يوميات الحرب الليبية (الحلقة الرابعة): مقتل قيادات مهمة في أنصار الشريعة بينهم جزائريون ومصريون في معركة «جسر بنينة الأول»

الجيش يحقق انتصارات غير متوقعة على تحالف المتشددين في بنغازي رغم تواضع إمكانيات العتاد والإسناد

الجيش الليبي نشر العديد من نقاط التفتيش لمحاصرة المتطرفين والقبض عليهم ({الشرق الأوسط»)
الجيش الليبي نشر العديد من نقاط التفتيش لمحاصرة المتطرفين والقبض عليهم ({الشرق الأوسط»)
TT

يوميات الحرب الليبية (الحلقة الرابعة): مقتل قيادات مهمة في أنصار الشريعة بينهم جزائريون ومصريون في معركة «جسر بنينة الأول»

الجيش الليبي نشر العديد من نقاط التفتيش لمحاصرة المتطرفين والقبض عليهم ({الشرق الأوسط»)
الجيش الليبي نشر العديد من نقاط التفتيش لمحاصرة المتطرفين والقبض عليهم ({الشرق الأوسط»)

يوجد حول مدينة بنغازي، مثل غالبية المدن الليبية الأخرى، آلاف المزارع التي لا تشبه المزارع المتعارف عليها في دول العالم. هي ليست نشاطا اقتصاديا، ولكنها مجرد ملكيات خاصة إضافية تُتخذ أماكن لتزجية الوقت وقضاء نهاية الأسبوع بعيدا عن البيت وصخب المدينة، ويكون ذلك بصحبة الأسرة أحيانا، ومع الأصدقاء والخلان في معظم الأحيان. وحين ضرب الجيش الليبي بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، معسكرات المتطرفين في بنغازي، فروا بأسلحتهم وآلياتهم، واستولوا على مئات المزارع من أصحابها، وحولوها إلى مراكز ومواقع لاستهداف قوات الجيش والشرطة.. واستهداف كل من لا يخضع لحكم ما يسمى «مجلس شورى الثوار» المكون من خليط من جماعات مسلحة وميليشيات بالمدينة، منها جماعة الإخوان وأنصار الشريعة والدروع وتنظيم داعش الليبي.

تمتلك كل أسرة تقريبا من أسر الطبقة المتوسطة والطبقة الثرية، مزرعة في ضواحي المدينة، تتراوح مساحة الواحدة منها بين ألف متر مربع و10 آلاف متر مربع. وكل مزرعة محاطة بسور لا يقل ارتفاعه عن مترين، ولكل منها بوابة ضخمة من الحديد تحفظها من السرقة. وانتشرت ظاهرة تأسيس المزارع في ليبيا منذ ثمانينات القرن الماضي، وبدأت أولا في أوساط المشتغلين في الدولة من قيادات أجهزة الأمن والوزارات والإدارات المحلية، وزادت بين سكان المدن الكبيرة خاصة بعد التوسع في تصدير النفط في العقود التالية. ويوجد في كل مزرعة غرفة أو غرفتان على الأقل، ويزيد بعض الموسرين من الغرف التي تتحول أحيانا إلى ما يشبه المبنى السكني المتكامل. وكل مزرعة مزودة بمصدر للمياه والكهرباء.
ويحرص كل صاحب مزرعة على زراعتها بأشجار الزينة والأشجار المثمرة وكذا الورد والنعناع وغيرها مما يحب، ويتفنن في الاعتناء بالمكان وجلسات الضيوف وركن الشواء والسهر. وتظل غالبية هذا النوع من المزارع مهجورة، وهي مصفوفة جوار بعضها بعضا على مساحات واسعة، وتتحول إلى ما يشبه مساكن للأشباح، ولا تدب فيها الحياة والحركة إلا في نهاية كل أسبوع أو في الإجازات الدينية والرسمية.
وتبعد بعض هذه المزارع عن قلب مدينة بنغازي بنحو 20 كيلومترا أو 30 كيلومترا. وبعضها يشرف على طريق المطار والبعض الآخر على الطريق الدائري المار من جنوب شرقي المدينة ويصل حتى أقصى الغرب حيث توجد منطقة قار يونس، وهي منطقة كانت تغص بمعسكرات شهيرة يسيطر عليها المتطرفون الذين رفضوا إلقاء السلاح بعد انتهاء الثورة ضد القذافي. وقامت قوات الجيش، في صيف هذا العام، بتوجيه ضربات موجعة لمعسكرات «17 فبراير» و«رأف الله السحاتي» و«أنصار الشريعة»، ما اضطر عناصر المتطرفين للهجوم على المزارع المنتشرة حول المدينة، واحتلالها وتحويلها إلى مناطق للتجمع والإيواء وتخزين الأسلحة، واحتجازهم الخصوم وتعذيبهم أيضا.
وبينما بدأت قوات الجيش في التقدم على الأرض لطرد باقي المتشددين من قلب بنغازي، التي يبلغ عدد سكانها أقل قليلا من مليون نسمة، يبدو أن هذه القوات تجد صعوبة كبيرة في تحديد المزارع التي يتمركز فيها المتطرفون، خاصة في المناطق القريبة من معسكر الصاعقة التابع للجيش في ضاحية «بوعطني» شرقا وعلى طريق الطليحة الرئيس، وفقا للمعلومات المتوفرة لدى الاستخبارات الليبية الجديدة. ومن داخل معسكر عمر المختار في شرق البلاد يتابع قادة الجيش الكبار في رئاسة الأركان مجريات الحرب. وتوجد في مدخل المعسكر دبابات روسية الصنع تعود لعهد الستينيات والسبعينات. وتبدو التطورات في بنغازي كافية لرفع معنويات القادة والجنود الذين يرابطون في شرق المدينة، بينما كان المقدم مراد، مدير مكتب رئيس الأركان، يتلقى الاتصالات عن العمليات وهواتفه لا تتوقف عن الرنين.
وفي اليوم التالي، وبينما يتزايد عدد أسر النازحين عن المدينة هربا من القتال، بدأ الجيش يفرض مزيدا من الضغط على قوات المتشددين في شرق بنغازي، وأغلقت 4 مدرعات وسيارة إسعاف وسيارتان دفع رباعي ونحو 10 جنود، الطرق المؤدية إلى «مزرعة الإصلاح» التي يتحصن فيها مجموعة من أنصار الشريعة، وتقع المزرعة بين عدد من المخازن التجارية المغلقة في ضاحية السلام. وانطلقت قذيفة «آر بي جي» من وراء السور، وانفجرت في واجهة مخزن وطيرت أبوابه. كانت محاولة من المتحصنين لإخافة طليعة الجيش. وتقدم 5 من الجنود عدة خطوات، فأطلق المتطرفون قذيفة أخرى، ودوى صوت الانفجار وارتفعت ألسنة اللهب وانهارت واجهة مخزن الرخام المجاور. وبعد قليل بدأ وابل من الرصاص ينهال من داخل المزرعة بشكل عشوائي.
وانحنى الجنود الـ5 وهم يقتربون من السور، لكن رصاصة أصابت ساق أحدهم، فوقع على الأرض وبدأ الدم ينزف من تحت سرواله العسكري المبرقش، فزحف وهو يتقهقر ويحتمي بجذوع أشجار وقوالب إسمنتية على جانب الطريق الترابي، إلى أن تمكنت مدرعة في الخلفية من التقاطه وتسليمه إلى سيارة الإسعاف. وتقدم 3 جنود آخرون لدعم باقي المجموعة.. وأخيرا تمكنوا من إجبار المسلحين المتحصنين بالداخل على الفرار. يبدو أنهم كانوا 3 لأن مواقع فوارغ الذخيرة كانت مبعثرة في 3 أماكن داخل سور المزرعة. وعثر الجنود على جثتين لشابين ليبيين كانا محتجزين قبل أن يطلق عليهما المسلحون الرصاص تحت شجرة أكاسيا، ويختفوا.
وبعد الضحى تمكنت مجموعة أخرى من الجنود من فتح ثغرة إلى داخل الطريق المعروف باسم طريق دريانة، وبينما لحق بهم نحو 9 من زملائهم وهم يتلقون تعليمات «الآمر» عبر جهاز اللاسلكي، لتمشيط المنطقة بحثا عن مسلحين جدد، بدأت بقية القوات تتحرك إلى الأمام بعد إسكات نيران المتطرفين ومطاردتهم. إنها حرب مُدن بكل معنى الكلمة. وتواجه الجيوش النظامية في حروب المدن عادة مشكلة في تحريك الآليات والجنود. وخلال ذلك برزت وجوه لنساء وأطفال من فوق أسطح المباني المطلة على الشارع، ورفعت امرأة منديلا ملونا ولوحت به وهي تحيي مع جيرانها قوات الجيش المصممة على تحرير المدينة، وانطلقت من فوق الأسطح الزغاريد والأغاني ووزع بعضهم زجاجات مياه مثلجة على الجنود.
ورفع العقيد فرج البرعصي، آمر المجموعة العسكرية المتقدمة هنا، يده وهزَّ سلاحه من ماركة «إيه كيه 47» محييا المواطنين الذين كانوا قد ذاقوا الأمرين طيلة أكثر من سنتين على أيدي جماعات المتطرفين. ورفع علامة النصر، بينما كان عدة مئات من جنوده قد توغلوا، بحلول الظهر، داخل المحور الشرقي للمدينة الذي كان المتشددون يسيطرون عليه وينصبون فيه الحواجز قبل أيام.
ويقول الرائد حسين، أحد المشاركين في العملية، وهو يتابع تحركات الجنود بجهاز اللاسلكي إنه جرى القبض على 13 من عناصر أنصار الشريعة منذ بداية عمليات اليوم، وجاري تنظيف الضواحي الشرقية بالمدينة من بقايا المتطرفين.
وبالإضافة إلى معارك مزرعة الإصلاح ومنطقة دريانة والشارع المسمى باسمها، شملت أعمال التمشيط أيضا منطقة الكويفية في عمق المدينة وهذا أمر لم يكن متوقعا. كما جرى القبض على 6 آخرين على الأقل من أنصار الشريعة، كانوا يختبئون في منزل هجره سكانه منذ بداية العمليات في منطقة «سيدي خليفة»، بعد أن نفدت منهم الذخيرة. وقادهم 3 من الجنود إلى داخل شاحنه عسكرية. وسارت عملية الزحف العسكري في هذا النهار الممطر بالتزامن مع عمليات أخرى لاصطياد المتطرفين المتمركزين في عدد من المزارع، خاصة في منطقة الغوط.
وفي اليوم الثالث بدأت معارك من نوع جديد. وقبل شروق الشمس بقليل وصلت 50 آلية عسكرية غالبيتها من سيارات الدفع الرباعي المدنية المجهزة بالرشاشات والمصدَّات الحديدية الإضافية، ومن فوقها تظهر رؤوس الجنود المتحفزين. وتمركزت على مشارف «جسر بنينة الأول» على طريق مطار بنينة وهو مطار مدني وعسكري كانت قوات المتطرفين تسعى طيلة أشهر للسيطرة عليه دون جدوى، رغم استخدامها للصواريخ والمدفعية ضد قوات تأمين المطار.
وفجأة ارتفعت صيحات التكبير بين الجنود والضباط. فقد وصل حالا خبر اقتحام قوات الجيش في الجانب الآخر من بنغازي لمعقل أحد أخطر قيادات التطرف، والذي يلقبه أهالي المدينة باسم «بوكا»، بينما اسمه الحقيقي هو محمد العريبي. وجاءت الأخبار عبر جهاز اللاسلكي. القوات الآن في منزل «بوكا» نفسه، لكنه هرب على عجل وترك خلفه متعلقات مهمة من بينها حاسوب ومعلومات عن أسماء مساعديه وأرقام هواتف عدد منهم.
وتعالت صيحات التكبير مرة أخرى. وجرى تسوية مبنى «بوكا» بالأرض على أيدي مواطني المدينة المتعطشين للانتقام من قادة المتشددين، الذين جلبوا المقاتلين الأجانب من دول العالم لقتال الليبيين وكانوا يعطون أوامر بصلب المخالفين وشنقهم وقطع رؤوسهم جهارا نهارا - كما يقول الأهالي - في ساحات المدينة التي كانت مهد الثورة ضد القذافي.
ومن المعروف أن جماعة أنصار الشريعة الموالية لتنظيم القاعدة والمدعومة من جماعة الإخوان، كانت قد استولت على عدد من معسكرات الجيش في بنغازي في أواخر شهر رمضان الماضي، إلا أن الجيش قال: إنه هو الذي بادر بالانسحاب التكتيكي تمهيدا للعودة لاحقا لتطهير المدينة من المتطرفين، لكن أنصار الشريعة حاولت بعد ذلك أن تعزز من سيطرتها على بنغازي وتزيل كل مظاهر الدولة، بما فيها القيام بتفجير مبنى مديرية الأمن، واحتلال معسكرات للجيش وقوات الصاعقة والقوات الخاصة، والإعلان عن رفضها للانتخابات والبرلمان والأحزاب، قائلة إنها «ثقافة غربية كافرة»، ما أدى إلى إصابة أهالي المدينة بالذهول، قائلين إن الثورة التي قاموا بها في 2011 كانت من أجل الديمقراطية والحرية والكرامة.
وجاء نهار جديد لمعركة بنغازي.. وبدأت أشعة الشمس تلقي بضوئها على حواف «جسر بنينة الأول»، وعلى الحواجز التي نصبها أفراد الجيش. وجرى تفتيش السيارات الخاصة القادمة من وسط المدينة، وتوجيهها إلى مسالك أخرى بعيدا عن مسرح العمليات الملتهب. وكانت المعلومات التي جعلت قوات الجيش تحاصر منطقة الجسر تقول إن المتطرفين يتخذون من عدة مزارع مجاورة أوكارا لهم، ويقومون من داخلها بإطلاق صواريخ من نوع غراد على الآليات العسكرية التي كانت قد بدأت تنتشر قبل يومين لفرض الأمن في المنطقة. كان الجميع يترقب. متى ستنطلق الطلقة الأولى ومن أين.
ونزل النقيب عبد الله، أحد قادة المجموعة العسكرية في «جسر بنينة»، من سيارته، وبدأ يستعرض خريطة للتحرك مع عدد من الجنود لتحرير مزارع الجسر. والسيارة التي يقودها عبد الله لها معزة خاصة لديه، وهي دفع رباعي سوداء مكتوب عليها كلمة «شرطة». ويقول إن المتطرفين كانوا قد استولوا عليها حين هاجموا مقر مديرية أمن بنغازي وفجروه في الأيام الماضية، وتمكن النقيب من خوض معركة في طريق المطار، بمفرده، لاستعادتها، ونجح في ذلك وألقى أيضا القبض على الشبان الـ3 الذين كانوا يستخدمونها في اصطياد خصومهم بالمدينة.
وتعود أصول النقيب الأسمر لقبيلة التبو الليبية التي يتركز وجودها في كل من إقليم فزان في الجنوب وفي منطقة الكفرة في الشرق. ويضيف قائلا إن غالبية الليبيين «لديهم دائما مخاوف من الإسلاميين، ويرفضون أفكارهم، وغير مقتنعين بهم.. ليبيا دين وسطي مثل مصر. كل هذا التطرف جديد علينا.. جديد على ليبيا.. كان الإسلاميون المتطرفون، خلال السنوات الـ3 الماضية، يسيطرون على الدولة؛ جماعة الإخوان، والجماعة المقاتلة، وأنصار الشريعة والتكفيريون.. كلهم كانوا مسجونين في سجن أبو سليم بطرابلس (في عهد القذافي)، واليوم يكفِّرون المجتمع، وسهلوا دخول متطرفين آخرين من دول عربية وأجنبية لليبيا، ويقولون: إن من يذبح جنديا من الجيش الليبي يدخل الجنة، ولهذا قُتل أكثر من 500 جندي وضابط خلال العامين الأخيرين».وفجأة أزَّ الرصاص فوق الرؤوس. واتخذ الجنود مواقعهم، وبدأت عملية الاستعداد للرد. واستمرت المعارك هناك مدة يومين إلى أن جرى تطهير المنطقة من المسلحين. وتقول مصادر عسكرية إنه يعتقد أن زعيم تنظيم أنصار الشريعة في بنغازي، محمد الزهاوي، قتل في هذه المعركة التي خسر فيها الجيش 3 جنود، بينما لا توجد تأكيدات رسمية وقاطعة عن مصير الزهاوي، أو باقي قيادات المتطرفين مثل وسيم بن حميد و«بوكا».
ويعتقد أيضا أن الزهاوي تعرض لإصابات مباشرة بالرصاص وقتل في معركة بنينة عند جسر بنينة الأول على طريق المطار، لأن محادثات المقاتلين المتطرفين في أجهزة اللاسلكي والتي جرى التنصت عليها أثناء الاشتباكات، كانت تتضمن كلاما عن أن الزهاوي لقي مصرعه. ويتابع المصدر العسكري قائلا إن محادثات المتطرفين في اللاسلكي قالت بالنص: «الأمير استشهد.. استشهد الشيخ»، في إشارة على ما يبدو للزهاوي. كما جرى الحديث فيما بعد عن تعيين خليفة له، لكن لم يعرف اسمه بعد. إلا أن معلومات من مصادر أخرى رجحت أن يكون الزهاوي قد تعرض فقط لإصابات ونقل للعلاج في تركيا، قائلة إن «الزهاوي، بشكل عام، قليل الظهور، ولهذا لا يمكن تفسير اختفائه بعد معركة بنينة بأنه قد قتل فيها».
ووفقا لروايات ضباط وجنود، فقد قتل العشرات من أنصار الشريعة في معركة بنينة. ومن بين القيادات الأخرى في هذه الجماعة، والتي توجد تكهنات بمقتل بعضهم أيضا، هناك محمود الوحيشي، وهو من المقاتلين الليبيين السابقين في العراق، وله علاقات قوية مع كبار الزعماء المتطرفين في درنة ومصراتة، ويتردد أن لديه مزرعة من تلك المزارع مكدسة بترسانة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، بما فيها صواريخ غراد. كما سقط في مواجهات بنينة مقاتلون من جنسيات أجنبية غالبيتهم جزائريون ومصريون وتونسيون. وبعد أيام من الكر والفر تمكن الجيش من إغلاق جميع مداخل ومخارج بنغازي، وتنفيذ أول عملية من نوعها للتوغل في الداخل، لكن المشكلة تظل في المزارع المنتشرة في ضواحي المدينة وما حولها.
الآن تمضي ساعات من التجول على الطرقات التي تربط ضواحي بنغازي.. كانت الأجواء هادئة قليلا، وكان يمكن أن تعثر على كوب ماء وسيجارة ومقعد على الرصيف. ويراقب المئات من الجنود مداخل ومخارج المزارع التي يختبئ فيها باقي المتطرفين بما جمعوه من أسلحة، وذلك في مناطق القوارشة وبوعطني. ومعروف أن هذه المزارع الشاسعة والمجهزة والثرية كانت أساسا مملوكة لأنصار القذافي، لكن غالبية أصحابها فروا إلى خارج البلاد بعد سقوط نظام العقيد. وبعد قليل حلقت طائرة حربية، وقصفت مزرعة في الجوار، وتركت وراءها أعمدة دخان واختفت، في لمح البصر، في الأفق.
ويتفق قادة الدولة الليبية الجديدة، أي رئيس البرلمان، عقيلة صالح، ورئيس الأركان، اللواء عبد الرزاق الناظوري، على أنه لو جرى الحسم في بنغازي فسيتم حسم باقي الأمور في البلاد. ويقول عقيلة: أعتقد أنه بمجرد استقرار الأمور في بنغازي فإن باقي المشاكل ستنتهي. بينما يقول عيسى عبد المجيد، مستشار عقيلة، إن أكثر من 70 في المائة من بنغازي أصبحت تحت سيطرة الجيش والشرطة، وإنه خلال الأيام المقبلة ستكون السيطرة على المدينة بنسبة مائة في المائة.
وعقب نجاح الجيش في دخول شرق بنغازي يوضح الناظوري قائلا من خلف مكتبه في قاعدته العسكرية: نحن لدينا أجهزة أمنية تعمل داخل المدينة، ونعرف كل مطلوب من المطلوبين أين يسكن وأين يقيم.. كما نعرف المساجد التي يستغلها هؤلاء المتطرفون سواء لتجمعاتهم أو لتخزين الذخائر بداخلها، ونعرف المزارع التي طرد هؤلاء المتطرفون أصحابها منها وأصبحوا يتمركزون فيها كمعسكرات لهم. كل شيء عنهم معروف لدينا ومدروس.
وتعوِّل قيادات الدولة على عمليات تجفيف المنابع المالية للمتطرفين والتي يمكن أن تؤدي إلى انخفاض عدد من يقاتلون معهم مقابل أجر. ووفقا لمعلومات جمعتها الاستخبارات فإن قادة التطرف فيما يعرف بـ«مجلس شورى ثوار بنغازي» أغرى مئات الصِبية الذين تقل أعمارهم عن 18 عاما بالاشتراك في معارك بنينة ضد القوات المسلحة والشرطة، وأنه وعدهم بأنه، في حالة طرد قوات الجيش من المنطقة، سيصرف لكل صبي 40 ألف دينار (الدولار يساوي نحو 1.3 دينار). ويقول أحد قادة الأمن: «هذه الأموال استولى عليها المتطرفون بعد ثورة فبراير، وهي حصيلة لما جرى نهبه من الدولة الليبية ومن السرقات والسطو على الأموال العامة».
ورغم أن نحو 60 في المائة من أفراد الجيش الليبي لا يحصلون على رواتب منذ نحو 3 أشهر، فإن الدافع الرئيس للعمل والقتال في صفوف القوات المسلحة ليس الحصول على أجور فقط.. «ولكن من أجل التخلص من كابوس المتطرفين والإرهابيين الذين وصلوا لحكم ليبيا، وأثاروا فيها الفوضى بشكل جعل الدولة تتفسخ وتتفتت بين كتائب وميليشيات»، كما يقول الرائد في الجيش الليبي، حسين جمال، الذي انضم لعملية الكرامة بقيادة حفتر، ويضيف: كنت أخدم داخل رئاسة أركان الجيش (السابقة) التابعة للمؤتمر الوطني (البرلمان السابق) الموالي للإسلاميين، وذلك قبل انتهاء ولايته وانتخاب البرلمان الجديد.. «عملت تحت رئاسة المنقوش وهو من مدينة مصراتة، ومحسوب على الإسلاميين، ثم عملت مع جاد الله، وهذا الأخير لم يكن من الإسلاميين لكنه بات من المتشددين وأصبح مواليا لهم».
ويتحدث الرائد جمال عن أنه لاحظ أثناء عمله في رئاسة الأركان السابقة أنه كان هناك تعمد واضح من قيادات المتطرفين من جماعة الإخوان وغيرها، بعدم السماح بوجود جيش وطني.. ومن مظاهر هذا التعمد بناء جسم آخر مواز للجيش مثل كتائب الدروع ومشروع الحرس الوطني الذي لم يتحقق.. ومن مظاهر هذا التعمد أيضا، كما يذكر الرائد جمال، تخصيص القيادات الإخوانية، وهي في الحكم، ملايين الدولارات كرواتب للميليشيات بمقدار أعلى من رواتب ضباط الجيش.
ويقول إنه على سبيل المثال كان راتب المقدم في الجيش نحو 850 دينارا، بينما عنصر الميليشيا يحصل على 925 دينارا، على الأقل، و.. «لهذا تركت الخدمة في رئاسة الأركان بسبب الاهتمام بالمتطرفين على حساب الجيش، وانتقلتُ إلى العمل مع الجيش الوطني ومع عملية الكرامة تحت رئاسة البرلمان الجديد».
ورغم معاناته من نقص المعدات والأسلحة فإن الجيش الذي تعرض للتدمير أثناء قصف حلف الناتو لمعسكراته في 2011. تمكن من لملمة شتات نفسه أخيرا، ونجح في تغيير الدفة في الصراع الذي يقول إنه قد فُرض عليه من قادة التنظيمات المتطرفة. فبعد أن كان يتعرض للهجوم من المتشددين، أخذت الكفة تميل لصالح الجيش، وهو من يقوم بالمبادرة وباقتحام الأوكار ومطاردة فلول المسلحين بمؤازرة شباب الضواحي والمواطنين في بنغازي. ومع ذلك لا يخفي القادة غضبهم من تجاهل المجتمع الدولي و«تباطؤ الأصدقاء» في تقديم الدعم اللازم للحرب على الإرهاب.
لكن الرائد جمال يتوقع أن يردَّ المتشددون اليائسون بهجمات انتحارية وسيارات مفخخة ليس في بنغازي فقط، ولكن في كل مكان يمكن أن تطاله أيديهم. ويضيف: «أتباع الزهاوي فقدوا البوصلة.. لا يأتون للمواجهة كما كانوا يفعلون في السابق. وبعد دخول الجيش والتفاف الناس حول الجنود والضباط، لجأوا للتفجيرات ولذلك فإن الخوف من الخلايا النائمة للمتطرفين في المدن خاصة في بنغازي ومزارعها الكثيرة. وهذه سبب رئيس للقلق».
وفي اليوم السابع بدأت قوات الجيش تنقض على وسط بنغازي من عدة جبهات، لتخليصها من آخر معاقل أنصار الشريعة، بعد أن وضعت حواجز قوية من قوات الشرطة العسكرية والمتطوعين المدنيين للتصدي لأي محاولات من جانب المتطرفين المتمركزين في مزارع الضواحي الخارجية، حيث توافرت معلومات لدى الجيش عن أن المتحصنين في المزارع يسعون للقيام بهجوم مضاد والتفافي، أي من الأطراف، على القوات التي تزحف إلى قلب المدينة. وكان اليوم السابع شديد الصعوبة، حيث سبقته تحذيرات واثقة من الجيش للمتشددين «إما الاستسلام، أو القتل».
كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة صباحا بقليل. وكانت القوات تقترب من مقر مصرف المدينة ومن شارع البحر المؤدي إلى الميناء. ومن هنا تهب النسائم المالحة والباردة والمنعشة، إلا أنها سريعا ما أصبحت معبقة برائحة البارود ودخان الحرائق، بعد أن تحولت المناوشات بطلقات الرصاص إلى حرب بالقذائف الصاروخية بشكل سريع، واندفعت آليات الجيش للأمام. كانت عبارة عن 3 دبابات روسية قديمة، ومن خلفها 3 مدرعات أميركية الصنع و7 سيارات يابانية دفع رباعي، ونحو 50 من الجنود والضباط. وفجأة انفجرت شاحنة مفخخة كانت متوقفة أمام «محل اتصالات الشهداء» على بعد نحو مائتي متر. ارتفعت الشاحنة وسط شعلة من اللهب وارتطمت بالأرض محدثة دويا أصم على جانب الطريق وتحول لونها من الأحمر إلى الأسود في طرفة عين.. كانت هذه محاولة يائسة لعرقلة تقدم الجيش.
ومن وراء الدخان بدت مجموعة من المسلحين من أنصار الشريعة صغار السن، نحو 7 أو 8، يهرولون إلى الضفة الأخرى من الشارع، واستتروا بجدار وأمطروا آليات الجيش بالرصاص، بينما اختبأ الجنود خلف الدبابات والمباني المجاورة. ومن طريق جانبي آخر بدا أن هناك مجموعة من المتطرفين قادمة للدعم وتمكنت بالفعل من إطلاق قذيفتي «آر بي جي»، أصابت إحداهما مدرعة وشطرتها نصفين، بينما انفجرت القذيفة الأخرى في الشارع، ونثرت الحجارة والقار، وتركت فيه حفرة. وتوقفت الدبابة التي في المقدمة، وحركت ماسورتها حركتين صغيرتين يمينا ويسارا، ثم أطلقت قذيفة. وبعدها اندفعت اثنتان من سيارات الدفع الرباعي المحملة بالجنود والبنادق ومدافع عيار 14.5، واختفت في الشارع الجانبي لتتعالى بعدها أصوات الطلقات من كل مكان.
وفي الاتجاه الآخر، أي في اتجاه منطقة «السيمفارو» التي تشرف على طريق الصابري، كانت معارك أخرى قد اشتعلت فجأة بسبب العثور على مجموعة متطرفين مسلحين يحاولون حصار القوات التي تشتبك مع زملائهم في بداية شارع البحر. جثث 3 أطفال قرب مفرق السيمافرو؛ بنت وولدين وأمهم تنوح جوارهم، وتهيل التراب على رأسها. كانت تحاول الفرار بهم إلى الجانب الآخر من المدينة، لكنهم قتلوا. والآن تقف في الوسط والرصاص يئز من حولها. وبعد قليل دوت انفجارات جديدة ثم حل الصمت. نظرة أخيرة.. كانت النيران وسحب الدخان والتراب قد وارت جسد المرأة النائحة، وأسكتت صوتها.
وفي الشارع المقابل كانت آثار الدماء على الأرصفة وفي تقاطعات الطريق.. شرفات المباني متهاوية وجدرانها مثقوبة بالقذائف وعليها آلاف النقر من آثار طلقات الرصاص.. هنا، بجوار ركام مبنى، توجد جثة لرجل في الـ30 من العمر. يرتدي سروالا عسكريا وسترة مدنية. ذراعه اليمنى مفصولة عن جسده. يبتسم نصف ابتسامه وعيناه شاخصتان للسماء. ومن الخلف هدر محرك آلية من آليات الحرب. وزعق صوت: اضرب هناااااك... وانطلقت قذيفة ثم زخَّات من رشاش. وصاح آخر: الله أكبر..

يوميات الحرب الليبية (الحلقة الثالثة): زعيم «إمارة درنة» يتحصن بضاحية «لميس التركية» ويستخدم طيور الكناري لمراقبة هجمات الجيش
يوميات الحرب الليبية (2): «إخوان» ليبيا أسسوا جهاز مخابرات في طبرق.. وسعوا لاغتيال نواب من البرلمان الجديد ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الأولى): عناصر الأمن أكثر من المسافرين على حدود ليبيا.. وتحذير من «بوابات» للمتطرفين


البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
TT

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية، اتهم فيهما ستة متهمين، من بينهم اثنان يحملان الجنسية الأفغانية، وأربعة مواطنين، بالتخابر مع «الحرس الثوري» الإيراني، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وعدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وقضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد، وبراءة متهم واحد، وأمرت بمصادرة المضبوطات، وإبعاد المتهمين الأفغانيين من البلاد نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

وبحسب «وكالة الأنباء البحرينية»؛ تعود تفاصيل هذه الواقعة إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، تفيد بقيام «الحرس الثوري» الإيراني بالتواصل مع أحد المتهمين (أفغاني الجنسية)، وتجنيده لتنفيذ مخططاته الإرهابية في مملكة البحرين، حيث كُلف بمهام استخباراتية للقيام بأعمال عدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وتمثلت المهمة الموكلة للمتهمين في مراقبة وتصوير المنشآت الحيوية والمهمة داخل البلاد، وجمع المعلومات بشأنها، ونفاذاً لذلك قام المتهم برصد إحدى المنشآت الحيوية، وجمع معلومات عنها مقابل مبالغ مالية تلقاها من «الحرس الثوري» الإيراني، كما قام هذا المتهم بتجنيد المتهم الثاني، وهو من ذات الجنسية، لمعاونته في تلك العمليات الاستخباراتية لصالح المنظمة المشار إليها، وعلى أثر ذلك تم ضبط المتهمَيْن وبحوزتهما أدوات استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

كما تعود تفاصيل الواقعة الثانية إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بشأن قيام بعض عناصر «الحرس الثوري» الإيراني بتجنيد أحد المتهمين (مواطن بحريني هارب وموجود في إيران)، وإقناعه بالعمل لصالحهم ضد مملكة البحرين، وكُلف بالبحث عن عناصر محلية داخل المملكة لتجنيدها، وتسخيرها لتنفيذ مخططات المنظمة الإرهابية المشار إليها.

وذكرت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه نفاذاً لذلك تمكن المتهم من تجنيد المتهمين الثلاثة الآخرين (وهم مواطنون بحرينيون) في ذات الواقعة، وأسندت إليهم مهام تستهدف الإضرار بأمن البلاد، ومصالحها، شملت رصد ومراقبة وتصوير المنشآت الحيوية، وجمع المعلومات عنها، وتزويد «الحرس الثوري» الإيراني بها.

وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعتين فور تلقي البلاغين، حيث استجوبت المتهمين المضبوطين، وندبت الخبراء الفنيين لفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، كما استمعت إلى أقوال الشهود، ومن بينهم مجري التحريات الذي أفاد بأن تحرياته توصلت إلى أن البيانات والمعلومات التي قدمها المتهمون لمنظمة «الحرس الثوري» الإيراني شكلت ركيزة أساسية في الأعمال العدائية الإرهابية التي استهدفت عدداً من المنشآت الحيوية داخل المملكة، بما عرض أمن البلاد واستقرارها للخطر.

وأضافت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه على ضوء ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمين إلى المحكمة الكبرى الجنائية، وقد نُظرت الدعويان المنفصلتان على عدة جلسات روعيت خلالها كافة الضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك حضور محامي المتهمين، وتمكينهم من إبداء دفاعهم، حتى أصدرت المحكمة حكمها المتقدم بجلسة اليوم. كما كانت المحكمة قد أصدرت قراراً بحظر النشر في الدعويين، نظراً لما تنطويان عليه من معلومات تتعلق بالأمن القومي.

وتعكف النيابة العامة على دراسة الحكم فيما قُضي به من براءة المتهم، والنظر بالطعن فيه بالاستئناف استناداً إلى الأدلة القائمة ضده.

وأكدت النيابة العامة أن جريمة التخابر مع الجهات الأجنبية المعادية لمملكة البحرين تُعد من أخطر الجرائم الماسة بالأمن الوطني، لما تنطوي عليه من تمكين تلك الجهات من الحصول على معلومات تُستغل في تنفيذ أعمال عدائية تستهدف المملكة، ومصالحها.

وشددت النيابة العامة على مضيّها، في إطار ما خولها القانون، في التصدي بحزم لكل من يرتكب مثل هذه الأفعال المجرمة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه، صوناً لأمن البلاد واستقرارها.


الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.


الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

تشهد المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، تصاعداً في وتيرة الإنفاق على الفعاليات ذات الطابع الآيديولوجي، وفي مقدمتها المناسبة المرتبطة بما يُعرف بذكرى «الصرخة الخمينية»، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة، ويجد ملايين اليمنيين أنفسهم عالقين بين الجوع، وانقطاع الرواتب، وتراجع الخدمات الأساسية، وتآكل ما تبقى من قدرتهم على الصمود في مواجهة واقع معيشي بالغ القسوة.

وفي مقابل الانكماش الاقتصادي الحاد، واستمرار التدهور في قيمة الدخول، والارتفاع المتواصل في معدلات الفقر والبطالة، تمضي الجماعة في تخصيص موارد مالية كبيرة لتمويل الفعاليات التعبوية، بما يشمل الحشد الإعلامي، وطباعة الشعارات، وتنظيم الأنشطة الجماهيرية، في مشهد يثير تساؤلات واسعة بشأن أولويات الإنفاق في مناطق تعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق مصادر مطلعة، فقد رصدت الجماعة الحوثية، عبر ما تُسمى اللجنة العليا للاحتفالات، ما يقارب مليون دولار لتمويل فعاليات ذكرى «الصرخة الخمينية»، ضمن مساعٍ متواصلة لترسيخ خطابها الآيديولوجي وتعزيز حضورها التعبوي داخل المجتمع، خصوصاً بين فئة الشباب، عبر سلسلة من الأنشطة المكثفة التي شملت المدارس والمعاهد والجامعات، إلى جانب مهرجانات جماهيرية ومحاضرات تعبوية أُقيمت في عدد من المدن والمناطق الواقعة تحت سيطرتها.

أطفال في محافظة حجة حشدتهم الجماعة الحوثية لإحدى فعالياتها (إكس)

وعلى امتداد الأيام الماضية، شهدت مناطق سيطرة الجماعة أكثر من 150 فعالية واحتفالية مرتبطة بهذه المناسبة، وهو ما فجّر موجة استياء واسعة بين السكان الذين يرون أن الأولوية يجب أن تُمنح لمعالجة الملفات المعيشية الملحة، وفي مقدمتها صرف الرواتب المتوقفة، وتحسين خدمات الكهرباء والمياه، والحد من التدهور الاقتصادي الذي يدفع مزيداً من الأسر نحو دائرة الفقر المدقع.

وتعكس شهادات السكان حجم الفجوة بين ما يُصرف على الأنشطة التعبوية وبين الاحتياجات الأساسية للمواطنين؛ فهناك موظفون حكوميون يؤكدون أنهم لم يتسلموا رواتبهم منذ سنوات، فيما تعتمد أسر كثيرة على الديون، أو على مساعدات متقطعة بالكاد تكفي لسد الرمق.

ولا يقتصر أثر الأزمة على جانب واحد من الحياة اليومية؛ إذ تمتد تداعياتها إلى التعليم والصحة وفرص العمل، مع اتساع رقعة العجز داخل الأسر عن تأمين الاحتياجات الأساسية، واضطرار كثير من الأطفال إلى ترك مقاعد الدراسة، في حين يواجه المعلمون والعاملون في القطاع العام ظروفاً معيشية خانقة نتيجة توقف المرتبات وغياب أي معالجات اقتصادية ملموسة.

أولويات طائفية

يرى مراقبون يمنيون أن استمرار توجيه الموارد نحو هذه الفعاليات الحوثية، يعكس طبيعة الأولويات التي تحكم سياسات الجماعة، حيث تتقدم الاعتبارات الآيديولوجية والسياسية على الملفات الخدمية والمعيشية الأكثر إلحاحاً بالنسبة للسكان.

وبحسب هذه القراءة، فإن الاستثمار في المناسبات التعبوية لا يُنظر إليه بوصفه حدثاً موسمياً فحسب؛ بل بوصفه جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف إعادة تشكيل الوعي العام وترسيخ خطاب الجماعة في المجال الاجتماعي والتعليمي والثقافي.

فعالية تعبوية أقامها الحوثيون في صعدة حيث معقلهم الرئيسي (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن هذا النمط من الإنفاق، في ظل الموارد المحدودة والاقتصاد المنهك، يسهم بصورة مباشرة في تعميق الاختلالات القائمة، ويزيد الضغوط على المجتمع الذي يواجه أصلاً مستويات غير مسبوقة من الفقر، في وقت تتراجع فيه فرص العمل، وتتآكل القدرة الشرائية بوتيرة متسارعة، وسط غياب أي مؤشرات على انفراج اقتصادي قريب.

كما يربط بعض المراقبين هذه المناسبة بسياقات رمزية تتجاوز البعد المحلي، باعتبارها جزءاً من منظومة شعارات وطقوس جرى إدخالها إلى خطاب الجماعة منذ سنوات، لتصبح لاحقاً ركناً ثابتاً في نشاطها العام، وأداة متكررة للحشد والتعبئة، بما يعكس استمرار توظيف البعد الآيديولوجي بوصفه أولوية تتقدم على متطلبات الحياة اليومية للمواطنين.

خطر المجاعة يقترب

في موازاة هذا المشهد، تتزايد التحذيرات الدولية من انزلاق اليمن نحو مستويات أشد خطورة من الأزمة الإنسانية؛ إذ حذرت «منظمة الأغذية والزراعة» التابعة للأمم المتحدة، من التدهور المستمر في الوضع الغذائي.

الحوثيون يحرمون الموظفين من الرواتب ويبددون الأموال لإحياء مناسبة طائفية (إكس)

وأكدت المنظمة أن اليمن بواجه خطراً حقيقياً بالانزلاق نحو المجاعة خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار القيود على إيصال المساعدات، وتراجع التمويل الإنساني، وتأثيرات التصعيد الإقليمي على الوضع الاقتصادي والإنساني.

ووفق أحدث التقديرات، يعاني نحو 18.3 مليون شخص في اليمن، من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي مع بداية عام 2026، وهو رقم يعكس حجم الكارثة المتفاقمة، ويضع البلاد ضمن أعلى المعدلات العالمية في مستويات الطوارئ المرتبطة بالجوع وسوء التغذية.