«الجيش الوطني» يتقدم جنوب طرابلس ويعلن إحباط هجوم «الوفاق» في ترهونة

اعتقال مفاجئ لشقيق مُعاقب يكشف «صلة تركيا بمهربي البشر»

«الجيش الوطني» يتقدم جنوب طرابلس ويعلن إحباط هجوم «الوفاق» في ترهونة
TT

«الجيش الوطني» يتقدم جنوب طرابلس ويعلن إحباط هجوم «الوفاق» في ترهونة

«الجيش الوطني» يتقدم جنوب طرابلس ويعلن إحباط هجوم «الوفاق» في ترهونة

كشف الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر النقاب عن علاقة تركيا بمهربي البشر المطلوبين دولياً في البلاد ويقاتلون ضده لصالح القوات الموالية لحكومة الوفاق برئاسة فائز السراج، في وقت أعلن الجيش أن قواته دحرت هجوماً جريئاً لقوات الوفاق في مدينة ترهونة بالغرب وكبدتها خسائر فادحة، وحققت تقدماً في المعارك التي خاضتها ضدها في العاصمة طرابلس. والتزمت بعثة الأمم المتحدة والسفارة الأميركية الصمت حيال هذه التطورات، لكن السفارة البريطانية في طرابلس، دعت في بيان مقتضب أمس بثته عبر موقع «تويتر» إلى وقف أعمال التصعيد، وقالت: «نـشعر بقلق بالغ تجاه أعمال العنف في غرب ليبيا ووقوع ضحايا بين المدنيين، ونحث على أنه يجب أن يتوقف القتال لغاية إنقاذ الأرواح، والاستجابة للتهديد العالمي لفيروس كورونا المستجد».
وفي أول تعليق رسمي له حول الهجوم الأول من نوعه لميليشيات حكومة السراج، منذ إعلان حفتر تحريك الجيش لتحرير طرابلس في الرابع من أبريل (نيسان) العام الماضي، أكد الجيش الوطني أن «قواته تصدت لما وصفه بمحاولات بائسة للاقتراب من مدينة ترهونة قامت بها الجماعات الإرهابية ومجموعات الحشد الميليشياوي الموالية للعدوان التركي وتحت غطاءٍ جوي تركي».
وقال في بيان مدعوم بصور، أصدره في ساعة متأخرة من مساء أول من أمس: «جنودنا البواسل كانوا لهم بالمرصاد، وتمكنت القوات المُسلحة من التصدي لهذه المحاولات ودحرت العدو وردته على عقبه خاسراً»، مشيراً إلى أن «هذه الجماعات تكبّدَت خسائر كبيرة وتم أسر العديد من أفرادها والتحفظ على عددٍ من جُثثهم التي تركوها مُلقاة في العراء، بعد أن ولّوا الدبر أمام قسوة ضربات وحداتنا».
وكان الجيش الوطني الذي يسيطر على شرق وجنوب ليبيا ويتمركز حول ضواحي طرابلس منذ عام، أعلن أيضاً أنه حقق تقدماً مساء أول من أمس في معارك داخل طرابلس، وقال بيان مقتضب لشعبة إعلامه الحربي، إن وحداته العسكرية بسطت سيطرتها على مواقع جديدة في محور عين زارة في جنوب المدينة، بعدما أحكمت السيطرة على منطقة القبايلية.
وطبقاً للشعبة أسقطت أمس منصات الدفاع الجوي بالجيش الوطني طائرة تركية في منطقة الوشكة في منطقة أبو قرين شرق مدينة مصراتة، علماً بأن الجيش الوطني قال مساء أول من أمس في بيان إنه دمر أيضاً عدداً من الآليات والعربات العسكرية التابعة لمجموعات الحشد الميليشياوي في المنطقة نفسها في سلسلة غارات جوية.
في المقابل، واصلت أمس الميليشيات الموالية لحكومة السراج والمشاركة في عملية بركان الغضب، لليوم الثاني على التوالي الهجوم على ترهونة، وأعلنت استئناف العمليات العسكرية نحو المدينة، بعدما ادعت أن مرحلتها الأولى حققت أهدافها، وقالت على لسان الناطق باسم قواتها إنها قصفت في ضربتين جويتين آلية مصفحة وعناصر للجيش الوطني في منطقة المصابحة في ترهونة لمساندة قواتها البرية فيما وصفته باستئناف لتقدمها. وقالت مصادر إن الميليشيات التابعة لحكومة الوفاق ستسيطر على قاعدة الوطية ومدينة ترهونة الاستراتيجيتين غرب طرابلس، وهي مسألة وقت وقد تتحقق خلال 3 أسابيع، معتبرة أن سلاح الجو هو الذي سيحسم المعركة. كما ألقت منشورات باللغتين العربية والروسية فوق مدينة ترهونة، في إشارة إلى مزاعم عن مشاركة مرتزقة روس في القتال إلى جانب الجيش الوطني، دعت فيها أهالي المدينة للابتعاد عن أماكن وجود المسلحين وعدم السماح بوجودهم، معتبرة أن المعركة حسمت عسكرياً.
وفي منشورها باللغة الروسية، خاطبت قوات الوفاق المعنيين قائلة: «يجب أن تتراجعوا الآن وتتركوا القتال، فقد قررنا أنه لا يوجد سلام معكم وسنقتل كل من يرفض ترك السلاح، هذه فرصة أخيرة لكم. نار البركان تذيب ثلوج موسكو».
كما ادعت قوات الوفاق أنها أسقطت طائرة للجيش كانت تقصف أهدافاً مدنية في محيط أبو قرين، مشيرة إلى أن الطائرة كانت مجهزة بصواريخ موجهة. ونقلت وسائل إعلام محلية موالية لحكومة السراج عن الناطق باسم غرفة عمليات سرت الجفرة الموالي لها، سقوط قتلى وجرحى من قوات الجيش جراء استهداف تمركزاتهم بالمدفعية بالطريق الساحلي في الوشكة.
وكانت قوات الوفاق اتهمت مجدداً قوات الجيش الوطني بقصف مناطق سكنية في طرابلس، وقالت في بيان لها مساء أول من أمس إنه «في محاولة يائسة منها لتعويض خسائرها استهدفت منازل المواطنين في عرادة بصواريخ غراد، ما أدى إلى إصابة 10 مواطنين بينهم 4 أطفال».
كما أعلنت أن سلاحها الجوي نفذ 17 ضربة استهدفت أفراداً وآليات وتمركزات للجيش الوطني في مدينة ترهونة الاستراتيجية، جنوب طرابلس، وبثت مشاهد تُظهر سيطرة قواتها على إحدى الدبابات خلال تقدمها، ومطاردة ما وصفتها بالفلول الهاربة بعد أن قبضت على 102 عنصر منهم حتى الآن، وفقاً لما أعلنته. وشنت قوات حكومة الوفاق المدعومة دولياً هجوماً شاملاً من 7 محاور على المدينة التي تُعد نقطة الارتكاز الوحيدة للجيش الوطني في زحفه صوب العاصمة. وبعد أيام من سيطرتها على طول الساحل الليبي غرب العاصمة، أعلنت قوات الحكومة التي اعتمدت على دعم عسكري اشتمل على طائرات مسيرة قدمتها تركيا، زحفها عبر هجوم بري ودعم غطاء جوي نحو مدينة ترهونة على بعد نحو 90 كيلومتراً جنوب شرقي طرابلس، التي تمثل غرفة العمليات الرئيسية للجيش الوطني، وقاعدة الإمداد الرئيسية والمهمة لقواته.
وتحاول حكومة السراج التي فشلت في استمالة ترهونة إلى جانبها، أيضاً السيطرة على قاعدة الوطية الجوية التي تبعد نحو 125 كيلومتراً جنوب غربي طرابلس، وكذلك على موطئ القدم الاستراتيجي للجيش الوطني في طرابلس. إلى ذلك، أعلن جهاز النهر الصناعي انفراج أزمة إيقاف المياه وبدء وصولها التدريجي لطرابلس والمناطق المجاورة لها، وأرجع في بيان له، التأخر في الإعلان عن زمن توقع وصول المياه إلى صعوبة الحصول على المعلومات الفنية بسبب الظروف الأمنية السيئة، ووقوع مسارات أنابيب نقل المياه في مناطق عسكرية مغلقة. وفى سياق آخر، أعلن اللواء أحمد المسماري، الناطق الرسمي باسم الجيش الوطني، اعتقال قواته لأحد كبار قادة تهريب البشر في المنطقة، وقال في بيان أصدره في ساعة مبكرة من صباح أمس، إن مفرزة من قوات الجيش في محور الطويشة جنوب طرابلس تمكنت من اعتقال المدعو صالح الدباشي، شقيق المهرب المعاقب دولياً المدعو أحمد الدباشي الملقب بـ«العمو». وقال إن المعتقل الذي يعاني من جروح بالغة تم أسره بعد إصابته داخل مدرعة تركية من طراز «كيربي» مع عدد من المرتزقة السوريين والمطلوبين الليبيين المدعومين من تركيا، معتبراً أن هذا «يدل على توسعة تركيا لأنشطتها الإجرامية لكي تشمل دعم كبار المجرمين في المنطقة الغربية وتجار البشر، وهو ما يعتبر تهديداً مباشراً، ليس لمصالح الشعب الليبي فحسب، بل لكل دول المنطقة وحوض المتوسط».
وبحسب المسماري، يعتبر صالح الدباشي المسؤول الأول عن مركز إيواء صبراتة الذي شهد أشنع الجرائم ضد البشرية بحق المهاجرين من بيع ورق وعبودية وتهريب طيلة الفترة ما بين 2012 وحتى 2017. وتولت كتيبة الشهيد أنس الدباشي حراسة الساحل قرب مدينة صبراتة، إحدى بؤر تهريب البشر في ليبيا، بموجب اتفاق مع حكومة السراج لإيقاف الهجرة. غير الشرعية. ويصف تقرير للأمم المتحدة أحمد الدباشي آمر الكتيبة بأنه أحد أكبر الميسرين للتهريب في ليبيا، حيث ترددت معلومات عن تلقيه أموالاً من الحكومة الإيطالية لمنع قوارب المهاجرين.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.