فكري غيبريسوس يرحل تاركاً 700 لوحة

الشيف المبدع مزج ذكريات طفولته في إريتريا مع حياته بالولايات المتحدة

لوحة «جنازة صائد السردين»
لوحة «جنازة صائد السردين»
TT

فكري غيبريسوس يرحل تاركاً 700 لوحة

لوحة «جنازة صائد السردين»
لوحة «جنازة صائد السردين»

خلق الشيف فكري غيبريسوس مساحة خيالية خاصة به، عبر مزج ذكريات الطفولة في شرق أفريقيا مع حياته اليومية كزوج وأب في نيو هيفين بولاية كونيتيكت. ولقد أوجد هذا العالم متعدد الطبقات داخل الاستوديو الخاص به؛ حيث ترك، إثر وفاته المفاجئة عند بلوغه خمسين عاماً في عام 2012، أكثر من 700 لوحة ومئات من الأعمال الفنية الأخرى التي لم تفارق الأوراق بعد. كما أنه مارس سحراً مماثلاً في مقهى «كافيه أدوليوس» الشهير؛ حيث كان يتكسب رزقه من طهي الوصفات الهجينة المستمدة من تراث الطهي الشعبي في بلاده الأصلية في إريتريا وإثيوبيا المجاورة.
إذا حاول أحد رواد مقهى «كافيه أدوليوس»، بطريق المصادفة، الذهاب إلى العاصمة الإريترية أسمرة، وسعى للحصول على طبق معروف من قوائم الطعام المحلية، فسيصاب بخيبة أمل حقيقية. تقول أرملة السيد غيبريسوس، وهي الشاعرة المعروفة إليزابيث ألكسندر، ورئيسة مؤسسة «أندرو ميلون»: «يطلب الناس القريدس في إريتريا، وهو غير متوفر هناك. وكان من الأمور الرائعة بحق فكري كشيف بارع، أنه كان يمارس الفن بجانب الطهي. إنه مثل الولوج إلى عالم خيالي من اللوحات. فهناك ما يتذكره وهناك ما يبدعه بنفسه».
ولم يحاول غيبريسوس عرض لوحاته علناً أبداً. وعن ذلك قالت أرملته: «اختلفتُ معه بشأن هذا الأمر، وأرى الآن أنه أراد مواصلة العمل فقط. وكان يعتقد أن الانتصار للذات لا مبرر له»، ولكنها تعتقد أنه سيكون مسروراً للغاية؛ لأن معرض «غاليري ليلونغ» في تشيلسي يعرض لوحاته الآن.
وكان من المقرر افتتاح معرض «البوابة الزرقاء»، وهو أول معرض له في نيويورك، في أواخر شهر أبريل (نيسان) الجاري. وعلى الرغم من تأجيل الافتتاح الفعلي حتى سبتمبر (أيلول) المقبل، فقد نشر المعرض صور بعض اللوحات الفنية على موقعه الإلكتروني.
وأحد أسباب اختيار السيد غيبريسوس عدم الترويج لأعماله الفنية في حياته، هو أنه فقد كثيراً من الوقت بالفعل. وقالت ألكسندر: «لقد عانى كثيراً، ومر به كثير من الأوقات العصيبة».
ولد غيبريسوس لأسرة قبطية في أسمرة، وتلقى تعليمه الأول في المدارس الكاثوليكية. وكانت نشأته في البلاد التي مزقتها الصراعات مع بداية حرب استقلال إريتريا عن إثيوبيا التي استمرت 30 سنة كاملة. وعندما التقى مع ألكسندر في نيو هيفين عام 1996، تشاركا في إعجابهما المشترك بكتاب «مذكرات آن فرانك». وتتذكر قائلة: «فهمنا الكتاب من زوايا مختلفة».
غادر غيبريسوس بلاده إريتريا في سن الـ16، في رحلة شاقة استمرت ثلاث سنوات كاملة، سافر خلالها إلى السودان، وإيطاليا، وألمانيا، قبل أن يستقر أخيراً في الولايات المتحدة الأميركية. ووجد مستقره في نيو هيفين بولاية كونيتيكت؛ حيث افتتح رفقة شقيقه مقهى «كافيه أدوليوس» في عام 1992. وفي عام 2000 جرى قبول التحاقه بكلية «ييل» للفنون. قالت باميلا فرانكس، مؤرخة الفنون التي تعرفت عليه في جامعة «ييل»، وهي مديرة متحف «ويليامز كوليدج» للفنون حالياً: «كان متميزاً للغاية من حيث تكريس حياته واهتماماته بالرسم. كان يواصل الرسم طول الوقت بلا انقطاع».
وعلى غرار غيره من اللاجئين، حمل معه خسارته وآلامه، بما في ذلك الانفصال عن عائلته، وآلام المعاناة التي كانت تصل إليه عن أحوال بلاده. وكانت أعماله المبكرة تضم كثيراً من المشاهد الليلية القاتمة مع مصدر وحيد للإضاءة، مثل المصابيح الأمامية للشاحنات أو نيران المخيمات البعيدة.
قال كاساهو شيكول، ناشر الدوريات الثقافية والأدبية المعنونة «أفريكا وورلد برس» و«ريد سي برس» من ولاية نيوجيرسي: «كل ما لاحظته في أغلب الفنون الإريترية التي تابعتها هو وجود عنصر الظلام اللازم فيها». ولقد تقابل شيكول مع غيبريسوس في نيويورك، وعملا سوياً على الأنشطة السياسية الرامية إلى إغاثة الحرب الإريترية. وفي ذلك قال شيكول: «ينعكس الاكتئاب الذي يعشش في صدور المنفيين أمثالنا على أعمالنا الفنية. ومع غيبريسوس، تحول الأمر جذرياً عندما التقى مع إليزابيث وانتقلا إلى كونيتيكت، وأنجبا الأطفال، إذ أصبحت أعماله الفنية أكثر إشراقاً وأملاً».
وفي واقع الأمر، ازدهرت موهبة غيبريسوس الفنية انطلاقاً من زواجه بإليزابيث في عام 1997، وإنجاب الطفلين سولومون وسيمون، وكلاهما طالبان جامعيان في جامعة «ييل».
وبالنسبة إلى الطهي، كانت مصادره فيه انتقائية تماماً، مثل الرسم والفنون. وكانت نقوش رقعة الشطرنج التي أدخلها في عديد من لوحاته تحمل رمزيات للسلال والتطريز التي نشأ عليها في شبابه. وكانت الألوان الوردية والبرتقالية تنبثق من ألوان منازل الجص المطلية في أسمرة، وهي المدينة التي احتلها الإيطاليون في عشرينات القرن الماضي، وأصبحت معلماً من معالم الحداثة الاستعمارية الهجينة، كمثل أعمال غيبريسوس الفنية.
وكانت الألوان الحمراء والزرقاء المشبعة في لوحات الفنانين الغربيين التي أحبها، ولا سيما ماتيس. ومن كُنيس غيوتو سكورفيني الذي شاهده في بادوفا الإيطالية، إلى اللوحات الحداثية، والمنحوتات الأفريقية التي درسها خلال زياراته المتكررة إلى معرض الفنون في جامعة «ييل»، استوعب غيبريسوس كل ما تعرض له من أعمال فنية مختلفة. كما كان شغوفاً بالموسيقى بصورة انتقائية واضحة. وقال صديقه الموسيقار جايسون موران: «كان يجمع قائمة من الأعمال الموسيقية التي تضم أعمالاً كنا نعرفها وأخرى لا نعرف عنها شيئاً، من أعمال نينا سيمون وموسيقى الجاز الإثيوبية المختلطة».
حصر التحفظ سمعة غيبريسوس ضمن دائرة ضيقة من أصدقائه المخلصين، حتى وفاته المفاجئة للجميع. وكان يشكو من شعور بالإعياء بعد يومين من عيد ميلاده الخمسين، وواصل رغم ذلك العمل والتمرين. ولم يعترف أحد بخطورة حالته الصحية إلا بعد فوات الأوان. ولقد عثر عليه نجله الأصغر مستلقياً على الأرض بسبب إصابته بقصور حاد في القلب.
وبعد مرور ثلاث سنوات، وبعد محاولة التأقلم مع الأحزان الشديدة والانتقال بالعائلة إلى نيويورك، كتبت ألكسندر مقالاً في مجلة «نيويوركر» وُسع فيما بعد عام 2016، ضمن أفضل المذكرات مبيعاً تحت عنوان «نور العالم»، الأمر الذي جعل من اسم غيبريسوس أكثر شهرة عن ذي قبل. ومع ذلك، كانت أعماله الفنية في انتظار الجمهور.
وأعقب المعرض الذي افتتح بعد وفاته في نيو هيفين بمعرض آخر في متحف الشتات الأفريقي في سان فرنسيسكو، في عام 2018. وبعد عرض الأعمال في جناحه بمعرض رابطة هواة الفنون الأميركية في الشهر الماضي، يقدم «غاليري ليلونغ» مجموعة مختارة من الأعمال التي تتناول رحلات السيد غيبريسوس غير المستقرة بين مختلف العوالم.
وكان محور المعرض لوحة ضخمة بمقاس 16 قدماً في 8 أقدام، على نسيج غير مشدود، تحت عنوان «جنازة صائد السردين». وكانت تصور صفاً من الملائكة في الأعلى يطلون بأبصارهم على حفنة من الأنشطة البشرية، وفي وسط اللوحة هناك سمكة عملاقة على خلفية زرقاء داكنة. ولكن ما الذي تفعله هاتان المظلتان في تلك اللوحة؟ ربما كانت أشكالهما الجميلة هي سبب وجودهما في اللوحة ليس إلا.
قالت الفنانة الأميركية إثيوبية الأصل جولي ميهريتو، عن أعمال السيد غيبريسوس: «إنني لا أعتبر أعماله من قبيل السيرة الذاتية؛ بل إنها لوحات تجريبية، وتمثل استكشافات عبر الألوان».
ومن واقع اللوحات اللاحقة، تمكن من خلق عالم مستقل، من خلال لوحات الصور المسطحة التي كانت فيها الأجسام مثل الأسماك، والأشجار، والأنماط الهندسية تتدافع بعضها في مواجهة بعض، في انطلاقة حرة وطليقة.
وقالت الفنانة جولي ميهريتو: «مع كثير من الفنانين القادمين من القارة الأفريقية، تُقرأ أعمالهم على اعتبارها تاريخاً من الماضي والزمن. وإنني لا أستشعر هذه التجربة بهذه الطريقة، فإنها غير مرتبطة بشخصيته أو هويته. وهناك احتمال أنه من خيالات الفنان الحالم. وهذا من الأمور المثيرة للاهتمام بالنسبة لي، أنه غير مقيد بنفسه في أعماله الفنية المختلفة».
- خدمة «نيويورك تايمز»



لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
TT

لماذا يتعافى البعض أسرع من غيرهم؟ السر في «معتقداتك عن العالم»

«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)
«المعتقدات الأساسية عن العالم» تحدد طريقة استجابتك للشدائد (بكسلز)

تشير دراسة نفسية حديثة إلى أن طريقة استجابتنا للصدمات والأحداث القاسية لا تعتمد فقط على حجم التجربة نفسها، بل على المعتقدات الأساسية التي نحملها عن العالم مسبقاً. وتكشف النتائج عن أن الإيمان بأن العالم قابل للتحسين، وعادل، ويميل بطبيعته إلى التجدد قد يرتبط بانخفاض مستويات القلق والاكتئاب عند مواجهة المرض أو العنف أو الخسارة، مما يسلّط الضوء على دور «المعتقدات الجوهرية» في تعزيز الصمود النفسي.

وفق تقرير نشره موقع «سايكولوجي توداي»، فإن علماء النفس لطالما ناقشوا أسباب هذه الفروق في التعامل مع الشدائد. ومن بين التفسيرات المطروحة ما تُعرف بـ«المعتقدات الأساسية عن العالم».

وتشير «المعتقدات الأساسية عن العالم» إلى التوقعات العميقة والعامة حول طبيعة العالم. وهي تشمل معتقدات مثل ما إذا كان العالم آمناً أم خطِراً، جميلاً أم قبيحاً، إضافةً إلى تصورات أخرى كثيرة.

ويميل كثيرون إلى افتراض أن المعتقدات السلبية عن العالم تنشأ نتيجة المرور بتجارب قاسية. بل إن نظرية نفسية كلاسيكية ظهرت في ثمانينات القرن الماضي تفترض أن الصدمات تُحطم المعتقدات الإيجابية عن العالم، وهو ما قد يزيد من القلق والاكتئاب.

غير أن مجموعة متزايدة من الأبحاث، بما في ذلك دراسة حديثة، تشير إلى احتمال مختلف: ربما لا تكون الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً، بل إن المعتقدات التي نحملها مسبقاً هي التي تحدد طريقة استجابتنا.

خلال السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام الباحثين بفكرة أن هذه المعتقدات تعمل كمرشّحات نفسية تُشكل تفسيرنا للأحداث. فقد أظهرت دراسات سابقة أن الأشخاص الذين يرون العالم مكاناً خطِراً يبالغون في تقدير احتمال وقوع تهديدات كبرى، مقارنةً بمن يرونه آمناً. كما بيّنت دراسة أخرى أن من ينظرون إلى العالم نظرة أكثر سلبية، حتى ليوم واحد، يميلون إلى تفسير تصرفات شركائهم العاطفيين على أنها أقل دفئاً وكفاءة وأخلاقية.

لاختبار ما إذا كانت المعتقدات السابقة تُشكل الاستجابة للأحداث الصعبة -أم أن الأحداث الصعبة هي التي تُغير هذه المعتقدات- أُجريت دراستان تناولتا نوعين مختلفين جداً من الشدائد.

الأحداث القاسية هي التي تُشكل معتقداتنا الأساسية لاحقاً (بكسلز)

في الدراسة الأولى:

شمل الاستطلاع 551 شخصاً يواجهون تحديات صحية كبيرة (مرضى سرطان، وناجون من السرطان، وأشخاص يعيشون مع التليف الكيسي)، وقورِنوا بـ501 شخص يتمتعون بصحة جيدة. وقدم المشاركون تقارير عن مستويات القلق والاكتئاب لديهم، إضافةً إلى معتقداتهم الأساسية عن العالم.

أما الدراسة الثانية:

فتناولت طلاباً في جامعة فيرجينيا الأميركية كانوا يشاركون في دراسة أخرى عندما وقع إطلاق نار داخل الحرم الجامعي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، مما أدى إلى مقتل ثلاثة طلاب وإصابة آخرين، وتعليق الدراسة لفترة. وتم تحليل إجابات الطلاب الذين كانوا يقيمون في الحرم الجامعي قبل الحادثة وبعدها.

النتيجة الأولى: المعتقدات الأساسية بالكاد تغيّرت

من أبرز النتائج أن معتقدات الطلاب عن العالم بقيت مستقرة إلى حد كبير، حتى بعد حادثة إطلاق النار. وبالمثل، لم تختلف معتقدات المصابين بالتليف الكيسي عن مجموعة الأصحاء. أما الأشخاص الذين كانوا يعانون من سرطان نشط فقد أبدوا معتقدات أكثر سلبية قليلاً، لكن هذه التغيرات لم تستمر لدى من دخلوا مرحلة التعافي.

تشير هذه النتائج إلى أن الأثر العاطفي للشدائد لا يبدو معتمداً على تغيّر المعتقدات الأساسية عن العالم.

النتيجة الثانية: المعتقدات السابقة تنبأت بمستوى الضيق النفسي

في كلتا الدراستين، ارتبطت المعتقدات الأساسية التي يحملها الأفراد مسبقاً ارتباطاً قوياً بمقدار الضيق الذي شعروا به. ولم يكن الأمر متعلقاً فقط بالإيمان العام بأن العالم «جيد» أو «سيئ»، بل كان أكثر تحديداً.

برزت ثلاثة معتقدات في الدراسة الأولى على وجه الخصوص:

- أن العالم قابل للتحسين (أي يمكن تغييره بجهود الإنسان).

- أن العالم عادل (أي إن الجزاء من جنس العمل).

- أن العالم يميل بطبيعته إلى التجدد والشفاء، لا إلى التدهور والانحلال.

الأشخاص الذين تبنّوا هذه المعتقدات الثلاثة أظهروا مستويات أقل بكثير من القلق والاكتئاب عند مواجهة مرض خطير، مقارنةً بمعتقدات أخرى مثل كون العالم آمناً أو جميلاً أو ذا معنى.

بل إن بعضهم لم يبدُ أكثر ضيقاً من أشخاص لم يمروا بمرض أصلاً.

وفي دراسة الحرم الجامعي، لم تتوافر بيانات عن جميع هذه المعتقدات، لكن الاعتقاد بأن العالم آمن برز بوصفه عاملاً حاسماً. فالطلاب الذين كانت ثقتهم بأمان العالم منخفضة أظهروا ارتفاعاً واضحاً في مستويات التوتر بعد الحادثة، فيما لم يُسجل من يؤمنون بأن العالم آمن تغيّراً يُذكر في مستويات الضيق.

في البداية، افترض الباحثون أن التفاؤل العام قد يفسر النتائج، لكن تبين أن التأثير الوقائي كان أكثر تحديداً من مجرد نظرة متفائلة عامة.

لماذا هذه المعتقدات تحديداً؟

اقترحت الدراسة أن هناك ثلاث طرق محتملة لتحسين الوضع عند وقوع حدث مدمر:

- أن يقوم الشخص نفسه أو غيره بإصلاح الوضع (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى قابلاً للتحسين).

- أن تتدخل قوة عليا أو عدالة كونية (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى عادلاً).

- أن يتحسن الوضع طبيعياً بمرور الوقت (وهو تصور أسهل إذا كان العالم يُرى ميالاً إلى التجدد).

هل يمكن تغيير هذه المعتقدات؟

رغم أن المعتقدات الأساسية لا تتغير كثيراً في الحياة اليومية، تشير الأبحاث إلى أنها قد تتبدل في ظروف معينة، مثل التدخلات العلاجية النفسية. ويطرح ذلك احتمال أن تنمية بعض هذه المعتقدات قد تعزز الصمود النفسي، إلا أن هذه الفرضية تحتاج إلى مزيد من البحث.

بالنتيجة، المرض والخوف والخسارة والصدمات المفاجئة جزء من الحياة. وتشير النتائج إلى طريقة جديدة للاستعداد لها: النظر إلى العالم على أنه قابل للتحسين، وعادل، وميال بطبيعته إلى التجدد.


مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
TT

مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)

وسط توتر مستمر بين القاهرة وتل أبيب، أثار مسلسل «صحاب الأرض» الذي يُعرض على بعض القنوات المصرية خلال شهر رمضان، غضباً في إسرائيل.

ويرصد «صحاب الأرض» المعاناة الإنسانية التي عاشها الشعب الفلسطيني تحت الحصار، في ظل الحرب على قطاع غزة في أعقاب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ويتناول قصص شخصيات تعيش تحت وطأة القصف والدمار.

وبينما أشارت «هيئة البث الإسرائيلية» إلى أن «المسلسل يتناول الحرب في غزة بأسلوب يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية»، عدّت «القناة 12» الإسرائيلية أن إنتاج «صحاب الأرض» وبثه على القنوات المصرية «يُنظر إليهما في إسرائيل على أنهما خطوة سياسية مدروسة».


حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».