متعة سردية يقطعها تشتت الأحداث

«القطار... إلى منزل هانا» للروائي العراقي الراحل سعد محمد رحيم

سعد محمد رحيم
سعد محمد رحيم
TT

متعة سردية يقطعها تشتت الأحداث

سعد محمد رحيم
سعد محمد رحيم

هذه الأيام وبسبب العزلة والحجر الإجباري، خوفاً من مصافحة الضيف الثقيل «فيروس كورونا» رحت أراجع مكتبتي، لأقتطف الثمار التي نضجت، ولم تؤكل بعد، فوقفت مع عددٍ لا بأس به من الكتب؛ دواوين شعر، وكتب نقدية، قرأتُ منها مباحث، وفصولاً، لم أستطع إكمالها، وبحوث أكاديمية كنتُ مجبراً على إكمالها وعلى مضض، وروايات أيضاً، ومن بين كل تلك الأجناس فإن الرواية هي العمل الأدبي الوحيد الذي لا تستطيع الانفكاك منه، إلّا أنْ تكمله، وأقصد الروايات الشيِّقة طبعاً، وواحدة من تلك الروايات هي للروائي الراحل سعد محمد رحيم (1957 - 2018)، واسمها «القطار... إلى منزل هانا». ودائماً حين يرحل منّا أديبٌ وصديقٌ نشعرُ بالمرارة والحزن، ونؤكد بيننا وبين أنفسنا أنَّنا يجب أنْ نُعيد نتاج هذا الأديب بالقراءة والتأمل، ربما في جزء منها بعضُ وفاءٍ، نشعر به، وفي جزءٍ آخر هو هيبة الموت التي يتركها على أرواحنا، بحيث نشعر لحظتها بالفارق الزمني والإبداعي الذي خلَّفه ورحل هذا الأديب أو ذاك. أعود إلى قطار سعد محمد رحيم، وهي رواية لا تستطيع الفكاك من أسرها، لطريقة السرد التي حبكت العمل، وللغة الواضحة والغامضة في الوقت نفسه، وللتداخل الزمني الموجود، ولتداخل اليوميات التي تقترب من دفتر المذكرات اليومي الشيق الذي يسجل التفاصيل اليومية بكل طفولة ودهشة، ولمشاهد الحب في بعض مفاصلها، ولكنْ قطعاً كل عملٍ سيواجَه بوجهات نظر مختلفة وبعضها متقاطع.
«القطار... إلى منزل هانا» باعتقادي هي رواية حب، وليس كما وصفها الناقد فاضل ثامر في مقدمة الرواية التي طبعها اتحاد الأدباء والكتاب في العراق 2018 بعد وفاة رحيم بسنة، بأنَّها رواية «بوليسية» وتقترب من أجواء أغاثا كريستي، والناقد فاضل ثامر يقارب هذه الفكرة من خلال إشارات الرواية نفسها، ذلك أن أم «هانا» سيدة اسمها «جاكلين» جاءت مع زوجها «ديفيد» عالم الآثار البريطاني، وتكتب روايات بوليسية، وهذه المقاربة صحيحة لأن أغاثا كريستي روائية بوليسية، وسكنت في العراق مع زوجها عالم الآثار البريطاني في بدايات القرن الماضي، في الموصل، إلى هذا الحد فإنَّ المقاربة صحيحة، ولكننا نختلف في توصيف فاضل ثامر بأنها رواية بوليسية، ذلك أنَّنا لم نخرج بمشهد بوليسي واحد، في الرواية كلها، ربَّما تخللها بعض اللقطات التي تقترب من أجواء التحقيقات، ولكنها بقيت مشاهد مبتورة، وغير ملتحمة مع عمل الرواية بشكل عام، وسنأتي لبعض هذه التفاصيل.
تدور أحداث الرواية بين مكانين مختلفين، وزمانين مختلفين، فالمكان الأول هو الحُنينة موقع أثري في العراق عام 1967 والمكان الثاني هو لندن 2005، وبطل الرواية هو عالم آثار عراقي اسمه «رمزي عبد الصمد» من الموصل، ودرس في لندن تحت يد أحد علماء الآثار واسمه «ديفيد»، و«ديفيد» مع زوجته «جاكلين» أقاما في موقع «الحنينة» الأثري في 1967 ومعهم الشاب «رمزي» للتنقيب في ذلك الموقع، لدى «ديفيد» بنت اسمها «هانا» لها صديق اسمه «سام» عادا من الهند، وهما متخاصمان، و«هانا» شابة جميلة، يستغرق الروائي بوصفها والهيام بها، وبعد أنْ اختلفت مع حبيبها «سام» ذهبتْ مع «رمزي» الشاب المنقِّب عن الآثار مع أبيها في نفس اليوم. وفي اليوم الثاني هاجرت «هانا» إلى لندن، ولم يرها إلَّا في عام 2005. هذا يعني أنَّ الزمن الروائي اختصر لنا الكثير من التفاصيل خلال هذه الفترة، التي تزوَّج فيها «رمزي» من إحدى المعلمات، وأنجب بنتاً وولداً، وبعدها بسنوات تعرضت زوجته لمرض السرطان، وماتت على أثره، وبسبب الحرب الأهلية في العراق، غادر «رمزي» بعد أنْ أُحيل على التقاعد إلى لندن، هو وابنته الطبيبة رحاب، وولده نزار.
سكن في شقة في ضواحي لندن، بعدها بدأ جولته الجديدة، وهي البحث عن «هانا» طبعاً في هذه المدة توفي البروفسور «ديفيد»، والد «هانا»، مع زوجته «جاكلين» كاتبة الروايات البوليسية أيضاً، وبقيت «هانا» وحدها، وبسنواتها التي تشارف الستين عاماً، إلى أنْ استدل عليها «رمزي» ووصل بيتها، وجلس معها، وبدأ يحاول أنْ يذكّرها بنفسه التي نسيته كما تشير الرواية، إلى أنْ تذكّرته، كأنَّه خيطٌ ذابلٌ من الماضي، وبقيا على صداقة قوية، وعاشا لحظات حب، وهما في شيخوختهما، كأنهما يتشبهان برواية «الحب في زمن الكوليرا» حيث لم يحظَ العاشق الشاب بحبيبته، إلَّا بعد بلوغه الخامسة والسبعين، ويأخذها في قارب تجاري، رافعاً فيه علم الإصابة بالكوليرا، دون أْنْ يعترضهما أي شخصٍ في لحظات حب مجنونة.
هكذا بقي «رمزي» مع «هانا» ولكنه لم يحظَ بالحميمية معها إلَّا مرة واحدة، فقد تعرضت مباشرة لوعكة صحية شديدة اكتشفت فيما بعد أنها مصابة بنفس المرض الذي أصاب أمَّها، وهو «سرطان مبايض الرحم» وانتهت الرواية بهذه الحالة، التي أتفق مع ثامر حين قال عنها: «حتى ليخامرني الشك في أنَّ الرواية، بمعنى من المعاني، يمكن أنْ تكون ناقصة أو غير مكتملة...»، وهذه ليست الملاحظة التي أودُّ ذكرها، إنَّما هناك ملاحظات منها على سبيل المثال، ورود شخصيات في الرواية، وأحداث لم ترتبط على الإطلاق بالعمل الروائي، ولو قمنا بحذف تلك المشاهد، لما أثَّر على مسير العمل، فمثلاً يأتي رجلان (لأحدهما هيئة جيمس بوند، والآخر يذكِّر ببدانته والغليون الذي في فمه بونستون تشرتشل وإنْ لم يكن يشبهه) يأخذان الدكتور «رمزي» في لندن طبعاً، ويحققان معه، يسألهم «رمزي»: من أنتم؟ يجيبه أحدهم: «أنا الدكتور واتسون، وهذا زميلي المستر جون وهذه المس ليلي، لسنا جهة معادية، وفي النهاية سيصب هذا في مصلحتك». يسألونه عن شيءٍ اسمه «الحلقة المفقودة» ولكن التحقيق كان لطيفاً وسهلاً حيث الاسترخاء مع السيجار، وتكرر مرتين دون أنْ تكون هناك إجابة عن هذا الموضوع، ودون أنْ يؤثر هذا الحدث على مسار الرواية المبنيّ للحظة الحب التي تركتها «هانا» في روح «رمزي» في نهاية الستينات، ومن المشاهد أيضاً أنْ يلتقي «رمزي» مع امرأة ثملة، اسمها «إيميلي» يلتقيها في القطار وينزلان معاً، هي تستأجر تاكسياً، ومن ثم تنادي عليه تطلب منه 20 يورو، لم يجد في جيبه غير 50 يورو، تخطفها منه، وبعد أيام، مصادفةً، يلتقيها مرة ومرتين وثلاثاً، ويبدأ يربط خيوطها مع الدكتور «واتسون» ولكننا كقراء لا نخرج بنتيجة من هذا الربط الذي لم يستطع الروائي إثباته، أو إقناعنا بأنهم عصابة واحدة، يحاولون الإيقاع بالدكتور «رمزي»، وانتهت الرواية ولم نخرج بنتيجة عن وضع هذه الصديقة.
إنَّ هذه الأحداث الثلاثة: العصابة التي تحقق مع «رمزي» حول الحلقة المفقودة، والمرأتان اللتان التقاهما «رمزي»، لم ترتبط بأي خيطٍ من خيوط الحبكة الروائية، ذلك أنه لو حذفت تلك المشاهد من الرواية لما ارتبك العمل، وبهذه النتيجة فإنَّ دخولهم في الرواية هو دخولٌ غيرُ فني، ولا علاقة دلالية تربطهم ببقية الخيوط، وبهذا تتحوَّل الرواية في بعض صفحاتها إلى دفتر مذكرات، بمعنى أنَّها تروي في عدد من صفحاتها ما يجري معها بشكلٍ يوميٍ، وهذه الرواية غير المرتبطة مع سياق الرواية، يؤثر على الوحدة الدلالية والعضوية للعمل الذي تتفرق شخصياته، وأماكنه، وأزمنته، ولكنَّه في النتيجة يقوم الروائي بتجميع تلك الخيوط، وربط بعضها بالبعض الآخر، كما تترابط الأزمنة والأمكنة أيضاً، ولكن مع كل هذه الانفلاتات اليومية في الرواية، فإنَّها حفلت بتشويق عالٍ بلغة تُمسك بقلب القارئ وعقله لتتابع خيط السرد، وإنْ تفكَّك في بعض محاوره. في الملخص نقول إنَّ الرواية هي قصة حب لشاب محروم مع شابة بريطانية، استمرت ساعة لكن انطبع طعمُ تلك الساعة التي قضاها مع «هانا» أربعين عاماً. لم يستطع الفكاك من تلك اللحظة، إلى أنْ التقاها مرة ثانية، بعد ذبول العمر، وذهاب قطاره باتجاهات متعددة، لكنَّ الاتجاه الأكثر دفئاً لديه هو ذهاب قطاره باتجاه «هانا».



سيارة جديدة بـ100 ألف دولار لن تصنع السعادة… لماذا لا تكفي؟

للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
TT

سيارة جديدة بـ100 ألف دولار لن تصنع السعادة… لماذا لا تكفي؟

للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)

نميل غالباً إلى الاعتقاد بأن امتلاك شيء باهظ الثمن -كسيارة جديدة بقيمة 100 ألف دولار- سيمنحنا شعوراً دائماً بالسعادة والاكتمال. غير أن التجربة الإنسانية تقول غير ذلك. فالسعادة لا تتعلق بقيمة ما نملك، بل بطبيعة رغبتنا فيه، وبالآلية النفسية التي تدفعنا إلى السعي المستمر وراء المزيد. فما الذي نبحث عنه حقاً: الشيء ذاته، أم الشعور المصاحب للحصول عليه؟

في الواقع، لدى معظم الناس تسلسل هرمي غير معلن في طريقة تفكيرهم بالإنفاق والرغبة:

- إذا لم ترغب في شيء ولم يكن لديك، فلن يشغل بالك.

- إذا رغبت في شيء وحصلت عليه، فقد تشعر بالرضا.

- إذا رغبت في شيء ولم يكن لديك بعد، فقد تشعر بالحماس والترقّب.

- أما إذا رغبت في شيء ولم تستطع الحصول عليه، فقد تصاب بإحباط شديد.

يوضح الخبير في علم نفس المال، مورغان هاوسل، مؤلف كتاب «فن إنفاق المال»، أن طبيعة «الشيء» ليست هي العامل الحاسم. فكوب ماء لشخص عطشان قد يكون أثمن من طائرة خاصة لملياردير يمتلك اثنتين أخريين. القيمة هنا نفسية وسياقية، لا مادية بحتة.

وقال في حديث ضمن شبكة «سي إن بي سي» إن الأمر يصبح منطقياً عندما نفهم ما الذي يريده الدماغ فعلاً، وهو ما يتضح أكثر خلال فترات العطلات والمواسم الاستهلاكية. فعقولنا -في العموم- لا ترغب في السيارات الفاخرة أو المنازل الكبيرة بحد ذاتها، بل تبحث عن «الدوبامين». فالدوبامين مادة كيميائية تُحفّز الرغبة، وتدفع الإنسان إلى طلب المزيد باستمرار: المزيد من الأشياء، المزيد من التحفيز، المزيد من المفاجآت.

ويتابع هاوسل أن السعي وراء هذا الشعور لا تعوقه العاطفة ولا الخوف ولا حتى الأخلاق. فمن منظور الدوبامين، لا تكمن الأهمية في امتلاك الشيء، بل في الحصول على شيء جديد؛ أي شيء جديد.

بمعنى آخر، لا يرغب دماغك في الأشياء المادية لذاتها، ولا حتى في حداثتها بوصفها صفة مستقلة، بل في عملية السعي والترقّب المصاحبة للحصول عليها. يُشبه ذلك ما عبّر عنه الممثل ويل سميث في وصفه للشهرة: «أن تصبح مشهوراً أمر رائع. أن تكون مشهوراً أمر مختلط. فقدان الشهرة أمر بائس. التغيير، لا الكمية، هو المهم». فالمتعة تكمن في التحوّل والانتقال، لا في الثبات عند مستوى معيّن.

هل تحتاج فعلاً إلى ذلك... أم أنك تُطارد ما لا تملك؟

يظهر هذا النمط بوضوح في علاقتنا بالمال. يقول هاوسل: «عندما تكون شاباً، تحلم بامتلاك سيارة؛ أي سيارة. فإذا امتلكت سيارة بقيمة 10 آلاف دولار، بدأت تحلم بسيارة بقيمة 20 ألف دولار، وإذا حصلت على سيارة بـ20 ألفاً، تطلعت إلى أخرى بـ50 ألفاً. وإذا امتلكت سيارة بـ50 ألفاً، أصبح حلمك سيارة بـ100 ألف دولار. وإذا حققت ذلك، بدأت تفكر في امتلاك عدة سيارات بالقيمة نفسها».

ويضيف هاوسل: «أصحاب الملايين ينظرون إلى مَن يملكون مئات الملايين، وهؤلاء ينظرون إلى أصحاب المليارات، ثم إلى أصحاب العشرات من المليارات. أما أصحاب الملايين، فماذا يريدون في نهاية المطاف؟ الخلود».

السؤال الذي لا يفارق أذهانهم هو: «ماذا بعد؟ ما الذي ينقصني؟ كيف أصل إلى المستوى التالي؟». هذا الصوت الداخلي لا يصمت، لأنه انعكاس مباشر لما يطلبه الدماغ: المزيد، دائماً المزيد.

الاكتفاء بالقليل لا يعني الاستسلام

أوضح هاوسل أنه في المقابل، قد يكون للاكتفاء أثر نفسي يعادل -وربما يفوق- أثر زيادة المال على الصحة النفسية. فالقناعة ليست خياراً سلبياً أو علامة على ضعف الطموح، بل موقف واعٍ يمكن التحكم فيه وتحقيقه. وهي، بخلاف سباق الزيادة المستمر، معركة يمكن الفوز بها فعلاً.

وقال: «الرضا بما تملك يمنحك قدرة أعمق على الاستمتاع بالمنزل الذي اشتريته، والملابس التي ترتديها، والإجازات التي تقضيها، فهو يحوّل ما لديك من أشياء عادية إلى مصادر امتنان حقيقي».

وأشار الخبير إلى أنه في نهاية المطاف، يبقى السؤال الجوهري: هل تفضّل أن تكون مليارديراً تستيقظ كل صباح قلقاً بشأن ما ينقصك، وحاسداً مَن يملكون أكثر، أم إنساناً عادياً يستيقظ راضياً، ممتلئاً بالسكينة، قادراً على تقدير ما لديه - مهما كان مقداره؟

قد لا تجعلك سيارة بـ100 ألف دولار سعيداً، لكن فهمك لما يدفعك إلى الرغبة، وقدرتك على تهذيب هذا الدافع، قد يقرّبانك من سعادة أكثر ثباتاً وعمقاً.


حلويات رمضان المصرية... من المنافسة على المذاق إلى «الاستعراض»

كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
TT

حلويات رمضان المصرية... من المنافسة على المذاق إلى «الاستعراض»

كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)
كنافة بالتوت أحد اختراعات حلوى رمضان (إنستغرام)

بالتوازي مع منافسات الدراما التلفزيونية، تشتعل منافسة بين أصناف الحلويات الرمضانية في مصر، التي يبدو أنها باتت تؤثر المغامرة على حساب المزاج التقليدي، فلم تعد الكنافة صينية محشوة بالقشطة أو بالمكسرات كما ارتبطت عبر تاريخها، بل باتت رهينة لإضافات «الكريم بروليه» و«الكراميل كرانش» وسواهما من توليفات تندرج تحت «اختراعات» حلويات رمضان.

وتجد هذه «التوليفات» الجديدة لنفسها سوقاً رائجة تغذيها منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما مع تبادل الترشيحات للأصناف المستحدثة، سواء لاختيارها هدية لعزائم الشهر، أو بدافع الفضول وتجربة حلوى جديدة بعد الإفطار، ويعزز ذلك حضور صناع المحتوى المتخصصين في الطعام وتجربة التذوق، الذين يخوضون سباقاً يومياً لتجريب أكثر من صنف خلال أيام رمضان، لترجيح كفة صنف على آخر، بل وربما ترتيبها تصاعدياً من الأقل تفضيلاً إلى «الأفضل»، حسب ذائقتهم.

تُبدي الشيف فاطمة سراج، صاحبة صفحة «فوديز» على «فيسبوك»، حماساً واضحاً لما تصفه بـ«اختراعات» الموسم، وتقول: «هذه السنة هناك تجديد كبير في طريقة عرض أطباق الحلوى، مثل تقديم طبق الكنافة بغطاء مصنوع من الشوكولاته التي يمكن إذابتها في الميكروويف، أو الدمج بين الآيس كريم والشوكولاته الساخنة مع قمر الدين، أو حتى تقديم المكسرات والحليب المكثف في عبوات منفصلة، بحيث يقوم المشتري بدمجها في البيت بنفسه مع طبقات الكنافة، بما يجعل الترند الأكثر رواجاً هذا العام هو تقديم الحلوى باعتبارها تجربة متكاملة لا مجرد مذاق».

تقديم الحلوى الرمضانية في علب فخمة ترفع من تكلفة شرائها (إنستغرام)

وتشير إلى أصناف لفتت نظرها في قوائم هذا العام مثل «بقلاوة بالتراميسو»، و«بروفيترول بالكنافة»، و«الكنافة بالتوت» وغيرها من التركيبات التي تمزج بين الشرقي والغربي في طبق واحد، وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «منذ سنوات وهناك ترقب للجديد والغريب في حلوى رمضان، وكثيراً ما تكون تلك الإضافات مبالغاً فيها، بغرض الوصول إلى الترند فقط، حتى لو جاء ذلك أحياناً على حساب المذاق».

ويبدو أن الاهتمام بتقديم الأصناف الجديدة في عروض بصرية «استعراضية» يُعد من أبرز ملامح «ترند» هذا العام، إذ يتكوّن أحد الأصناف من قبة مجسدة مصنوعة من كريمة الفستق، تذوب سرعان ما يُسكب فوقها صوص الشوكولاته الساخنة، لتنساب فوق طبقة الكنافة أسفلها، بما يعزز فكرة الطبقات المتداخلة بين الأطعمة والمذاقات، في صياغة تقوم على الإبهار قبل الاكتفاء بالمذاق.

فوازير شريهان تشارك في «ترند» الحلويات الرمضانية (إنستغرام)

كما يستلهم أحد محلات الحلوى، طابع الفوازير الرمضانية للنجمة شريهان، حيث يقدمون الحلوى داخل علب معدنية تحمل عنوان الفوازير الشهيرة «حاجات ومحتاجات»، لتحمل كل علبة صورة واسم واحدة من شخصيات الفوازير وعلى رأسهن «كريمة» و«فاطيما» و«حليمة»، وتحت غطاء كل علبة «فزورة»، في محاولة لدمج الحلوى بجرعة من الحنين لذكريات رمضان، وواحدة من أشهر فوازيره.

ويعلّق الدكتور أيمن السعيد، استشاري التغذية العلاجية بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، بأن «تباري المحلات في تعقيد صناعة الحلويات صار لافتاً منذ فترة، بعدما كانت الحلويات تميل سابقاً إلى البساطة وتعتمد على مكونات محدودة وبسيطة»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «إضافة طبقات من صوصات الشوكولاته والفستق والكراميل وغيرها من الإضافات التي تُغرق الطبق الحلو تكسبه مزيداً من السعرات الحرارية والسكريات والدهون، وهو ما يضاعف العبء الصحي، خصوصاً لدى الأطفال».

كنافة تعلوها قبة من كريمة الفستق (إنستغرام)

ويضيف أن «فكرة تضخيم الكميات وتكثيف المكونات تحوّل الحلوى من متعة إلى حمل غذائي ثقيل، في شهر يُفترض أن يعزز مفهوم الاعتدال لا الإفراط».

ويبدو أن الإضافات التي تُكسب الحلويات الرمضانية مزيداً من السعرات، تُكسبها كذلك ارتفاعاً في الأسعار، إذ باتت بعض الأصناف الرائجة ضمن «ترندات» الحلوى الرمضانية تتراوح بين 600 و1400 جنيه مصري (الدولار يساوي 49.2 جنيه مصري)، غير أن كثيرين يرون أن هذه الأسعار المبالغ فيها لا تستحق تلك المغامرة.

في المقابل، لا تزال الشوادر التقليدية لبيع الكنافة والقطايف بالكيلو تحتفظ بحضورها في الشوارع، حيث تُباع عجائنها طازجة، لتُعد في المنازل وفق الوصفات المعتادة، بعيداً عن صخب الصوصات والتغليف الباذخ.

وتقول آية محمود، موظفة في شركة مبيعات وأم لطفلين: «لا أزال أعد القطايف المقلية، وصينية الكنافة المحشوة بالكريمة كما كنا نأكلها في بيوتنا وبوصفتها التقليدية»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط»: «قد أُدخل عليها بعض التغييرات، كإضافة صوص النوتيلا مثلاً للتزيين، لكن في النهاية تظل تكلفة إعدادها منزلياً أقل بمراحل من شرائها جاهزة».


ذكريات الإفطار الرمضاني في القصور الأثرية بمنطقة عسير

 إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)
إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)
TT

ذكريات الإفطار الرمضاني في القصور الأثرية بمنطقة عسير

 إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)
إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة في منطقة عسير (واس)

خلال شهر رمضان، تتجدد في أحياء منطقة عسير جنوب غربي السعودية مشاهد الألفة التي عُرفت بها المجالس الشعبية قديماً، إذ يعود المجتمع إلى إحياء عادات الإفطار الجماعي في الساحات والأحياء القديمة، في صورة تعكس عمق الترابط الاجتماعي ودفء العلاقات بين الجيران. وتأتي هذه العودة المتنامية في ظل إطلاق مبادرة «أجاويد» التي أطلقها أمير منطقة عسير وأسهمت في تحفيز المجتمعات المحلية على استعادة روح التكافل والتراحم، وإحياء الموروث الرمضاني الذي كان يجمع الصغير والكبير حول مائدة واحدة في مشهد يستحضر بساطة الماضي.

فعاليات رمضان تجمع كبار السن والشباب في موقع تاريخي (واس)

واحتضن حصن آل ثابت الأثري بمركز «الماوين» - شمال مدينة أبها بنحو 50 كيلومتراً - أول من أمس، مبادرة رمضانية نظمها أهالي المركز ضمن فعاليات «أجاويد 4»، جمعت كبار السن والشباب في موقع تاريخي يستحضر ملامح رمضان في الماضي. وشهدت المبادرة عرضاً لأنواع المأكولات الشعبية التي كانت تُقدَّم قديماً خلال الشهر الفضيل، مثل: التمر، والبر، والسمن، والزبدة المستخرجة من الأغنام والأبقار، إلى جانب استعراض طرق إعدادها وأهميتها بوصفها مصدراً رئيساً للغذاء آنذاك، في مشهد أعاد للأذهان بساطة الحياة وتكاتف المجتمع في توفير احتياجاته. وتضمّن المتحف التراثي المصاحب للمبادرة عرضاً لمكونات الحياة اليومية في الماضي، شملت أدوات الحرث والسقيا، والملبوسات القديمة للرجال والنساء، وأدوات الزينة؛ بما يمثل مرجعاً بصرياً حياً يعرّف الأجيال الناشئة بما كان عليه الآباء والأجداد.

وبالنسبة لمسفر بن سعد آل حامد من سكان المنطقة فالمحافظة على العادات والتقاليد وإحياؤها من خلال مثل هذه المبادرات يعدان واجباً مجتمعياً يسهم في ترسيخ الهوية الوطنية، وتحفيز الشباب على الحضور والمشاركة والتعرف على تاريخ آبائهم وأجدادهم. واستعاد آل حامد خلال حديثه مع «واس» الذكريات في بناء البيوت التاريخية، مشيراً إلى ما كان يشهده ذلك من تعاون بين أهالي القرية في تشييد البيوت قديماً، داعياً إلى المحافظة على ما تبقى من البيوت القديمة وإعادة إعمارها، والعناية بالمزارع والإنتاج المحلي الذي كان يمثل مصدر قوت الآباء والأجداد.

مبادرات تستعيد ذكريات الإفطار الرمضاني في منطقة عسير (واس)

من جانبه، عبّر صاحب المبادرة مشبب آل ثابت عن سعادته بإقامة هذه الفعالية ضمن المبادرة المجتمعية «أجاويد 4»، مؤكداً أثرها البالغ في نفوس الحاضرين، لما وفرته من فرصة لاستضافة مختلف شرائح المجتمع، وتفعيل دور التكافل الاجتماعي، وتعريف الأجيال بما كان عليه الآباء والأجداد من عناء ومشقة.

وتُجسِّد المبادرة في مجملها نموذجاً حياً لتعزيز حضور الثقافة والتراث في الفعاليات الرمضانية، وربط الماضي بالحاضر؛ بما يسهم في صون الموروث الشعبي. وأكَّد قائد المبادرة بالمركز عبد الله أحمد شفلوت أن إطلاق المبادرات الرمضانية لم يقتصر على الجوانب الثقافية والاجتماعية والتراثية فحسب، بل شمل حزمة من المبادرات الطبية والبيئية والتوعوية التي جمعت نخبة من أبناء المركز، كلٌّ في مجال تخصصه؛ لتقديم خدمات مجتمعية نوعية لمنسوبي المركز والقرى المجاورة.