الدولار يصعد واليورو يقاوم... وعملات الأسواق الناشئة تهبط بقوة

الين الياباني والفرنك السويسري ملاذان آمنان

تواجه أسواق العملات الأزمة الصحية العالمية ببعض التقلب على وقع تعثر قنوات العولمة (رويترز)
تواجه أسواق العملات الأزمة الصحية العالمية ببعض التقلب على وقع تعثر قنوات العولمة (رويترز)
TT

الدولار يصعد واليورو يقاوم... وعملات الأسواق الناشئة تهبط بقوة

تواجه أسواق العملات الأزمة الصحية العالمية ببعض التقلب على وقع تعثر قنوات العولمة (رويترز)
تواجه أسواق العملات الأزمة الصحية العالمية ببعض التقلب على وقع تعثر قنوات العولمة (رويترز)

تواجه أسواق العملات الأزمة الصحية العالمية ببعض التقلب، على وقع تعثر قنوات العولمة، لا سيما التبادل التجاري والاستثماري الدولي الذي هبط بمعدلات قياسية، بفعل إجراءات احتواء تفشي فيروس كورونا (كوفيد-19).
في مارس (آذار) الماضي، تضاعف معدل تقلب أسعار الصرف 3 مرات في 3 أسابيع، لكنه بقي أقل من التقلبات التي سجلت في أزمتي 1998 و2008. وتساوت الشهر الماضي تذبذبات صرف العملات الدولية الرئيسية مع صرف عملات الاقتصادات الناشئة، وفقاً لتقارير صادرة عن بنك «سوسيتيه جنرال». أما بنك «إتش إس بي سي» فقال إن أفق الأزمة غامض والمخارج لم توضح بعد، لذا فإن العملات تتصرف على الأساس التقليدي الذي يسود في الأزمات، أي أن هناك عملات ملاذ آمن وأخرى مصنفة بمخاطر.
والعملات شبه الآمنة هي الدولار الأميركي والين الياباني والفرنك السويسري. وبفعل الخوف، «هجم» مستثمرون بقوة لاقتناء العملة السويسرية، ما دفع بالبنك المركزي السويسري للتدخل عارضاً الفرنك حتى لا يرتفع سعره كثيراً بفعل ارتفاع الطلب عليه، وباع منذ منتصف الشهر الماضي 42 مليار فرنك مقابل اليورو، لأن ارتفاع الفرنك يجعل الصادرات السويسرية أقل تنافسية من غيرها. وأكد تقرير صادر عن بنك «آي إن جي» أن البنك المركزي السويسري يتحرك، بحيث لا يهبط اليورو تحت معدل 1.05 فرنك.
في المقابل، أعلن البنك المركزي النرويجي أنه مستعد للتدخل حتى لا تهبط عملة البلاد (الكرونة) التي تأثرت بهبوط أسعار النفط، علماً بأن هذا الدفاع عن «الكرونة» النرويجية هو الأول من نوعه منذ 1999.
وهناك شريحة من العملات التي هي لدول منفتحة كثيراً على العولمة والتبادل الحر تواجه الأزمة الحالية مع إمكان الخسارة في أسعار صرفها. وهذا يشمل الكرونة السويدية والدولار الأسترالي والدولار النيوزيلندي وبعض عملات دول في أوروبا الشرقية مثل تشيكيا وهنغاريا.
وإلى جانب العملات الدولية الرئيسية، سجل الجنيه الإسترليني هبوطاً بنسبة 6 في المائة مقابل الدولار منذ بداية العام، علماً بأن اقتصاديين يتوقعون هبوطاً بنسبة من 15 إلى 20 في المائة من الناتج البريطاني في الفصل الأول من العام الحالي.
ويبدو أن اليورو في ميدان وسطي بين أترابه من العملات الرئيسية، ويكتسب لدى بعض المتداولين أحياناً صفة «عملة الملاذ»، لكنه يرث أيضاً مضاعفات أزمة منطقة اليورو في ظل ما تتعرض له من تداعيات خاصة بأزمة كورونا. إذ أظهرت الأزمة قلة تنسيق أوروبي لمواجهتها، ما أثار قلق الأسواق كما حصل في أزمة الديون السيادية في 2011 و2012 عندما ساد خوف من تفكك الاتحاد الأوروبي.
لكن في 9 أبريل (نيسان)، عندما بلغ سعر صرف اليورو 1.09 دولار، قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، إن السعر «جيد»، فرغم الأزمات تبقى العملة الموحدة شعبية، ومع ذلك هبطت 3.2 في المائة منذ بداية العام مقابل الدولار الاميركي الذي صعد مؤشره عموماً نحو 5.5 في المائة، على الرغم من الإغراق النقدي الذي مارسه الاحتياطي الفيدرالي الذي يرفع الكتلة النقدية كما يريد، لأنه يعلم أن الدولار هو عملة استدانة كثير من الدول والشركات حول العالم.
وفي الأسابيع القليلة الماضية، تخلت عدة بنوك مركزية عالمية عن حيازة سندات أميركية لتستطيع الحصول على دولارات نقدية بقيمة 155 مليار دولار. ويذكر أن نسبة الدولار من تداولات الصرف اليومية حول العالم بلغت في 2019 نحو 44 في المائة، مقابل 16 في المائة لليورو وفقاً لبنك التسويات الدولية. وهيمنة الدولار ترتفع رغم أن حجم الاقتصاد الأميركي في الناتج العالمي تراجع من 20 إلى 15 في المائة خلال العشرين سنة الماضية.
ويقول محلل في معهد «بيترسون» الاقتصادي الدولي، إن المتداولين والمستثمرين ينظرون دائماً إلى الاقتصاد الأميركي على أنه قوي وآمن. وتعزز ذلك عندما سارع البيت الأبيض إلى إعلان حزمة مالية تاريخية لمواجهة تداعيات كورونا. وخلال الشهر الحالي، صعد الدولار مقابل معظم العملات رغم تواتر إعلانات أرقام سيئة عن تأثر الاقتصاد الأميركي بالإغلاق وإجراءات احتواء الوباء، لكن لدى المستثمرين قناعة بأن الولايات المتحدة ستتجاوز الأزمة قريباً، بعكس انطباعهم عن دول أخرى!
أما على صعيد الأسواق الناشئة، فإن الأزمة تترك آثاراً سلبية في أسعار صرف عملات تلك الدول التي تشهد خروج المستثمرين الأجانب منها. وأثر الأزمة مضاعف على دول اقتصاداتها انفتحت كثيراً على العولمة وحريات التبادل التجاري وانتقال الرساميل. كما كان لهبوط سعر النفط بعض الأثر الظاهر بقوة في صرف عملات دول منتجة للنفط، باستثناء الدول الخليجية التي ترتبط أسعار عملاتها بالدولار.
ففي الفصل الأول من 2020، هبطت عملات جنوب أفريقيا والبرازيل وروسيا والمكسيك نحو 20 في المائة مقابل الدولار، والروبية الإندونيسية هبطت 15 في المائة، والليرة التركية 10 في المائة، والبيزو الأرجنتيني فقد 7 في المائة بعدما كان نزف 37 في المائة في 2019.
والعملات الهشة في الأسواق الناشئة هي عملات دول يرى المستثمرون أن ديونها الخارجية أعلى من احتياطياتها من العملات الأجنبية وتحديداً الدولار. ونتيجة تلك الضغوط، لاحظ المستثمرون أن البنوك المركزية في إندونيسيا والبرازيل والمكسيك وكولومبيا ومصر، على سبيل المثال، تدخلت في أسواق الصرف المحلية لحماية عملاتها من الضغط عليها بسبب تداعيات الأزمة أو لكبح المضاربات ضدها.
أما اليوان الصيني فمتماسك ويقاوم الأزمة جيداً، علماً بأن «بنك الشعب» (المركزي الصيني) ليس بعيداً عن التدخل عند الضرورة لحمايته. ويبدو تصرف اليوان مشابهاً للعملات العالمية الرئيسية، لا بل تفوق أداؤه على بعضها في هذه الأزمة التي ستترك ندوباً عميقة في جسم الاقتصاد العالمي.



مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
TT

مصر: الدولار إلى قمة تاريخية ومخاوف الغلاء تتفاقم

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)
مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

قفزة جديدة سجّلها سعر صرف الدولار في مصر، حيث تخطى حاجز 53 جنيهاً تزامناً مع «إجراءات تقشفية» تتخذها الحكومة، خصوصاً على مستوى الطاقة لتجاوز تداعيات حرب إيران.

ذلك الارتفاع غير المسبوق في قيمة الدولار أمام الجنيه، يراه خبير اقتصادي مصري تحدث لـ«الشرق الأوسط»، نتيجة للضغوط الكثيرة على الاقتصاد، في ظل تراجع للإيرادات الدولارية، ولا سيما قناة السويس، كما أن «ارتفاع الدولار يزيد المخاوف من تفاقم الغلاء في البلاد».

وشهد سعر صرف الدولار أمام الجنيه ارتفاعاً ملحوظاً خلال بداية تعاملات الأحد، متجاوزاً حاجز 53 جنيهاً للمرة الأولى في عدد من البنوك.

وحسب بيانات «البنك المركزي المصري»، سجّل سعر صرف الجنيه أمام الدولار حتى ظهر الأحد 53.53 جنيه للشراء و53.63 جنيه للبيع.

الخبير الاقتصادي، عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، علي الإدريسي، يرى أن «الارتفاع الحالي كان متوقعاً في ظل الضغوط على الاقتصاد»، موضحاً أن «سعر الصرف يتحدد بناء على قوى العرض والطلب، بينما يواجه الاقتصاد تحديات في تدفقات النقد الأجنبي المتمثلة في السياحة، وإيرادات قناة السويس، والصادرات، والاستثمارات الأجنبية المباشرة بسبب تداعيات حرب إيران».

في المقابل، تلتزم الدولة بسداد التزامات وديون مستحقة، بالإضافة إلى الارتفاع الكبير في تكلفة الاستيراد، ولا سيما قطاع الطاقة، حيث ارتفع برميل البترول من 77 دولاراً إلى مستويات تتراوح بين 100 و105 دولارات مع توقعات بوصوله إلى 150 دولاراً، بحسب تقرير «وكالة فيتش» منذ أيام، وهذا يخلق مشكلتين تتمثلان في زيادة سعر المنتج عالمياً وتراجع قيمة العملة محلياً، بحسب الإدريسي.

مواطنون مصريون أمام ماكينات الصرف التابعة لأحد البنوك الحكومية (رويترز)

ولفت الخبير الاقتصادي إلى أن «قطاع الصناعة يتصدر قائمة القطاعات الأكثر تضرراً جراء التقلبات الراهنة في أسعار الصرف، لأن معظم مدخلات الإنتاج مستوردة من الخارج». وأشار إلى أن «المواطن هو من يتحمل التكلفة النهائية لهذه الضغوط، مروراً بالزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات، وما تلاها من ارتفاع في تذاكر مترو أنفاق القاهرة والقطارات، فضلاً عن الزيادات المتوقعة في أسعار الكهرباء».

يأتي ذلك وسط تحركات حكومية للتخفيف من تداعيات الحرب الإيرانية. وأكّد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في اتصال هاتفي، الخميس، مع نظيره الأميركي، ماركو روبيو، «أهمية تقديم الدعم الاقتصادي وتوفير السيولة النقدية لاحتواء التداعيات السلبية للتصعيد الحالي على مصر»، لافتاً إلى تداعيات التصعيد العسكري على الاقتصاد المصري مع «تأثر أسعار الطاقة والغذاء، وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس».

وقبل نحو أسبوعين، اتخذت الحكومة المصرية قرارات «استثنائية» تضمنت رفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، وسط إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، مع استعداد رسمي لتقديم حزمة حماية تشمل دعم الأجور والمعاشات والسلع.

وطالب علي الإدريسي الحكومة بـ«وضع ضوابط لحماية محدودي الدخل والطبقات الفقيرة»، لافتاً إلى «أهمية انتقال التعامل الحكومي الحالي الناعم إلى ما أهو أشد، بما يتناسب مع حجم الضغوط التي يواجهها المواطن، وذلك بإحكام القبضة على الأسواق وتفعيل إجراءات صارمة ضد المتلاعبين لمواجهة الغلاء المتصاعد».


«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
TT

«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)
تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)

قالت شركة «إتش سي» القابضة للاستثمار، إن الوضع الخارجي للاقتصاد المصري أظهر مؤشرات قوية قبل اندلاع حرب إيران، مما «خفّف من حدة الصدمات الخارجية نسبياً».

وأثرت الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية الناجمة عن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، التي بدأت في 28 فبراير (شباط)، على الاقتصاد العالمي وعلى مصر تحديداً، وسط تعطل مضيق هرمز الذي يمر منه نحو 20 في المائة من إجمالي النفط والغاز عالمياً.

وترى هبة منير، محللة الاقتصاد الكلي بشركة «إتش سي»، أن ارتفاع صافي الاحتياطي النقدي الأجنبي بنحو 11 في المائة على أساس سنوي إلى مستوى قياسي بلغ 52.7 مليار دولار في فبراير الماضي، وارتفاع الودائع غير المدرجة في الاحتياطيات الرسمية بمقدار 1.26 مرة على أساس سنوي لتصل إلى 13.4 مليار دولار، فضلاً عن اتساع صافي الأصول الأجنبية بالقطاع المصرفي بشكل ملحوظ بنحو 16 في المائة على أساس شهري، و3.39 مرة على أساس سنوي ليصل إلى 29.5 مليار دولار في يناير (كانون الثاني)؛ قد حصّن الاقتصاد المصري من تداعيات سلبية قوية.

وأشارت منير إلى أن الحرب تسببت في خروج صافي تدفقات أجنبية صافية بما يقرب من 4 مليارات دولار تقريباً من السوق الثانوية لأذون الخزانة منذ الأول من مارس (آذار) الحالي حتى الآن، مما أدى إلى تراجع قيمة الجنيه مقابل الدولار بنحو 9 في المائة منذ 28 فبراير ليصل إلى 52.6 جنيه، وهو الأمر الذي يعكس مرونة سعر الصرف.

وتوقعت هبة منير زيادة معدل التضخم لشهر مارس إلى 14.3 في المائة على أساس سنوي، و2.4 في المائة على أساس شهري، وهو ما قد يرفع التضخم المتوقع للعام الحالي بأكمله إلى 13-14 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بتوقعات سابقة قبل اندلاع الحرب، ما بين 10-11 في المائة، و«هو ما قد يؤخر دورة التيسير النقدي».

وأرجعت ذلك إلى «ارتفاع أسعار النفط بنحو 48 في المائة لتصل إلى 107 دولارات للبرميل، الأمر الذي دفع الحكومة إلى رفع أسعار الديزل المحلي وأسطوانات الغاز والبنزين بنسبة 19 في المائة في المتوسط في 10 مارس، والتي سيكون لها تأثير على معدلات التضخم».

وفيما يتعلق بأسعار العائد على أذون الخزانة، قام البنك المركزي المصري برفع العائد للحفاظ على جاذبية الاستثمار في أذون الخزانة على المدى القصير؛ إذ بلغ العائد على أذون الخزانة لأجل 12 شهراً 23.4 في المائة، بما يعكس سعر فائدة حقيقياً إيجابياً قدره 6.94 في المائة.

و«بناءً على ذلك، ومع الأخذ في الاعتبار المخاطر الجيوسياسية وتأثيرها على موارد مصر من النقد الأجنبي، والتوقعات المُحدَثة للتضخم، ورغبة الحكومة من واقع رؤيتنا في الإبقاء على جاذبية الاستثمار في أدوات الدين، والمحافظة على مستهدفات نسبة عجز الموازنة للناتج المحلي الإجمالي؛ نتوقع أن تُبقي لجنة السياسة النقدية على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعها المقرر عقده يوم الخميس المقبل 2 أبريل (نيسان)».


القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
TT

القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية
رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية

في ظل التحول المتسارع الذي يشهده قطاع السياحة في السعودية، برزت استثمارات القطاع الخاص بوصفها من أبرز محركات النمو، مع تنامي دوره شريكاً رئيسياً في تطوير الوجهات السياحية وتعزيز جاذبية السوق، مدعوماً بحوافز حكومية ومنظومة استثمارية متكاملة.

وقد تجلى هذا الدور الريادي في قلب الجلسات النقاشية للنسخة الرابعة من «مبادرة مستقبل الاستثمار» المنعقدة في ميامي؛ حيث اجتمع المستثمرون العالميون لبحث مستقبل تدفقات رؤوس الأموال. وأكد وزير السياحة السعودي، أحمد الخطيب، أن المملكة تقدم نموذجاً لسوق جاهزة تماماً لاستقطاب الاستثمارات، مشيراً إلى أن «دور القطاع الخاص، ومشاركته الفاعلة، هما الركيزة الأساسية لهذا النجاح، حيث يُسهم بنحو 48 في المائة من إجمالي الاستثمارات السياحية».

وقال إن المملكة، في إطار «رؤية 2030»، نجحت في بناء منظومة استثمارية متكاملة لا تقوم على مشروعات ووجهات متفرقة، بل على تكامل السياسات والتشريعات والبنى التحتية، وتمكين الاستثمار، وتطوير رأس المال البشري، بما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق يضمن استدامة النمو على المدى الطويل.

دور القطاع الخاص

من جهته، أكد وكيل وزارة السياحة لتمكين الوجهات السياحية، محمود عبد الهادي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «القطاع الخاص أصبح لاعباً رئيسياً في دفع عجلة السياحة، مسهماً بنحو 219 مليار ريال (58.4 مليار دولار) من إجمالي الاستثمارات الملتزم بها في القطاع، البالغة 452 مليار ريال، مقابل 233 مليار ريال (62.1 مليار دولار) يسهم بها (صندوق الاستثمارات العامة)، في نموذج يعكس شراكة استراتيجية لتعزيز النمو المستدام».

وفي سياق تعزيز الجاذبية الاستثمارية، كشف عن أن المملكة حلّت في «المركز الـ5» ضمن اقتصادات «مجموعة العشرين» لعام 2024 من حيث الكثافة الاستثمارية، مع حصة استثمارية بلغت 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أحد المعدلات الأعلى عالمياً.

كما نجحت في جذب 56 مشروعاً سياحياً نوعياً بين عامي 2019 و2024 بقيمة استثمارية بلغت 1.9 مليار دولار.

جبال «فيفا» في جازان (وزارة السياحة)

حوافز استثمارية شاملة

وأوضح عبد الهادي أن المستثمرين في القطاع السياحي يستفيدون من حوافز متنوعة؛ تشمل «إعفاءات ضريبية طويلة الأجل للشركات متعددة الجنسية، ودعم الأجور في المهن الخاضعة للتوطين، إلى جانب تخفيضات وإعفاءات من رسوم التراخيص البلدية، وتمويل المشروعات بمختلف أحجامها عبر (صندوق التنمية السياحي)؛ مما يسهم في خلق بيئة استثمارية جاذبة وتخفيف المخاطر».

القطاع الخاص يقود البنية الفندقية

وأضاف أن القطاع الخاص يمثل نحو 60 في المائة من الغرف الفندقية الجديدة، وأنه يقود المشروعات الاستثمارية في 10 مناطق سعودية، «مع التركيز على الوجهات الكبرى والناشئة، في وقت نجحت فيه المملكة في جذب أكثر من 50 علامة فندقية عالمية، واستقطاب أكثر من 40 مستثمراً جديداً منذ عام 2020».

أرقام قياسية لعام 2025

سجل القطاع السياحي السعودي في 2025 نحو 122 مليون سائح محلي ووافد من الخارج، بزيادة 5 في المائة على العام السابق، فيما بلغ إجمالي الإنفاق السياحي 301 مليار ريال (نحو 80.3 مليار دولار)، بنمو 6 في المائة مقارنة بعام 2024. وبلغ عدد السياح المحليين 92.9 مليون سائح مع إنفاق قدره 128.2 مليار ريال (نحو 34.2 مليار دولار)، فيما وصل عدد السياح الوافدين إلى 29.3 مليون سائح مع إنفاق 172.6 مليار ريال (نحو 46 مليار دولار). وتهدف المملكة إلى استقبال 150 مليون سائح سنوياً بحلول 2030.

سياح يشاهدون الغروب بالقرب من «صخرة الفيل» في العلا (وزارة السياحة)

أولويات الاستثمار المستقبلية

وأشار إلى أن المملكة وضعت أولويات للسنوات الخمس المقبلة؛ تشمل تطوير مرافق الضيافة، وتعزيز منصات الحجز والترويج السياحي، وإطلاق تجارب سياحية متنوعة تشمل الشواطئ والمدن والتراث والمغامرات، إلى جانب الاستثمار في السياحة الزراعية وسلسلة الإمداد السياحي والخدمات اللوجيستية، «بما يوفر فرصاً واسعة للقطاع الخاص ويعزز استدامة النمو».

منتجع فاخر في البحر الأحمر (وزارة السياحة)

حوافز السياحة

وأكد أن المملكة اعتمدت آليات لضمان النمو المستدام للمشروعات السياحية، تشمل «دعم استثمارات القطاع الخاص بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من النفقات الرأسمالية، إضافة إلى إعفاءات من الرسوم البلدية لمدة تصل إلى 7 سنوات، وإعفاءات من ضريبة دخل الشركات للاستثمارات الأجنبية للفترة ذاتها، وتخفيض ضريبة القيمة المضافة على الغرف الفندقية بنسبة تصل إلى 100 في المائة، إلى جانب دعم استئجار الأراضي بنسبة 100 في المائة لمدة تصل إلى 20 عاماً».

منطقة البلد في جدة (وزارة السياحة)

دعم النمو المستدام

وأوضح أن اعتماد «نظام الاستثمار السعودي لعام 2025» مكّن المستثمرين الأجانب من التملك الكامل وحمايتهم، إلى جانب تسهيل حركة الأموال؛ «مما أسهم في خلق مناخ استثماري موثوق، بالتوازي مع تطوير الكوادر البشرية من خلال برامج تدريبية مختصة بالشراكة مع الجامعات والمؤسسات التعليمية».

وأكد أن هذه المنظومة المتكاملة، إلى جانب الشراكة بين القطاعين العام والخاص، «تمثلان الركيزة الأساسية لتحقيق مستهدفات (رؤية 2030)، بما في ذلك رفع إسهام السياحة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 10 في المائة، وخلق أكثر من 1.6 مليون وظيفة»، مشدداً على أن «القطاع الخاص لم يعد مجرد مستثمر، بل هو شريك استراتيجي يقود نمو السياحة السعودية على المدى الطويل».