علم «الإنسانيات الرقمية».. مستقبل البشرية الذي يتجاهله العرب

علم «الإنسانيات الرقمية».. مستقبل البشرية الذي يتجاهله العرب

شاشات تفاعلية تردم الهوة بين الواقع والعالم الافتراضي
الأربعاء - 26 محرم 1436 هـ - 19 نوفمبر 2014 مـ
د. غسان مراد أستاذ اللسانيات الحاسوبية في «الجامعة اللبنانية» - غلاف كتاب «الإنسانيات الرقمية»
بيروت: سوسن الأبطح

«كما مثلت المياه والطاقة مفاتيح المجتمعات الزراعية والصناعية سابقا، فإن المعلوماتية تشكل العمود الفقري للاقتصاد المعاصر»، كتب د. غسان مراد، في كتابه الشيق «الإنسانيات الرقمية»، الصادر حديثا عن «شركة المطبوعات للتوزيع والنشر» في بيروت، داعيا إلى عمل جاد ومثمر، لإدخال العلوم المعلوماتية على العلوم الإنسانية. فشركة «غوغل»، على سبيل المثال، أطلقت عشرة مشاريع في الإنسانيات الرقمية، لم تفز بها إلا جامعات «أنغلوسكسونية»، فيما الاهتمام بهذا الموضوع غائب تماما في العالم العربي حتى اللحظة. والإنسانيات الرقمية هي علم يعنى بفهم ما آلت إليه الآداب والفنون والإنسانيات عموما بسبب تأثرها وتأثيرها على التكنولوجيا الرقمية.

ويرى الكتاب أن الاكتفاء بالتعامل المحدود والاستهلاكي السريع مع المعلوماتية بات ينعكس على رؤية الغرب لنا، ولما ننشر بالعربية على الإنترنت، إذ يكتفي هؤلاء بمتابعة ما تبثه الشبكات العربية الإخبارية وما يدور على صفحات المنتديات من نقاشات تكشف عمق ما يختلج في الذهنية العربية، لجمع المعلومات البحثية حولنا. أما حين يفتح العرب صفحات غربية فهم لا يهتمون بأخبار الشباب الغربيين وما يقولونه في أوباما أو أنظمتهم السياسية، وإنما يبحثون عن صفحات ثقافية وعلمية واجتماعية وسياسية. لذلك تبدو العلاقات في الاتجاهين غير متكافئة وعرجاء في زمن الإنترنت.

الكتاب يحوي مقالات مختلفة المواضيع تجمع بينها المعلوماتية وتأثيراتها على حياتنا اليومية. ولعل إحدى أمتع مقالاته، تلك التي تحمل اسم «تقنيات القراءة الرقمية وآثارها على الدماغ والذاكرة»، حيث نرى أن ثمة فروقات جدية بين القراءة الورقية والإلكترونية.

فالقارئ على الشاشة يبقى يحلق فوق النص، ويقوم بمسح أفقي وآخر عمودي. ومراقبة حركة العينين على الشاشة أظهرت أن المتصفح لا يقرأ أكثر من 20 في المائة من النصوص المعروضة أمامه، وما تبقى يظل في إطار المرئي وليس المقروء. لذلك توجه نصيحة للقراء باستخدام الألواح لا شاشات الكومبيوتر، إذ إن التركيز في حال استخدام هذه الأخيرة يقترب بشكل كبير من القراءة الورقية.

لكن استخدام الكومبيوتر ليس دائما سلبيا، إذ يتبين أن القراءة الإلكترونية تجعل المخ أكثر تحفزا، لأنها تحتاج مجهودا أكبر وبالتالي تستفز الخلايا الدماغية، كي تنجح في المشاركة في عملية تفكير معقدة، نتيجة استخدام الفأرة، ووجود الصوت والصورة، وشرائط الفيديو، والروابط على صفحة واحدة أحيانا. أكثر من ذلك فإن القراءة الإلكترونية تحدث تأثيرات فيزيائية في الدماغ مختلفة عن تلك التي تتسبب بها القراءة الورقية، خاصة لجهة تنشيط الوصلات العصبية.

يخصص الكتاب صفحات لـ«الذكاء الاصطناعي ومحاكاة عقل البشر»، و«عالم الرياضيات البريطاني آلان تورينغ الذي فك شفرة النازية وهزمها»، و«نشأة غوغل وتطوره»، و«البلوغوسفير» أو «فضاء المدونات الإلكترونية»، و«الكتاب الإلكتروني»، وكذلك «الرصد الاستراتيجي للمعلومات»، و«المعالجة الآلية للغة»، و«الألسنية والمعلوماتية»، و«التحول من الكبس إلى اللمس»، و«المعلوماتية وسوق العمل»، وأيضا «صعوبة الأرشفة المعلوماتية».

وهنا يطرح الكتاب أسئلة بديهية لكنها ربما تبقى غائبة عن البال، منها ما الذي يستحق الأرشفة وما الذي يتوجب إهماله وسط هذا الكم الرهيب من الصفحات والمعلومات؟ يقول الكاتب إن «بعض الصفحات تبقى على الشبكة إلى الأبد، وبعضها الآخر لا يدوم سوى ساعات قليلة، والوثائق تسجل وتلغى بسهولة فائقة. كما تشير الإحصاءات إلى أن متوسط عمر الوثائق الإلكترونية هو 75 يوما، أي أن هناك صفحات تعيش أبدا وأخرى تموت غدا».

ولكن ما هو موقع العرب فعليا على الشبكة العنكبوتية؟ الأرقام هنا غير مشجعة على الإطلاق، على الرغم من أن مواقع الشبكة باللغة العربية زادت بنسبة 2036 في المائة من عام 2000 إلى 2008. لكن عدد مستخدمي الإنترنت العرب لم يزد على 30 مليون عربي، أي ما يشكل عشر عدد السكان.

مسألة أخرى يبحثها الكتاب، هي التقارب بين الجوال والكومبيوتر بعد توافر خدمات إنترنتية على الهواتف الجوالة مثل «3 جي» و«4 جي»، بحيث أحدث هذا الأمر تحولا جذريا، وأبطل الرؤية الكلاسيكية للإنترنت وإمكاناتها، وما يمكن أن تقدمه من خدمات. ومن هنا «تضاءلت المسافة بين المعلوماتية والإعلام من جهة، والاتصالات وشبكاتها من جهة ثانية». وهنا يتحدث الكاتب عن «انهيار النموذج الاقتصادي التقليدي للهواتف الثابتة، وبدء الناس في كسب الوقت من خلال إرسال الإيميلات، وممارسة بعض أعمالهم قبل الوصول إلى مكاتبهم».

يميل الكاتب إلى القول بأن العالم الافتراضي تفوق على العالم الفعلي وتجاوزه، إذ نلحظ تطورا مطردا في قدرة الأفراد على تنظيم رغباتهم وآمالهم وحياتهم اليومية، افتراضيا، مما بات يوثر بشكل ملموس وجاد على واقعهم، وأساليب عيشهم.

يبشرنا كتاب «الإنسانيات الرقمية» بأن التوجه المستقبلي بات يستوحي من أفلام الخيال العلمي، بحيث يتم تطوير شاشات اللمس التي تتفاعل فيزيائيا مع الإنسان. والهدف هو السماح للمستخدم بعمل نشاط حسي (حركي وإدراكي) داخل عالم رقمي، بحيث يكون مشابها لمظاهر العالم الحقيقي. بمعنى آخر، ردم المسافة الفيزيائية بين ما هو داخل الشاشة وخارجها. ويتطلب تطوير هذه الأجهزة التفاعلية اليوم عملا أكبر على معالجة أنظمة الكلام والحركة، وأنظمة رصد بكاميرات أو ميكروفونات. وبالتالي فإن ثمة عملا مضنيا حاليا لتطوير نظام التمييز الصوتي، وابتداع نظام يتحكم بالأفكار. وإذا كنا قد بدأنا بالفعل نتلمس الملامح الأولى لهذا النظام الأخير، من خلال تعريف الآلات ببصمة الإنسان، وصوته، فإن العمل على الصوت تحديدا قطع شوطا أكبر، لكن توظيف الابتكارات الكثيرة في هذا المجال لا يزال عصيا. ونموذج «سيري» المحدود القدرات، الذي أطلق على تليفون «آيفون 5»، يؤكد أن عمق المشكلة هو في حل الصعوبات المتمفصلة بين اللغة والتقنية معا، وهنا هو محك الالتباس في النص الصوتي.

يحاول الكاتب، وهو أستاذ اللسانيات الحاسوبية في «الجامعة اللبنانية»، أن يحلل سبب تقاعس العرب عن استخدام التقنيات الحديثة، يحصي بعض الأسباب منها الأمية، وتقلص الطبقة الوسطى التي هي عموما الأكثر استخداما للإنترنت، وكذلك ميل العرب للشفاهة والتلقي بدلا من التفاعل والمشاركة والقيام بجهود حثيثة، وهو ما يفسر احتفاءهم بالتلفزيون على سبيل المثال.

من الأسباب أيضا ظاهرة التردد وتفضيل البقاء في المنطقة الرمادية، بينما التكنولوجيا تحتاج واحدة من إجابتين حاسمتين، إما نعم أو لا. ويخلص الكاتب إلى أن التكنولوجيا غربية الوجه واليد واللسان. فالعرب بأمس الحاجة إلى بناء أنظمة معلومات خاصة بهم، تشبههم، مبنية على خصائص ثقافتهم.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة