يوميات الحرب الليبية (الحلقة الثالثة): زعيم «إمارة درنة» يتحصن بضاحية «لميس التركية» ويستخدم طيور الكناري لمراقبة هجمات الجيش

«السجن داخل براميل».. أحدث وسائل «داعش ليبيا» في ترهيب المواطنين للاستيلاء على أموالهم

عناصر أمن يقومون بتفتيش احى السيارات امام معبر حدودي («الشرق الاوسط»)
عناصر أمن يقومون بتفتيش احى السيارات امام معبر حدودي («الشرق الاوسط»)
TT

يوميات الحرب الليبية (الحلقة الثالثة): زعيم «إمارة درنة» يتحصن بضاحية «لميس التركية» ويستخدم طيور الكناري لمراقبة هجمات الجيش

عناصر أمن يقومون بتفتيش احى السيارات امام معبر حدودي («الشرق الاوسط»)
عناصر أمن يقومون بتفتيش احى السيارات امام معبر حدودي («الشرق الاوسط»)

كان الرجل ذو اللحية السوداء الطويلة، القادم من سجن غوانتانامو إلى مدينة درنة الليبية على ساحل البحر المتوسط، يريد أن يجعل منها إمارة إسلامية موالية لتنظيم القاعدة، لكن تطورات الأحداث منذ مقتل العقيد الراحل معمر القذافي حتى ظهور ما يسمى تنظيم «داعش في العراق والشام»، أجبر الرجل المدعو سفيان بن جومة، على تعديل خططه. إلا أن هذا ليس كافيا حتى الآن على ما يبدو للحفاظ على تماسك عدة مئات من القادة المتطرفين القادمين من دول مختلفة ويقودون شبانا من المتشددين واللصوص وقطاع الطرق، فقد تجاوز الأمر فكر تنظيم القاعدة وأصبح مطلوبا من الجميع في درنة موالاة تنظيم «داعش». ووفقا للمعلومات، لم يحسم «بن جومة» موقفه، بينما هو يتحصن في الضاحية المعروفة في المدينة باسم «ضاحية لميس التركية»، نسبة إلى ممثلة في أحد المسلسلات التركية، وأيضا لأن من قام بتنفيذ بناء المجمع السكني في تلك الضاحية في درنة، قبل عدة سنوات، كانت شركة تركية.

ويعد «بن جومة» في نظر قطاعات ليبية، أخطر رجل في درنة في الوقت الراهن، وتقول مصادر أمنية إنه بدأ في شراء منازل في «ضاحية لميس»، وأصبح يتحصن فيها مع زملائه من المتشددين، وغيّر اسم الضاحية من «لميس التركية» إلى «ضاحية السيدة خديجة». إلا أن الرجل الذي تجاوز عمره 55 عاما، لم يظهر على السطح بشكل مباشر حين أعلنت مجموعات من المتطرفين موالاتهم لتنظيم داعش، قبل أن يتوجهوا إلى مصرف المدينة لسرقة ما يساوي نحو 3 ملايين دولار. ويتخوف المتطرفون في درنة من نجاح «عملية الكرامة» التي أعلن عنها اللواء المتقاعد في الجيش، خليفة حفتر، لتحرير ليبيا من الإرهابيين والمتشددين.
ويقول قائد عسكري في معسكر على مشارف درنة، إن مخابرات الجيش تتابع «كل تصرفات تلك الجماعات التكفيرية، وساعة الحساب اقتربت»، مشيرا إلى أن المخابرات رصدت وجود خلافات بين قادة المتشددين في تلك المدينة الواقعة بين جبال وعرة التضاريس، لكن موقف «بن جومة» يبدو غامضا، كما يقول. ويضيف: «تشير المعلومات إلى أنه ما زال القائد الأول هناك، لكنه يبدو غير متحمس لما قام به بعض المتطرفين بموالاتهم (داعش)».
ويزيد موضحا: «بن جومة كان دائما قائدا معروفا بموالاته لتنظيم القاعدة، ودائما يحرص على أن يكون القائد الأول للمكان الذي يوجد فيه، ويريد أن يستمر في ذلك، سواء في تعامله مع باقي الجماعات الموجودة في ليبيا، أو مع التنظيمات الخارجية الدولية.. يريد أن يكون الأمر الأول للمدينة».
وحاولت «الشرق الأوسط» تدبير اتصال مع «بن جومة» لمعرفة دوره في درنة، لكن الوسطاء الذين قاموا بالاتصال به قالوا إنه لا يريد التحدث للصحافة. كما لم يحبذ شقيقه، وهو ضابط برتبة عقيد في البحرية الليبية في طبرق، الدخول في الجدل حول شقيقه بسبب حساسية وظيفته. ويقول مقربون من بن جومة إنه كان حتى منتصف هذا العام يداوم على زيارة أقاربه في طبرق، لكنه توقف عن ذلك بعد أن قرر الجيش ملاحقة المتطرفين.
وبينما تبدو الخلافات مقبلة لا محالة بين زعماء المتطرفين في درنة، كما يتوقع البعض، يقوم «بن جومة» بالإشراف على بناء تحصينات عسكرية في كهوف بالوديان المحيطة بالمدينة، استعدادا للهجوم الذي يعتزم الجيش الوطني الليبي شنه على درنة، لكن أطرف الملاحظات التي أوردها بعض المنشقين عن تلك الجماعات، تتلخص في أمرين؛ الأول لجوء بعض المتطرفين لسجن خصومهم في براميل، وسيرد الحديث عن هذه الطريقة في هذه الحلقة، والأمر الثاني قيام أتباع «بن جومة» بالاستعانة بطيور الكناريا، وذلك من خلال وضعها في أقفاص أمام بوابات الكهوف في جبال درنة، وهي بوابات جرى صنعها من قضبان الحديد والزجاج. والهدف من وضع الطيور على البوابات الزجاجية للكهوف، هو مراقبة ما إذا كان الجيش قد أطلق غازات سامة على المتشددين أم لا.
«إذا وقعت غارة بطائرات الجيش، فلا بد، قبل فتح باب الكهف المحصن، من التأكد من أن الطائر ما زال حيا، أما إذا وجدته ميتا، فيمنع فتح الباب حتى انتهاء مفعول الغازات السامة»، هكذا يقول سليمان الشرماوي، أحد القادة السلفيين في درنة ممن فروا أخيرا إلى مدينة البيضاء الواقعة قرب بنغازي. ومثله مثل غالبية السلفيين المعتدلين يطلق الشرماوي على جماعات المتطرفين في درنة لقب «الخوارج»، مشيرا إلى أن «فرضية لجوء الجيش لاستخدام الغازات السامة ضد الخوارج المتحصنين في الوديان، مستبعدة لأن الجيش لم يعد لديه مثل هذا النوع من الغازات»، مضيفا أن مخاوف «الخوارج» مستقاة من تجربتهم مع نظام القذافي الذي دكَّ وديان درنة على الخوارج بالطائرات والصواريخ حين هاجموا قوات الأمن والجيش في عام 1995.
ومثل كثير من قيادات التطرف في ليبيا، لم تعد الخارطة واضحة بالنسبة للمستقبل في درنة، لأن الأنواع الثلاثة لمعتنقي الفكر المتشدد أصبحت تقف على مفترق طرق. وهذه الأنواع الثلاثة هي «القيادات الإخوانية»، و«القيادات الموالية لـ(القاعدة)» و«القيادات الموالية لـ(داعش)»، وإن كانت جماعة «الإخوان» تحاول حتى الآن، من خلال قادتها في كل من مدينتي مصراتة وبنغازي، الاستفادة عسكريا من التنظيمين الأخيرين، مقابل «استرضاء بن جومة أولا»، وكذلك مقابل التستر على تحركات «القاعديين» و«الداعشيين» وإعطائهما شرعية رغم وضع المجتمع الدولي لهما على قوائم التنظيمات الإرهابية. ويوجد فيديو مسرب عن لقاء مبعوث من جماعة «الإخوان»، حين كانت تهيمن على حكم ليبيا قبل أشهر، مع «بن جومة» للتفاهم حول حكم البلاد في المرحلة المقبلة.
وفي حالة درنة، حاليا، يبدو الموقف شديد التعقيد؛ فالمدينة التي يبلغ عدد سكانها نحو 80 ألف نسمة وكانت في السابق مركزا للفنون والآداب، تخلو تماما من أي مظاهر للدولة.. لا جيش ولا شرطة ولا قضاء ولا مؤسسات. وتَشكَّلت فيها، منذ سقوط نظام القذافي، جماعات مسلحة متباينة، منها الجماعة السلفية، تحت اسم «كتيبة شهداء أبو سليم»، و«جماعة بن جومة» وهي أحد الفروع الرئيسة في تنظيم «أنصار الشريعة»، وهو تنظيم أعلن منذ وقت مبكر ولاءه لتنظيم القاعدة، إضافة إلى مجموعات من المتطرفين الأجانب الذين بادروا الشهر الماضي بإعلان الولاء لـ«داعش». ووفقا للمصادر الأمنية، أصبح يُشكِّل الغالبية في وسط المجموعة الأخيرة شبان من جنسيات سوريا وجزائرية ومصرية وأوروبية أيضا، حيث تعززت قوة المجموعة الأخيرة بوصول نحو 500 من دواعش سوريا إلى درنة عبر مركب رسا في ميناء المدينة أواخر شهر رمضان الماضي. ويوجد تعاون بين هذه الجماعات وجماعة «الإخوان» التي تقود عمليات المتطرفين ضد الجيش والشرطة سواء في طرابلس أو مدن الشرق، أو الجنوب.
ويقول الشرماوي، إن الغالبية العظمى من أتباع الفريق السلفي، خاصة ممن كانوا ينضوون تحت اسم «كتيبة شهداء أبو سليم»، فروا من درنة، تاركين أسلحتهم، إلى مدن مجاورة لا يوجد فيها نفوذ يذكر لأتباع «بن جومة» و«الدواعش»، كمدن طبرق والبيضاء وشحات. ويضيف أنه مهما قيل عن وجود خلافات بين قيادات الخوارج الذين يسيطرون على درنة، إلا أن القائد الأول في المدينة ما زال «بن جومة»، لافتا في الوقت نفسه إلى أن أتباع «بن جومة» في المدينة يتراوح عددهم بين 2000 و3000 عنصر، لكن ربع هذا العدد فقط من الليبيين، والباقي من الأجانب الذين قام معظمهم بتمزيق جوازات السفر الخاصة بهم بمجرد وصولهم إلى درنة «على أساس أنهم جاءوا ليبقوا».
ويوضح الشرماوي، الذي فر من المدينة الشهر الماضي مع أكثر من 30 من قادة التيار السلفي وكوادره، أن السلفيين في درنة كانوا منخرطين في «كتيبة شهداء أبو سليم»، لكن المتطرفين فيها سيطروا على الكتيبة، وبالتالي أصبحت تابعة لهم، وليست تابعة للسلفيين في الحقيقة، رغم أن جماعة «بن جومة» حرصت على ترك الاسم كما هو، لكي يبدو أن الكتيبة غيرت موقفها وأصبحت موالية لهم، وهو غير صحيح، مشيرا إلى أن جماعة «بن جومة» تتحكم في مساحات شاسعة من درنة وضواحيها، أي من منطقة «رأس هلال» حتى منطقة «الفتايح»، بالإضافة إلى مقار أخرى محصنة في الوديان الواقعة بين الجبال المحيطة بالمدينة من 3 جهات.
ويضيف: «هناك تحولت كهوف الوديان إلى مخازن للسلاح وأماكن لإقامة الخوارج أيضا، بمن فيهم (بن جومة) نفسه الذي أصبح يمتلك الكثير من المقار حيث يوجد أحيانا مع المقاتلين في الكهوف الواقعة في السفح الجبلي الممتد من جنوب وسط المدينة، وأحيانا في ضاحية (لميس التركية) غرب درنة حيث أصبحت الضاحية هي الأخرى معقلا خطيرا للخوارج من الليبيين والأجانب، بعد الاستيلاء على بيوت السكان هناك، سواء بالقوة أو بالشراء بأسعار زهيدة تحت تهديد السلاح، كما أن له مقار سكنية أخرى في منطقة (رأس هلال)».
ومن بين قادة السلفيين الذين فروا من المدينة هربا من القتل على أيدي أنصار «داعش» وأنصار «القاعدة»، الشيخ عبد السلام الذي يقيم في الوقت الحالي لدى أقاربه في طبرق، الذي قال: «درنة أصبح وضعها صعب جدا. أي أحد يشعر (الخوارج) أنه غريب عن المدينة يلقون القبض عليه كرهينة للمقايضة به. لكن هل يمكن أن تقول إن هؤلاء الذين ينتمون لـ(داعش) هم من قاموا بالعملية، لا يمكن أن يعترف أحد بهذا. هل يمكن أن تتهم جماعة (بن جومة)، هنا يرد بنفسه على عواقل المدينة ويقول لهم إنه لا شأن له بتصرفات الآخرين، وأنه ليست له جماعة. لكن في الحقيقة نحن كسلفيين نعده المسؤول الأول عن كل ما يجري في درنة».
ويضيف الشيخ عبد السلام موضحا موقف أتباعه من السلفيين مما يجري في درنة، أن الحقيقة هي أن هناك شبابا من السلفيين تركوا المدينة مضطرين ولجأوا إلى طبرق، وبعضهم لجأ إلى مدن أخرى أكثر استقرارا مثل البيضاء التي يوجد فيها مقر الحكومة. «المشكلة التي أمامك تتلخص في أن أي شخص يدخل درنة، وله علاقة بمجلس النواب أو له علاقة بـ(عملية الكرامة) أو الجيش أو الإعلام، يتم قتله على الفور.. في الفترة الماضية ألقوا القبض على رجل صحافي غربي.. وهم يعدون أي تصرف مع هذا النوع من الناس عملا مشروعا، ويقومون بالمقايضة به، بينما نحن كسلفيين نعد الكافر الذي يدخل بلاد الإسلام معاهدا لا يجوز قتله، ويحرم دمه كحرمة دم المسلم».
ويتابع موضحا أنه لهذا السبب «يكفروننا كسلفيين، لأننا نحن نطيع ولي الأمر، بينما هم يقولون إن طاعة ولي الأمر كفر.. ثم إنهم يقومون بتكفير من يحلقون لحاهم ومن يدخنون ومن لا يصلون إلا في بيوتهم، بينما نحن نرى أن هؤلاء مسلمين مثلنا مثلهم». ويصمت الشيخ عبد السلام قليلا ثم يتساءل قائلا: «من يحق له أن يكفِّر الذين يصلون في بيوتهم أو يحلقون لحاهم أو يدخنون؟! بل نحن نرى أن هؤلاء مسلمون عصاة، يمكن أن يتوب عليهم الله ويصبحون مشايخ».
وحين أدرك الشيخ عبد السلام أنه ربما سيكون هناك سفر إلى درنة خلال اليومين المقبلين، اعتدل في جلسته وهو يقول محذرا: «لا تذهب.. هذا خطر. يمكن أن تتحول لورقة، ويتلاعبون بك قبل قتلك. لا أنصح بالذهاب إليهم.. هؤلاء خونة. إذا ذهبت إليهم فلن ترجع.. على الأقل سيحتفظون بك إلى أن يجبروك على القتال معهم حين يأتيهم جيش حفتر وجيش الكرامة».
لكن هناك بعض شيوخ السلفية في درنة ما زالوا يقيمون فيها ولم يغادروا رغم الخطر. وهنا يقول الشيخ عبد السلام: «هذا لأن بعض السلفيين لديهم عائلات كبيرة لها وزن في المدينة، ولهذا لا يقترب منهم الخوارج، لكن يضايقونهم ويمنعونهم من اعتلاء منابر المساجد أو الإعلان عن أي تعاطف مع الجيش أو البرلمان، أما من ليست لهم عائلات كبيرة، فيتم التعدي عليهم وتهديدهم وضربهم أيضا وأحيانا يصل الأمر إلى القتل، كما حدث في الهجوم على (كتيبة شهداء أبو سليم) والاستيلاء عليها».
ويشير إلى أن هجوم «الخوارج» على «كتيبة شهداء أبو سليم»، جرى بعد انتخاب البرلمان الجديد منتصف هذه السنة، وذلك لأن قادة الكتيبة من السلفيين جهروا وقتها بالقول بأنهم يدعون للكتاب والسنة دون اقتتال، أي إنهم حرموا قتل المسلمين ومن يلجأ إليهم، وأنهم يريدون عودة الجيش والشرطة، وهذا لم يعجب «بن جومة»، وتسبب ذلك في مناوشات بينهما، ثم صارت مشكلة وحربا بالأسلحة.. «وعلى هذا انقرضت جماعة أبو سليم من درنة، فهناك، من بينهم، من طاوع الخوارج ومشى معهم، ومنهم من ترك الكتيبة واعتصم ببيته، وأصبح في حاله، ومنهم من ترك درنة أساسا. وأصبحت السيطرة الكلية لجماعة بن جومة ومن معه من عناصر من ليبيا ومن خارج ليبيا مثل الباكستانيين والجزائريين واليمنيين والمصريين».
وفي كل يوم يمر على مدينة درنة، وفي كل يوم ترد فيه أنباء عن تقدم الجيش في معقل المتطرفين في بنغازي المجاورة، تزيد درجة العنف في المدينة، ويحاول قادة «الخوارج» فيها إظهار قوتهم وتحديهم لقوات الجيش، وبالتالي تتضاعف مأساة درنة وسكانها.
وفي لقاءات مع فارين من درنة يقول أحد تجار المدينة، ويدعى حسين من قبيلة العشيبات، وهو يخضع للتفتيش في بوابة «وادي السهل»، التي تفصل بين درنة وطبرق، إن كل من يشتبه في رفضه لحكم الجماعات المتطرفة، أو يشتبه في موالاته للجيش والبرلمان، يتعرض للقتل بقطع الرأس كما يحدث في التلفزيون على أيدي «داعش» في العراق وسوريا، و.. «في كل يوم نعثر على الأقل على 3 أو 4 جثث مقطوعة الرؤوس، أو على رؤوس دون جثث».
واحتل المتطرفون في درنة مبنى البلدية، وكتبوا عليه: «المحكمة الشرعية»، وقاموا بإصدار أحكام على العشرات من جنسيات مختلفة ورموهم بالرصاص أو قطعوا رؤوسهم بمناشير خاصة بقطع الشجر، مرة في أرض معلب المدينة ومرة في ساحة مسجد «الصحابة» في وسط درنة. ورغم الإمكانات الأمنية المتواضعة للدولة، إلا أن رجال الجيش يواصلون فحص أوراق الأشخاص وسياراتهم من القادمين من درنة، وذلك في البوابة العسكرية الواقعة شرق المدينة، قبل السماح لهم بالتوجه إلى مدينة طبرق الأكثر أمنا والتي تنعقد فيها جلسات البرلمان ويقيم فيها كثير من رجال الدولة.
ومن بين الفارين من درنة أيضا، يقول أحد تجار الفاكهة إن المدينة أصبح يكثر فيها الليبيون الذين يرتدون ملابس أفغانية أو باكستانية الطابع ويشهرون أسلحتهم في وجه من لا يطيع أوامرهم، و«الغريب أن هؤلاء الليبيين يعملون مع جماعات من الغرباء الذين ينفقون أموالا ضخمة ويقتنون سيارات مسلحة ومجهزة ولا أحد يعرف من أين أتوا أو ماذا يريدون.. ما يقومون به حقا هو نهب الأموال من أهل درنة، وإطلاق الرصاص على من يعترض طريقهم»، مشيرا إلى أنه كلما تقدم الجيش الوطني في تحقيق الانتصارات على المتطرفين في أنحاء ليبيا، زادت عصبية هؤلاء، سواء كانوا ليبين أو أجانب.. «الآن أصبحوا ينصبون الحواجز في معظم شوارع المدينة، ومن يرون أنه ثري أو لديه مال، يقايضونه على نصيب من ثروته، وإلا قاموا باختطافه أو اختطاف أحد أفراد أسرته إلى أن يسدد لهم الفدية».
وتمكن الجيش خلال الأسبوعين الماضيين من فرض سيطرته على الطريق الدولي الجنوبي الواصل بين طبرق وبنغازي، وهو طريق يمر من جنوب درنة ويمتد لأكثر من 450 كيلومترا، وكانت الجماعات المتطرفة تسيطر عليه وتثير الرعب بين المسافرين، ووقع عليه كثير من الأعمال الانتقامية ضد عناصر الجيش والشرطة. وفي الوقت الراهن يحاصر الجيش مداخل درنة ومخارجها من الشرق ومن الغرب ومن الجنوب أيضا، ويسدد ضربات منتقاة على مواقع المتطرفين في المدينة وضواحيها.
ويقول رئيس أركان الجيش الليبي، اللواء عبد الرزاق الناظوري: «نحن الآن نسيطر على المداخل الثلاثة لدرنة، لكننا نترك الخوارج الذين فيها الآن، لأن معظمهم هربوا لبنغازي في محاولة منهم لمساندة المتطرفين هناك، لكن الكثير منهم لقي حتفه فيها»، مشيرا إلى أن هناك مجموعة جاءت من تنظيم داعش واستقرت في درنة، لكنه أكد أنه سيتم القبض عليهم، مشيرا إلى أن بينهم سوريين ومصريين وأفارقة من «تنظيم بوكو حرام» ومن الشيشان وأفغانستان وموريتانيا واليمن. ويسعى الجيش لاستنزاف قدرات المتطرفين، كما يقول اللواء الناظوري.. «حتى لا يصبح أمامهم غير الخروج من مواقعهم وأماكنهم، وهذا، في نهاية المطاف، يؤدي إلى القضاء عليهم بالتدريج».
وقصفت قوات الجيش منطقة «وادي الناقة»، ومحيط ضاحية «لميس التركية»، ثم أعقب القصف اشتباكات مع متطرفين كانوا يتحصنون قرب غابة «أبو مسافر» في المدخل الشرقي، كما أدت ضربات الجيش إلى انسحاب مجموعات المتطرفين الذين يطلقون على أنفسهم «الشرطة الإسلامية»، من شوارع المدينة والاختباء داخل مقر «شركة الجبل». ويرد المتطرفون بأنواع مختلفة من الأسلحة منها المدفع «23 مم» المضاد للطيران المنخفض.
وتعكس روايات عدد من شهود العيان القادمين من درنة إلى طبرق، أن حصار الجيش للمدينة بدأ يرهق المتطرفين فيها بالفعل، ويدفع بعضهم إلى محاولة الهروب، بعد أن تراجعت قدرتهم على جمع الأموال من الأسر الثرية بالمدينة أو من المسافرين عبر الطرق القريبة منها، كما كان يحدث في الأشهر الماضية. وبالتالي لم تعد القصص تقتصر على حوادث جمع الملايين من المقتدرين، كما كان قبل أسابيع، بل دخل على الخط نوع جديد من الحكايات عن عمال وموظفين وقعوا في قبضة المتطرفين، وخيروهم بين تسليم مدخراتهم البسيطة أو القتل.
ومن بين هؤلاء شاب، يدعى منصور، كان يقود شاحنة لنقل المياه في درنة، قبل أن يخرج منها، ويجلس على مدخل طبرق ليروي ما حدث له. يقول: «كنت أعمل على تلك الشاحنة لنقل المياه من محطة تقع على المدخل الشرقي للمدينة، إلى مزرعة تخص أحد أعيان درنة، لكن جماعة (داعش) استولت على مدخراتي وعلى تعبي، وأحمد الله أنهم لم يقتلوني».
وكان منصور يمر على بوابة للمتشددين يطلق عليها «بوابة الكاف» ويتناوب الحراسة عليها ما بين 3 و5 من المسلحين، وحين يصل عندهم، وقبل أن يعبر بشاحنة المياه، يلقي عليهم السلام، ويقول لهم أيضا «جزاكم الله خيرا»، لكي يتجنب أي مشكلات معهم، حيث كان يراهم في كثير من الأحيان وهم يحتجزون سيارة أو يضربون من فيها أو يصادرون متعلقات الآخرين. وكانوا يعرفون أنه من طبرق وأنه يعمل بأجر لدى رجل درناوي.
ويضيف منصور أنه بعد أن أعلن المتطرفون بدرنة ولاءهم لتنظيم داعش، رفعوا على «بوابة الكاف» الراية السوداء، وكتبوا على الجدران المجاورة «الدولة الإسلامية - ولاية درنة»، و«دولة الإسلام باقية». ثم بدأ منصور يلاحظ أن المجموعة أحضرت براميل فارغة ووضعتها خلف السور المجاور للبوابة.. «براميل من الصفيح من تلك التي نستخدمها أحيانا في تخزين المياه». وبعد ذلك يقول إنه لاحظ احتجاز حراس البوابة عددا من المواطنين داخل تلك البراميل، دون أن يفهم السبب، وإن بعض المحتجزين كان يظل في البرميل لعدة أيام حتى يبدو من ملامح وجهه أنه يشرف على الموت.
ويتذكر منصور أنه لم يشأ أن يسأل عما يجري، واكتفى بإلقاء التحية ومقولة: «جزاكم الله خيرا». ويزيد في أسى موضحا أنه كان يتقاضى نحو ألف دينار (أقل قليلا من ألف دولار) في الشهر من صاحب العمل، لأنه كان يقوم أيضا بمساعدته في الزراعة وسقاية الأغنام، وغيرها من الأعمال. وكلما تقاضى راتب شهر أرسله إلى أسرته في طبرق لكي تدخر له من أجل أن تخطب له الفتاة التي يريد أن يتزوجها.
وفي يوم من الأيام حان وقت السفر لإنهاء إجراءات الزواج. ويضيف: «بدلت ملابس العمل، وسلمت مفتاح الشاحنة لصاحبها وركبت سيارة أجرة، مع ركاب آخرين، وبدأنا في الخروج من درنة، إلى أن وصلنا إلى بوابة الكاف تلك التي كنت أسلم فيها على المسلحين وأقول لهم كل صباح: (جزاكم الله خيرا)، وحين رأوني في السيارة الأجرة تعرفوا عليَّ، لكنهم طلبوا مني أن أنزل، وصرفوا السيارة والركاب، وقالوا لي أنت تمر علينا منذ 7 أشهر، وتتقاضي ألف دينار، أي إننا نريد منك 7 آلاف دينار، وإلا قطعنا رأسك. وأخذوا مني هاتفي المحمول وحقيبة ملابسي».
وحين شرح لهم القصة، وأنه كان يرسل راتب كل شهر لأسرته في طبرق أولا بأول من أجل إجراءات الزواج، وأنه ليس معه أي أموال الآن إلا ثمن أجرة الانتقال إلى طبرق، وضعوه في واحد من تلك البراميل.. «قالوا لي ادخل، فتذكرت على الفور حالة من سبقوني ودخلوا قبلي في هذه البراميل.. وكان هناك 3 يصارعون الموت وتبدو رؤوسهم مائلة على حواف البراميل التي وضعوا فيها منذ عدة أيام».
ويضيف منصور أنه لم يكن يعرف أن هذا المحبس الصغير فيه العذاب كله.. يجبرك البرميل على أن تظل واقفا داخله ساعات وراء ساعات تحت الشمس. وإذا غفوت تنثني ركبتاك تحتك لكنهما تصدمان بالدائرة الحديدية الموجود داخلها.. «المهم غلبني الخوف والرعب.. كيف أتصرف؟ ومن أين آتي لهم بالأموال التي يريدونها.. وبقيت على هذه الحال يوما بطوله، بينما كانت جماعة البوابة تطبخ وتأكل وتشرب ولا يلتفتون للجوع والعطش والإعياء الذي يعانيه المحبوسون في البراميل. ومع غروب الشمس تقدم مني أحدهم وكانت لهجته سورية، وأعطاني قطعة خبز وقال لي: (تناول غداءك). ثم لحق به زميل له، وهو ليبي يتحدث بلهجة المدن الغربية، وأعطاني هاتفي المحمول وطلب مني أن أتصل بأسرتي وأطلب منها أن تبعث لي السبعة آلاف دينار مع سائق أي سيارة قادمة إلى درنة، وأن يسلمها لـ(بوابة الكاف)، دون أي ذكر لأي تفاصيل».
ولأن أسرة منصور اشترت حاجات العرس وأنفقت معظم ما أرسله لها من مدخرات، فقد استغرق الأمر أسبوعا من أجل أن تعيد جمع المبلغ بالاقتراض والبيع، وترسله له، ليعود لأسرته بخفي حنين بعد شهور من الكد والعمل.
ويوجد كثير من القصص الأخرى عن ضحايا «داعش» في درنة. ومن المعروف أنه يوجد العشرات من أبناء طبرق والبيضاء وبلدات أخرى في محيط درنة، محتجزين لدى المتطرفين هناك، ولا أحد يعلم إن كان قد جرى قتلهم أم ما زالوا على قيد الحياة. وبين وقت وآخر تظهر رواية جديدة لمقايضة على حياة شخص مقابل مبلغ من المال.
وعثر أهالي درنة على جثة شاب يدعى أسامة الحاسي مقتولا قرب بوابة «الحيلة» التي يسيطر عليها «داعش» في منطقة الفتايح، بزعم أنه مؤيد للبرلمان. وفي واقعة أخرى طلبت عناصر تنسب نفسها لـ«داعش» 50 ألف جنيه من أسرة أحد شبان طبرق الذين اختطفتهم، حين كان مارا بدرنة من الطريق الساحلي، الأسبوع الماضي، وحين جرى تسليم المبلغ أخطرهم أحد أفراد التنظيم أن ابنهم موجود خلف مسجد الصحابة بالمدينة، ويمكنهم أن يتسلموه من هناك، وحين توجهوا إليه، وجدوه جثة مقطوعة الرأس. وكان هذا الشاب منتسبا للجيش في السابق، وتقول أسرته إنه خرج من الخدمة منذ عام 2009.
ويقول عسكريون ليبيون يرابطون حول مداخل درنة ومخارجها إنه كلما ازداد الحصار، ارتفعت وتيرة التوتر والتصرفات الهوجاء والانتقامية من جانب المتطرفين، مثلما حدث من استعراض للقوة في ساحات المدينة وإجبار المواطنين على التجمع في الساحات وإعلان الولاء لتنظيم داعش بالقوة، لافتا إلى أن هذا يحدث بالتزامن مع عمليات سرقة أموال من الناس ومن المتاجر والمصارف أيضا، وبالتزامن كذلك مع فرار عدد من قادة التطرف إلى خارج درنة، وكان آخرها القبض على 5 بينهم يمنيان ومصري، يعتقد أنهم كانوا في طريقهم للتسلل إلى مصر عبر الصحراء. وألقى القبض على هؤلاء الخمسة، بالمصادفة، شبان من طبرق، وقاموا بتسليمهم للجيش.
وتقول المصادر الأمنية إن «بن جومة» هدد بذبح عدد من أبناء طبرق المحتجزين في درنة في حال عدم تسليم الدواعش الخمسة لـ«ولاية درنة»، مشيرا إلى أن شخصيات من أهالي طبرق ودرنة توسطوا في عملية المقايضة حيث جرى تحرير 13 من أبناء طبرق الذين كانوا محتجزين لدى متطرفي درنة.

يوميات الحرب الليبية (2): «إخوان» ليبيا أسسوا جهاز مخابرات في طبرق.. وسعوا لاغتيال نواب من البرلمان الجديد ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الأولى): عناصر الأمن أكثر من المسافرين على حدود ليبيا.. وتحذير من «بوابات» للمتطرفين


«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
TT

«توترات هرمز» تنذر بعودة القرصنة في البحر الأحمر

زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)
زورق يحمل مجموعة من المسلحين قبالة سواحل الصومال (رويترز)

مع اقتراب أزمة غلق مضيق هرمز، من يومها الـ60، تتصاعد أزمة أخرى في البحر الأحمر مع حادث اختطاف ناقلة من جانب قراصنة قبالة السواحل الصومالية التي لها تاريخ كبير مع مثل تلك العمليات، قبل أن تهدأ في السنوات الأخيرة مع تحركات دولية مناهضة.

هذه العودة، حسب خبير بالشأن الصومالي والأفريقي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعد اختباراً للممرات الملاحية، خصوصاً بالبحر الأحمر، لجس نبض إمكانية عودة نشاط القراصنة على نحو أوسع واستغلال الاهتمام الدولي بأزمة مضيق هرمز.

قرصنة جديدة

أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) أن ناقلة نفط خُطفت، الثلاثاء الماضي، قبالة سواحل الصومال الذي يحده من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتلك المنطقة تقع عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن على أحد أكثر الطرق التجارية استخداماً في العالم، والرابط بين المحيط الهندي وقناة السويس.

وازدادت أهمية هذا المضيق استراتيجياً منذ إغلاق مضيق هرمز الذي كان يمر عبره قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم.

ووفقاً لما نقلته الهيئة السبت، جرى الإبلاغ عن «حادث» على بُعد نحو 90 كيلومتراً شمال شرقي ماريو، في شرق الصومال، لافتة إلى أن «أفراداً غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلاً بحرياً جنوباً، داخل المياه الإقليمية الصومالية»، من دون ذكر مزيد من التفاصيل.

وأفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، الخميس أيضاً، باختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، لافتة إلى أن «هذه الأحداث مجتمعة تُشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة».

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (رويترز)

وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن ذلك الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز برغم أن حادث اختطاف السفن، ليس ظاهرة جديدة لكنه الآن ينذر بتداعيات.

ويُرجِع أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية رغم تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة على السيطرة الكاملة، بخلاف الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين 2010 - 2015.

وبرأي الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، فإن «القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر».

وهذا التطور حسبما ذكره الهاشمي في منشور عبر صفحته بـ«فيسبوك»، «يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجماً، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يُعد مؤشراً مقلقاً، خصوصاً أن المنطقة تعاني أصلاً من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز».

تاريخ مظلم

وبلغت أعمال القرصنة ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية (من الاتحاد الأوروبي والهند ودول أخرى)، وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.

وفي ذروتها في عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتم إطلاق النار على أكثر من 3863 بحاراً ببنادق هجومية وقذائف صاروخية في تلك الفترة، حسب تقرير سابق لـ«سي إن إن» الأميركية.

ويعود ظهور القراصنة، إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم ، وبدأ بوصفه احتجاجاً مسلحاً ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي، الذي لطالما وفرته المياه الصومالية الغنية بأنواع الأسماك المختلفة.

ويشير عبد الولي جامع بري، إلى أن أي حادثة جديدة لا تُعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكداً أن المخاوف ستتسع بعد حادث الجمعة، لأسباب بينها أن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية، وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.

وعودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب، حسب زياد الهاشمي، يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة، ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمّق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.


هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
TT

هزة بسيناء عقب واحدة في مرسى مطروح

منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)
منتجع في محافظة جنوب سيناء المصرية (رويترز)

تعرضت مدينة سانت كاترين بمحافظة جنوب سيناء المصرية، صباح الأحد، لهزة أرضية بلغت قوتها 4.3 درجة على مقياس ريختر، شعر بها عدد من المواطنين، دون تسجيل أي خسائر في الأرواح أو الممتلكات.

وجاءت هذه الهزة بعد يومين فقط من زلزال أقوى ضرب شمال مرسى مطروح بقوة 5.77 درجة صباح الجمعة، ما أثار تساؤلات حول أسباب وقوع هزتين أرضيتين في منطقتين مختلفتين داخل مصر.

وأوضح «المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر»، في بيان، أن محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت الهزة على بُعد 77.9 كلم من سانت كاترين، عند الساعة 3:13 صباحاً بالتوقيت المحلي، وعلى عمق 26.1 كلم ،من دون ورود بلاغات عن خسائر.

كانت محطات الشبكة القومية لرصد الزلازل سجلت، الجمعة، هزة أرضية على بُعد نحو 412 كلم شمال مرسى مطروح في الساعة 5:18 صباحاً بالتوقيت المحلي وعلى عمق 26.85 كلم، وشعر بها بعض المواطنين بشكل خفيف دون تسجيل أي أضرار.

وفي التوقيت نفسه تقريباً، ضرب زلزال بقوة 5.7 درجة الساحل الجنوبي لجزيرة كريت في اليونان، حيث حُدد مركزه على بُعد نحو 23 كلم جنوب غربي مدينة لاسيثي وعلى عمق 9.7 كلم، من دون تقارير عن وقوع خسائر.

تفاصيل وموقع الهزة الأرضية الأخيرة بجنوب سيناء (المعهد القومي للبحوث الفلكية)

يقول الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية»، إن مركز الهزة التي سجلت في جنوب سيناء، يقع في منطقة أبو زنيمة، وهي منطقة غير مأهولة نسبياً، لكن شعر بها بعض سكان المدن القريبة منها مثل رأس غارب وسانت كاترين.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «هذه الهزة تُصنَّف ضمن الزلازل الأقل من المتوسطة، حيث يكون الإحساس بها محدوداً»، موضحاً أن الزلازل الضعيفة تقل قوتها عن 3 درجات، بينما تبدأ الزلازل المتوسطة من 5 درجات فأكثر.

وبيّن أن مصدر هذه الهزة يعود إلى النشاط الزلزالي في خليج السويس، وهي منطقة معروفة بتسجيل هزات خفيفة إلى متوسطة على فترات متباعدة.

ولفت إلى أن هذا النشاط يختلف تماماً عن زلزال مطروح الأخير، الذي ارتبط بتأثر منطقة شرق البحر المتوسط بنشاط زلزالي مصدره جزيرة كريت، الواقعة ضمن حزام «شرق المتوسط» الزلزالي النشط، ما يؤدي إلى تكرار حدوث الهزات الأرضية فيها.

وأكد الهادي، أن الطبيعة التكتونية لخليج السويس تختلف جذرياً عن منطقة شرق المتوسط، التي تقع ضمن حزام زلزالي نشط، ما يفسر تكرار الهزات فيها، خصوصاً ما يقع في جزيرة كريت، كما شدّد على أن تزامن وقوع الهزتين خلال يومين جاء بـ«محض الصدفة، ولا يعد مؤشراً على زيادة النشاط الزلزالي في مصر، بل يأتي في إطار النشاط الطبيعي المعتاد».

وأضاف أن منطقة خليج السويس شهدت هدوءاً سريعاً عقب الهزة، مع تسجيل توابع ضعيفة لم تتجاوز 1.5 درجة، وهو ما يشير إلى استقرار الوضع، وأرجع النشاط الزلزالي المحدود في هذه المنطقة، إلى الطبيعة الجيولوجية للصخور وتاريخها الجيولوجي الطويل الذي يسمح بحدوث هزات خفيفة من حين لآخر.

وأوضح محمد عز العرب، الأستاذ المساعد في الشبكة القومية لرصد الزلازل التابعة لـ«المعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية»، أن ما شهدته منطقة جنوب سيناء يختلف كلياً عن زلزال مرسى مطروح، نظراً لاختلاف البيئة التكتونية بين المنطقتين.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن مطروح تقع جيولوجياً على كتلة مستقرة نسبياً ضمن اللوح الأفريقي، وأن ما يشعر به السكان من هزات هناك لا يعود إلى وجود صدوع نشطة داخل المدينة، بل إلى تأثرها بالموجات الزلزالية المقبلة من مناطق النشاط التكتوني على حدود التقاء اللوح الأفريقي مع اللوح الأوراسي الذي يضم قارتي أوروبا وآسيا، في شرق البحر المتوسط، خصوصاً قرب جزيرة كريت وقبرص. وفي هذه المنطقة، تنشط آلية الاندساس، حيث ينغمس جزء من اللوح الأفريقي أسفل الأوراسي، ما يولد زلازل قد تمتد تأثيراتها إلى السواحل المصرية، بوصفها صدى للطاقة المنبعثة من نطاق التصادم.

وأشار عز العرب، إلى أن منطقة كريت تشهد نشاطاً زلزالياً مرتفعاً وبوتيرة أكبر بكثير مقارنة بمنطقة خليج السويس، التي تسجل هزات أقل تكراراً.

ولفت في المقابل، إلى أن الهزات في خليج السويس تكون غالباً خفيفة أو متوسطة القوة وغير منتظمة الحدوث، إذ قد تُسجَّل عدة مرات خلال سنوات متفرقة، وقد تمر فترات دون نشاط يُذكر.

وبيّن عز العرب أن سبب وقوع زلازل في خليج السويس من الناحية الجيولوجية يعود إلى أن هذه المنطقة ترتبط بحركة الفوالق المكونة لخليج السويس، وبالتباعد التكتوني بين اللوحين الأفريقي والعربي، ويُعد الخليج جزءاً من امتداد نظام الأخدود الأفريقي العظيم، وهو شق جيولوجي واسع في القشرة الأرضية بدأ تشكله منذ ملايين السنين، ويتسبب في تباعد كتل اليابسة تدريجياً، ما يجعل المنطقة نشطة تكتونياً.


موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
TT

موريتانيا: النقاش يحتدم حول تفشي الفساد وآليات محاربته

سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)
سياسيون وفاعلون بالمجتمع المدني خلال جلسة نقاش حول الفساد في موريتانيا يوم السبت (الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد)

بعد أيام من محاكمة رئيس «منظمة الشفافية الشاملة» في موريتانيا وعضو مجلس الشيوخ السابق، محمد ولد غده، في قضية «تشهير» إثر كشفه عن وثائق زعم أنها تثبت حدوث «فساد» في صفقة شراء مختبر للشرطة، تصدر الحديث عن «ملفات الفساد» الساحة السياسية بالبلاد.

وتزامن الجدل مع هدم السلطات منازل في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، بسبب عمليات فساد شابت الحصول على قطع الأراضي التي بُنيت عليها، مما ألقى الضوء على مزاعم الفساد في قطاع العقارات.

وفي هذا السياق، نظم حزب «الإصلاح» الداعم للحكومة، السبت، جلسة نقاش تحت عنوان «الإصلاح في مواجهة الفساد»، ودعا لها عدداً من الشخصيات السياسية والإعلامية والمجتمع المدني.

وخلال الجلسة، قال رئيس الحزب، محمد ولد طالبن، إن الفساد من منظور حزبه «لا يقتصر على الفساد المالي، ولا على سوء التسيير، وإنما الفساد بالمفهوم الشامل».

كما وصف محمد السالك ولد إبراهيم، وهو مستشار سابق في رئاسة الجمهورية، الفساد بأنه «ظاهرة» تؤثر بشكل عميق على الدولة والمجتمع، وقال: «ظاهرة الفساد بمختلف أبعادها تمثل تحدياً كبيراً أمام أي جهود للتحول الديمقراطي، وتحقيق الاستقرار، وبناء دولة قوية».

مصدر التربح الأول

وفي سياق متصل، نظم «الائتلاف الوطني لمحاربة الفساد» جلسة نقاش، يوم الجمعة، طرح فيها موضوع «الفساد في القطاع العقاري وآليات محاربته».

وقال الوالي السابق، صيدو حسن صال، إن الفساد العقاري «يشكل نحو 80 في المائة من مصادر الثراء في موريتانيا»، كما أكد أن ما يقارب 70 في المائة من النزاعات المعروضة أمام القضاء تعود إلى إشكالات مرتبطة بالفساد العقاري.

وخلال النقاش، قال الصحافي، الهيبة الشيخ سيداتي، إن الفساد العقاري «يرتبط بشبكة واسعة ومتجذرة في الدولة والمجتمع»، ولكنه شدّد على أن «المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الحكومة».

وأكد سيداتي في مداخلته أن «تفشي الفساد في موريتانيا لا يعود إلى غياب القوانين، بل إلى ضعف تطبيقها، وغياب الصرامة في تنفيذ الأحكام القضائية».

تفشٍ «غير مسبوق»

ومنذ وصوله إلى سدة الحكم في موريتانيا عام 2019، أعلن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني الحرب على الفساد.

الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني (الرئاسة)

وفتح ولد الغزواني ملفات الفساد في عهد الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي أودع السجن منذ خمس سنوات بتهم تتعلق بالفساد، بعد صدور حكم عليه بالحبس 15 عاماً.

ومع ذلك تقول أطراف معارضة إن الفساد تفشى بشكل غير مسبوق خلال سنوات حكم ولد الغزواني، رغم ما تعلن عنه الحكومة من إجراءات وأدوات لمحاربة الفساد في الصفقات العمومية والتعيينات.

وأسس ولد غده منذ سنوات «منظمة الشفافية الشاملة» التي أعلنت حينها أن هدفها هو مساعدة الحكومة في الكشف عن الفساد، وكشفت من وقتها عن عدة ملفات انتهى أغلبها في أروقة القضاء.

وتعرض ولد غده للسجن أكثر من مرة. وكان قد خرج لتوه من السجن في أبريل (نيسان) الحالي، بعد أن اتهمته النيابة العامة بالتشهير ونشر معلومات مغلوطة على الإنترنت، خلال حديثه عن شبهات فساد في صفقة لاقتناء مختبر للشرطة الوطنية.

ومَثُل ولد غده الأسبوع الماضي أمام محكمة الاستئناف، التي أكدت براءته من ثلاث تهم، هي إعاقة سير العدالة، وإهانة موظفي وأعوان القوة العمومية، ونشر معلومات كاذبة عبر شبكة الإنترنت، فيما أدانته بتهمة التقليل من أهمية القرارات القضائية، وحكمت عليه بالسجن ثلاثة أشهر مع وقف التنفيذ.