هجوم دياب المبرمج على سلامة يدخل لبنان في مرحلة سياسية جديدة

يسعى إلى جس نبض اللبنانيين قبل اصطدامه بقانون النقد والتسليف

TT

هجوم دياب المبرمج على سلامة يدخل لبنان في مرحلة سياسية جديدة

أدخل رئيس الحكومة حسان دياب لبنان في مرحلة سياسية جديدة في هجومه غير المسبوق على حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، غير تلك التي كانت قائمة قبل انعقاد جلسة مجلس الوزراء يوم الجمعة الماضي، ما فتح الباب على مصراعيه أمام ارتفاع منسوب تبادل الحملات السياسية والإعلامية التي طاولت بشكل مباشر رئيس الجمهورية ميشال عون، خصوصاً من أطراف بارزة في المعارضة اتهمته بأنه يقف وراء التحريض على سلامة بذريعة مكافحة الفساد ووقف هدر المال العام واسترداد الأموال المنهوبة والتحويلات إلى الخارج.
وطرح هجوم دياب المفاجئ على سلامة أكثر من علامة استفهام من قبل معارضيه، مع أن من يؤيده رأى في هجومه الناري الذي ضمّنه تهديدات مباشرة له ولمن يقف إلى جانبه، بأنه كان مضطراً لوضع النقاط على الحروف لعله يكسب انحياز المجتمع الدولي الذي ينادي باستمرار بمكافحة الفساد، وأيضاً «الحراك الشعبي» في تبنّيه لأبرز مطالبه من جهة وفي حملته غير المباشرة على بعض الأطراف التي تولّت السلطة في السابق.
ويقول من يؤيد دياب في خطابه، إن من حقه أن يسأل سلامة عن مصير التطمينات على صمود سعر صرف الليرة، وبالتالي فهو نطق باسم السواد الأعظم من اللبنانيين، من دون أن يخفي هؤلاء رغبته في إنهاء خدمات سلامة.
وفي المقابل، فإن خصوم دياب يرون أنه حاول أن يقدّم نفسه من خلال التهديدات التي وجّهها إلى سلامة بأنه الرئيس القوي تيمّناً بما يسمى بـ«العهد القوي»، مع أنه يعلم جيداً بأن عون ورئيس «التيار الوطني الحر» جبران باسيل كانا يصران على استبداله بمنصور بطيش وطرحا تغييره مع الرئيس سعد الحريري الذي أصر على بقائه ولم يكن أمامهما سوى استرضاء بطيش بتعيينه وزيراً للاقتصاد.
ويطرح هؤلاء مجموعة من الأسئلة، خصوصاً بعدما تعذّر على دياب إقالة سلامة في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء رغم أنه لم يطرحها مباشرة وإنما بطريقة غير مباشرة بسؤاله: ما العمل مع سلامة؟ وقد اصطدم بموقف وزير المال غازي وزني الذي لم يدافع عنه بمقدار ما اعتبر أن مثل هذه الخطوة تأخذ البلد إلى المجهول لوجود موانع قانونية تمنع إقالته.
ومن أبرز هذه الأسئلة:
- هل يُعقل أن يشكو رئيس الحكومة، سلامة للبنانيين باعتبار أنه يفقد السلطة عليه، بدلاً من أن يتقدّم هؤلاء منه بشكواهم على تردّي أحوالهم المعيشية والاجتماعية؟
- إذا كان دياب يريد كسب ودّ المجتمع الدولي، فإن هناك من يسأله: كيف تطلب مساعدة من صندوق النقد الدولي وتعمل لإعادة تعويم قرارات مؤتمر «سيدر» وتدخل في مفاوضات مجدولة الديون وأنت لا تمون على موظف برتبة مدير عام؟
- يسأل دياب عن مصير التطمينات على سعر صرف الليرة؟ مع أنه يجب أن يتوجّه بسؤاله إلى عون الذي كان صرّح أو نُقل عنه بأن لا خوف على الليرة وأن الاستقرار النقدي في أمان، خصوصاً أن تطميناته جاءت قبل وبعد الانتفاضة الشعبية؟
- لماذا صمت دياب طويلاً قبل أن يبادر إلى «تهشيم» الوضعية المالية والنقدية لسلامة مع أنه يلتقيه أسبوعياً، وينسحب السؤال على عون؟
- من عطّل إعادة النصاب إلى المجلس المركزي في مصرف لبنان بإصدار رزمة التعيينات المطلوبة مع أن الأكثرية كانت لعون وحلفائه في الحكومات التي شُكّلت فور انتخابه رئيساً للجمهورية؟
- يعرف دياب جيداً أن المسؤولية تقع أولاً على عون وليس على الحريري في عدم تعيين مفوض الحكومة لدى مصرف لبنان، مع أنه هو بمثابة العين الساهرة للحكومة والحكم في مراقبته لكل ما يدور في «المصرف المركزي» إضافة إلى موافقة عون على التمديد لسلامة؟
- إن «حزب الله» يشكّل رأس حربة في دعم إقالة سلامة، لكنه يقف وراء عون ودياب لئلا يقال إن حكومة الحزب هي التي اتخذت القرار.
- إن دياب كان وافق على مجموعة من التدابير لمكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، لكنه أسقط نفسه في مشكلة مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري في إيكاله هذه المهمة لمدير عام وزارة المال آلان بيفاني قبل أن يتراجع عن موافقته بسبب تهديد وزني وزميله مصطفى مرتضى بالانسحاب من جلسة مجلس الوزراء.
لذلك، فإن جلسة مجلس الوزراء المقررة بعد غد الثلاثاء وعلى جدول أعمالها «شرعنة» مجموعة من التدابير تحت عنوان مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة قد تشهد مواجهة ما لم يصر إلى تصويب هذه التدابير، لأن الصيغة التي اعتمدت تجعل من الذين يُشرفون على تنفيذها وكأنهم يشغلون مناصب قضائية وينوبون عن القضاء في تولي مهمة ليست من اختصاصهم.
وفي هذا السياق، تتهم قوى في المعارضة دياب بأنه يستمد فائض القوة في هجومه على سلامة من تشكيل «غرفة أوضاع» على غرار الغرفة التي أنشأها الرئيس إميل لحود وكانت وراء استهداف فريق معين، وترى أنه بالنيابة عن عون يتزعّم القيام بانقلاب يطيح بالنظام المصرفي الحالي من دون إعفاء سلامة من أخطائه، لكن الكلمة تتجاوزه لخوض «حرب إلغاء» للمعارضة. وعليه فإن دياب يحاول توجيه اتهامات بنبرة عالية لسلامة لاستدراجه للاستقالة لأن إحراجه من وجهة نظره سيدفع به إلى الاستقالة، لكنه أخطأ في الحساب لأن سلامة سيقول كلمته في الرد عليه. كما أن دياب يسعى من خلال هجومه المبرمج لجس نبض اللبنانيين في حال إقالته لسلامة قبل أن يصطدم بقانون النقد والتسليف.
ويبقى السؤال، على ماذا يعتمد دياب في هجومه على المعارضة؟ مع أن بعضها أخطأ أثناء توليه السلطة وهل يستمد قوته من أطراف غير «العهد القوي» الذي يتعامل معه هذا البعض على أنه انتهى سياسيا قبل أوانه؟
«أمل»: واشنطن تمنع إقالة سلامة
إلى ذلك، تحدث مسؤول في «حركة أمل» التي يترأسها رئيس البرلمان نبيه بري أمس، عن تحذير أميركي تلقاه لبنان مفاده بأن إقالة حاكم المصرف المركزي رياض سلامة «ستؤدي إلى حجز أموال لبنان وذهبه البالغة 20 مليار دولار في الولايات المتحدة، واعتبار هذه الأموال هي لحزب الله»، وذلك بموازاة دعم كبير تلقاه سلامة من البطريرك الماروني بشارة الراعي، إلى جانب شخصيات وأحزاب أخرى تعارض توجهات «التيار الوطني الحر» ورئيس الحكومة حسان دياب.
وبعد شيوع معلومات عن أن بري و«حركة أمل» يقدمان الحماية لحاكم المصرف المركزي، ويعارضان إقالته، نُقِلَ عن عضو هيئة الرئاسة في «أمل» قبلان قبلان تأكيده أن بري يهتم بالبلد أكثر من الأشخاص، موضحاً: «ليس صحيحاً أن أحداً في الحكومة أو خارجها طلب إقالة سلامة، إنما الصحيح أن السفيرة الأميركية أبلغت رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية من خلال جبران باسيل أن إقالة سلامة ستؤدي إلى حجز أموال لبنان وذهبه في الولايات المتحدة البالغة 20 مليار دولار، واعتبار هذه الأموال هي لحزب الله»، مضيفاً: «وعليه لم يتجرؤوا على إقالته ويبحثون عن أحد يحملونه المسؤولية».
وأشار قبلان إلى أن إقالة سلامة وتعيين أحد مكانه اليوم قبل تعيين نواب للحاكم «قفزة في المجهول لأنه لا يوجد شخص واحد اليوم في لبنان يعرف ماذا يوجد في مصرف لبنان وفي المصارف، وبالتالي إقالة سلامة دون بديل موثوق هي ضياع لما تبقى من ودائع بعد أن ضاع المصير، ومن ثم هذا يعني تفلت سعر الدولار، والدخول في أزمة خطيرة على مستوى الشارع اللبناني، لأن الأزمة في الأساس هي استهداف المقاومة وإدخالها في صراع مفتوح وخطير في الداخل اللبناني». وقال إن «الرئيس بري يحاول تجنيب المقاومة والبلد الانزلاق الكبير، مع التأكيد على أن إقالة سلامة لم تطرح، لأن باسيل ودياب لا يملكان جرأة رفض طلب السفيرة الأميركية، وكل اتهام للرئيس بري ولحركة أمل هو اتهام باطل».
ويدفع «التيار ‏الوطني الحر» باتجاه إجراء تعديلات بالسياسات والأشخاص في مصرف لبنان، وأوضح رئيسه جبران باسيل أمس «أنّ المصرف المركزي يتحمل مسؤولية كبيرة بالخسائر الواقعة عليه، وبعدم شفافية أرقامه، ولكن من غير المعقول القول إنّ المصرف المركزي هو وحده المسؤول، بل إنّ المجلس النيابي والحكومة هما المسؤولان عن تركه بالتمادي في هذه الأخطاء بدون التصحيح اللازم».
وأكّد باسيل أنّه إذا قررت الحكومة تحمّل مسؤولياتها فهذا لا يعني انقلاباً على النظام المالي الحرّ، معتبراً أنّه على المصرف المركزي التعاون لتفادي الأعظم.
لكن التغييرات في حاكمية مصرف لبنان، لا تقتصر مخاطرها على افتعال أزمة مع واشنطن في هذا الوقت، بل تصطدم بموانع وضعها البطريركية المارونية. فقد عبّر البطريرك الراعي أمس عن تفاجئه «بحُكمٍ مبرم بحقّ حاكم مصرف لبنان، من دون سماعه وإعطائه حقَّ الدفاع عن النفس عملياً، ثمّ إعلان الحكم العادل بالطُّرق الدستورية. أمَّا الشَّكل الاستهدافي الطاعن بكرامة الشَّخص والمؤسَّسة التي لم تعرف مثل هذا منذ إنشائها في عهد المغفور له الرئيس فؤاد شهاب، فغير مقبول على الإطلاق». وتساءل الراعي: «مَن المستفيد مِن زعزعة حاكمية مصرف لبنان؟ المستفيد نفسه يعلم! أمَّا نحن فنعرف النتيجة الوخيمة وهي القضاء على ثقة اللبنانيين والدول بمقومات دولتنا الدستورية». واعتبر أن هذا النهج «المُغاير لنظامنا السياسي اللبناني جزءٌ مِن مخطَّط لتغيير وجه لبنان». وشدد على أن «هذا الكرسي البطريركي المؤتمن تاريخياً ووطنياً ومعنوياً على الصِّيغة اللبنانية يُحذِّر من المضي في النهج غير المألوف في أدبياتنا اللبنانية السياسية».
وأكدت كتلة «اللقاء الديمقراطي» أن البطريركية المارونية تكرس صوت العقل الوطني الحريص على بقاء لبنان وطناً ديمقراطياً بعيداً عن التفرد والإقصاء. وأعلنت رفضها «بشكل قاطع كل محاولات القضاء على ثقة اللبنانيين والدول بمقومات دولتنا الدستورية. كما نرفض هذا النهج المغاير الذي يبدو كأنه جزء من مخطط لتغيير وجه لبنان». ولفتت إلى أنه «كما في معركة قيام لبنان الكبير، ثم في معركة الاستقلال الثاني، حيث كان الكرسي البطريركي مؤتمن على الصيغة اللبناني».



قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.


تنديد أممي باستمرار اعتقال موظفي المنظمة في سجون الحوثيين

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ب)
TT

تنديد أممي باستمرار اعتقال موظفي المنظمة في سجون الحوثيين

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ب)

في يوم التضامن مع الموظفين المحتجزين والمفقودين، أطلق مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، بياناً شديد اللهجة حمل إدانة صريحة لسلطات الأمر الواقع في اليمن، متهماً إياها بمواصلة احتجاز 73 موظفاً في الأمم المتحدة، بينهم 8 من مكتبه، في انتهاك صارخ للقوانين والأعراف الدولية التي تحمي العاملين في المجال الإنساني.

وأكد تورك أن بعض هؤلاء الموظفين حُرموا من حريتهم منذ 5 سنوات، في ظل معاناة إنسانية لا تُحتمل تطولهم وتطول أسرهم، جرّاء هذا الاحتجاز التعسفي الذي يتفاقم يوماً بعد يوم.

ووصف المفوض السامي ما يتعرض له الزملاء العاملون في المنظمة الأممية والعاملون في المجال الإنساني في اليمن بأنه ظلم متواصل، داعياً إلى الإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع المحتجزين.

وشدد البيان على أن احتجاز موظفي الأمم المتحدة غير مقبول تحت أي ظرف، فضلاً عن توجيه تهم جنائية إليهم لمجرد قيامهم بعملهم الحيوي الذي يخدم الشعب اليمني، في ظل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وجاء هذا الموقف الأممي الحازم ليكشف مجدداً النهج الذي تتبعه الجماعة الحوثية في استهداف العمل الإنساني وموظفي الإغاثة، مستخدمة إياهم ورقةَ ضغط في صراعها العبثي، ومحولة معاناة اليمنيين إلى سلاح لابتزاز المجتمع الدولي.

ضبط سفينة تهريب

على صعيد آخر، تتواصل الأنشطة الإيرانية المقلقة عبر تهريب الأسلحة والمعدات إلى الجماعة الحوثية؛ حيث أعلنت الحملة الأمنية لقوات العمالقة بقيادة العميد حمدي شكري، قائد الفرقة الثانية عمالقة، عن إحباط محاولة تهريب جديدة قبالة سواحل مديرية المضاربة ورأس العارة بمحافظة لحج، القريبة من مضيق باب المندب الاستراتيجي.

وتمكنت القوات البحرية في الحملة من ضبط سفينة تهريب قادمة من إيران، تحمل شحنة من الأدوية غير المصرح بدخولها وأسلاك معدنية مزدوجة الاستخدام، في عملية نوعية تعكس اليقظة الأمنية العالية التي تنتهجها القوات لمراقبة الخطوط البحرية ومنع تدفق الإمدادات الإيرانية إلى الحوثيين.

صورة لسفينة تهريب اعترضتها القوات اليمنية كانت قادمة من إيران (إكس)

وأوضح مصدر أمني في الحملة أن عملية الضبط جاءت بعد عمليات رصد وتتبع دقيقة في المياه الإقليمية؛ حيث تم إلقاء القبض على طاقم السفينة المكون من 10 بحارة يحملون الجنسية الباكستانية.

وحسب التحقيقات الأولية، فقد انطلقت الشحنة من ميناء بندر عباس الإيراني في 12 مارس (آذار) الحالي 2026، وكانت في طريقها إلى ميناء الصليف بمحافظة الحديدة، الذي يخضع لسيطرة الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

ويأتي هذا الضبط ليؤكد مجدداً نمط التهريب الإيراني المستمر عبر خطوط إمداد بحرية تمتد من المواني الإيرانية مباشرة إلى الحوثيين، وهي العمليات التي نجحت القوات اليمنية في إفشال العديد منها خلال الفترة الماضية، إذ تعد هذه العملية الثالثة من نوعها التي تضبطها الوحدة البحرية التابعة للحملة الأمنية والعسكرية لألوية العمالقة.

وذكرت المصادر الرسمية، أنه تم تحريز المضبوطات ونقل طاقم السفينة إلى الحجز لاستكمال التحقيقات، تمهيداً لإحالتهم إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.