«كورونا» يعيد توزيع النفوذ ورسم التحالفات في العالم

أوروبا على خطى أميركا في التشكيك بمعلومات الصين عن منشأ الأزمة وإدارتها

«كورونا» يعيد توزيع النفوذ ورسم التحالفات في العالم
TT

«كورونا» يعيد توزيع النفوذ ورسم التحالفات في العالم

«كورونا» يعيد توزيع النفوذ ورسم التحالفات في العالم

من الإفرازات الأولى البيّنة لجائحة «كورونا» (كوفيد - 19)، خارج المشهد الصحي والاقتصادي، احتدام المنافسة الجيواستراتيجية بين الدول العظمى التي تدرك جيّداً أن العالم على أبواب تغييرات جذرية في معادلة توزيع النفوذ ورسم التحالفات الجديدة.
لم يعد وحده الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي يطلق سهام الانتقادات في المرمى الصيني بسبب التعتيم الذي مارسته بكين على تطورات أزمة فيروس «كورونا» في مراحلها الأولى والحملة التي تقوم بها لاستغلالها من أجل تلميع صورتها. فمنذ أيام تتوالى التصريحات على ألسنة قادة أوروبيين تشكّك في المعلومات التي قدّمتها الصين عن منشأ الأزمة الصحّية وإدارتها، وتشير إلى حملة إعلامية تهدف إلى التنصّل من المسؤولية.
حكومات أوروبية عدّة، تتقدّمها فرنسا وبريطانيا وألمانيا، بدأت تغيّر في لهجتها تجاه بكين بعد التصريحات التي أدلى بها الأسبوع الماضي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وقال فيها إن الصين قد أخفت معلومات بشأن الأزمة في مراحلها الأولى. وفيما كان وزير الخارجية الفرنسي جان لوي لودريان يقول: «نأمل من الصين أن تحترمنا مثلما ترغب هي في أن نبادلها الاحترام»، وصرّح نظيره البريطاني دومينيك راب قائلاً: «لن تعود الأمور إلى ما كانت عليه في السابق طالما لم توضح الصين بشكل كامل ما حصل بشأن الفيروس».
وكان الأوروبيون حتى الآن قد لزموا الحياد على الجبهة التي فتحتها أزمة «كوفيد - 19» لتوسيع دوائر النفوذ بين الولايات المتحدة والصين، علماً بأن الممثل الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية جوزيب بورّيل كان قد حذّر في تصريحات له أواخر الشهر الماضي من «سياسة السخاء التي تُستخدم كسلاح في المعركة العالمية حول النفوذ الجيواستراتيجي».
الكل يتذكّر كيف كانت الطائرات الصينية تهبط يوميّاً بالعشرات في المطارات الأوروبية بينما كان الأوروبيّون يقفلون حدودهم الداخلية في الأسابيع الأولى من الأزمة. ولم يعد أحد يذكر أن الأوروبييّن هبّوا لمساعدة الصين عندما ظهرت فيها الإصابات الأولى مطلع هذا العام. ومع انتشار الوباء وخروجه عن السيطرة في أوروبا، جنح المشهد الإعلامي إلى تسليط الأضواء على القوة الصينيّة الصاعدة تهبّ لنجدة الديمقراطيات الغربية التي تتسوّل القفازات والكمّامات وتعجز عن احتواء الفيروس.
صحيح أن الأوروبيين لم يستخدموا الأسلوب المباشر والصدامي للرئيس الأمريكي الذي تحدّث طوال أيام عن «الفيروس الصيني» ولم يستبعد نظريّة تسرّبه من أحد المختبرات، مهدداً بعواقب، لكن الرسالة هي ذاتها. ويقول مسؤول أوروبي رفيع: «الردّ الذي ورد على لسان بورّيل كان واضحاً وشديداً على الحملة الدبلوماسية الصينية لتسويق إدارتها للأزمة، واليوم أصبحت الشكوك تحوم على نطاق واسع فوق شفافيّة وصحّة المعلومات التي قدّمتها بكّين بشأن مصدر الفيروس وإدارة الأزمة في مرحلتها الأولى، وأيضاً حول كشفها عن خطورة الوضع في ووهان وإقليم هوباي».
ويذكّر أحد الخبراء في خليّة إدارة أزمة «كوفيد - 19» التي شكّلتها المفوضية الأوروبية، أن وزير الخارجية الفرنسي كان قد استدعى السفير الصيني في باريس بعد نشر الموقع الرسمي للسفارة مجموعة من المقالات التي تتهمّ الحكومات الغربية بسوء إدارة الأزمة وتهاجم وسائل الإعلام الغربية، وأعرب له عن احتجاجه الشديد لتلك الافتراءات. ومن الاتهامات التي وردت في تلك المقالات، التي اعتذرت عنها الصين لاحقاً، أن أفراد الطواقم الصحّية المكلّفة بعناية المرضى في بعض دور العجزة غادروا مواقعهم بين ليلة وضحاها تاركين المسنّين يموتون من الجوع والمرض.
وفي معلومات لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الموضوع الذي تصفه أوساط دبلوماسية بأنه «حسّاس جداً بالنسبة لأوروبا في مثل هذا الظرف»، سيكون على طاولة القمة الأوروبية غداً الخميس، وأن هناك توافقاً مبدئياً على «عدم التصعيد مع بكين، لكن مع التشديد على ضرورة إجراء مراجعة معمّقة وشفّافة لكل ما حصل منذ بداية الأزمة وطرح الأسئلة حول مصدرها، وما إذا كان من الممكن تحاشيها».
ويدرك الأوروبيّون أنهم لا يملكون، على الأقل في هذه المرحلة، أوراق السير في ركاب الموقف الأمريكي تجاه الصين، خاصة أن معظم الدول الأوروبية ستطلّ بعد نهاية الأزمة الصحية على مشهد اقتصادي كارثي قد يمتد لسنوات قبل الخروج منه. وكان رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون عند وصوله إلى داونينغ ستريت قد اختار المحافظة على الشراكة مع الصين لتطوير شبكات الاتصال الجديدة G 5 رغم تحذيرات واشنطن ومعارضة الصقور في حزبه. وقد حافظ الأوروبيون حتى الآن، على دبلوماسية الأسلوب في التعاطي مع هذا الموضوع ولم يوفّروا مناسبة للتنويه بالتعاون مع بكين في مجال تبادل المعدات الصحية والمساعدة على احتواء الوباء ومعالجته.
لكن الانطباع الذي يسود منذ فترة في الأوساط السياسية الأوروبية، هو أن التصعيد مع بكين بات محتوماً بعد أن تحوّلت هذه الأزمة إلى معركة، بأسلحة جديدة، في المواجهة بين القوى العظمى، خاصة أن «بكّين تراهن على شرذمة الاتحاد الأوروبي»، كما قال مؤخراً وزير الخارجية الفرنسي الذي اعتبر أن الصين ترى نفسها جاهزة لدور الزعامة العالمية الجديدة. ودعا الولايات المتحدة إلى القيام بمسؤوليتها والمحافظة على علاقات الثقة مع حلفائها. وتلتزم الحكومتان الإيطالية والإسبانية الصمت الرسمي التام في هذه المواجهة التي يتحرّك الجميع فيها بحذر شديد، خاصة أن الأزمة الصحيّة ما زالت مفتوحة على كل الاحتمالات. لكن وسائل الإعلام في البلدين هي التي تتكفّل بتوجيه أصابع الاتهام يومياً إلى بكين وعدم شفافيتها واستغلالها الأزمة.
ألمانيا من جهتها مستمرّة في حرصها على عدم المواجهة مع الصين، شريكتها التجارية الكبرى، خاصة أنها دخلت منذ فترة في مرحلة ركود وتعتمد على المواد الطبيّة الصينية في معركتها ضد الفيروس. لكن رغم الحرص الشديد الذي تتميّز به المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في تصريحاتها العلنية، غمزت من قناة بكين مؤخراً في مقابلة صحافية عندما قالت إن «شفافية الصين حول نشوء الفيروس من شأنها أن تساعد العالم بأسره على معرفته بشكل أفضل».
الاعتقاد السائد في الأوساط الأوروبية هو أن المواجهة مع الصين لن تتعدّى التصعيد في اللغة الدبلوماسية ولن تذهب بعيداً كما تطالب بعض الجهات المتطرفة. ولا أحد يتوقّع أن تجازف أي دولة أوروبية بعلاقاتها التجارية مع الصين في هذه المرحلة، خاصة أن بلدانا عديدة، وفي طليعتها ألمانيا، تعتمد على الإمدادات الصحّية والطبية الصينية لمواجهة الجائحة.


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».