التقشف يهيمن على عادات الدمشقيين استعداداً لشهر رمضان

امراة عائدة مع طفليها من سوق في دمشق (أ.ب)
امراة عائدة مع طفليها من سوق في دمشق (أ.ب)
TT

التقشف يهيمن على عادات الدمشقيين استعداداً لشهر رمضان

امراة عائدة مع طفليها من سوق في دمشق (أ.ب)
امراة عائدة مع طفليها من سوق في دمشق (أ.ب)

أرخت الحرب السورية مع وباء «كوفيد - 19»، بظلالهما الثقيلة على غالبية الدمشقيين مع قرب قدوم شهر رمضان، وإجبارهم على التخلي عن مزيد من عادات تاريخية لاستقباله، وإلغائهم للمرة الأولى طقوساً طالما التزموا بها. وبات بعضهم يتسوق كميات قليلة وتقشف أو يعودون من الأسواق دون تبضع، فيما ينتظر آخرون عطاءات الجمعيات الخيرة.
ورغم بقاء أيام قليلة على حلول الشهر المبارك، وبعد أن خفت نوعاً ما خلال سنوات الحرب، تغيب حالياً إلى حد كبير تهاني الدمشقيين «الشخصية» لبعضهم بعضاً بهذه المناسبة وكانوا اعتادوا عليها منذ قرون، ذلك بسبب استمرار العمل بالإجراءات الوقائية التي اتخذتها الحكومة لمواجهة تفشي «كوفيد - 19»، من إرشادات بعدم التجمع والتقليل من الاختلاط مع الأخرين وإيقاف الدوام في معظم المؤسسات والدوائر وإغلاق المعامل والورشات والمطاعم والمقاهي.
«أبو يونس»، وهو رجل في العقد السابع من العمر، يتذكر بحسرة: «أيام زمان عندما كان حديث رمضان الشغل الشاغل للناس قبل شهر من قدومه وتسابقهم للمباركة لبعضهم بعضاً بالشهر الفضيل، حيث تلتم الناس عند بعضها بعضاً بهذه المناسبة قبل أسبوعين وحتى ثلاثة من قدومه، بينما تجتمع أفراد العائلات والأقارب على موائد الإفطار خلاله»، ويصف لـ«الشرق الأوسط»: «الحال التي وصل إليها الناس هذه الأيام بأنها (تدمي القلب)». ويقول: «أولادنا بعضهم هجرتهم الحرب إلى بلاد الغربة، وبعضهم بجانبنا وأصبحنا لا نستطيع الذهاب إليهم، والجيران في نفس البناء نراهم ولا نستطيع مصافحتهم»، ويضيف: «قد تكون هذه العادات تراجعت خلال سنوات الحرب بسبب انشغال الناس بهمومها المعيشية وغير ذلك، لكن أن تنعدم بهذا الشكل ويقتصر الأمر على التليفون والواتساب فهذا حتماً غضب رباني».
العجوز يعرب عن أسفه الشديد لتراجع البهجة بقدوم شهر الصيام تدريجياً عاماً بعد عام. ويضيف: «الحرب و(كورونا) سرقا رمضان منا، ولم يبقَ لنا منه سوى الامتناع عن الطعام، وهي مسألة تعوّد كثير من السوريين عليها طيلة أشهر السنة بسبب الفقر، ولا نملك إلا الدعاء والتضرع إلى من أجل أن يرفع الله البلاء عنا ويفرج الضيق الذي نحن فيه».

حركة خجولة
ومع موجة الغلاء الجديدة وغير المسبوقة التي تسببت بها الإجراءات الوقائية لمواجهة تفشي «كوفيد - 19»، والتراجع الجديد لسعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي، تفتح المحال التجارية أبوابها وحركة المارة طبيعية، لكن يلاحظ في الوقت نفسه تراجع الإقبال من قبل المواطنين على الشراء عما كان عليه في موسم رمضان العام الماضي، بسبب تزايد تردي قوتهم الشرائية، بينما تظهر استعدادات خجولة لأصحاب المحال وشكاويهم من قلة تصريف البضائع.
«أبو يونس» الذي جاء إلى محله في سوق للخضراوات والمواد الغذائية وسط دمشق، وهو يقود دراجة نارية، كان لافتاً أنه يضع على مقعدها الخلفي كيسين كبيرين أحدها سكر والآخر برغل فقط!.
ومع جلوسه خلف طاولة البيع وإظهاره ابتسامات خفيفة، في وجوه ثلاث أو أربع زبائن، وجدوا أمامه، عادت حالة الضجر لتسيطر على «أبو يونس»، مع طلب أحد الزبائن إعطاءه «أوقية (200 غرام) سمنة»!، وآخر «نصف كيلو غرام سكر»!، ويقول لـ«الشرق الأوسط» بكلمات ساخرة وتنهيدة طويلة في تعليقه على حركة السوق مع اقتراب قدوم الشهر المبارك: «هذه هي أحوالنا كما ترى «أوقية» سمنة، ونصف كيلو سكر، رغم أن رمضان على الأبواب!».

أيام زمان
وفي سنوات ما قبل، اعتادت غالبية «أهل الشام»، على التحضير لاستقبال رمضان، عبر تسوق كميات كبيرة من المواد الغذائية والخضراوات والعصائر من أسواق كثيرة في دمشق كان يحرص أصحاب محالها على جلب كميات كبيرة من البضائع وعرض أصناف كثيرة منها على واجهاتها وبداخلها في شكل مكثف وطريقة مميزة لجذب متسوقين تكتظ بهم تلك الأسواق في شكل لافت إلى درجة إيقاف حركة المركبات الآلية.
لكن خلال سنوات الحرب، ارتفعت الأسعار في عموم المناطق السورية بشكل تصاعدي ووصلت إلى أكثر من 25 ضعفاً، مع تراجع سعر صرف الليرة أمام الدولار الأميركي إلى أكثر من 1200 ليرة، بعد أن كان ما بين 45 - 50 ليرة قبل الحرب، على حين بقيت مرتبات الموظفين على حالها التي كانت عليها قبل عام 2011 (الراتب الشهري لموظف الدرجة الأولى نحو 50 ألف ليرة)؛ الأمر الذي ضيّق سبل العيش على الغالبية العظمى من الناس، وبات 87 في المائة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، بحسب أرقام البنك الدولي.
وما فاقم أكثر من تردي الوضع المعيشي للناس، الإجراءات الوقائية لمواجهة تفشي «كوفيد - 19»، وترافقها مع ارتفاع جديد للدولار ووصوله إلى أكثر من 1250. واستغلال كبار التجار للوضع عبر احتكارهم لمواد غذائية أساسية ورفع أسعارها ضعفين أو أكثر مما كانت عليه قبل تلك الإجراءات، إذ يصل سعر لتر الزيت النباتي حالياً إلى 1600 ليرة، وكيلو الرز الوسط أكثر من 850 ليرة، بينما حلق كيلو الفروج المذبوح إلى أكثر من 2000 ليرة.

التالف هو الخيار
في أسواق الخضراوات والفاكهة تبدو معظم الأصناف متوفرة، وتبدو معها الأسعار في ذروة الاشتعال، إذ يبلغ سعر كيلو البندورة من الصنف الجيد 800 ليرة والفاصوليا الخضراء ما بين 1000 – 1200 بينما حلق الليمون الحامض إلى أكثر من 2000، على حين كان الفول الأخضر بسعر 350 وكذلك الكوسا بنحو 300.
مع ذلك المشهد المتعالي للأسعار، لوحظ أن أنظار معظم المتسوقين وأسئلتهم تتجه إلى الأصناف الوسط والرديئة، التي يضعها الباعة جانباً ويعرضون عليها أسعار منخفضة لبيعها بسرعة قبل أن تتلف.
«سعاد» ورغم التحذيرات من عدم السير في الأماكن المزدحمة تجنباً للعدوى بالفيروس، تروي لـ«الشرق الأوسط» أثناء وجودها في السوق، أنها تجوب كامل سوق الخضراوات أكثر من مرة عند قدومها إليه، على أمل أن تحظى ببعض الأنواع بأسعار منخفضة وإن كانت من نوعيات «سيئة».
وتبدي السيدة كثيراً من الاستغراب لدى سؤالها عن التحضير لشهر رمضان، وتقول: «الناس نسيت التحضير لشهر رمضان، همها حالياً تأمين طبخة اليوم فقط، وقد لا تؤمن». وتوضح «سعاد»، أن بعض الناس أصبحوا «يشترون بالحبة، وميسورو الحال قليلاً باتوا يتقشفون. وكثيرون يعودون من السوق من دون أن يشتروا شيئاً ويقضون نهارهم على النواشف»، بينما تزايد مشهد الناس الذين يجمعون الخضراوات التالفة عن الأرض والموجودة حول البساطات أو في صناديق القمامة التي خصصها لهذا الغرض أصحاب المحال والبساطات.

ملاذ الجمعيات
وفي ظل انقطاع مصدر رزق الكثير من الأسر جراء توقف عمل معيلها، وترافق ذلك مع قرب قدوم شهر الصوم، الذي يتطلب مصاريف تفوق مرتين أو ثلاثة مصاريف الشهر العادي، كثر الاستفسار من قبل الرجال أو النساء في معظم الأحياء خلال أحاديثهم عن الجمعيات الخيرية التي يمكن أن تقدم لها معونات وسبل تسجيلهم بها، وسط تراجع كبير في العمل الخيري في معظم المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، وامتناع كبار التجار إلى حد كبير عن المبادرة في هذا المجال، رغم كثافة الدعوات الرسمية والشعبية لهم.
وإن كانت الصورة السابقة هي الطاغية على أغلب المشهد لما آلت إليه أحوال الدمشقيين مع قرب قدوم شهر رمضان، فإن الأمر لا يخلو من وجود عائلات ميسورة تعمل على التحضير لاستقباله، فـ«أم مروان» التي اعتادت في السنوات الماضية خلال شهر رمضان، القيام لوحدها بإعداد طبختين وأطباق متنوعة من المقبلات في اليوم بينما كان زوجها يصل إلى المنزل في لحظة إطلاق مدفع الإفطار، تهجس في هذا الموسم في كيفية القيام بذلك مع وجود زوجها في المنزل بسبب الحجر الذي فرضه «كورونا» وتقول: «واضح أن الأمور لن تمر على ما يرام، لأنه سيتدخل في كل طبخة وطبق كما يجري في أيام العطل الرسمية».



تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.


الأردن: نتعامل مع الأحداث الإقليمية بكل كفاءة

المومني متحدثاً خلال إيجاز صحافي في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات
المومني متحدثاً خلال إيجاز صحافي في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات
TT

الأردن: نتعامل مع الأحداث الإقليمية بكل كفاءة

المومني متحدثاً خلال إيجاز صحافي في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات
المومني متحدثاً خلال إيجاز صحافي في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات

أعلن وزير الاتصال الحكومي الناطق الرسمي باسم الحكومة محمد المومني، اليوم السبت، أن الأردن يتعامل مع الأحداث الإقليمية بكل كفاءة واقتدار، بفضل المؤسسية العالية، واحترافية الأجهزة الأمنية والعسكرية وفي ظل القيادة الحكيمة والقرار الشجاع الذي يتم بشكل مستمر.

وقال المومني خلال إيجاز صحافي في المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات: «هدفنا الاستراتيجي الأول في التعامل مع الأحداث الراهنة هو الحفاظ على الأمن الوطني الأردني من أي تهديد أو هجوم قد يأتي ويحاول النيل من الأمن والاستقرار الأردني، وهذا الهدف الاستراتيجي الأول الذي تقوم به بشكل كبير القوات المسلحة والدفاعات الجوية والسلاح الجوي».

أما الهدف الاستراتيجي الثاني، وفق المومني، فهو «تقليل تداعيات هذه الأزمة على الأردن والمواطنين والاقتصاد الوطني، للتأكد من القيام بالإجراءات الضرورية لتقليل تداعيات الأزمة واستمرار عجلة الحياة بالدوران، حتى يتمكن المواطنون والشركات من القيام بأدوارهم على أكمل وجه، وهذا ما تسعى إليه الدول للحفاظ على أمنها واستقرارها ولهذا السبب وُجدت الدول والجيوش».

وأشار إلى أن هناك تقارير يومية متتابعة تُرفع إلى رئيس الوزراء حول واقع الحال وآليات تعامل القطاعات مع التحديات والقرارات المطلوب اتخاذها، ويقدمها بدوره ضمن نسق مستمر إلى العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني الذي يوجه بضرورة اتخاذ الإجراءات اللازمة للتأكد من حماية الأمن الوطني الأردني والتأكد من تقليل تداعيات الأزمة على المواطن الأردني.

وأشار المومني إلى أن الوزارات والقطاعات المختلفة فعّلت خططها المعدّة مسبقاً بالتنسيق مع المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات وتعمل بتكامل وفاعلية في مواجهة الظروف الإقليمية بما يضمن الاستجابة الفعالة.

وأوضح أن من القرارات التي اتخذتها الحكومة بهذا الشأن دعم المؤسسة المدنية الاستهلاكية والعسكرية، وإيقاف حصرية ميناء العقبة من الاستيراد، وإعفاء أسعار الحاويات من الضرائب، وهذه أمثلة على القرارات التي اتخذتها الحكومة للتأكد من تمكين القطاعات.

وشدّد على أن سلاسل التوريد تعمل بانتظام واستدامة، وأن السلع الأساسية متوفرة، والمحروقات تتدفق بشكل مستمر، لافتاً إلى أن هناك 267 سفينة وصلت إلى ميناء العقبة الشهر الماضي.

وقال المومني إن الاقتصاد الأردني أظهر منعة ومرونة في التعامل مع هذه الأحداث بفضل التخطيط المسبق والمؤسسية العالية إلى جانب دور القطاع الخاص الذي أثبت قدرة كبيرة على التكيف والتعامل مع التحديات، مشيراً إلى أنه تم الإعلان عن إجراءات ترشيد تتكامل مع جهود تمكين القطاعات وتعزيز استدامة الخدمات.

وجدد المومني التأكيد على ضرورة استقاء المعلومات من مصادرها الرسمية ومن الإعلام المهني المسؤول والحذر من حجم التضليل والأخبار الزائفة التي تزداد في مثل هذه الظروف.