يوميات الحرب الليبية (2): «إخوان» ليبيا أسسوا جهاز مخابرات في طبرق.. وسعوا لاغتيال نواب من البرلمان الجديد ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي

«الشرق الأوسط» ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي

طفل ليبي يقف على جانب شارع الحرية في مدينة طبرق ويبدو متأثرا بأجواء الحرب التي تشهدها البلاد، حيث يصوب بعصا كأنها بندقية، وأحد أقرانه يراقب حركته (تصوير: «الشرق الأوسط»)
طفل ليبي يقف على جانب شارع الحرية في مدينة طبرق ويبدو متأثرا بأجواء الحرب التي تشهدها البلاد، حيث يصوب بعصا كأنها بندقية، وأحد أقرانه يراقب حركته (تصوير: «الشرق الأوسط»)
TT

يوميات الحرب الليبية (2): «إخوان» ليبيا أسسوا جهاز مخابرات في طبرق.. وسعوا لاغتيال نواب من البرلمان الجديد ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي

طفل ليبي يقف على جانب شارع الحرية في مدينة طبرق ويبدو متأثرا بأجواء الحرب التي تشهدها البلاد، حيث يصوب بعصا كأنها بندقية، وأحد أقرانه يراقب حركته (تصوير: «الشرق الأوسط»)
طفل ليبي يقف على جانب شارع الحرية في مدينة طبرق ويبدو متأثرا بأجواء الحرب التي تشهدها البلاد، حيث يصوب بعصا كأنها بندقية، وأحد أقرانه يراقب حركته (تصوير: «الشرق الأوسط»)

تواصل «الشرق الأوسط» في هذه الحلقة الثانية اجتياز خطوط النار ورصد يوميات الحرب الليبية التي تنحصر حتى الآن بين قادة جماعة الإخوان المتشددين، خصوصا من أولئك الذين ينتمون إلى مدينة مصراتة التجارية والواقعة على البحر المتوسط، والجيش الوطني الليبي الذي تتركز قواته حتى الآن على مشارف بنغازي وهو يحاول أن يقلم أظافر أتباع الجماعة من الميليشيات المتشددة، خصوصا في كل من مدينة درنة التي أعلنت نفسها كإمارة تابعة لتنظيم داعش، وبنغازي الموالية لتنظيم القاعدة.
وبينما يبدو الجيش مصمما على خوض المعركة إلى النهاية، بدأت الميليشيات المتطرفة تشعر بالخطر. فبعد أن خسرت جماعة الإخوان وحلفاؤها انتخابات البرلمان منتصف هذا العام، اختارت السلاح لغة وحيدة حتى الآن للسيطرة على السلطة، ومحاربة جيش الدولة الوليد، ورفض الاعتراف بالبرلمان الجديد الذي اضطر إلى عقد جلساته في مدينة طبرق الواقعة على بعد نحو 1500 كيلومتر شرق العاصمة، لكن الشيخ محمود المنفي، وهو أحد القيادات الشعبية في طبرق، يقول إن المدينة ذات الطابع القبلي ترفض نهج المتطرفين في الحكم، وتتولى مع أبناء قبيلتي «العبيدات» و«القطعان» حماية مقر البرلمان إلى جانب قوات الجيش والشرطة.
هذا يبدو لك من الوهلة الأولى على السطح، لكن في الجلسات المغلقة تستمع إلى حديث من نوع مختلف، ومثير للقلق، عن الخلايا الإخوانية النائمة في المدينة التي يبلغ عدد سكانها نحو 140 ألف نسمة، وتعيش فيها الكثير من الجنسيات من مصريين وفلسطينيين وسوريين وسودانيين، وغيرهم. ويبدو مصطلح «الخلايا الإخوانية النائمة» مصطلحا موجزا عن التنظيمات المتطرفة التي تنتشر في ليبيا، وتتخذ من جماعة الإخوان غطاء سياسيا، رغم نفي الجماعة التهمة عن نفسها، وقولها إن ما تقوم به من عمليات قتالية تهدف إلى الحفاظ على ثورة 17 فبراير 2011 ممن يريدون الانقلاب عليها، في إشارة إلى «البرلمان الجديد» و«الجيش الوطني».
ويقول الشيخ عبد الله سعيد، وهو خطيب وإمام لمسجد المركز الطبي، أحد أكبر مساجد المدينة، إنه تلقى تهديدات من تنظيم داعش الذي يستوطن في مدينة درنة لواقعة على بعد نحو 150 كيلومترا إلى الغرب من طبرق، بعد أن هاجم الشيخ سعيد في خطبه المتطرفين الذين يرفعون السلاح في وجه الجيش والبرلمان. وبالإضافة إلى المسجد الذي يغص بألوف المصلين في صلاة الجمعة، يضم مقر المركز الطبي أيضا أماكن للعلاج، ونافذة حكومية لتخليص إجراءات سفر جرحى الحرب الذين يأتون من بنغازي وسبها، وتستدعي إصاباتهم العلاج في الخارج في دول كمصر وتونس والأردن.
ويعكس تاريخ المركز الطبي، في السنوات الأخيرة، رغبة الليبيين في فرض الاستقرار في البلاد، والتخلص من حالة الفوضى التي أعقبت انتهاء نظام القذافي. ففي أثناء «الثورة» ضد القذافي، اضطر عشرات الأطباء والممرضين الأجانب إلى ترك شققهم السكنية المخصصة لهم داخل المركز الطبي، والعودة إلى بلادهم. وعندها قام بعض المواطنين باحتلال تلك الشقق، واتخاذها مساكن لهم، إلا أن أهالي طبرق وقادتها تمكنوا من إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، وأعادوا الشقق لتكون تحت أمر المركز وأطبائه وممرضيه.
وبينما تقف عدة سيارات لقوات الأمن حول مسجد المركز لحراسة ألوف المصلين، تحدث الشيخ سعيد، في خطبة صلاة الجمعة، ومن فوق منبر المسجد، عن تهديدات «داعش» له ولأبناء طبرق، وأبدى تحديا للمتطرفين في عموم البلاد، خصوصا بنغازي ودرنة.
ويبدو المزاج العام في طبرق رافضا للإخوان ومن معهم من متشددين، ويتسم أهالي المدينة بشكل عام بالتدين لكن بشكل معتدل ووسطي. ولهذا يكشف ضابط في الاستخبارات الليبية برتبة مقدم، يدعى محمود، عن فشل الإخوان في إثارة القلاقل في طبرق حتى الآن «بسبب التماسك القبلي بالنسبة لأهالي المدينة، ورغبة العاملين الأجانب والأقليات الأخرى التي تعيش في المدينة في استمرار حالة الاستقرار بعيدا عن باقي المدن التي تشهد قتالا عنيفا بين المتطرفين والجيش الوطني».
ومع حالة الترقب واليقظة التي تتسم بها المدينة، سواء على الصعيد الأمني أو الشعبي، بدأت الكثير من القطاعات التجارية والخدمية في محاولة الاستفادة من انتقال البرلمان إلى طبرق. جميع فنادق المدينة أصبحت تغص بنواب البرلمان وذويهم ومساعديهم، بداية من فندق «دار السلام» ذي الخمس نجوم، حتى الفنادق الصغيرة المنتشرة في وسط المدينة وضواحيها، من أمثال فندق القافلة والزين والجبل. ونشطت المطاعم والمقاهي ومحال الاتصالات ودكاكين السلع الأساسية وسيارات الأجرة.
وقامت بعض المقاهي الواقعة على البحر التي كانت مهجورة منذ عهد القذافي،، الذي قتل أثناء الانتفاضة المسلحة أواخر عام 2011، بفتح أبوابها مجددا لكنها لم تقم بأي ترميمات تذكر للتخلص من آثار الحرائق والكتابات الثورية، في انتظار حسم معارك الجيش ضد المتطرفين، وهي معارك بدأت أخبارها تطغى على الحياة اليومية لليبيين في المدن الهادئة مثل «طبرق» و«البيضاء» و«شحات»، وغيرها، وتأثر بها حتى الأطفال الذين عادوا للتصويب تجاه بعضهم بعضا بالعصي كأنها أسلحة.
وعلى أحد هذه المقاهي الملقب بالنادي البحري، يوضح المقدم محمود قائلا إن الإخوان حين هيمنوا على السلطة منذ عام 2012 حتى انتخاب البرلمان الجديد، الصيف الماضي، أهملوا جهاز المخابرات الليبي، ضمن توجه عام لتهميش كل مكونات الدولة وعلى رأسها الجيش والشرطة.
ويضيف المقدم محمود أن جماعة الإخوان الليبية جماعة صغيرة ومحدودة الإمكانات، لكنها تلقت تعزيزات كبيرة من الجماعات المتطرفة الأخرى، ومنها «الجماعة الليبية المقاتلة»، الأقرب إلى تنظيم القاعدة، حيث تأسست الجماعة الأخيرة أصلا في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي، لمقاتلة نظام القذافي، ومنها أيضا جماعة «أنصار الشريعة» التي أعلنت تأييدها لتنظيم القاعدة، بعد أن انشقت عن ميليشيات وكتائب متطرفة أخرى، خصوصا في بنغازي، مثل كتيبة «17 فبراير»، وكتيبة «راف الله السحاتي»، مشيرا إلى أن كل هذه الكتائب والميليشيات أصبحت تأتمر بأوامر جماعة الإخوان، وكانت تتلقى أموالا ضخمة من خزانة الدولة أثناء حكم الإخوان، الذين قاموا بتكليفها بحماية المؤسسات العامة والحدود، على حساب بناء الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية الضرورية للدولة ومن بينها جهاز المخابرات العامة الليبية المعرف باسم «جهاز الأمن الخارجي».
وبعد أن أسقط الليبيون جماعة الإخوان والجماعات المتطرفة المتحالفة معها في انتخابات البرلمان التي جرت منتصف هذا العام، لجأت تلك الجماعات إلى حمل السلاح للإبقاء على نفوذها في الدولة بالقوة، وأفشلت مساعي البرلمان الجديد لعقد جلساته في مدينة بنغازي كما ينص الإعلان الدستوري، ما اضطر البرلمان إلى الانتقال إلى طبرق، وتسيير جلساته فيها بشكل مؤقت.
هكذا يتحدث المقدم محمود وهو جالس أمام بحر طبرق في «النادي البحري» حيث تبدو أضواء ناقلات النفط والبضائع تلمع من بعيد على صفحة البحر في الظلام. ويضيف وهو يتناول كوب عصير الليمون من النادل المصري، أن المخابرات التي ما زالت تعمل بإمكانات ضعيفة اكتشفت محاولة قام بها الإخوان للتجسس على برلمان طبرق وعلى الأمن المصري قرب الحدود، إضافة إلى محاولة أخرى لتأسيس فرع في طبرق لتنظيم خاص بالجماعة يعمل على إثارة القلاقل وتنفيذ عمليات تفجير للبرلمان واغتيالات ضد النواب أيضا.. و«هذه الأعمال اليائسة لإسقاط السلطة الشرعية في الدولة».
وتعد طبرق أقرب المدن إلى معقل «داعش» في درنة، بينما تبعد عن معقل «أنصار الشريعة» في بنغازي نحو 450 كيلومترا، ولهذا يقول المقدم محمود إنه كلما زاد الضغط والحصار على الإرهابيين كان هناك توقع بأن يلجأوا للتسلل إلى طبرق للاختباء فيها، ومن ثم تنفيذ عمليات إرهابية، أو محاولة التوغل شرقا ناحية مصر، للانضمام إلى المتطرفين هناك، خصوصا في سيناء والمناطق الحدودية الأخرى.
لكن المقدم محمود يضيف قائلا إن السلطات الأمنية تدرك هذا، وتراقب تحركات المتطرفين، بالتعاون مع أبناء القبائل وبعض السلفيين الذين فروا من درنة وبنغازي، مشيرا إلى أن التنظيمات المتطرفة أصبحت تتهم هؤلاء السلفيين الليبيين بـ«الكفر» لأنهم انحازوا إلى السلطة الشرعية في البلاد الممثلة في البرلمان الجديد والحكومة، مشيرا إلى أن عددا من أبناء المدينة تمكنوا من القبض على 3 ينتمون إلى أنصار الشريعة كانوا قادمين، قبل أسبوعين، لتنفيذ عمليات تخريبية ضد البرلمان، بعد أن تلقى التنظيم ضربات موجعة لمعاقله في بنغازي.
وتمتد مدينة طبرق القديمة على لسان عريض من اليابسة داخل البحر، ويكوِّن منها شبه جزيرة تنتشر على سواحلها الموانئ التجارية والنفطية، كما توجد سواحل أخرى على مقدمة اللسان البحري محاطة بأسوار طويلة كانت ستتحول إلى قرى سياحية أيام نظام القذافي. وكانت تلك الأسوار، وبعض بواباتها المهدمة الآن، تمنع مواطني المدينة من الاقتراب من هذه الشواطئ، لكن اليوم كان من السهل أن ترى عائلات من أهل طبرق تمضي الوقت وهي تلهو أمام الموج على الرمال البيضاء، على خلفية تبدو فيها أسراب للطيور ومراكب للصيد.
ويقع مبنى البرلمان على المدخل الخارجي للمدينة من ناحية الشرق، أي أن ظهره بالكامل لليابسة، بينما وجهه يطل على خليج بحري صغير، وفي الضفة الأخرى من هذا الخليج يقع الميناء، وفيه عدة سفن عملاقة، ومن خلف الميناء تمتد باقي مدينة طبرق وهي تلتف على سواحل البحر من الجهات الثلاث.
وهنا حاولت جماعة الإخوان تأسيس مكتب سري للقيام بعدة مهام منها تنفيذ عمليات تخريبية في المدينة بما فيها مبنى البرلمان، ومنها أيضا زرع عملاء للتردد على الجانب الآخر من الحدود لمراقبة تحركات الأمن المصري هناك، وما إذا كان يستعد للدخول بنفسه لمساعدة الجيش الليبي في حربه ضد المتطرفين أم لا.
ويكشف اثنان على علاقة بهذه القصة عن جانب من هذه المعلومات، وهما مسؤول في الجيش الوطني الليبي بالمنقطة الشرقية، اسمه حسين، وقائد سابق للثوار من طبرق، يكنى بـ«جبريل». ويقول الضابط حسين، الذي طلب الاكتفاء بذكر اسمه الأول، إن جماعة الإخوان، خلال الشهرين الماضيين، خصوصا أثناء هجوم الميليشيات المسلحة التي كانت تقودها الجماعة على مطار طرابلس، سعت إلى فتح مكتب لها في طبرق كفرع لجهاز أمني خاص بها.
ويضيف أن الجماعة كانت قد استحدثت هذا الجهاز عقب سقوط حكم الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، في منتصف العام الماضي، للتجسس على خصوم الجماعة السياسيين في الداخل الليبي، حين شعرت أن مكانتها كانت تتراجع في الشارع الليبي أيضا، ثم تطور هذا الجهاز بعد ذلك وأسست له مكاتب في مصراتة وفي طرابلس وفي بنغازي، وأصبحت الجماعة تعول عليه بشكل كبير في حربها المسلحة من أجل حكم ليبيا بالقوة، عقب خسارتها للانتخابات هذا العام.
وتابع قائلا إن الجماعة قررت فتح فرع للجهاز في طبرق عقب انتقال البرلمان إلى هذه المدينة الهادئة، وأجرت اتصالا بـ«جبريل» الذي كان من قادة الثورة ضد القذافي، ولا ينتمي إلى الجماعة، وأنه أقرب إلى التيار السلفي، وعرضت عليه تولي مسؤولية المكتب المزمع افتتاحه في طبرق، مشيرا إلى أن هيمنة جماعة الإخوان على الحكم في ليبيا خلال الأعوام الثلاثة الماضية شهدت إهمالا كبيرا لجهاز المخابرات الرسمي، ضمن سياسة عامة للقضاء على أجهزة الدولة من جيش وشرطة وأجهزة أمنية، مقابل استحداث مؤسسات لدولة الإخوان تتكون من ميليشيات تحل محل الجيش والشرطة وأجهزة أمن سرية تعمل كأجهزة مخابرات داخلية وخارجية تابعة للجماعة.
ورتب الضابط حسين لقاء لـ«الشرق الأوسط» مع جبريل، وهو شاب في بداية الثلاثينات من العمر، ومن أبناء طبرق، وطلب عدم نشر اسمه الحقيقي أو اسم قبيلته، وأفاد بأنه في البداية لم يكن يعلم أن المكتب يخص الإخوان ولكن يخص جهاز الأمن الخارجي (المخابرات الليبية)، إلا أنه بدأ يدرك أن العملية برمتها تخص جماعة الإخوان حين نظم له رجل إخواني يدعى يوسف ويتولى المسؤولية في مكتب الإخوان في بنغازي، زيارة لمكتب الجهاز الخاص في كل من بنغازي وطرابلس.
ويقول جبريل إن القيادي الإخواني يوسف أخبره، حين كان معه في مكتب بنغازي، أن الجهاز الأمني لا يتبع المخابرات الليبية الرسمية، رغم أن القائد الأعلى لهذا الجهاز ويدعى سالم هو نفسه رجل مخابرات عينه الإخوان في الموقع حين هيمنوا على السلطة في البلاد عقب مقتل القذافي، مشيرا إلى أن سالم ينتمي أصلا إلى مدينة شحات في وسط ليبيا، وكان في السابق لاجئا في الولايات المتحدة الأميركية، ويقيم في الوقت الحالي في مدينة مصراتة الواقعة على بعد نحو 200 كيلومتر شرق العاصمة، ويدير منها شؤون المكتب الإخواني رغم أن مقره الرئيس يقع في طرابلس.
ويضيف جبريل أن يوسف أخبره أن الجهاز اسمه «الأمن الخاص»، يشبه جهاز المخابرات، وأنه لاحظ أن مكتب بنغازي ومكتب طرابلس مجهزان بأحدث أنواع الأثاث وأحدث التقنيات، بما فيها أجهزة اعتراض المكالمات الهاتفية والتنصت على الهواتف المحمولة والأرضية، إضافة إلى وحدة خاصة للدخول على البريد الإلكتروني للشخصيات المطلوب تتبعها. ويقول إن هذه التجهيزات لا تحظى بها مكاتب جهاز المخابرات الرسمي التي ما زال أغلبها يفتقر إلى أبسط الإمكانات، ولا توجد في الكثير منها حتى أجهزة الاتصالات العادية، مثل اللاسلكي والهواتف الأرضية والمحمولة، كما أن الأثاث فيها ما زال محطما أو محترقا كما هو منذ ثورة الليبيين على القذافي.
ويقع منزل جبريل في منطقة مشهورة بأنها كانت محل سكن للكثير من القيادات الليبية التاريخية، على لسان بحري تتراص عليه الفيلات والمعسكرات، وتقع على شاطئية أيضا مبان عامة ومؤسسات، منها مقر القوات البحرية في المدينة وفرع لهيئة النفط ومركز للميناء، وغيرها.
وكان يسكن في هذه المنطقة أحمد قذاف الدم، ابن عم العقيد الراحل، حين كان مسؤولا في المنطقة العسكرية الليبية الشرقية، وكذا كان يقيم هنا اللواء المتقاعد خليفة حفتر قبل أن يقود القوات البرية في الحرب على تشاد في ثمانينات القرن الماضي، والذي يقود في الوقت الحالي عملية الكرامة العسكرية ضد المتطرفين في البلاد. ويوجد أيضا منزل الضابط والشاعر الشهير إدريس الشهيبي، الذي كان يخطط للانقلاب على القذافي إلى أن وشى به أحد أصدقائه عند القذافي، ففر باتجاه مصر إلى الصحراء إلى أن مات فيها وحيدا.
ويجلس جبريل فوق سطح بيته المكون من طابق واحد، ويشرف على المنطقة بالكامل، ويتحدث وهو يشير إلى ذكريات المباني المحيطة به ومن عاشوا فيها وما آل إليه مصير كل منهم.
ويواصل موضحا أن عددا من قادة جماعة الإخوان وكوادرها كانوا يحاربون مع الشبان الليبيين العاديين المتطوعين على الجبهة ضد قوات القذافي، لكن بعد انتهاء نظام العقيد الراحل بدأ هؤلاء القادة من الإخوان ومن معهم من متطرفين، يتقوقعون على أنفسهم، وينتظمون في قيادة ميليشيات وكتائب.. «بينما كنا نحن الشباب العادي نسلم أسلحتنا لمعسكرات الجيش، ونرجع إلى بيوتنا ووظائفنا السابقة.. الحرب بالنسبة إلينا كانت قد انتهت، لكن بالنسبة إلى جماعة الإخوان كانت قد بدأت، وللأسف لم ندرك ذلك إلا متأخرا جدا».
ويتابع جبريل قائلا إن يوسف الذي أصبح في ما بعد المسؤول في الجهاز الإخواني الخاص في بنغازي كان من ضمن المقاتلين على الجبهة ضد قوات القذافي، إلا أن علاقته به انتهت بعد خطاب مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الانتقالي السابق، الذي أعلن فيه، في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2011، بداية مرحلة جديدة في ليبيا بمقتل القذافي. ويضيف أنه ومن معه من شباب الثورة من أبناء مدينة طبرق سلموا أسلحتهم لمعسكر الجيش الذي كان يقع في منطقة بنينة جنوب بنغازي، ورجع إلى أسرته وعمله، إلى أن اتصل به يوسف، في شهر أغسطس (آب) الماضي، وطلب منه زيارته في بنغازي، وهو ما حدث، حيث.. «دخلت المكتب لأول مرة، وكان يقع في فيلا قرب مقر القنصلية المصرية في المدينة».
واعتقد جبريل في البداية أن جهاز المخابرات الليبي بدأ يستعيد نفسه وعمله، وأنه لهذا السبب جرى اختياره للالتحاق بالعمل فيه.. «لأنني كنت مكلفا أيام الثورة بجمع معلومات عن المقاتلين الليبيين العائدين من الخارج، ممن يحملون جنسيات أجنبية، كالأميركية والبريطانية والفرنسية، بحكم ولادتهم هناك لآباء كانوا منفيين أيام حكم القذافي». ويضيف: «قلت في نفسي إن جهاز المخابرات يريد أن يوظفني، وفرحت، خصوصا أن يوسف لم يذكر لي أن هذه المكاتب تتبع جماعة الإخوان إلا بعد زيارة الفرع الثاني الذي يقع في البرج السكني الرئيس في سوق الجمعة في طرابلس».
وبعد أن أمضى في المكتب يوما كاملا، يقول جبريل إنه تمكن من التعرف على وجوه إخوانية، من بينهم قيادات سابقة في البرلمان، وآخرون ينتمون إلى جماعات مثل الجماعة الليبية المقتلة وأنصار الشريعة.. ويضيف أنه بدأ يشعر بالخطر، وأنه لا يمكنه أن يعلن رفضه العمل مع الجهاز الإخواني الخاص وهو بين أيدي الجماعة وميليشياتها في طرابلس.
وخلال وجوده في مكتب العاصمة تلقى جبريل أول تكليف بمهمتي عمل داخل مصر، الأولى تتعلق بمراقبة تحركات عدد من رموز نظام القذافي في القاهرة، لتحديد أماكن إقامتهم والأنشطة التي يقومون بها، والثانية بالتوجه من القاهرة إلى صحراء مصر الغربية التي توجد فيها مقار أمنية، للتأكد من معلومات استقتها الجماعة من عملاء لها، عن نقل مصر لمعدات وآليات قتالية جديدة قرب الحدود مع ليبيا.
وأبلغه يوسف ومن معه من قادة الإخوان في مقر طرابلس أن الجماعة قررت تأسيس مكتب لها في طبرق يدير عملياته بشكل سري، وأنها اختارته لرئاسته بعد أن ينتهي من مهمة السفر إلى مصر.. «طلب مني يوسف التفرغ لرئاسة المكتب في طبرق تحت اسم مكتب تجاري عام، مقابل تخصيص نفقات مالية كبيرة من بينها راتب يبلغ 6 آلاف دولار في الشهر».
وتظاهر جبريل في البداية بالموافقة إلى أن تمكن من العودة إلى طبرق، وعليه أخذ يتهرب من اتصالات يوسف، وتحجج بأن لديه التزامات أسرية ولا يستطيع أن يسافر إلى القاهرة، أو أن يتولى مسؤولية فرع الجهاز الأمني المزمع فتحه في طبرق. وانضم جبريل، في المقابل، إلى جهاز أمني يديره الجيش الوطني الليبي لجمع المعلومات عن الإخوان والمتطرفين، وكانت أولى مهامه تقديم التفاصيل الكاملة عن الجهاز الإخواني الخاص.
وقبل مغادرة منزل جبريل، حذر في لهجة جادة من «الخلايا النائمة في المدينة»، قائلا إن «هذه الخلايا موجودة في الكثير من المواقع في طبرق، وتضم عناصر تتحرك بأوامر من الإخوان، ومن (داعش)، ومن (أنصار الشريعة)، وكلها تنظيمات تحارب بالجيش وتتحين الفرص للقيام بأعمال تخريبية وإثارة القلاقل في المدن الهادئة في شرق البلاد، وعلى رأسها طبرق»، التي شهدت تفجيرا في مديرية الأمن نفذه مجهولون، لكن الله سلم، ولم يسقط فيه أي ضحايا.
وتبدو طبرق مثل كل شيء في ليبيا.. مدينة تقبض على الجمر في انتظار وجود نظام ووجود دولة. وكأن الزمن توقف عند مقتل القذافي في أواخر عام 2011. لا جديد.. معهد البترول، الذي كان من أكبر المعاهد في هذا المجال في أفريقيا، ما زال أطلالا لا حياة فيه، والشوارع التي كان النظام السابق يعمل على إعادة رصفها، تركت دون غطاء أسفلتي طيلة السنوات التي أعقبت «الثورة» ولم ترصف بعد، مثل شارع الحرية، وهو شارع جديد مزدوج وواسع ويخترق قلب المدينة تقريبا، لكنه ما زال مغطى بالتراب والحفر، كما أن أعمال التجديد في شارع فلسطين، أقدم شوارع المدينة، متوقفة.
وأمام المقر الذي يعقد فيه البرلمان جلساته تصطدم بمشكلة طفح الصرف الصحي المستمرة منذ عهد القذافي حتى الآن، حيث تغطي مياه المجاري الشارع الذي يعد أيضا المدخل الشرقي للمدينة، ويؤدي كذلك إلى مبنى مجلس النواب. ولا تخلو جلسات الليبيين من أحاديث تعكس وجود إدراك للأزمة التي تمر البلاد، خصوصا في المدن التي تحولت إلى أوكار للمتطرفين، بمؤازرة «الإخوان».
وفي لقاء عقده مشايخ لقبائل المدينة في ساحة «سوق المصطبة»، وهي منطقة دائبة الحركة بسبب كثافة العمالة المصرية فيها، يقول الشيخ أبو حسين، أحد قادة القبائل، إن الشعب كره حكم جماعة الإخوان ولفِظها بعد أن جربها عقب سقوط نظام القذافي، واكتشف أنها كانت تعمل لنفسها وليس للصالح العام ولا لجموع الليبيين، و«النتيجة أن كل شيء ما زال ينتظر انتهاء الحرب لكي نتفرغ لبناء الدولة».
ويقول زعماء القبائل في طبرق إن الغالبية العظمى من شباب «العبيدات» و«المنفة» و«القطعان» وغيرها في المدينة وضواحيها يؤيدون الجيش الوطني والبرلمان الجديد، ويتعاملون مع النواب باعتبارهم ضيوفا لديهم، ولن يسمحوا بأي أذى أو اعتداء عليهم أو على مقر البرلمان الذي يتخذ من فندق «دار السلام» مقرا له.
ولهذا يبدو أن نواب البرلمان ومن معهم من مرافقين بدأوا يشعرون بأمان أكثر رغم التهديدات، ففي بداية انعقاد أعمال البرلمان، استأجر مجلس النواب مركبا عائما ليكون بمثابة مقر إقامة للنواب، كإجراء تأميني إضافي، رغم الكلفة العالية لهذا الإجراء، إذ كانت المركب أو الفندق العائم للنواب يتكلف 76 ألف دولار في الشهر.
ومع ذلك ما زال موظفو البرلمان يقومون بمنع التصوير داخله خوفا من نشر صور مساعدي النواب على صفحات «فيسبوك» الأكثر استخداما بين الليبيين، وبالتالي، كما يقول المسؤول الملقب بـ«العبيدي»، وهو رجل طويل وممتلئ، ويشرف على الأمن بالمجلس: «توجد خشية من أن يصبح مساعدو النواب عرضة للاغتيالات، ليس هذا فقط، بل يتخوف مساعدو النواب القادمون من المدن الملتهبة، مثل بنغازي وطرابلس ومدن الجنوب أيضا، من استهداف المتطرفين لبيوتهم وأسرهم وعائلاتهم انتقاما منهم لأنهم يعملون مع نواب البرلمان. كما أنه، وبسبب العمليات القتالية الجارية بين قوات الجيش الوطني والمتطرفين في بنغازي ومدن أخرى، انتقل غالبية نواب تلك المدن للإقامة بأسرهم في طبرق».
ويوجد في البرلمان الكثير من الموظفين الأمنيين من قبيلة العبيدي أيضا، وهي نفس القبيلة التي ينتمي إليها رئيس البرلمان، عقيلة صالح، وهم يسعون بين جنبات المبنى لمراقبة كل شيء، وللحفاظ على النظام على أكمل وجه، بغض النظر عن أي شيء آخر. ويقول العبيدي إن «هذه أخلاق القبائل الليبية التي أصبحت عرضة للتآكل في بعض المناطق بسبب المتطرفين وبسبب سيطرة قيادات متسترة باسم الدين ولا تضع أي اعتبار للقيم والأخلاق واحترام الآخرين». ويضيف أن «ما نقوم به هو تطبيق للأخلاق العربية التي تعكس حالة الكرم والضيافة.. نحن نستقبل النواب، وهم ضيوفنا إلى أن ينتقل البرلمان إلى بنغازي بسلام بعد انتصار الجيش على المتطرفين».

يوميات الحرب الليبية (الحلقة الأولى): عناصر الأمن أكثر من المسافرين على حدود ليبيا.. وتحذير من «بوابات» للمتطرفين


رهان يمني على الدعم السعودي والدولي لقطاع الكهرباء

الحكومة اليمنية تسعى للشراكة مع القطاع الخاص لإنهاء معضلة نقص الكهرباء (إكس)
الحكومة اليمنية تسعى للشراكة مع القطاع الخاص لإنهاء معضلة نقص الكهرباء (إكس)
TT

رهان يمني على الدعم السعودي والدولي لقطاع الكهرباء

الحكومة اليمنية تسعى للشراكة مع القطاع الخاص لإنهاء معضلة نقص الكهرباء (إكس)
الحكومة اليمنية تسعى للشراكة مع القطاع الخاص لإنهاء معضلة نقص الكهرباء (إكس)

في محاولة جديدة لوضع قطاع الكهرباء في اليمن على مسار التعافي، تراهن الحكومة اليمنية على توسيع الشراكة مع القطاع الخاص، والاستفادة من الدعم السعودي والدولي، لإعادة بناء واحد من أكثر القطاعات تضرراً بفعل الحرب والأزمات الاقتصادية المتراكمة، وذلك عبر حوار رفيع المستوى استضافته العاصمة السعودية الرياض، بمشاركة مسؤولين يمنيين وشركاء إقليميين ودوليين ومستثمرين في قطاع الطاقة.

ويأتي انعقاد الحوار، الذي ينظمه البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن بالشراكة مع مجموعة البنك الدولي، في وقت تعاني فيه المدن اليمنية، وفي مقدمتها العاصمة المؤقتة عدن، من تدهور مستمر في خدمة الكهرباء، نتيجة تقادم البنية التحتية، ونقص الوقود، وارتفاع تكاليف التوليد، فضلاً عن محدودية الاستثمارات في القطاع خلال سنوات الصراع.

وشارك في أعمال الحوار فريق وزاري يمني يضم وزيرة التخطيط والتعاون الدولي؛ أفراح الزوبة، ووزير الكهرباء والطاقة؛ عدنان الكاف، ووزير الصناعة والتجارة؛ محمد الأشول، إلى جانب ممثلين عن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، ومجموعة البنك الدولي، ومؤسسة التمويل الدولية، والوكالة الدولية لضمان الاستثمار، وعدد من ممثلي القطاع الخاص اليمني والشركات السعودية والدولية العاملة في قطاع الطاقة.

وناقش المشاركون، على مدى يومين، جملة من القضايا المرتبطة بمستقبل قطاع الكهرباء، من بينها نماذج الشراكة المناسبة للبيئة اليمنية، والإطار التشريعي والتنظيمي اللازم لجذب الاستثمارات، وأدوات تخفيف المخاطر أمام المستثمرين، إضافة إلى مشروع «إنعاش قطاع الكهرباء من أجل انتقال عادل»، الذي تدعمه المؤسسات الدولية.

وبحسب القائمين على الحوار، تضمنت النقاشات جلسات متخصصة مع كبار المستثمرين الإقليميين والدوليين، بهدف استكشاف فرص الاستثمار الممكنة في قطاع الطاقة، خصوصاً في مجالات التوليد والطاقة المتجددة وتحسين شبكات النقل والتوزيع.

الكهرباء أولوية تنموية

أكدت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي في الحكومة اليمنية، أن قطاع الكهرباء يمثل أحد المحاور الرئيسية في خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وإعادة الإعمار للفترة بين 2027 و2031، معتبرة أن تحسين خدمات الكهرباء يشكل شرطاً أساسياً للتعافي الاقتصادي واستعادة الخدمات العامة وجذب الاستثمارات.

وثمنت الزوبة الدعم السعودي المتواصل لليمن، وجهود البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، إلى جانب الشراكة مع مجموعة البنك الدولي، مشيرة إلى أن الحكومة تنظر إلى القطاع الخاص باعتباره شريكاً استراتيجياً طويل الأمد في عملية التعافي وإعادة الإعمار.

وكشفت الوزيرة عن توجه حكومي لإعداد محفظة أولية من مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص عبر عدد من الوزارات، بالتوازي مع العمل على إنشاء وحدة متخصصة بالشراكة، تكون معنية بإعداد المشاريع وتنسيقها ومتابعة تنفيذها.

جانب من اجتماع تشاوري استضافته الرياض لدعم قطاع الكهرباء في اليمن (سبأ)

من جهته، استعرض وزير الكهرباء والطاقة المهندس؛ عدنان الكاف، أجندة الإصلاحات التي تتبناها الحكومة في القطاع، بما يشمل استعادة قدرات التوليد وتحسين الحوكمة وفتح المجال أمام مشاركة منظمة للقطاع الخاص عبر نماذج متعددة تتناسب مع الواقع اليمني.

وأشار الكاف إلى أن الحكومة ماضية في تنفيذ إصلاحات تهدف إلى تحويل قطاع الكهرباء إلى ركيزة تنموية مستدامة، مشيداً بالدعم السعودي والدولي المقدم لليمن في هذا المجال.

وفي السياق ذاته، أكد وزير الصناعة والتجارة محمد الأشول، أن إصلاح قطاع الكهرباء يمثل مدخلاً لتحريك الاقتصاد الوطني وتعزيز تنافسية الصناعة المحلية، لافتاً إلى أن الحكومة تعمل بالتوازي على تسهيل إجراءات تسجيل الشركات وتحسين بيئة التجارة والاستثمار.

وأضاف أن التوجه الحكومي يقوم على الانتقال التدريجي من الاعتماد على المساعدات، إلى اقتصاد قائم على التجارة والاستثمار والشراكة مع القطاع الخاص.

دعم سعودي ودولي

في سياق هذه النقاشات، أكد مساعد المشرف العام على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن؛ المهندس حسن العطاس، في كلمة نيابة عن السفير محمد آل جابر، أن قطاع الطاقة يمثل شرياناً أساسياً لبقية القطاعات الحيوية، وأن تحسين خدمات الكهرباء يعدّ جزءاً محورياً من جهود التعافي الاقتصادي وتحسين جودة الحياة في اليمن.

وأشار إلى أن مشاريع البرنامج السعودي في قطاع الطاقة، استفاد منها أكثر من 13 مليون شخص في مختلف المحافظات اليمنية، إضافة إلى استمرار تقديم منح المشتقات النفطية منذ عام 2018 لدعم تشغيل محطات الكهرباء.

بدورها، استعرضت المديرة القطرية لمجموعة البنك الدولي في اليمن؛ دينا أبو غيدا، جهود البنك في دعم قطاع الكهرباء، مؤكدة أن المؤسسات التابعة للمجموعة، بما فيها مؤسسة التمويل الدولية والوكالة الدولية لضمان الاستثمار، تعمل ضمن منظومة متكاملة لتقديم الدعم الفني والتمويلي وتخفيف المخاطر أمام المستثمرين.

وشددت أبو غيدا على أهمية أن يخرج الحوار بإجابات واضحة تتعلق بنماذج العمل الملائمة لليمن، وآليات جعل المشاريع قابلة للتمويل، والإصلاحات المطلوبة للانتقال من المعالجات الطارئة إلى حلول تنموية مستدامة.


تقرير دولي: ثلثا سكان عدن خارج خدمة المياه الحكومية

بدعم دولي تتم إعادة تأهيل 10 آبار للمياه في مدينة تعز (إعلام حكومي)
بدعم دولي تتم إعادة تأهيل 10 آبار للمياه في مدينة تعز (إعلام حكومي)
TT

تقرير دولي: ثلثا سكان عدن خارج خدمة المياه الحكومية

بدعم دولي تتم إعادة تأهيل 10 آبار للمياه في مدينة تعز (إعلام حكومي)
بدعم دولي تتم إعادة تأهيل 10 آبار للمياه في مدينة تعز (إعلام حكومي)

على الرغم من الجهود التي تبذلها الحكومة اليمنية لإصلاح قطاع الخدمات وإعادة تأهيل البنية التحتية في مناطق سيطرتها، كشف تقرير دولي حديث أن نحو ثلثي سكان مدينة عدن، العاصمة المؤقتة للبلاد، لا يحصلون على المياه عبر الشبكة العامة، في ظل تدهور واسع لقطاع المياه منذ تحرير المدينة من الحوثيين قبل 10 أعوام، وتراجع قدرة المؤسسات الخدمية على تغطية تكاليف التشغيل، حيث لا تتجاوز نسبة تحصيل الرسوم 20 في المائة من مستحقات مؤسسة المياه.

وبحسب التقرير الذي أعده مركز «أكابس»، فإن خدمات المياه في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية، تواجه معوقات هيكلية وتحديات تشغيلية معقدة، تشمل ضعف الحوكمة، والانقسام المؤسسي، والتقلبات المستمرة في إمدادات الوقود.

وأشار إلى أن قطاع المياه في عدن يعاني بصورة خاصة من الأضرار الناجمة عن الحرب، إضافة إلى الاختلالات الفنية والفوضى الإدارية.

ووفق ما جاء في التقرير، فإنه على الرغم من تشغيل نحو 90 بئراً من أصل 113 في مدينة عدن، فإنها لا تلبي سوى 50 في المائة من الطلب السنوي المقدر بـ87.6 مليون متر مكعب من المياه، كما أن شبكة المياه لا تغطي سوى 69 في المائة من مساحة المدينة.

وذكر التقرير أن اعتماد المدينة على حقول آبار تقع في محافظات مجاورة، يجعل إمدادات المياه عرضة للاضطرابات والتجاذبات السياسية.

ونبّه التقرير إلى أن تشظي السلطة في المدينة خلال فترة الانقسام الحكومي قبل تشكيل الحكومة الحالية، انعكس سلباً على مختلف جوانب إدارة القطاع، بدءاً من شراء الوقود وحتى توزيع المساعدات الخارجية.

ازدياد الربط العشوائي للمياه في عدن وتدني نسبة التحصيل (إعلام حكومي)

وأكد أن نظام استرداد التكاليف تعرض لانهيار شبه كامل بسبب ضعف تحصيل الفواتير؛ إذ لا تتجاوز الرسوم المحصلة 20 في المائة فقط من إجمالي المستحقات، فضلاً عن أن التعرفة الحالية لا تعكس التكلفة الفعلية لإنتاج المياه.

وشدد معدّو التقرير على أن غياب الإصلاحات الهيكلية والإشراف المؤسسي المنسق، يجعل من الصعب تحقيق أي تحسن ملموس في الخدمات، مؤكدين أن الاعتماد على البنية التحتية الحالية لم يعد كافياً. فمن أصل 33 بئراً كانت تغذي المدينة سابقاً، لم يتبقَّ سوى 15 بئراً قيد التشغيل، في وقت تتواصل فيه حالة التدهور بشبكة المياه.

تعز والمكلا

في مدينة تعز، أشار التقرير الدولي إلى أن انهيار البنية التحتية للمياه يعود بشكل رئيسي إلى الصراع على الأصول الحيوية واستمرار أزمة الوقود، موضحاً أن أكثر من نصف الآبار الاستراتيجية لا يزال تحت سيطرة الحوثيين، الأمر الذي حدّ بصورة كبيرة من القدرة الإنتاجية، وأخضع تشغيل القطاع لاعتبارات سياسية خارجة عن سلطة الجهات المحلية.

وتناول التقرير المحاولات الرامية إلى تعزيز إمدادات المياه عبر ضخ المياه من منطقة الحوبان الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وقال إنها كشفت هشاشة المشاريع المعتمدة على التمويل الخارجي، إذ أدى الدعم المؤقت الذي قدمته منظمة «اليونيسف» عبر توفير الديزل، إلى رفع الإنتاج اليومي بنحو 3 آلاف متر مكعب لفترة محدودة، قبل أن تتوقف التدخلات عقب مداهمة الحوثيين لمكتب المنظمة في صنعاء واعتقال عدد من موظفيها، ما تسبب في عودة الإنتاج إلى مستوياته السابقة.

وبحسب تقرير «مركز أكابس»، فإن بعض مشاريع المياه المدعومة من المانحين واجه اعتراضات من مجتمعات محلية وأطراف سياسية، بسبب مخاوف تتعلق بتوزيع الفوائد أو بوجود أجندات خارجية تقف خلف الجهات الممولة. وأشار التقرير إلى أن مشروعاً للمياه في حقل طالوق جنوب مدينة تعز، توقف نتيجة تلك الاعتراضات.

إعادة تأهيل خطوط ضخ المياه لمدينة المكلا بحضرموت (إعلام حكومي)

أما في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت، فأكد التقرير أن قطاع المياه لا يشهد نزاعاً على السيطرة، إلا أن تقادم البنية التحتية وضعف الإيرادات أثّرا بشكل مباشر على مستوى الخدمة. وذكر أن إمدادات المياه تراجعت خلال عام 2025 نتيجة أعطال المضخات، وانخفاض منسوب المياه الجوفية، وعدم استقرار الكهرباء، رغم ارتفاع الطلب على الخدمة.

وأوضح التقرير أن نحو 69 بئراً من أصل 175 بئراً في ساحل حضرموت، خرج عن الخدمة بسبب تهالك المعدات وتراجع إنتاجية الآبار، في حين لا يزال الاعتماد على الطاقة الشمسية محدوداً، ما يجعل القطاع شديد التأثر بانقطاع الكهرباء ونقص الوقود.

كما أشار إلى أن نسبة تحصيل الإيرادات لا تتجاوز 11.31 في المائة، وهي نسبة وصفها بالضعيفة للغاية.

سيئون تقدم نموذجاً

على النقيض من ذلك، اعتبر التقرير مدينة سيئون نموذجاً أكثر استقراراً ونجاحاً في إدارة قطاع المياه، مؤكداً أن الاستقرار النسبي للحوكمة، واستمرار أعمال الصيانة، والمشاركة المجتمعية الفاعلة، كل ذلك أسهم في تحقيق قدر من المرونة والاستدامة، حيث تلبي المدينة احتياجاتها اليومية المقدرة بـ25 ألف متر مكعب من المياه، رغم تزايد عدد السكان.

وأرجع التقرير هذا الأداء إلى اعتماد نظام ضخ يعمل بالطاقة الشمسية، وتحديث شبكات التوزيع، إذ تم استبدال أنابيب بلاستيكية حديثة بنحو 70 في المائة من الشبكة، إضافة إلى ارتفاع نسبة تحصيل الرسوم إلى نحو 90 في المائة، وهو ما يغطي النفقات التشغيلية للمؤسسة.

تهالك شبكات المياه في اليمن يهدد بانهيار الخدمة (إعلام حكومي)

ومع ذلك، أكد التقرير أن مؤسسة المياه في سيئون لا تزال تواجه تحديات عدة؛ أبرزها الفاقد الكبير في المياه الذي يصل إلى 40 في المائة بسبب التوصيلات العشوائية، إضافة إلى نقص التمويل اللازم لتوسعة الشبكة، وتوقف مخصصات الاستثمار الرأسمالي من الحكومة المركزية.

ويخلص معدّو التقرير إلى أن الأضرار المادية في قطاع الخدمات العامة في اليمن، تبدو أقل حدة في المدن المستقرة نسبياً مثل سيئون والغيضة والمكلا، إلا أن استمرار ضعف الاستثمار وتدهور البنية التحتية يمثلان تهديداً متزايداً لاستدامة الخدمات.


الحوثيون يفرضون رقابة أمنية على الحي القديم في إب

جانب من مسجد الكاظمي الأثري في الحي القديم بمدينة إب (فيسبوك)
جانب من مسجد الكاظمي الأثري في الحي القديم بمدينة إب (فيسبوك)
TT

الحوثيون يفرضون رقابة أمنية على الحي القديم في إب

جانب من مسجد الكاظمي الأثري في الحي القديم بمدينة إب (فيسبوك)
جانب من مسجد الكاظمي الأثري في الحي القديم بمدينة إب (فيسبوك)

يشهد الحي القديم في مدينة إب اليمنية (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) منذ أيام حصاراً أمنياً خانقاً تفرضه الجماعة الحوثية، وسط انتشار مكثف للعناصر المسلحة ونقاط التفتيش، في خطوة أثارت حالة من الاستنكار والقلق بين السكان والأوساط المجتمعية.

ووفقاً لمصادر حقوقية تحدَّثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن الإجراءات المفروضة شملت إغلاق بعض الطرقات الفرعية، ومنع التجمعات، إلى جانب حملات دهم وتفتيش لمنازل ومتاجر بالحي القديم، دون توضيحات رسمية بشأن أسباب هذه التدابير.

وأكدت المصادر قيام مسلحي الجماعة بزرع أجهزة تنصت ومراقبة في أماكن عدة بحارات متفرقة في الحي القديم؛ بهدف رصد الاتصالات ومتابعة الحركة بشكل دائم، في خطوة يرى مراقبون أنَّها تعكس تصاعد القلق في أوساط الحوثيين من تنامي حالة الرفض الشعبي، ومحاولاتهم إحكام السيطرة الأمنية على المدينة ومراقبة السكان بشكل واسع.

اتهامات للحارس الشخصي السابق لزعيم الحوثيين بإدارة الفوضى في إب (إكس)

إلى ذلك، أفاد سكان في المدينة «الشرق الأوسط»، بأنَّ الحي القديم شهد منذ أيام تعزيزات أمنية للجماعة، وصفوها بـ«غير معتادة»، وهو ما انعكس سلباً على الحركة اليومية وأثار، بحسبهم، المخاوف من توسُّع حملات الملاحقة والاعتقال، خصوصاً في ظلِّ الاحتقان الشعبي المُتصاعد ضد الحوثيين.

وأبدى السكان مخاوفهم من تداعيات هذا الحصار على كل مناحي الحياة، خصوصاً مع تأثر الحركة التجارية داخل الأسواق القديمة التي تُعدُّ من أبرز المراكز الحيوية في الحي القديم في إب، والذي يضم نحو 20 حارة شعبية مُكتظة بالسكان.

انتهاكات مقلقة

يقول رمزي، وهو مواطن من حارة الكاظمي بالحي القديم، اكتفى باسمه الأول،: «إن الأوضاع أصبحت خلال الأيام الأخيرة مُقلقةً للغاية، مع انتشار المسلحين وإغلاق بعض الممرات والأسواق، الأمر الذي أثَّر مُباشرةً على حركة الناس والتجار». بينما أوضح ناشط محلي أنَّ زرع أجهزة مراقبة وتنصت ببعض المباني أثار حالةً من الهلع بين الأهالي، الذين باتوا يشعرون بأنَّهم تحت رقابة حوثية دائمة.

ويرى ناشطون حقوقيون أنَّ ما حدث جزء من مشهد أوسع لانتهاكات حوثية متواصلة، تشمل الاعتقالات التعسفية، ونهب الممتلكات، والتضييق على الحريات الدينية والإعلامية، مشيرين إلى أنَّ مواجهة هذه الممارسات تتطلب موقفاً دولياً أكثر حزماً.

شوارع مدينة إب تحوَّلت في عهد الحوثيين إلى حفر ومستنقعات (فيسبوك)

ويؤكد الحقوقيون أنَّ نشر أجهزة المراقبة والتنصت في الأحياء السكنية يُمثل انتهاكاً صريحاً لخصوصية المواطنين وحقوقهم الأساسية، مُحذِّرين من خطورة تحويل هذه المناطق، وغيرها إلى فضاءات خاضعة للرقابة الأمنية الدائمة.

وأشار هؤلاء إلى أنَّ استمرار حملات التفتيش، والمداهمات، وفرض القيود الحوثية على حركة السكان أمور تفاقم من معاناة المدنيين، خصوصاً في ظلِّ الظروف الحرجة التي تعيشها المحافظة، داعين إلى وقف فوري للانتهاكات التي تمسُّ حياة المواطنين وحرياتهم.