الواقع الذي استعصى عليه إصلاحه، ثم قرر تلبية دعوة الالتحاق بالكاتبة والصديقة الأميركية «جيرترود شتاين» بباريس. لقاء عابر تحول إلى علاقة جوهرية وكيانية ووجودية.



مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.