مصطفى مدبولي... المهندس الباحث عن «التوازن الصعب»

مصطفى مدبولي... المهندس الباحث عن «التوازن الصعب»

المواطن المصري اعتاد إطلالاته لشرح إجراءات التعامل مع {كورونا}
السبت - 2 شهر رمضان 1441 هـ - 25 أبريل 2020 مـ رقم العدد [ 15124]
القاهرة: محمد نبيل حلمي

اعتاد المصريون خلال الفترة القليلة الماضية ترقب إفادات رئيس مجلس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، بشأن تدابير الحظر المؤقت على التنقل والإجراءات المتعلقة بمجابهة فيروس كورونا المستجد «كوفيد - 19»، سواءً تعلق الأمر بالبحث عمّا يطمئن المتابعين أو ضبط إيقاع حركتهم اليومية بما يوافق القرارات. ولقد كثفت تداعيات الأزمة من حضور مدبولي بشكل غير مسبوق على ساحة المناقشات المختلفة في البلاد.


المهندس الدكتور مصطفى مدبولي الذي يحتفل الشهر الجاري ببلوغه سن الرابعة والخمسين، يقف وحكومته التي تولى رئاستها في يونيو (حزيران) 2018 أمام منعطف مهم بفعل جائحة «كوفيد - 19». ومع أنه صحيح القول إن كل دول العالم تواجه المشكلة نفسها، فإن الحكومة المصرية كانت تتطلع -مدعومةً بتقديرات مؤسسات دولية- إلى جني ثمار قرارتها الاقتصادية «القاسية والصعبة»، حسب تعبير مسؤوليها، كما كانت تستهدف تحقيق معدل نمو يصل إلى 5.6% بنهاية العام المالي الحالي. غير أن الجائحة وتداعياتها دفعت الحكومة إلى العودة لخفض تقديراتها إلى 4.2%، وفق تقييم مبدئي في مطلع الأزمة.

والواقع أن مدبولي، ملتزماً بـ«وقت مستقطع» إجباري، يقف راهناً في مرحلة بالغة الدقة والتأثير سواء في شخصه أو في تاريخ البلاد، ومجدداً يجد نفسه باحثاً عن «التوازن الصعب» الذي لازم جانباً من مسيرته صبياً ولاعباً وطالباً ووزيراً.

وبين خيارين كلاهما صعب، ينشد مدبولي تحقيق ما يصفه بـ«التوازن بين الاستمرار في اتباع الإجراءات الاحترازية لمجابهة الجائحة حمايةً لسلامة المواطنين، وبين استمرار دوران عجلة الإنتاج»، حسب إفاداته المتكررة خلال الأسبوع الماضي في أثناء الحديث المباشر للمواطنين.


خلفية هندسية

لكن المقاربات التنموية - الصحية، لم تكن فقط هي المستهدفة بالتوازن بالنسبة إلى مدبولي، فالرجل الحاصل على بكالوريوس الهندسة عام 1988، ويمتلك سجلاً معتبراً من الخبرات التنفيذية التي أهّلته للترقي في دولاب عمل مؤسسات مصرية وأخرى دولية إلى أن وصل راهناً إلى رئاسة الوزراء، جاء توليه المنصب تعبيراً عن نهج تكليف «حكومات التكنوقراط» ذات الطابع التخصصي الفني البعيد عن التعبيرات والتيارات السياسية والحزبية، بينما تفرض اللحظة الراهنة على من يديرها الحنكة والحصافة والقدرة على التأثير في الجموع، وجميعها خبرات تتأتى في جانب كبير منها بفعل التنشئة السياسية وخبرات العمل الجماهيري.

على أي حال، فإن سنوات النشأة الأولى التي بدأت أواخر الستينات حملت جانباً من «التوازن» لرئيس الحكومة المصرية؛ فهو ابن اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية خلال «حرب 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1973»، ويذكر مدبولي الابن في تصريحات نقلتها عنه صحيفة «المصري اليوم» اليومية الخاصة، في يونيو 2017، أن والده «شارك في ضربات سلاح المدفعية التمهيدية التي مهّدت لعبور قناة السويس (لتحرير شبه جزيرة سيناء من الاحتلال الإسرائيلي)».

ورغم هذا السمت البطولي للأب، فإن ذلك لم يفرض على الابن فيما بعد الالتحاق بالكليات العسكرية، كما فعل بعض أبناء جيله، بل انتظم بمسار تعليمي مدني في مطلع الثمانينات عبر كلية الهندسة بجامعة القاهرة، وتخصص في العمارة، قبل أن يواصل مسيرته الأكاديمية لينال درجتي الماجستير ثم الدكتوراه.


لاعب كرة اليد

«توازن آخر» كان على مصطفى مدبولي تحقيقه في مرحلة الشباب المبكرة، إذ إنه ومع تفوّقه الدراسي الذي عبّر عنه بالالتحاق بواحدة من كليات القمة في مصر (الهندسة) فإنه أظهر أداءً رياضياً «جيداً» عبر اللعب لصالح فريق كرة اليد بنادي الزمالك الرياضي العريق في القاهرة. وحسب المدير الفني للفريق في فترة لعب مدبولي، الدكتور كمال درويش، فإن رئيس وزراء مصر «كان لاعباً مميزاً، وحقق بطولات عدة محلية وأفريقية مع النادي الأبيض، واستطاع التوفيق بين دراسته للهندسة التي كان يحصل على المراكز الأولى فيها وممارسته للعبة كرة اليد بالنادي، وهذا قبل أن يتوقف عن اللعب بعد تعيينه بالجامعة»، وفق تصريحات نقلها موقع «اليوم السابع» عن درويش في يونيو 2018.

بعد مضي نحو عقدين على اعتزاله اللعب، ذكّر «الاتحاد الدولي لكرة اليد» مدبولي، برياضته القديمة، وأهداه في يناير (كانون الثاني) 2019، خلال افتتاح فعاليات بطولة العالم لكرة اليد التي استضافتها كل من ألمانيا والدنمارك، قميصاً باسمه مع الرقم 7، وهو الرقم نفسه الذي كان يحمله مدبولي لاعباً.

من جهة أخرى، وعلى الرغم من الاستقطاب الكروي الحاد والحساسية الرياضية في أوساط الجمهور المصري، فإن مدبولي الذي كان يلعب لفريق الزمالك استطاع أن «يوازن» أيضاً بين الأداء المميز للنادي «الأبيض» والتشجيع لغريمه «الأحمر» النادي الأهلي، على ما أفاد المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء الصحافي هاني يونس، في تعليق عبر حسابه الرسمي على «فيسبوك» على خلفية تكريم مدبولي من الاتحاد الدولي لكرة اليد.


خيار متّسق

في الواقع كان مصطفى مدبولي خياراً متّسقاً مع المسار الذي اعتمده الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي منذ توليه السلطة عام 2014، وهو مسار التوسع في مشاريع البنى التحتية، والمدن الجديدة، والتشييد والبناء، واستكشاف مكامن الطاقة. وفي ذلك الإطار تعاقب على رئاسة الوزراء كل من المهندس إبراهيم محلب بعد توليه حقيبة وزارة الإسكان، ثم المهندس شريف إسماعيل الآتي من وزارة البترول، ومن ثم انخرط مدبولي في المسار نفسه بعد «تقييم رئاسي إيجابي» بحق عمله وزيراً للإسكان منذ عام 2014.

لقد عمل مدبولي وزيراً بحكومتي محلب ثم إسماعيل، وعرف عن قرب رئيس الوزراء الأول (محلب) صاحب الظهور والتصريح وصاحب الزيارات الميدانية لمواقع مختلفة، ثم خلفه (إسماعيل) الذي كان أقل حضوراً بالحركة في الشارع أو الحديث المباشر مع المواطنين.

وقبيل تولي مدبولي مهام رئاسة الحكومة رسمياً، كان من الممكن القول إنه أجرى ما يمكن وصفه مجازاً بـ«تدريب مسبق» على منصبه الجديد. إذ كلفه السيسي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 بالقيام بأعمال رئيس الوزراء، آنذاك، شريف إسماعيل، لحين عودة الأخير من رحلة علاجية، خارج البلاد، واستمر مدبولي في موقعه المؤقت لنحو شهرين تقريباً.

ثم إنه في انتقاله من مقر وزارة الإسكان إلى رئاسة الحكومة، جمع مدبولي ووازن بين حقيبته السابقة ومهام منصبه الجديد منذ يونيو 2018 وحتى يناير 2019، قبل أن يقع الاختيار على الدكتور عاصم الجزّار لإدارة مهام الإسكان، غير أن مدبولي عاد وتلقى تكليفاً وهو في موقع رئيس الحكومة بتولي مسؤولية ملف الاستثمار، بعد إلغاء المنصب الوزاري الخاص بشؤونه.

وتفرض تطورات أزمة «كوفيد - 19» على مدبولي التخلي جزئياً عن الطابع الفني البحت لصالح النسق السياسي، ومحاولة «تحقيق التوازن» عبر مقاربة تخلق شعبية مطلوبة لحكومته، وحشد ثقة المواطنين لضمان التزامهم بإجراءات مجابهة الجائحة.

وحقاً، دفع «حكم الأمر الواقع» مدبولي، خلال الشهرين الماضيين، إلى الظهور المتكرر والحديث المباشر للمصريين بشأن إجراءات طمأنة واحتراز من فيروس هذه الجائحة، فضلاً عن إظهار الحسم والتلويح بـ«القوة» لردع مخالفي التدابير الحكومية.

ورغم ما تنطوي عليه مسألة كثافة الحضور الإعلامي والحديث المباشر من مخاطر تتعلق بعقبات أو أخطاء أو ارتجالات غير محسوبة، خصوصاً إذا ما قورن ذلك بالبيانات الرسمية المدققة؛ فإن متابعي أداء رئيس الحكومة، عبر منصات مواقع التواصل أو مقالات الرأي، أشاروا إلى «نمو مستويات التعبير عن الثقة، وملء المنصب، وجذب الانتباه، والتحكم الواضح في استخدام المصطلحات بدقة».

وكشأن العمل العام والسياسي فإنه حتى أولئك الذين يمكن لهم أن يقلقوا من «سطوع نجم مدبولي» لم يتمكنوا من رصد أو ترويج «سقطة لسان» في مرات ظهوره المتكررة، وما بين الفريقين تفاوتت مستويات القبول والرفض للمعالجات الحكومية للأزمة الصحية الراهنة.

ويعتقد البعض أنه ربما تكون «محاولة البحث عن أمل» هي التي قد تكون دفعت ببعض المتابعين لإبداء الثناء، مثلاً، على تعابير ساقها مدبولي في «حديث ينمّ عن رؤية» بشأن توجيه التحية لـ«المواطنين الأقباط» بمناسبة عيدهم، وتجنّب ما دأب بعض المسؤولين في عهود مختلفة على قوله بشأن «الإخوة الأقباط».


جوانب تأهيلية وشخصية

على أي حال، فإن نظرة على التأهيل التدريبي الذي تلقاه مدبولي، يمكن أن توضح جانباً من تكوين شخصيته.

إذ إنه حصل على شهادة تأهيل القيادات التنفيذية في الإدارة من كلية إدارة الأعمال في جامعة هارفارد العريقة عام 2003 تحت رعاية «هيئة المعونة الأميركية» والحكومة المصرية. ولمدة 4 سنوات بدأت عام 2000 كان المدير التنفيذي لمعهدي التدريب والدراسات الحضري في مركز بحوث «الإسكان والبناء».

وفي المجال الدولي، كان مدبولي خلال الفترة من عام 2012 إلى 2014 المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية – الهابيتات»، وهو المنصب الذي غادره لتولي منصب وزير الإسكان.

كذلك تدرج في مناصب أكاديمية وتنفيذية عدة، ووضع مخططات تطوير وتنمية عمرانية خلال عمله بمؤسسات الحكومة المصرية.


الدستور والبرلمان والحكومة

وفي مصر التي يختلط نظام الحكم فيها ما بين الرئاسي والبرلماني، فإن رئيس الدولة يكلف رئيساً لمجلس الوزراء، بتشكيل الحكومة وعرض برنامجه على مجلس النواب «فإذا لم تحصل على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال ثلاثين يوماً على الأكثر، يكلف الرئيس رئيساً لمجلس الوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد مجلس النواب.

وإذا لم تحصل حكومته على ثقة أغلبية أعضاء مجلس النواب خلال ثلاثين يوماً، عُدٌ المجلس منحلاً ويدعو رئيس الجمهورية لانتخاب مجلس نواب جديد»، وفق ما تنص المادة 146 من الدستور.

وكذلك فإن المادة 150 من الدستور، تشير إلى أن «رئيس الدولة يضع بالاشتراك مع مجلس الوزراء السياسة العامة للدولة ويشرفان على تنفيذها على النحو المبين في الدستور».

وما بين الشراكة في وضع السياسات العامة للدولة، ومرجعية رئيس الدولة في تسميته أولاً ودور أكثرية البرلمان التالي بتسمية مرشح حال فشل التوافق، فإن منصب رئيس الحكومة المصرية عموماً، والمستقبل السياسي لمصطفى مدبولي خصوصاً، يمران خلال الشهور الست المقبلة بتحديين كبيرين لا شك في ذلك.

التحدي الأول هو مدى نجاعة الأداء المصاحب لأزمة «كوفيد - 19» وتجاوز عثراتها وترويض مخاطرها، أما التحدي الآخر فهي الانتخابات البرلمانية المرتقبة قبل نهاية العام الجاري، والتي سيعقبها حتماً تعديل في تشكيل الحكومة، أو ربما تغييرها بالكامل، وسيكون عبور الأول هو المحدد لشكل الثاني.


مصر حصاد

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة