الأرجنتين... الدعوات لجعل اللغة «أقل ذكورية» تكتسب زخماً وتثير انقسامات

البعض يرى أن وراءها أهدافاً سياسية واجتماعية

الرئيس الأرجنتيني ألبرتو فرنانديز.... الحركة النسوية الأرجنتينية: {لا أحد أقل»
الرئيس الأرجنتيني ألبرتو فرنانديز.... الحركة النسوية الأرجنتينية: {لا أحد أقل»
TT

الأرجنتين... الدعوات لجعل اللغة «أقل ذكورية» تكتسب زخماً وتثير انقسامات

الرئيس الأرجنتيني ألبرتو فرنانديز.... الحركة النسوية الأرجنتينية: {لا أحد أقل»
الرئيس الأرجنتيني ألبرتو فرنانديز.... الحركة النسوية الأرجنتينية: {لا أحد أقل»

بعد ثلاثة أيام من فرض الإغلاق الكلي في الأرجنتين لمواجهة فيروس «كورونا»، دعا رئيس البلاد الرجال والنساء على حد سواء إلى التعاون مع جهود الدولة للحد من انتشار الوباء.
وناشد الرئيس ألبرتو فرنانديز «الأرجنتينيين» مستخدماً صفة محايدة للنوعين غير موجودة في قواعد اللغة الإسبانية التقليدية. ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها الرئيس الذي تولى منصبه في ديسمبر (كانون الأول) مثل تلك الصفة المحايدة.
لكن قراره باستخدام ذلك المصطلح اللغوي مجدداً جاء ليتحدى قواعد اللغة القديمة، بهدف العمل على جعل الأرجنتينين يتحدثون لغةً إسبانية أكثر شمولاً.
وفي هذا الصدد، قالت قاضية مدينة بوينس آيرس، إيلينا ليبراتوري: «نتحدث دائماً عن المساواة، والحقيقة هي أن اللغة تكشف عدم المساواة السائدة في المجتمع بشكل عام».
وفي العام الماضي، أثار القاضية ذاتها جدلاً بإصدارها حكماً يجري بمقتضاه تهجئة نهاية الكلمات عادة بحرف «e» بدلاً من «a» أو «o» التي تشير عموماً إلى المؤنث أو المذكر في الإسبانية.
لكن السعي لجعل الإسبانية أقل جنسانية لا يقتصر على الأرجنتين؛ ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، استخدم بعض السياسيين والعلماء، وحتى قاموس «ميريام وبستر»، كلمة «لاتينيكس» وهي بديل لكلمة «لاتينية»، وهي الصيغة الذكورية للكلمة المستخدمة لتشمل الجميع في الإسبانية.
غير أن التغيير لم يلقَ ترحيباً من البعض، بل قُوبِل بمعارضة شديدة من مختلف دول العالم، بما في ذلك كبار خبراء اللغة الإسبانية، إذ ترى «الأكاديمية الملكية الإسبانية» التي تشرف على القاموس الأكثر موثوقية في اللغة أن الصيغ الجديدة انحراف.
ما يجعل الأرجنتين جديرة بالانتباه هو مدى تبني الأشكال الجديدة، على نطاق واسع، ليس فقط بين النشطاء ولكن أيضاً في المجالين الأكاديمي والحكومي. ففي السنوات الأخيرة، أصبحت الصيغ الجنسانية المحايدة شائعة بشكل متزايد في المنشورات الجامعية والوثائق الحكومية، وحتى بعض الأحكام القضائية، حتى مع استمرار كونها موضع نقاش حاد بين عامة الناس.
وذكرت القاضية ليبراتوري أنها كانت تدرك منذ فترة طويلة الطريقة التي يمكن بها للغة أن تدعم المعايير المجتمعية، وعندما أدّت اليمين قاضيةً عام 2000، كانت هناك لافتة على بابها مدون عليها كلمة «juez»، بدلاً من الصفة الأنثوية للقاضية: «jueza»، وقامت باستبدال الكلمة الأخيرة بها.
وعندما أصدرت حكماً في وقت لاحق باستخدام لغة محايدة بين الجنسين، تعرضت القاضية ليبراتوري لشكوى رفعها مجموعة من المحامين أمام مجلس القضاة في المدينة، الذي يتمتع بسلطة معاقبة القضاة على انتهاك القواعد. لكن المجلس انحاز للقاضية ليبراتوري وقرر أن القضاة يمكنهم تذييل أحكامهم بتوقيع ينتهى بالحرف «e»، مشيراً إلى أنه سينشر دليلاً لاستخدام لغة محايدة جنسانياً.
على سبيل المزاح، قالت كريستينا مونتسيرات هندريكس، المحامية التي مثلت القاضية ليبراتوري في القضية: «يجب تسمية دليل اللغة الجديد باسم المحامية التي أقامت الدعوى».
وترى السيدة هندريكس، المتحولة جنسياً، أن اعتماد لغة شاملة للجنسين يمكن أن يكون له تأثير عميق على المعايير المجتمعية والثقافية، لأنها ترى أن «العالم لا يقتصر على الرجال والنساء فقط».
ومع ذلك، فقد اعترفت بأنها لا تستخدم تلك الصفة المحايدة في تواصلها اليومي مع الآخرين. وقالت: «عمري تخطى الخمسين، ومن الصعب للغاية بالنسبة لي تغيير طريقتي في التحدث». وذكرت أن ابنتها البالغة من العمر 22 عاماً، إريكا صوفيا هندريكس، «تستخدم تلك الصفة باستمرار».
هذا النوع من القبول الواسع يجعل فنانة، مثل آرييل مزبوبا، التي تبلغ من العمر 22 عاماً وتميل إلى الاستخدام غير الثنائي للغة (ليشمل الجنس الثالث)، وتستخدم أيضاً الصفات المنتهية بالصفة الحيادية، التي تنتهي بالحرف «e»، تشعر بارتياح أكبر، مؤكدة أن «هذا (التغيير) يجعلني أشعر بأنني أكثر شمولاً، وأنني لم أعد غريبة».
وقالت كارينا غالبرين، أستاذة الأدب في جامعة «توركواتو دي تيلا في بوينس آيرس»، إنه لا يوجد إجماع بين الخبراء حول بداية استخدام الأشخاص للحرف «e» لتحييد الكلمات الجنسية باللغة الإسبانية. إن لهذا الاستخدام جذوراً تاريخية قديمة جداً، حتى لو جاء استخدامها على نطاق واسع مؤخراً، ليجعلها تبدو ظاهرة حديثة. فقبل أن يجد استخدام «e» قبولاً واسعاً، كان المتحدثون الإسبان الذين أرادوا أن يكونوا أكثر شمولاً يستخدمون صفة تشير إلى كلا الجنسين، أو استخدام الرمز @ أو «x»، وجاء استخدام الحرف «e» على نطاق أوسع لسهولة نطقه.
ورغم مزايا هذه الدعوة واضحة، فإن بعض الناس يجدونها بغيضة. كما أن وجود «إجماع كبير على رفض استخدام الشكل الذكوري باعتباره الأساس، فإن حل هذه المشكلة ليس بالإجماع».
وتجادل الأكاديمية الإسبانية بأن المؤيدين لحيادية الجنس في اللغة يحاولون حل مشكلة غير موجودة من الأساس. وتقول الأكاديمية إن اللغة الإسبانية لديها بالفعل طريقة لأخذ كلا الجنسين في الاعتبار، وأشاروا إلى أنه وفقاً لقواعد النحو، يمكن استخدام الصيغة الذكورية للكلمات بصيغة الجمع لتشمل الجميع، لذلك يمكن استخدام صفة «Argentinos» بحرف «o»، على سبيل المثال، للإشارة إلى مواطني الأرجنتين من كلا الجنسين.
لكن سانتياغو كالينوفسكي، مدير قسم البحوث اللغوية والفلسفية في الأكاديمية الأرجنتينية للآداب، يرى أنه برفض القواعد القديمة صراحة، فإن المؤيدين المحايدين للجنس يثيرون قضية كبرى (وجهة نظره لا تمثل آراء المؤسسة).
يقول عن ذلك: «هذا الطرح يضع نفسه صراحة خارج القواعد اللغوية ليكون أكثر لفتاً للأنظار. فهذا التدخل مثير للاهتمام لأن هدفه ليس نحوياً، بل سياسي واجتماعي بهدف خلق إجماع على تغيير الثقافة وتغيير القوانين في نهاية المطاف». وقد تزامنت هذه الدعوة للتحول في اللغة مع صعود حركة نسوية في الأرجنتين مناهضة لحملة قتل الإناث، أو قتل الفتيات والنساء بسبب جنسهن (إجهاض الأجنّة الإناث). وكانت تلك الحملة المسماة «Ni Una Menos»، وتعني «لا أحد أقل»، حاسمة في مواجهة التشريع الذي يسمح بالإجهاض، وكانت أولوية تشريعية للسيد فرنانديز.
ومن الجدير بالذكر أن بلداناً غير ناطقة بالإسبانية تخوض نفس الصراع لتحييد الجنس في لغتها. ففي السويد، على سبيل المثال، وصلت المساعي إلى رياض الأطفال، حيث يتجنب المعلمون استخدام الضمائر مثل «له» أو «لها»، ويفضلون استخدام أسماء إشارة وصفات محايدة.
وفي الولايات المتحدة، أصبح استخدام «هم» كضمير مفرداً شائعاً بشكل متزايد بين الأشخاص الذين يرفضون التعيينات التقليدية للجنس. وفي فرنسا، حدث تغيير مماثل لكن بوتيرة أبطأ. وعارضت الحكومة رسمياً الصيغ المحايدة جنسانياً، رغم أن الأكاديمية الفرنسية، الوصي الرسمي للغة الفرنسية، وافقت في النهاية على السماح للألقاب المهنية بمطابقة جنس الشخص بدلاً من أن تكون صفة مذكرة موحدة.
وفي الأرجنتين نفسها، جامل السيد فرنانديز، أستاذ القانون، الحركة، بالعمل على جعل اللغة أقل ذكورية عندما قام بحملته الانتخابية للرئاسة. ففي شعار حملته، قدم كلمة «todos»، وتعني «الجميع»، برمز للشمس بدلاً من الحرف الثاني «o».
وبعد فترة وجيزة من توليه منصبه، بدأت بعض الدوائر الحكومية في تبني لغة لا جنسانية. فمثلا أصدرت مؤسسة التقاعد، دليلاً لجميع موظفيها بلغة شاملة، لكنها لم تصل إلى حد طلب استخدامها في الوثائق الرسمية. وساعدت مونيكا روكيه، السكرتير العام لـ«وكالة حقوق الإنسان والجنس»، في صياغة الدليل وعبرت عن تقديرها لحركات الشباب للدفع بالتغييرات اللغوية.
قالت مونيكا: «لقد دفعونا إلى التفكير في ذلك. إن هذا التعدي على استخدام حرف غير (a) أو (o) جعلنا نفكر في معنى ذلك». كما بدأ «المعهد الوطني لمناهضة التمييز وكراهية الأجانب والعنصرية» في الأرجنتين في استخدام لغة شاملة في بعض القرارات الرسمية، لكنه امتنع عن استخدام الصيغة «e»، خوفاً من أن تؤدي إلى اللبس، بدلاً من الحيادية.
تقول فيكتوريا دوندا، رئيسة المعهد: «بشكل عام، كانت هناك رغبة في استخدام لغة شاملة دائماً. لكن اللغة الشاملة يجب ألا تتجاهل بعض الناس، ففي الأحياء الفقيرة، الناس غير معتادين على سماع الحرف (e) بدلاً من حرف (a) أو (o)، وهذا يمكن أن يؤدي إلى لبس وارتباك في المعنى».
- خدمة {نيويورك تايمز}



إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!


«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية
TT

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة حين تختفي كاثرين من غرفتهما في الفندق من دون أثر، فيضطر إلى مواجهة قوى مجهولة لاستعادة المرأة التي يحبها.

بهذه الحبكة البوليسية القائمة على التشويق، يعود مؤلف الإثارة والغموض الشهير دان براون إلى قرّائه حول العالم عبر رواية «سر الأسرار» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة زينة إدريس، في نص ينتمي إلى الخيال العلمي، ويتسم بسرعة الإيقاع رغم ضخامته اللافتة؛ إذ يقع في 582 صفحة من القطع الكبير، موزعة على 138 فصلاً، بالإضافة إلى مقدمة وخاتمة.

تبرز الرواية خصوصية براغ كمدينة حضارية موغلة في القدم تزخر بالأساطير ويكتنفها الغموض، فعلى مدى ألفي عام تقاذفتها أمواج التاريخ فتركت في حجارتها صدى ما مضى من أحداث وتقلبات؛ إذ لم يكن لانغدون يدرك أن طيفاً من ماضي المدينة المظلم يراقبه عن كثب، غير أنه يجد نفسه مرغماً على الاستعانة بكل ما في جعبته من معارف غامضة لفك رموز ذلك العالم من حوله قبل أن تبتلعه هو الآخر دوامات الخداع والخيانة التي ابتلعت كاثرين.

يجد البطل، عالم الرموز في جامعة هارفارد، نفسه في مدينة سرية تختبئ في وضح النهار، مدينة احتفظت بأسرارها قروناً طويلة ولم تفصح عنها بسهولة، فتتحول النزهة البريئة ذات الطابع شبه السياحي إلى ما يشبه ساحة معركة لم يشهد لها أحد مثيلاً.

ودان براون هو مؤلف ثماني روايات تصدرت جميعها قوائم المبيعات، من بينها «شيفرة دافنشي» التي أصبحت من أكثر الكتب مبيعاً، إلى جانب روايات «الأصل» و«الجحيم» و«الرمز المفقود» و«ملائكة وشياطين».

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«لا بد أنني فارقت الحياة.. هذا ما فكرت فيه المرأة وهي تنجرف عالياً فوق أبراج المدينة القديمة، تحتها كانت أبراج كاتدرائية القديس فيتوس المتلألئة تشع وسط بحر من الأضواء البراقة. تتبعت بنظرها، هذا إذا كانت لا تزال تملك عينين، الانحدار بلطف نحو قلب العاصمة البوهيمية، هناك تمتد متاهة من الأزقة المتعرجة المغطاة ببساط من الثلج المتساقط حديثاً.

شعرت بالضياع وبذلت جهداً لتفهم ما حلّ بها، قالت في محاولة لتطمئن نفسها: أنا عالمة أعصاب وأتمتع بكامل قواي العقلية، غير أن هذا الادعاء الثاني بدا لها موضع شك، الأمر الوحيد الذي كانت الدكتورة بريغيتا غسنر واثقة منه أنها معلقة الآن فوق مسقط رأسها مدينة براغ، لم يكن جسدها معها بل كانت بلا كتلة ولا شكل ومع ذلك كانت بقية كيانها؛ أي ذاتها الحقيقية ووعيها، سليمة ومتقدة تنجرف ببطء في الهواء باتجاه نهر فلتافا.

لم تستطع غسنر أن تتذكر شيئاً من ماضيها القريب، باستثناء ذكرى باهتة من الألم الجسدي، لكن بدا لها الآن أن جسدها لا يتكون إلا من الهواء الذي تنساب عبره. كان الإحساس فريداً لم يسبق لها أن خبرته، وعلى الرغم من كل ما تعرفه بوصفها عالمة لم تجد لذلك سوى تفسير واحد: مت وأنا الآن في العالم الآخر!

لكنها سرعان ما رفضت هذه الفكرة، في الواقع بوصفها طبيبة كانت على دراية وثيقة بالموت؛ ففي كلية الطب وفي أثناء تشريح الأدمغة البشرية، فهمت غسنر أن كل ما يجعلنا ما نحن عليه؛ أي آمالنا ومخاوفنا وأحلامنا وذكرياتنا، ليس إلا مركبات كيميائية معلقة بشحنات كهربائية. وعندما يموت الإنسان ينقطع مصدر الطاقة في دماغه وتذوب تلك المركبات وتتحول إلى بركة سائلة بلا معنى، لكنها الآن تشعر بأنها حية تماماً».


الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية
TT

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها، وكيف تُدير علاقتها بالماضي والحاضر والمستقبل. هناك دول تجعل الماضي مادةً للفهم، وتبني مشروعها على ما يمكن أن يكون، وهناك دول تجعل الماضي مرجعاً أعلى، وتعيد إنتاجه في الحاضر بوصفه معياراً للحكم.

يمكن أن نلاحظ هذا المعنى في تجارب مثل الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية الجديدة. كلتاهما حديثة نسبياً من حيث التكوين السياسي، فأعمارهما تتراوح بين المائتين والثلاثمائة سنة، وهذا منح كل واحدة منهما خاصية مهمة، هي أن مشروع كلٍّ منهما لم يُبنَ على استعادة ماضٍ بعيد، بل على تأسيس معنى جديد للحاضر. لم يكن هناك ثقل تاريخي يفرض نفسه بوصفه مرجعاً نهائياً، بل كان المجال مفتوحاً لبناء الشرعية على الإنجاز، وعلى القدرة على التشكّل.

الدولة الحية لا تنكر تاريخها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل مع الماضي بوصفه خبرة قابلة للتحليل، وأنه ليس سردية ملزمة. لذلك تكون هويتها مرنة، وشرعيتها قائمة على الفعل، وليست على الذاكرة. وهي لهذا لا تخاف التغيير، لأن التغيير جزء من بنيتها.

في الجهة المقابلة، تبدأ المشكلة حين يتحول التاريخ إلى سلطة. عندها لا يعود الماضي مادة للفهم، بل يصبح معياراً يُقاس عليه كل شيء، فتتشكل بنية كاملة من التعثر تمتد عبر الاقتصاد والتعليم والإدارة والثقافة. تُدار الموارد بعقلية الحفظ والخوف لا بعقلية المبادرة، ويُعاد إنتاج المعرفة بدل توليدها، وتتقدم الاستمرارية على الكفاءة، ويُستبدل بالإبداع التمجيد. وهنا لا يكون الفشل حادثة عابرة، بل يكون نمطاً يتكرر عبر العقود، لأن المنطلق واحد، وهو رد الحاضر دائماً إلى نموذج سابق.

ومع هذا النمط تتشكل طبقة أعمق، طبقة الوعي. فالمشكلة لا تبقى في المؤسسات، بل تمتد إلى طريقة إدراك الناس للعالم وتصورهم لأنفسهم فيه. بينهم يتكون وعي يميل إلى الخطاب أكثر من الفعل، وتُروى الحكايات بلغة الانتصار الذي لم يقع، حتى في لحظات الفشل العميق، وتُضخَّم الوقائع الصغيرة لتؤدي وظيفة نفسية، لا معرفية.

ويظهر هنا نوع من التكيّف المفرط، قدرة عالية على الاحتمال، لكنها تنقلب أحياناً إلى قبول طويل بالأوضاع بدل السعي إلى تغييرها. يعرف الفرد في داخله أن هناك خللاً، لكنه يتعامل معه بازدواجية، فيُبقي هذا الإدراك في مستوى صامت، بينما يشارك في خطاب علني يخففه أو ينفيه.

هذا الانفصال لا يأتي من جهل، بل من آلية دفاع. فالصورة المثالية عن الذات تُصبح شرطاً نفسياً للاستمرار، ولذلك يُعاد إنتاجها باستمرار، حتى لو كانت لا تنسجم مع الواقع وحتى إن كان الناس يقتاتون على أكاذيب ويعيشون في أوهام. وهنا تتشكل بطولات رمزية، وتُستعاد أمجاد آلاف السنين، ويُعاد تفسير الأحداث الواقعية بحيث تحافظ على تماسك هذه الصورة.

وفي هذا السياق، يصبح الحس الفكاهي وخفة الظل أداة مزدوجة، يخفف الضغط من جهة، لكنه قد يتحول إلى وسيلة للهروب من المواجهة من جهة أخرى. ومع الوقت، يتشكل حسّ حساس تجاه النقد، لا لأنه غير صحيح، بل لأنه يُفهم بوصفه تهديداً للصورة الجمعية. فيُستعاض عن المساءلة بالتبرير، وتُفسَّر الإخفاقات بعوامل خارجية، أو يُعاد تأويلها بما يحفظ المعنى العام للسردية. هنا لا يكون الكذب فعلاً واعياً بالضرورة، بل بنية يعيش داخلها التاريخيون. يعرفون في قرارة أنفسهم أن هناك فجوة بين الواقع وما يُقال، لكنهم يستمرون في إعادة إنتاج هذا الخطاب، لأنه يمنحهم شعوراً بالتماسك. وهكذا يصبح الانفصال عن الواقع شرطاً نفسياً للاستقرار، لكنه في الوقت نفسه يُعمّق الأزمة.

ويضاف إلى ذلك أن هذا النمط يعيش على استعراض عمر الدولة الطويل بوصفه دليلاً على العظمة، مع أن معظم المواطنين تعساء، ومع أن هذا العمر لم يُترجم إلى قدرة فعلية على البناء. تُذكر آلاف السنين كما لو كانت إنجازاً قائماً، بينما الحاضر عاجز عن تحقيق أبسط ما تحققه دول أصغر سناً بكثير. تتكرر المقارنة في الخطاب لا في الواقع، ويُستدعى التاريخ لتعويض فجوة الإنجاز. ومع وفرة الموارد، يبقى العائد محدوداً، لأن المشكلة ليست في الإمكانات، بل في طريقة النظر إليها، حيث تُستهلك دون أن تتحول إلى مشروع منتج يغيّر ملامح الواقع.

أما الدولة الشابة الحية، فتسير في الاتجاه المعاكس. لا تحتاج إلى حماية صورة مثالية، لأنها لا تدّعي الاكتمال. تقبل بالنقص، وترى في الاعتراف بالخلل بداية للإصلاح. تبني شرعيتها على الفعل، لا على الحكايات والأساطير، ولا تسمح لذاكرتها بأن تتحول إلى معيار يحكم قراراتها اليومية. لهذا تظل قادرة على التغير، لأن وعيها مفتوح، لا مغلق. ولا تعيش داخل سردية جاهزة، بل تصنع سرديتها مع كل خطوة.

وفي النهاية، لا تنهار الدول لأنها فقيرة في تاريخها، بل لأنها تُخطئ النظر إلى واقعها. الدولة الحية ترى ما هو كائن، فتُحسِن التعامل معه، وتبني عليه ما يمكن أن يكون. أما الدولة التاريخية، فتُصرّ على أن ترى ما تتمنى، فتفقد القدرة على الفعل، وتكتفي بالتعويض الرمزي، والخطاب العالي، والبطولات المتخيَّلة. هنا لا يكون الماضي ذاكرةً تُعين على الفهم، بل يصبح عبئاً يُعطّل الحاضر، ويُغلق أفق المستقبل. لذلك، فمصير الدولة لا يُحسم في أرشيفها، بل في وعيها. ليس السؤال كم عاشت، بل كيف تعيش؟ هل تُقيم في العالم كما هو، أو في صورةٍ عنه تُرضي نرجسيتها؟ في هذا الاختيار الصامت، الذي لا يُعلن نفسه، يتقرر كل شيء.

* كاتب سعودي