فايزة أبو النجا.. «امرأة بـ100 رجل»

مستشارة الأمن القومي المصري اختارها السيسي لتكون أول أنثى تتولى المنصب بعد خلوه 41 عاما

فايزة أبو النجا.. «امرأة بـ100 رجل»
TT

فايزة أبو النجا.. «امرأة بـ100 رجل»

فايزة أبو النجا.. «امرأة بـ100 رجل»

رحل مبارك ومن بعده المجلس العسكري ثم جاء السيسي، وبقيت فايزة أبو النجا، أحد أكبر مصادر ثقة الأنظمة السياسية في مصر، لتستحق وعن جدارة لقب «سيدة دولة»، وذلك بعد مشوار سياسي طويل، حصدت خلاله لقب «الأولى» في عدة مناصب مهمة، دشنت خلالها
دخول المرأة المصرية إلى عدد كبير من المواقع
الحساسة في الدولة، كان آخرها
الأسبوع الماضي.
أبو النجا، التي لقبت في مجلس الوزراء بأنها «امرأة بمائة رجل»، وزيرة التعاون الدولي أكثر من 11 عاما قضتها مع 4 حكومات متعاقبة، واشتهرت بمواقفها الحادة تجاه الولايات المتحدة، أعادها الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى دائرة صنع القرار مجددا، بعد أن خرجت منها خلال حكم الإخوان المسلمين العام الماضي. حين عينها الرئيس المصري مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي مستشارة لشؤون الأمن القومي. وهو ما شكل مفاجأة لم يتوقعها مؤيدوها قبل المعارضين، ولتصبح بذلك أول سيدة تتولى هذا المنصب الرفيع، الذي ظل شاغرا نحو 41 عاما، حين تقلده اللواء محمد حافظ إسماعيل، في عهد الرئيس الراحل أنور السادات.
دلالات كثيرة وحيثيات متنوعة فجرها قرار تعيين أبو النجا، (63 عاما)، في ذلك المنصب الأمني. فما بين من اعتبره يوما فارقا في تاريخ المرأة المصرية، كونها أول سيدة تتولى هذا المنصب بالغ الحساسية والدقة، وفي ظل ظروف أمنية وسياسية معقدة تعيشها البلاد في أعقاب ثورتين شعبيتين في 25 يناير (كانون الثاني) 2011 و30 يونيو (حزيران) 2014، وأنه اختيار سديد نظرا إلى ما يحمله من بُعد مختلف، فاختيار وزيرة سابقة بدأت حياتها دبلوماسية، لذلك المنصب الأمني بعيدا عن رجال الاستخبارات والعسكريين، يثبت أن رؤية الرئيس السيسي للأمن القومي ليست عسكرية فقط ولكنها تحمل أبعادا أهم من ذلك لتشمل العلاقات الاقتصادية والاجتماعية إضافة إلى مقتضيات الأمن التقليدية، بجانب أنها تعد خبيرة في أمور الدولة.
أبو النجا التي احتلت المركز الـ19 في قائمة مجلة «فورين بوليسي» لأقوى 25 امرأة في العالم عام 2012، تعد أول سيدة تتولى وزارة التعاون الدولي عام 2001، في حكومة وزارة الدكتور عاطف عبيد، واستمرت في عهد حكومتي الدكتور أحمد نظيف (2004 - 2011) وحتى قيام ثورة 25 يناير.
وبعد الإطاحة بنظام مبارك، كانت السيدة أبو النجا من القليلين من أعضاء الحكومة الذين حافظوا على مناصبهم وتفادت أجواء الثورة والتغيير، حيث استمرت في حكومة الفريق أحمد شفيق، لكن التحدي الأبرز كان استمرارها في حكومة الدكتور عصام شرف التي تشكلت في مارس (آذار) 2011، وأضيفت لها وزارة التخطيط، لتندمج في وزارة واحدة «التخطيط والتعاون الدولي».
بدت أبو النجا أشبه بالقدر مع بقائها في حكومة الدكتور كمال الجنزوري، التي أصبحت فيها بخلاف وزارتها الجديدة، متحدثة أيضا باسم الحكومة في الفترة من (25 نوفمبر 2011 - 24 يوليو «تموز» 2012)، واستمرت حتى انتخاب الرئيس الإخواني محمد مرسي، حيث خرجت من حكومة الدكتور هشام قنديل.
وتولت أبو النجا الدفاع عن حكومة الجنزوري حتى داخل البرلمان الذي هيمن عليه تيار الإسلام السياسي، وفي وقت كان حزب الأكثرية الإخواني، يقاتل من أجل الإطاحة بها (حكومة الجنزوري). وقد كافأ الجنزوري المرأة الحديدية في حكومته بقبلة شهيرة على جبينها تناقلتها طويلا وسائل الإعلام في اجتماع وداعي، خروجا عن المألوف.
يقول عنها الدكتور نبيل العربي الأمين العام لجامعة الدول العربية الحالي: «خلال الشهور الأربعة التي كنت فيها وزيرا للخارجية إثر ثورة 25 يناير تزاملت مع فايزة في مجلس الوزراء، وشاهدت بنفسي الدور المحوري الذي كانت تباشره.. واعتماد رؤساء الوزراء عليها في أهم الموضوعات، كما كان تحليلها الأحداث وشجاعتها في التعبير عن آرائها مثار إعجاب وتقدير من جميع الوزراء، حتى إن المستشار محمد عبد العزيز الجندي وزير العدل الأسبق، قال عنها عن حق إنها امرأة بـ100 رجل».
ويضيف، في مقال نشره بمناسبة تعيين أبو النجا في موقعها الجديد، «أثق تماما بأن اختيار رئيس الجمهورية لها لتولى المنصب يصب في مصلحة الوطن، فذلك منصب يتطلب تنسيقا وتعاونا وثيقين مع مختلف جهات الدولة، وعلى وجه الخصوص مع وزارة الخارجية».
الأمر الأبرز في تداعيات قرار تعيين أبو النجا مستشارة للأمن القومي، ذلك الذي يتعلق بالقلق الذي أثارته عودتها للحياة السياسية من جديد، لدى منظمات المجتمع المدني العاملة في مصر، المحلية والأجنبية على حد سواء، التي لديها خشية من مرحلة جديدة يتم فيها التضييق على عملها الحقوقي، بالنظر إلى المواقف السابقة للمسؤولة الجديدة.
وقادت أبو النجا حملة ضارية ضد جمعيات المجتمع المدني في ديسمبر (كانون الأول) عام 2011، بلغت ذروتها مع توجيه التهم لـ43 موظفا في ثلاث منظمات أميركية غير حكومية تعمل في مجال دعم الديمقراطية، وهي (المعهد الجمهوري الدولي، والمعهد الديمقراطي الوطني، وفريدوم هاوس)، منهم 19 أميركيا منعوا من مغادرة مصر، بما في ذلك المديرون القُطريون.
وقد أثارت الحملة آنذاك أزمة دبلوماسية بين القاهرة وواشنطن، كادت تنهي المعونة السنوية التي تمنحها أميركا لمصر منذ التوقيع على اتفاقية السلام بين القاهرة وتل أبيب والبالغة 1.3 مليار دولار.
وخلال تلك الفترة، داهمت قوات الشرطة المصرية مكاتب تلك المنظمات بالقاهرة وصادرت أجهزة الكومبيوتر والوثائق وفرضت حظر سفر على موظفيها، بما في ذلك سام لحود، نجل وزير النقل الأميركي راي لحود، حيث وجهت النيابة العامة اتهامات بالعمل دون تراخيص وتلقي تمويل غير مصرح به من الخارج، وتهما تتعلق بتمويل أعمال العنف في الشارع. ووفقا لمصادر في تلك الفترة، أبلغت أبو النجا النيابة العامة في جلسة مغلقة أن الولايات المتحدة ضخت أموالا إلى المنظمات غير الهادفة للربح، الممولة من الحكومة الفيدرالية، في مسعى لنشر الفوضى، وإحباط نمو مصر كدولة قوية وديمقراطية، وتحويل الثورة لمصالح الولايات المتحدة وإسرائيل.
تقول صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، التي وصفت قرار تعيين أبو النجا مستشارة للأمن القومي المصري بـ«تصعيد السيدة المعادية لواشنطن»، إن «الوزيرة السابقة أثارت واحدة من كبرى الأزمات خلال 35 عاما من تحالف واشنطن والقاهرة، وأجبرت نجل وزير النقل الأميركي على الاختباء داخل السفارة الأميركية في القاهرة طيلة أسابيع خوفا من الاعتقال». وأمام الإصرار المصري، اضطرت واشنطن إلى دفع كفالة قدرها 4.6 مليون دولار من أجل سماح السلطات المصرية بخروج موظفيها المطلوبين قضائيا، وفقا لما ذكرته وزارة الخارجية الأميركية، حيث خرجوا «سرا» على متن طائرة مستأجرة إلى قبرص، رغم قرار حظر السفر عليهم قضائيا.
وقالت مصادر سياسية حينها، إن قائد الجيش المصري المشير محمد حسين طنطاوي، الذي كان يتولى إدارة البلاد في ذلك الوقت خلفا للرئيس الأسبق حسني مبارك، طالب أبو النجا بانتهاج «لهجة معتدلة مع واشنطن»، رغم رفضها.
وفي جلسة لمجلس الشعب السابق (البرلمان) في مارس 2012، وقفت أبو النجا، وقتها للتحدث عن علاقتها بقضية «التمويل الأجنبي»، قائلة: «ما تم اتخاذه من إجراءات كان في الاتجاه الصحيح، الأمة المصرية ترفض أن تكون سلعة عديمة القيمة تتداولها أيادي الأقوياء».
وأضافت أنها «اعترضت على الأسلوب السافر المتحدي للسيادة المصرية الذي اتبعته الإدارة الأميركية، وإنها تفتخر كمواطنة مصرية بأنها تعمل على حماية استقلال الوطن». كما صرحت قائلة: «كل بلد لديه أوراق ضغط في المجال السياسي، ومصر ليست استثناء». واعتبر محللون أميركيون عودة أبو النجا «تعني تجاهل السيسي المستمر تحالفه مع واشنطن، فضلا عن القلق حيال وضع منظمات المجتمع المدني». ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مايكل حنا، الباحث بمؤسسة سينشري فاونديشن، بنيويورك قوله: «تعيين أبو النجا يمثل صفعة واضحة في وجه الولايات المتحدة، لكنه يتماشى مع الطريقة التي تتعامل بها حكومة السيسي مع العلاقة الثنائية بين البلدين».
وفسر مراقبون عودة أبو النجا إلى المشهد الرسمي بأنه علامة جديدة على أن السلطات المصرية الحالية تعتزم اتخاذ إجراءات صارمة ضد منظمات المجتمع المدني، حيث سبق أن أعلنت الحكومة مهلة انتهت يوم 10 نوفمبر الحالي لامتثال هذه المنظمات لقانون جديد ينظم عملها وتوفيق أوضاعها.
لكن الدكتور أحمد المسلماني، المستشار الإعلامي للرئيس المصري السابق عدلي منصور، علق على تعيين فايزة أبو النجا، قائلا إن «مستشارة الرئيس الجديدة تصغر هيلاري كلينتون (وزيرة الخارجية الأميركية السابقة) بـ7 سنوات.. وأكثر كفاءة من مستشارة الأمن القومي الأميركي سوزان رايس، لذلك من الطبيعي أن تشن الصحف الغربية حملة عليها».
في المقابل، وجهت عدة قوى معارضة، بينها تيارات إسلامية، انتقادات لاختيار أبو النجا، مدعين أنها وجه من وجوه النظام القديم. يقول الدكتور حازم حسني، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة: «أبو النجا قررت الصعود السياسي عبر الحزب (الوطني) الذي ثار عليه المصريون، وتم حله بحكم محكمة». وأضاف: «نحن إذ نعلن رفضنا أبو النجا، فإننا لا نحاسب حساباتها، ولا نحاسبها هي على هذه الحسابات، فهي حرة فيها.. نحن فقط نقول إن عليها أن تشقى بشر هذه الحسابات كما نعمت من قبل بخيرها، لأنها في كل الأحوال كانت حسابات تتناقض مع ما نحسبها تكون حسابات المستقبل الذي لا مكان فيه لأي ارتباط سياسي برجل ثار عليه المصريون».
يمكن وصف أبو النجا بأنها وبحق «ابنة» الدولة المصرية ونظامها العريق، فهي منذ تخرجها في كلية التجارة بجامعة القاهرة عام 1973، حظيت بثقة أنظمة الدولة على مدار ما يقرب من 40 عاما.
تعد أبو النجا دبلوماسية من طراز رفيع، حيث بدأت مشوارها المهني بالانضمام إلى السلك الدبلوماسي عام 1975، وذلك عندما التحقت بالعمل في وزارة الخارجية المصرية. وكانت أولى مهامها في الخارج عضوية البعثة الدائمة لمصر لدى الأمم المتحدة في نيويورك، حيث مثلت مصر في اللجنة الأولى للجمعية العامة للأمم المتحدة المعنية بنزع السلاح والأمن الدولي، وكذلك في اللجنة الثالثة المعنية بموضوعات الحقوق الاجتماعية وحقوق الإنسان.
وفي عام 1987، انضمت أبو النجا إلى فريق الدفاع المصري برئاسة السفير نبيل العربي في لجنة هيئة تحكيم «طابا» في جنيف، التي أصدرت حكمها لمصلحة مصر بعد جلسات استماع قانونية ودبلوماسية طويلة وشاقة، مما أدى إلى استعادة مصر شبه جزيرة سيناء بالكامل.
ونظرا إلى علاقات العمل الممتدة مع الدكتور بطرس بطرس غالي، عندما كان وزيرا للدولة للشؤون الخارجية، تم اختيار أبو النجا، بصفتها الدبلوماسية المصرية الوحيدة للعمل معه مستشارا خاصا عندما تم انتخابه أمينا عاما للأمم المتحدة عام 1992.
يقول بطرس غالي عن تعيين أبو النجا في منصبها الجديد: «تلميذتي.. عملت معها في الأمم المتحدة 5 سنوات، وهي خبيرة في الشؤون الدولية والداخلية، تمتلك نضجا سياسيا».
ويرصد الدكتور نبيل العربي تلك الفترة التي عايش فيها السيدة أبو النجا من قرب، قائلا: «تعرفت إلى فايزة عندما انضمت إلى الوفد الدائم لمصر في نيويورك عام 1979 وكان الراحل الدكتور عصمت عبد المجيد مندوبا دائما وكنت مندوبا مناوبا، وعلى الرغم من صغر سنها آنذاك فإنها أظهرت كفاءة عالية مقرونة بإخلاص وتفان تام للعمل».
ويتابع: «تزوجت بالسفير المتميز هشام الزميتي، الذي عين عضوا في الوفد الدائم في جنيف، وصاحبته كزوجة في مهمته، وتوافق ذلك مع فترة الإعداد لتحكيم طابا، ونظرا إلى أن إعداد الأسانيد والدفوع المطلوب تضمينها في مذكرات الدفاع المصرية لتقديمها إلى هيئة التحكيم الدولية، كان يتطلب تغطية شاملة لفترة عصبة الأمم، فقد طلبت من فايزة تولي هذا الجانب المهم، وتمكنت بفضل دقتها ومثابرتها من موافاة الإدارة القانونية في وزارة الخارجية المصرية بخرائط ووثائق دعمت وجهة نظر مصر».
ويضيف: «حينما انتخب بطرس غالي سكرتيرا عاما للأمم المتحدة وقع اختياره على فايزة لتعمل مستشارا ومساعدا خاصا له، وقد عملت بمنتهى الإخلاص والتفاني، ثم قررت الاعتذار لخلفه كوفي أنان عن الاستمرار في ذات المنصب المهم والحساس.. رغم سعيه لإقناعها بالاستمرار في منصبها».
خلال الفترة من 1997 حتى 1999، شغلت أبو النجا منصب نائب مساعد وزير الخارجية للعلاقات الأفريقية الثنائية، في عهد وزير الخارجية آنذاك عمرو موسى حيث لعبت دورا بارزا في تحسين علاقات التعاون بين مصر والدول الأفريقية. واعترافا بإسهاماتها الكثيرة لصالح أفريقيا، تم التنويه عنها في كتاب الدكتور شارون فريمان «حوار مع قيادات نسائية أفريقية قوية: الإلهام، والدافع، والاستراتيجية»، باعتبارها واحدة من القيادات النسائية الـ11 الأكثر قوة في أفريقيا.
شغلت أبو النجا قبل انضمامها إلى مجلس الوزراء، في الفترة من 1999 حتى نهاية 2001 منصب مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة في جنيف وكل المنظمات الدولية في المدينة السويسرية. كما شغلت منصب مندوب مصر الدائم لدى منظمة التجارة العالمية، ومؤتمر نزع السلاح، وهكذا ومرة أخرى تصبح أول سيدة في مصر تشغل أيا من هذه المناصب.
وقد لعبت أبو النجا من خلال هذه المناصب دورا مؤثرا عبر مشاركتها في الكثير من المؤتمرات الدولية المهمة، التي كان من أهمها المؤتمرات الوزارية لمنظمة التجارة العالمية في كل من سياتل 1999 والدوحة 2001، ومؤتمر مراجعة معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية في نيويورك 2000، ومؤتمر الأمم المتحدة العاشر للتجارة والتنمية في بانكوك 2000.
يربط البعض بين مواقف أبو النجا الخاصة برفض الانصياع أو الخضوع للقوى الغربية، وولادتها في بورسعيد (شمال شرقي البلاد)، في 12 نوفمبر 1951، حيث ترعرعت في ظل مقاومة شعبية لأبناء المدينة الباسلة ضد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، وخلال حربي 1967 وحرب 1973 ضد إسرائيل. وقد انتخبت عام 2010 عضوا بمجلس الشعب عن مدينة بورسعيد، حيث فازت بأحد المقعدين المخصصين للنساء عن المحافظة.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.