يوميات الحرب الليبية (2): «إخوان» ليبيا أسسوا جهاز مخابرات في طبرق.. وسعوا لاغتيال نواب من البرلمان الجديد ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي

«الشرق الأوسط» ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي

طفل ليبي يقف على جانب شارع الحرية في مدينة طبرق ويبدو متأثرا بأجواء الحرب التي تشهدها البلاد، حيث يصوب بعصا كأنها بندقية، وأحد أقرانه يراقب حركته (تصوير: «الشرق الأوسط»)
طفل ليبي يقف على جانب شارع الحرية في مدينة طبرق ويبدو متأثرا بأجواء الحرب التي تشهدها البلاد، حيث يصوب بعصا كأنها بندقية، وأحد أقرانه يراقب حركته (تصوير: «الشرق الأوسط»)
TT

يوميات الحرب الليبية (2): «إخوان» ليبيا أسسوا جهاز مخابرات في طبرق.. وسعوا لاغتيال نواب من البرلمان الجديد ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي

طفل ليبي يقف على جانب شارع الحرية في مدينة طبرق ويبدو متأثرا بأجواء الحرب التي تشهدها البلاد، حيث يصوب بعصا كأنها بندقية، وأحد أقرانه يراقب حركته (تصوير: «الشرق الأوسط»)
طفل ليبي يقف على جانب شارع الحرية في مدينة طبرق ويبدو متأثرا بأجواء الحرب التي تشهدها البلاد، حيث يصوب بعصا كأنها بندقية، وأحد أقرانه يراقب حركته (تصوير: «الشرق الأوسط»)

تواصل «الشرق الأوسط» في هذه الحلقة الثانية اجتياز خطوط النار ورصد يوميات الحرب الليبية التي تنحصر حتى الآن بين قادة جماعة الإخوان المتشددين، خصوصا من أولئك الذين ينتمون إلى مدينة مصراتة التجارية والواقعة على البحر المتوسط، والجيش الوطني الليبي الذي تتركز قواته حتى الآن على مشارف بنغازي وهو يحاول أن يقلم أظافر أتباع الجماعة من الميليشيات المتشددة، خصوصا في كل من مدينة درنة التي أعلنت نفسها كإمارة تابعة لتنظيم داعش، وبنغازي الموالية لتنظيم القاعدة.
وبينما يبدو الجيش مصمما على خوض المعركة إلى النهاية، بدأت الميليشيات المتطرفة تشعر بالخطر. فبعد أن خسرت جماعة الإخوان وحلفاؤها انتخابات البرلمان منتصف هذا العام، اختارت السلاح لغة وحيدة حتى الآن للسيطرة على السلطة، ومحاربة جيش الدولة الوليد، ورفض الاعتراف بالبرلمان الجديد الذي اضطر إلى عقد جلساته في مدينة طبرق الواقعة على بعد نحو 1500 كيلومتر شرق العاصمة، لكن الشيخ محمود المنفي، وهو أحد القيادات الشعبية في طبرق، يقول إن المدينة ذات الطابع القبلي ترفض نهج المتطرفين في الحكم، وتتولى مع أبناء قبيلتي «العبيدات» و«القطعان» حماية مقر البرلمان إلى جانب قوات الجيش والشرطة.
هذا يبدو لك من الوهلة الأولى على السطح، لكن في الجلسات المغلقة تستمع إلى حديث من نوع مختلف، ومثير للقلق، عن الخلايا الإخوانية النائمة في المدينة التي يبلغ عدد سكانها نحو 140 ألف نسمة، وتعيش فيها الكثير من الجنسيات من مصريين وفلسطينيين وسوريين وسودانيين، وغيرهم. ويبدو مصطلح «الخلايا الإخوانية النائمة» مصطلحا موجزا عن التنظيمات المتطرفة التي تنتشر في ليبيا، وتتخذ من جماعة الإخوان غطاء سياسيا، رغم نفي الجماعة التهمة عن نفسها، وقولها إن ما تقوم به من عمليات قتالية تهدف إلى الحفاظ على ثورة 17 فبراير 2011 ممن يريدون الانقلاب عليها، في إشارة إلى «البرلمان الجديد» و«الجيش الوطني».
ويقول الشيخ عبد الله سعيد، وهو خطيب وإمام لمسجد المركز الطبي، أحد أكبر مساجد المدينة، إنه تلقى تهديدات من تنظيم داعش الذي يستوطن في مدينة درنة لواقعة على بعد نحو 150 كيلومترا إلى الغرب من طبرق، بعد أن هاجم الشيخ سعيد في خطبه المتطرفين الذين يرفعون السلاح في وجه الجيش والبرلمان. وبالإضافة إلى المسجد الذي يغص بألوف المصلين في صلاة الجمعة، يضم مقر المركز الطبي أيضا أماكن للعلاج، ونافذة حكومية لتخليص إجراءات سفر جرحى الحرب الذين يأتون من بنغازي وسبها، وتستدعي إصاباتهم العلاج في الخارج في دول كمصر وتونس والأردن.
ويعكس تاريخ المركز الطبي، في السنوات الأخيرة، رغبة الليبيين في فرض الاستقرار في البلاد، والتخلص من حالة الفوضى التي أعقبت انتهاء نظام القذافي. ففي أثناء «الثورة» ضد القذافي، اضطر عشرات الأطباء والممرضين الأجانب إلى ترك شققهم السكنية المخصصة لهم داخل المركز الطبي، والعودة إلى بلادهم. وعندها قام بعض المواطنين باحتلال تلك الشقق، واتخاذها مساكن لهم، إلا أن أهالي طبرق وقادتها تمكنوا من إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، وأعادوا الشقق لتكون تحت أمر المركز وأطبائه وممرضيه.
وبينما تقف عدة سيارات لقوات الأمن حول مسجد المركز لحراسة ألوف المصلين، تحدث الشيخ سعيد، في خطبة صلاة الجمعة، ومن فوق منبر المسجد، عن تهديدات «داعش» له ولأبناء طبرق، وأبدى تحديا للمتطرفين في عموم البلاد، خصوصا بنغازي ودرنة.
ويبدو المزاج العام في طبرق رافضا للإخوان ومن معهم من متشددين، ويتسم أهالي المدينة بشكل عام بالتدين لكن بشكل معتدل ووسطي. ولهذا يكشف ضابط في الاستخبارات الليبية برتبة مقدم، يدعى محمود، عن فشل الإخوان في إثارة القلاقل في طبرق حتى الآن «بسبب التماسك القبلي بالنسبة لأهالي المدينة، ورغبة العاملين الأجانب والأقليات الأخرى التي تعيش في المدينة في استمرار حالة الاستقرار بعيدا عن باقي المدن التي تشهد قتالا عنيفا بين المتطرفين والجيش الوطني».
ومع حالة الترقب واليقظة التي تتسم بها المدينة، سواء على الصعيد الأمني أو الشعبي، بدأت الكثير من القطاعات التجارية والخدمية في محاولة الاستفادة من انتقال البرلمان إلى طبرق. جميع فنادق المدينة أصبحت تغص بنواب البرلمان وذويهم ومساعديهم، بداية من فندق «دار السلام» ذي الخمس نجوم، حتى الفنادق الصغيرة المنتشرة في وسط المدينة وضواحيها، من أمثال فندق القافلة والزين والجبل. ونشطت المطاعم والمقاهي ومحال الاتصالات ودكاكين السلع الأساسية وسيارات الأجرة.
وقامت بعض المقاهي الواقعة على البحر التي كانت مهجورة منذ عهد القذافي،، الذي قتل أثناء الانتفاضة المسلحة أواخر عام 2011، بفتح أبوابها مجددا لكنها لم تقم بأي ترميمات تذكر للتخلص من آثار الحرائق والكتابات الثورية، في انتظار حسم معارك الجيش ضد المتطرفين، وهي معارك بدأت أخبارها تطغى على الحياة اليومية لليبيين في المدن الهادئة مثل «طبرق» و«البيضاء» و«شحات»، وغيرها، وتأثر بها حتى الأطفال الذين عادوا للتصويب تجاه بعضهم بعضا بالعصي كأنها أسلحة.
وعلى أحد هذه المقاهي الملقب بالنادي البحري، يوضح المقدم محمود قائلا إن الإخوان حين هيمنوا على السلطة منذ عام 2012 حتى انتخاب البرلمان الجديد، الصيف الماضي، أهملوا جهاز المخابرات الليبي، ضمن توجه عام لتهميش كل مكونات الدولة وعلى رأسها الجيش والشرطة.
ويضيف المقدم محمود أن جماعة الإخوان الليبية جماعة صغيرة ومحدودة الإمكانات، لكنها تلقت تعزيزات كبيرة من الجماعات المتطرفة الأخرى، ومنها «الجماعة الليبية المقاتلة»، الأقرب إلى تنظيم القاعدة، حيث تأسست الجماعة الأخيرة أصلا في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي، لمقاتلة نظام القذافي، ومنها أيضا جماعة «أنصار الشريعة» التي أعلنت تأييدها لتنظيم القاعدة، بعد أن انشقت عن ميليشيات وكتائب متطرفة أخرى، خصوصا في بنغازي، مثل كتيبة «17 فبراير»، وكتيبة «راف الله السحاتي»، مشيرا إلى أن كل هذه الكتائب والميليشيات أصبحت تأتمر بأوامر جماعة الإخوان، وكانت تتلقى أموالا ضخمة من خزانة الدولة أثناء حكم الإخوان، الذين قاموا بتكليفها بحماية المؤسسات العامة والحدود، على حساب بناء الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية الضرورية للدولة ومن بينها جهاز المخابرات العامة الليبية المعرف باسم «جهاز الأمن الخارجي».
وبعد أن أسقط الليبيون جماعة الإخوان والجماعات المتطرفة المتحالفة معها في انتخابات البرلمان التي جرت منتصف هذا العام، لجأت تلك الجماعات إلى حمل السلاح للإبقاء على نفوذها في الدولة بالقوة، وأفشلت مساعي البرلمان الجديد لعقد جلساته في مدينة بنغازي كما ينص الإعلان الدستوري، ما اضطر البرلمان إلى الانتقال إلى طبرق، وتسيير جلساته فيها بشكل مؤقت.
هكذا يتحدث المقدم محمود وهو جالس أمام بحر طبرق في «النادي البحري» حيث تبدو أضواء ناقلات النفط والبضائع تلمع من بعيد على صفحة البحر في الظلام. ويضيف وهو يتناول كوب عصير الليمون من النادل المصري، أن المخابرات التي ما زالت تعمل بإمكانات ضعيفة اكتشفت محاولة قام بها الإخوان للتجسس على برلمان طبرق وعلى الأمن المصري قرب الحدود، إضافة إلى محاولة أخرى لتأسيس فرع في طبرق لتنظيم خاص بالجماعة يعمل على إثارة القلاقل وتنفيذ عمليات تفجير للبرلمان واغتيالات ضد النواب أيضا.. و«هذه الأعمال اليائسة لإسقاط السلطة الشرعية في الدولة».
وتعد طبرق أقرب المدن إلى معقل «داعش» في درنة، بينما تبعد عن معقل «أنصار الشريعة» في بنغازي نحو 450 كيلومترا، ولهذا يقول المقدم محمود إنه كلما زاد الضغط والحصار على الإرهابيين كان هناك توقع بأن يلجأوا للتسلل إلى طبرق للاختباء فيها، ومن ثم تنفيذ عمليات إرهابية، أو محاولة التوغل شرقا ناحية مصر، للانضمام إلى المتطرفين هناك، خصوصا في سيناء والمناطق الحدودية الأخرى.
لكن المقدم محمود يضيف قائلا إن السلطات الأمنية تدرك هذا، وتراقب تحركات المتطرفين، بالتعاون مع أبناء القبائل وبعض السلفيين الذين فروا من درنة وبنغازي، مشيرا إلى أن التنظيمات المتطرفة أصبحت تتهم هؤلاء السلفيين الليبيين بـ«الكفر» لأنهم انحازوا إلى السلطة الشرعية في البلاد الممثلة في البرلمان الجديد والحكومة، مشيرا إلى أن عددا من أبناء المدينة تمكنوا من القبض على 3 ينتمون إلى أنصار الشريعة كانوا قادمين، قبل أسبوعين، لتنفيذ عمليات تخريبية ضد البرلمان، بعد أن تلقى التنظيم ضربات موجعة لمعاقله في بنغازي.
وتمتد مدينة طبرق القديمة على لسان عريض من اليابسة داخل البحر، ويكوِّن منها شبه جزيرة تنتشر على سواحلها الموانئ التجارية والنفطية، كما توجد سواحل أخرى على مقدمة اللسان البحري محاطة بأسوار طويلة كانت ستتحول إلى قرى سياحية أيام نظام القذافي. وكانت تلك الأسوار، وبعض بواباتها المهدمة الآن، تمنع مواطني المدينة من الاقتراب من هذه الشواطئ، لكن اليوم كان من السهل أن ترى عائلات من أهل طبرق تمضي الوقت وهي تلهو أمام الموج على الرمال البيضاء، على خلفية تبدو فيها أسراب للطيور ومراكب للصيد.
ويقع مبنى البرلمان على المدخل الخارجي للمدينة من ناحية الشرق، أي أن ظهره بالكامل لليابسة، بينما وجهه يطل على خليج بحري صغير، وفي الضفة الأخرى من هذا الخليج يقع الميناء، وفيه عدة سفن عملاقة، ومن خلف الميناء تمتد باقي مدينة طبرق وهي تلتف على سواحل البحر من الجهات الثلاث.
وهنا حاولت جماعة الإخوان تأسيس مكتب سري للقيام بعدة مهام منها تنفيذ عمليات تخريبية في المدينة بما فيها مبنى البرلمان، ومنها أيضا زرع عملاء للتردد على الجانب الآخر من الحدود لمراقبة تحركات الأمن المصري هناك، وما إذا كان يستعد للدخول بنفسه لمساعدة الجيش الليبي في حربه ضد المتطرفين أم لا.
ويكشف اثنان على علاقة بهذه القصة عن جانب من هذه المعلومات، وهما مسؤول في الجيش الوطني الليبي بالمنقطة الشرقية، اسمه حسين، وقائد سابق للثوار من طبرق، يكنى بـ«جبريل». ويقول الضابط حسين، الذي طلب الاكتفاء بذكر اسمه الأول، إن جماعة الإخوان، خلال الشهرين الماضيين، خصوصا أثناء هجوم الميليشيات المسلحة التي كانت تقودها الجماعة على مطار طرابلس، سعت إلى فتح مكتب لها في طبرق كفرع لجهاز أمني خاص بها.
ويضيف أن الجماعة كانت قد استحدثت هذا الجهاز عقب سقوط حكم الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، في منتصف العام الماضي، للتجسس على خصوم الجماعة السياسيين في الداخل الليبي، حين شعرت أن مكانتها كانت تتراجع في الشارع الليبي أيضا، ثم تطور هذا الجهاز بعد ذلك وأسست له مكاتب في مصراتة وفي طرابلس وفي بنغازي، وأصبحت الجماعة تعول عليه بشكل كبير في حربها المسلحة من أجل حكم ليبيا بالقوة، عقب خسارتها للانتخابات هذا العام.
وتابع قائلا إن الجماعة قررت فتح فرع للجهاز في طبرق عقب انتقال البرلمان إلى هذه المدينة الهادئة، وأجرت اتصالا بـ«جبريل» الذي كان من قادة الثورة ضد القذافي، ولا ينتمي إلى الجماعة، وأنه أقرب إلى التيار السلفي، وعرضت عليه تولي مسؤولية المكتب المزمع افتتاحه في طبرق، مشيرا إلى أن هيمنة جماعة الإخوان على الحكم في ليبيا خلال الأعوام الثلاثة الماضية شهدت إهمالا كبيرا لجهاز المخابرات الرسمي، ضمن سياسة عامة للقضاء على أجهزة الدولة من جيش وشرطة وأجهزة أمنية، مقابل استحداث مؤسسات لدولة الإخوان تتكون من ميليشيات تحل محل الجيش والشرطة وأجهزة أمن سرية تعمل كأجهزة مخابرات داخلية وخارجية تابعة للجماعة.
ورتب الضابط حسين لقاء لـ«الشرق الأوسط» مع جبريل، وهو شاب في بداية الثلاثينات من العمر، ومن أبناء طبرق، وطلب عدم نشر اسمه الحقيقي أو اسم قبيلته، وأفاد بأنه في البداية لم يكن يعلم أن المكتب يخص الإخوان ولكن يخص جهاز الأمن الخارجي (المخابرات الليبية)، إلا أنه بدأ يدرك أن العملية برمتها تخص جماعة الإخوان حين نظم له رجل إخواني يدعى يوسف ويتولى المسؤولية في مكتب الإخوان في بنغازي، زيارة لمكتب الجهاز الخاص في كل من بنغازي وطرابلس.
ويقول جبريل إن القيادي الإخواني يوسف أخبره، حين كان معه في مكتب بنغازي، أن الجهاز الأمني لا يتبع المخابرات الليبية الرسمية، رغم أن القائد الأعلى لهذا الجهاز ويدعى سالم هو نفسه رجل مخابرات عينه الإخوان في الموقع حين هيمنوا على السلطة في البلاد عقب مقتل القذافي، مشيرا إلى أن سالم ينتمي أصلا إلى مدينة شحات في وسط ليبيا، وكان في السابق لاجئا في الولايات المتحدة الأميركية، ويقيم في الوقت الحالي في مدينة مصراتة الواقعة على بعد نحو 200 كيلومتر شرق العاصمة، ويدير منها شؤون المكتب الإخواني رغم أن مقره الرئيس يقع في طرابلس.
ويضيف جبريل أن يوسف أخبره أن الجهاز اسمه «الأمن الخاص»، يشبه جهاز المخابرات، وأنه لاحظ أن مكتب بنغازي ومكتب طرابلس مجهزان بأحدث أنواع الأثاث وأحدث التقنيات، بما فيها أجهزة اعتراض المكالمات الهاتفية والتنصت على الهواتف المحمولة والأرضية، إضافة إلى وحدة خاصة للدخول على البريد الإلكتروني للشخصيات المطلوب تتبعها. ويقول إن هذه التجهيزات لا تحظى بها مكاتب جهاز المخابرات الرسمي التي ما زال أغلبها يفتقر إلى أبسط الإمكانات، ولا توجد في الكثير منها حتى أجهزة الاتصالات العادية، مثل اللاسلكي والهواتف الأرضية والمحمولة، كما أن الأثاث فيها ما زال محطما أو محترقا كما هو منذ ثورة الليبيين على القذافي.
ويقع منزل جبريل في منطقة مشهورة بأنها كانت محل سكن للكثير من القيادات الليبية التاريخية، على لسان بحري تتراص عليه الفيلات والمعسكرات، وتقع على شاطئية أيضا مبان عامة ومؤسسات، منها مقر القوات البحرية في المدينة وفرع لهيئة النفط ومركز للميناء، وغيرها.
وكان يسكن في هذه المنطقة أحمد قذاف الدم، ابن عم العقيد الراحل، حين كان مسؤولا في المنطقة العسكرية الليبية الشرقية، وكذا كان يقيم هنا اللواء المتقاعد خليفة حفتر قبل أن يقود القوات البرية في الحرب على تشاد في ثمانينات القرن الماضي، والذي يقود في الوقت الحالي عملية الكرامة العسكرية ضد المتطرفين في البلاد. ويوجد أيضا منزل الضابط والشاعر الشهير إدريس الشهيبي، الذي كان يخطط للانقلاب على القذافي إلى أن وشى به أحد أصدقائه عند القذافي، ففر باتجاه مصر إلى الصحراء إلى أن مات فيها وحيدا.
ويجلس جبريل فوق سطح بيته المكون من طابق واحد، ويشرف على المنطقة بالكامل، ويتحدث وهو يشير إلى ذكريات المباني المحيطة به ومن عاشوا فيها وما آل إليه مصير كل منهم.
ويواصل موضحا أن عددا من قادة جماعة الإخوان وكوادرها كانوا يحاربون مع الشبان الليبيين العاديين المتطوعين على الجبهة ضد قوات القذافي، لكن بعد انتهاء نظام العقيد الراحل بدأ هؤلاء القادة من الإخوان ومن معهم من متطرفين، يتقوقعون على أنفسهم، وينتظمون في قيادة ميليشيات وكتائب.. «بينما كنا نحن الشباب العادي نسلم أسلحتنا لمعسكرات الجيش، ونرجع إلى بيوتنا ووظائفنا السابقة.. الحرب بالنسبة إلينا كانت قد انتهت، لكن بالنسبة إلى جماعة الإخوان كانت قد بدأت، وللأسف لم ندرك ذلك إلا متأخرا جدا».
ويتابع جبريل قائلا إن يوسف الذي أصبح في ما بعد المسؤول في الجهاز الإخواني الخاص في بنغازي كان من ضمن المقاتلين على الجبهة ضد قوات القذافي، إلا أن علاقته به انتهت بعد خطاب مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الانتقالي السابق، الذي أعلن فيه، في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2011، بداية مرحلة جديدة في ليبيا بمقتل القذافي. ويضيف أنه ومن معه من شباب الثورة من أبناء مدينة طبرق سلموا أسلحتهم لمعسكر الجيش الذي كان يقع في منطقة بنينة جنوب بنغازي، ورجع إلى أسرته وعمله، إلى أن اتصل به يوسف، في شهر أغسطس (آب) الماضي، وطلب منه زيارته في بنغازي، وهو ما حدث، حيث.. «دخلت المكتب لأول مرة، وكان يقع في فيلا قرب مقر القنصلية المصرية في المدينة».
واعتقد جبريل في البداية أن جهاز المخابرات الليبي بدأ يستعيد نفسه وعمله، وأنه لهذا السبب جرى اختياره للالتحاق بالعمل فيه.. «لأنني كنت مكلفا أيام الثورة بجمع معلومات عن المقاتلين الليبيين العائدين من الخارج، ممن يحملون جنسيات أجنبية، كالأميركية والبريطانية والفرنسية، بحكم ولادتهم هناك لآباء كانوا منفيين أيام حكم القذافي». ويضيف: «قلت في نفسي إن جهاز المخابرات يريد أن يوظفني، وفرحت، خصوصا أن يوسف لم يذكر لي أن هذه المكاتب تتبع جماعة الإخوان إلا بعد زيارة الفرع الثاني الذي يقع في البرج السكني الرئيس في سوق الجمعة في طرابلس».
وبعد أن أمضى في المكتب يوما كاملا، يقول جبريل إنه تمكن من التعرف على وجوه إخوانية، من بينهم قيادات سابقة في البرلمان، وآخرون ينتمون إلى جماعات مثل الجماعة الليبية المقتلة وأنصار الشريعة.. ويضيف أنه بدأ يشعر بالخطر، وأنه لا يمكنه أن يعلن رفضه العمل مع الجهاز الإخواني الخاص وهو بين أيدي الجماعة وميليشياتها في طرابلس.
وخلال وجوده في مكتب العاصمة تلقى جبريل أول تكليف بمهمتي عمل داخل مصر، الأولى تتعلق بمراقبة تحركات عدد من رموز نظام القذافي في القاهرة، لتحديد أماكن إقامتهم والأنشطة التي يقومون بها، والثانية بالتوجه من القاهرة إلى صحراء مصر الغربية التي توجد فيها مقار أمنية، للتأكد من معلومات استقتها الجماعة من عملاء لها، عن نقل مصر لمعدات وآليات قتالية جديدة قرب الحدود مع ليبيا.
وأبلغه يوسف ومن معه من قادة الإخوان في مقر طرابلس أن الجماعة قررت تأسيس مكتب لها في طبرق يدير عملياته بشكل سري، وأنها اختارته لرئاسته بعد أن ينتهي من مهمة السفر إلى مصر.. «طلب مني يوسف التفرغ لرئاسة المكتب في طبرق تحت اسم مكتب تجاري عام، مقابل تخصيص نفقات مالية كبيرة من بينها راتب يبلغ 6 آلاف دولار في الشهر».
وتظاهر جبريل في البداية بالموافقة إلى أن تمكن من العودة إلى طبرق، وعليه أخذ يتهرب من اتصالات يوسف، وتحجج بأن لديه التزامات أسرية ولا يستطيع أن يسافر إلى القاهرة، أو أن يتولى مسؤولية فرع الجهاز الأمني المزمع فتحه في طبرق. وانضم جبريل، في المقابل، إلى جهاز أمني يديره الجيش الوطني الليبي لجمع المعلومات عن الإخوان والمتطرفين، وكانت أولى مهامه تقديم التفاصيل الكاملة عن الجهاز الإخواني الخاص.
وقبل مغادرة منزل جبريل، حذر في لهجة جادة من «الخلايا النائمة في المدينة»، قائلا إن «هذه الخلايا موجودة في الكثير من المواقع في طبرق، وتضم عناصر تتحرك بأوامر من الإخوان، ومن (داعش)، ومن (أنصار الشريعة)، وكلها تنظيمات تحارب بالجيش وتتحين الفرص للقيام بأعمال تخريبية وإثارة القلاقل في المدن الهادئة في شرق البلاد، وعلى رأسها طبرق»، التي شهدت تفجيرا في مديرية الأمن نفذه مجهولون، لكن الله سلم، ولم يسقط فيه أي ضحايا.
وتبدو طبرق مثل كل شيء في ليبيا.. مدينة تقبض على الجمر في انتظار وجود نظام ووجود دولة. وكأن الزمن توقف عند مقتل القذافي في أواخر عام 2011. لا جديد.. معهد البترول، الذي كان من أكبر المعاهد في هذا المجال في أفريقيا، ما زال أطلالا لا حياة فيه، والشوارع التي كان النظام السابق يعمل على إعادة رصفها، تركت دون غطاء أسفلتي طيلة السنوات التي أعقبت «الثورة» ولم ترصف بعد، مثل شارع الحرية، وهو شارع جديد مزدوج وواسع ويخترق قلب المدينة تقريبا، لكنه ما زال مغطى بالتراب والحفر، كما أن أعمال التجديد في شارع فلسطين، أقدم شوارع المدينة، متوقفة.
وأمام المقر الذي يعقد فيه البرلمان جلساته تصطدم بمشكلة طفح الصرف الصحي المستمرة منذ عهد القذافي حتى الآن، حيث تغطي مياه المجاري الشارع الذي يعد أيضا المدخل الشرقي للمدينة، ويؤدي كذلك إلى مبنى مجلس النواب. ولا تخلو جلسات الليبيين من أحاديث تعكس وجود إدراك للأزمة التي تمر البلاد، خصوصا في المدن التي تحولت إلى أوكار للمتطرفين، بمؤازرة «الإخوان».
وفي لقاء عقده مشايخ لقبائل المدينة في ساحة «سوق المصطبة»، وهي منطقة دائبة الحركة بسبب كثافة العمالة المصرية فيها، يقول الشيخ أبو حسين، أحد قادة القبائل، إن الشعب كره حكم جماعة الإخوان ولفِظها بعد أن جربها عقب سقوط نظام القذافي، واكتشف أنها كانت تعمل لنفسها وليس للصالح العام ولا لجموع الليبيين، و«النتيجة أن كل شيء ما زال ينتظر انتهاء الحرب لكي نتفرغ لبناء الدولة».
ويقول زعماء القبائل في طبرق إن الغالبية العظمى من شباب «العبيدات» و«المنفة» و«القطعان» وغيرها في المدينة وضواحيها يؤيدون الجيش الوطني والبرلمان الجديد، ويتعاملون مع النواب باعتبارهم ضيوفا لديهم، ولن يسمحوا بأي أذى أو اعتداء عليهم أو على مقر البرلمان الذي يتخذ من فندق «دار السلام» مقرا له.
ولهذا يبدو أن نواب البرلمان ومن معهم من مرافقين بدأوا يشعرون بأمان أكثر رغم التهديدات، ففي بداية انعقاد أعمال البرلمان، استأجر مجلس النواب مركبا عائما ليكون بمثابة مقر إقامة للنواب، كإجراء تأميني إضافي، رغم الكلفة العالية لهذا الإجراء، إذ كانت المركب أو الفندق العائم للنواب يتكلف 76 ألف دولار في الشهر.
ومع ذلك ما زال موظفو البرلمان يقومون بمنع التصوير داخله خوفا من نشر صور مساعدي النواب على صفحات «فيسبوك» الأكثر استخداما بين الليبيين، وبالتالي، كما يقول المسؤول الملقب بـ«العبيدي»، وهو رجل طويل وممتلئ، ويشرف على الأمن بالمجلس: «توجد خشية من أن يصبح مساعدو النواب عرضة للاغتيالات، ليس هذا فقط، بل يتخوف مساعدو النواب القادمون من المدن الملتهبة، مثل بنغازي وطرابلس ومدن الجنوب أيضا، من استهداف المتطرفين لبيوتهم وأسرهم وعائلاتهم انتقاما منهم لأنهم يعملون مع نواب البرلمان. كما أنه، وبسبب العمليات القتالية الجارية بين قوات الجيش الوطني والمتطرفين في بنغازي ومدن أخرى، انتقل غالبية نواب تلك المدن للإقامة بأسرهم في طبرق».
ويوجد في البرلمان الكثير من الموظفين الأمنيين من قبيلة العبيدي أيضا، وهي نفس القبيلة التي ينتمي إليها رئيس البرلمان، عقيلة صالح، وهم يسعون بين جنبات المبنى لمراقبة كل شيء، وللحفاظ على النظام على أكمل وجه، بغض النظر عن أي شيء آخر. ويقول العبيدي إن «هذه أخلاق القبائل الليبية التي أصبحت عرضة للتآكل في بعض المناطق بسبب المتطرفين وبسبب سيطرة قيادات متسترة باسم الدين ولا تضع أي اعتبار للقيم والأخلاق واحترام الآخرين». ويضيف أن «ما نقوم به هو تطبيق للأخلاق العربية التي تعكس حالة الكرم والضيافة.. نحن نستقبل النواب، وهم ضيوفنا إلى أن ينتقل البرلمان إلى بنغازي بسلام بعد انتصار الجيش على المتطرفين».

يوميات الحرب الليبية (الحلقة الأولى): عناصر الأمن أكثر من المسافرين على حدود ليبيا.. وتحذير من «بوابات» للمتطرفين


اليمن يلوّح بورقة القوة إذا رفض الحوثيون السلام

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
TT

اليمن يلوّح بورقة القوة إذا رفض الحوثيون السلام

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مستقبلاً السفيرة البريطانية (إكس)

في الوقت الذي يواصل فيه المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ مساعيه الهادفة إلى إعادة إحياء مسار السلام المتعثر وإطلاق الموظفين الأمميين المحتجزين لدى الجماعة الحوثية، وكذا الدفع لإنجاح تبادل الأسرى والمختطفين، جددت الحكومة اليمنية تلويحها بخيار القوة إذا استمرت الجماعة في رفض السلام.

التلويح اليمني جاء في تصريحات لعضو مجلس القيادة الرئاسي، عبد الرحمن المحرّمي، خلال لقائه في الرياض سفيرة المملكة المتحدة لدى اليمن، عبدة شريف، وذلك بالتزامن مع استمرار الجماعة الحوثية في أعمال التعبئة والتحشيد والقمع وفرض الجبايات.

ونقل الإعلام الرسمي أن المحرّمي أكد أن خيار السلام لا يزال مطروحاً، مشدداً في الوقت نفسه على أن استمرار رفض الحوثيين الانخراط الجاد في هذا المسار سيقابل بجاهزية أمنية وعسكرية لاتخاذ إجراءات رادعة، بما يضمن احتواء التهديدات والحفاظ على الاستقرار.

كما تناول اللقاء سبل تعزيز الدعم البريطاني لليمن، خصوصاً في مجالات التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات مؤسسات الدولة، وتعزيز الأمن، حيث أشاد المحرّمي بالدور البريطاني بوصفه شريكاً فاعلاً في دعم جهود السلام والاستجابة الإنسانية، مؤكداً أهمية استمرار هذا الدعم خلال المرحلة الحالية.

وفي السياق ذاته، بحث الجانبان التنسيق لمواجهة التهديدات المشتركة، بما في ذلك مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وتأمين الملاحة الدولية، في ظل تصاعد المخاوف من تأثيرات التوترات الإقليمية على أمن الممرات البحرية الحيوية.

وأشار المحرّمي أيضاً إلى أهمية الحوار الجنوبي – الجنوبي المرتقب عقده في الرياض برعاية السعودية، عادّاً إياه محطة مفصلية لتعزيز وحدة الصف الجنوبي، وبناء رؤية مشتركة تستجيب لتحديات المرحلة المقبلة.

من جانبها، أكدت السفيرة البريطانية استمرار دعم بلادها لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، مشيدة بالجهود المبذولة لتعزيز الأمن والاستقرار في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، ومشددة على التزام لندن بالمساهمة في تخفيف معاناة اليمنيين ودعم تطلعاتهم نحو السلام والتنمية.

جهود أممية

على صعيد الجهود الأممية، اختتم المبعوث إلى اليمن، هانس غروندبرغ، زيارة إلى العاصمة العُمانية مسقط، أجرى خلالها سلسلة لقاءات مع مسؤولين رفيعي المستوى، ركّزت على سبل دفع جهود الوساطة الأممية في ظل متغيرات إقليمية متسارعة. وأكد غروندبرغ أهمية الدور الذي تضطلع به سلطنة عُمان في تقريب وجهات النظر بين الأطراف اليمنية، مشيداً بإسهاماتها المستمرة في دعم قنوات الحوار وتعزيز فرص التهدئة.

وشملت لقاءات المبعوث الأممي أيضاً مفاوض الجماعة الحوثية والمتحدث باسمها، محمد عبد السلام، حيث ناقش الجانبان فرص إحراز تقدم في المسار التفاوضي، خصوصاً فيما يتعلق بملف المحتجزين، حسب ما جاء في بيان صادر عن مكتب المبعوث.

واستعرض غروندبرغ -حسب البيان- نتائج المشاورات الجارية في العاصمة الأردنية عمّان بشأن تبادل الأسرى والمحتجزين، مشدداً على ضرورة تحقيق اختراق ملموس من شأنه التخفيف من معاناة مئات الأسر اليمنية التي تنتظر تسوية هذا الملف منذ سنوات.

كما أولى المبعوث الأممي اهتماماً خاصاً بملف موظفي الأمم المتحدة المحتجزين؛ إذ ناقش، برفقة المسؤول الأممي المعني بهذا الملف، معين شريم، قضية استمرار احتجاز 73 موظفاً أممياً في سجون الجماعة الحوثية.

ووصف غروندبرغ الأمر بأنه غير مقبول، مؤكداً أن الإفراج الفوري وغير المشروط عن المحتجزين يمثل أولوية قصوى بالنسبة للأمم المتحدة.

وتعكس هذه الجهود الأممية تصاعد القلق الدولي من استمرار الجمود السياسي في اليمن، في وقت تتزايد فيه الضغوط الإنسانية المرتبطة بملفات الاحتجاز والانتهاكات.

عناصر حوثيون في صنعاء يرفعون أسلحتهم خلال حشد للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

ويُنظر إلى ملف موظفي الأمم المتحدة على أنه اختبار حقيقي لمدى جدية الحوثيين في التعاطي مع مسار التهدئة، خصوصاً أن استمراره يلقي بظلاله على عمل المنظمات الدولية في مناطق سيطرة الجماعة.

ويؤكد مراقبون أن نجاح الوساطة الأممية في تحقيق تقدم، ولو جزئياً، في ملف الأسرى والمحتجزين، قد يمهّد الطريق لإجراءات بناء ثقة أوسع، بما يعزز فرص الانتقال إلى مفاوضات سياسية أكثر شمولاً، غير أن هذا المسار لا يزال رهيناً بحسابات معقدة تتداخل فيها العوامل المحلية والإقليمية، وفي مقدمها الارتباط الحوثي بالمشروع الإيراني.


الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
TT

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)
محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

أكد فهد الخليفي، وكيل أول محافظة شبوة اليمنية، أن التدخلات السعودية في المحافظة على مختلف الأصعدة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية، إلى جانب دعم القوات العسكرية والأمنية.

وكشف الخليفي، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، أن أحدث التدخلات التنموية تمثلت في اعتماد 6 طرق استراتيجية في عدد من المديريات، يستفيد منها آلاف المواطنين من أبناء المحافظة.

محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

كما أشار إلى تدخلات أخرى شملت دعم ثلاثة مراكز كبيرة للكلى، والتكفل برواتب أطباء أجانب موزعين على مديريات المحافظة الـ17، مؤكداً أن التنسيق بين السلطة المحلية والبرامج السعودية يتم بمستوى عالٍ من الشفافية.

وفي الجانب العسكري، أوضح أن المملكة تكفلت بدفع رواتب وتغذية 11 لواءً من قوات دفاع شبوة، بعد إضافة 4 ألوية جديدة، وهي منتشرة حالياً في جبهات القتال ضد الحوثيين.

وقدّم الخليفي الشكر لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، ووزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، والسفير السعودي لدى اليمن محمد آل جابر، على الدعم المتواصل لليمن عموماً، ومحافظة شبوة على وجه الخصوص.

اعتماد 6 مشاريع طرق

قال الخليفي إن التدخلات السعودية عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، تستهدف البنية التحتية والمشاريع التنموية. وأضاف: «على مستوى البنية التحتية تم اعتماد 6 مشاريع لطرق استراتيجية، وهي طريق عين - مبلقة، ومرخة - خورة، ونصاب - حطيب، وحبان - هدى، إلى جانب طرق عرماء ورضوم».

فهد الخليفي وكيل أول محافظة شبوة (الشرق الأوسط)

القطاع الصحي

وأوضح الخليفي أن التدخلات السعودية في القطاع الصحي تشمل تشغيل مستشفى الهيئة النموذجي في عاصمة المحافظة، الذي يقدم خدماته للآلاف يومياً وبشكل مجاني، ولا يخدم شبوة فقط، بل يستفيد منه سكان من حضرموت ومأرب والبيضاء وأبين، إضافة إلى النازحين والمهاجرين الأفارقة.

وأضاف: «شمل الدعم أيضاً ثلاثة مراكز كبيرة للكلى في عزان، وعتق، وعسيلان ببيحان، وهي تدخلات تلامس احتياجات المواطنين بشكل مباشر، كما تم اعتماد رواتب 63 طبيباً أجنبياً موزعين على 17 مركزاً في شبوة».

ووفقاً لوكيل المحافظة، وزّع مركز الملك سلمان أخيراً أكثر من 40 ألف سلة غذائية على مديريات شبوة الـ17، كما نُفذت مشاريع في التعليم والمياه في عرماء والطلح وجردان.

شبوة نموذج تنموي وأمني

شدّد الخليفي على أن شبوة اليوم آمنة ومستقرة، وتقدم نموذجاً بارزاً بين المحافظات المحررة على المستويين الأمني والتنموي. وقال: «الأشقاء في السعودية يشرفون حالياً بشكل مباشر على القوات المسلحة في شبوة، وتمت إعادة تموضع هذه القوات في الجبهات من ناطع البيضاء وصولاً إلى حريب مأرب، مع الدفع بعدد من قوات دفاع شبوة».

ولفت إلى أن المحافظة تواجه الحوثيين في 6 جبهات، وتتمتع بأهمية استراتيجية، مضيفاً أن المملكة تدرك أهمية شبوة على مستوى الجنوب واليمن عموماً، وتبذل جهوداً كبيرة في التدريب والتسليح، ودعم القوات في المناطق المتاخمة لمأرب والبيضاء، حيث تتمركز قوات الحوثيين.

جانب من توزيع السلال الغذائية المقدمة عبر مركز الملك سلمان للإغاثة في شبوة (السلطة المحلية)

دعم 11 لواءً عسكرياً

وبيّن الخليفي أن الجانب السعودي التزم برواتب وتغذية قوات دفاع شبوة، التي كانت تضم 7 ألوية، قبل أن يضاف إليها 4 ألوية أخرى، ليصل قوامها إلى 11 لواءً عسكرياً.

وأضاف: «هذه الألوية منتشرة الآن في الجبهات لمواجهة الحوثيين، بعد اعتماد الرواتب والتغذية لها، إلى جانب القوات الجنوبية الموجودة في شبوة، ومنها العمالقة الجنوبية، الأشقاء بذلوا جهداً كبيراً في هذا القطاع، ونحن ممتنون لهم».

وأكد أن القوات العسكرية في المحافظة على أهبة الاستعداد لمواجهة أي طارئ أو أي محاولات حوثية للتقدم نحو المحافظة أو غيرها، مشيراً إلى أن قوات دفاع شبوة تعمل بإشراف مباشر من المحافظ، ومن خلال غرفة عمليات مشتركة مع السعودية والتحالف العربي.

دور السلطة المحلية

وأشار الخليفي إلى أن السلطة المحلية لديها توجيهات واضحة من المحافظ عوض بن الوزير، بتسهيل جميع الجهود السعودية التنموية والإنسانية وغيرها. وقال: «شبوة قدمت أفضل نموذج للتعاون مع السعودية، سواء على المستوى التنموي أو الخدمي أو العسكري، وقدمنا كل التسهيلات للأشقاء في البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ومركز الملك سلمان، وهو ما انعكس إيجاباً على سرعة الإنجاز، وظهور المشاريع السعودية في شبوة، بفضل الجاهزية التي وفرها أبناء المحافظة عبر تقديم الدراسات وتجاوز البيروقراطية في بعض الملفات».

زيارة لوفد من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن لإحدى مديريات شبوة (السلطة المحلية)


دمج سلس للتشكيلات العسكرية في حضرموت

جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

دمج سلس للتشكيلات العسكرية في حضرموت

جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)
جهود مستمرة لدمج التشكيلات العسكرية في حضرموت (إعلام حكومي)

فيما تتواصل في محافظة حضرموت عملية دمج التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، أكدت الجهات المعنية أن الخطوات الجارية تمضي بسلاسة، تحت إشراف تحالف «دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في إطار مساعٍ لإعادة بناء المنظومة الأمنية على أسس مؤسسية موحدة.

ويأتي هذا التقدم بعد أسابيع من إعلان القيادة العامة لقوات حماية حضرموت، التابعة لحلف القبائل، اندماجها في قوام مؤسسات الدولة؛ حيث جددت هذه القوة تأكيدها أن عملية تنظيم وترتيب منتسبيها مستمرة وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة، وبما يُسهم في توحيد القرار الأمني ورفع كفاءة الأداء المؤسسي.

وفي بيان لها، ردّت قيادة القوات على ما وصفته بشائعات تعثر عملية الدمج، مؤكدة تحقيق تقدم ملموس في الخطوات التنفيذية، من خلال استيعاب الدفعة الأولى من منتسبيها ضمن الأجهزة التابعة للأمن العام والشرطة في ساحل حضرموت، مع استكمال تجهيز القوائم الخاصة بالدفعات اللاحقة.

وأكَّدت القيادة أن هذه الإجراءات تهدف إلى استكمال عملية الانضمام الشامل لكل منتسبي القوة، بما يضمن حقوقهم ويعكس تقديراً لدورهم في الدفاع عن المحافظة، مشددة على أن العملية تمضي بوتيرة متصاعدة ومنظمة.

تخرج دفعة جديدة في كلية الشرطة في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشادت قيادة قوات حماية حضرموت بالدور الذي تضطلع به القيادات المحلية والعسكرية في تسهيل عملية الدمج، وفي مقدمتهم رئيس حلف القبائل وكيل أول المحافظة عمرو بن حبريش، والقائد العام للقوات، اللواء مبارك العوبثاني، إضافة إلى اللجان المختصة في التحالف العربي ووزارتي الدفاع والداخلية.

كما نوهت بالدور المحوري الذي تقوم به شعبة القوى البشرية في القيادة العامة، برئاسة العقيد عبد الله باكرشوم، في متابعة الإجراءات الميدانية، وضمان سير العملية وفق المعايير المحددة، بما يكفل صون حقوق المنتسبين، وتحقيق أعلى درجات الانضباط.

وفي السياق ذاته، دعت الإدارة العامة للأمن والشرطة بساحل حضرموت أفراد القوة العسكرية، خصوصاً في مدينة المكلا وضواحيها، إلى استكمال إجراءات توزيعهم على مواقعهم الخدمية، مشيرة إلى أن بقية الأفراد في المديريات الأخرى سيتم إشعارهم لاحقاً بمواعيد توزيعهم.

ويعكس هذا التنسيق مستوى متقدماً من التعاون بين الجهات المحلية والدولية، في سبيل إنجاح عملية إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، بما يُسهم في ترسيخ الاستقرار وتعزيز حضور الدولة.

حصر القوات ومساندة الحكومة

في وادي حضرموت، تتواصل الجهود الحكومية لحصر وتنظيم أوضاع الوحدات العسكرية؛ حيث تفقد رئيس عمليات المنطقة العسكرية الأولى، العميد الركن محمد بن غانم، أعمال اللجان التابعة لوزارة الدفاع المكلفة بحصر القوة في معسكر السويري.

وخلال الزيارة، اطّلع المسؤول العسكري على سير العمل وآليات التنفيذ، واستمع إلى شرح مفصل من القائمين على اللجان حول المهام المنجزة والتحديات التي تواجه عملية الحصر، مؤكداً أهمية الالتزام بالدقة والانضباط في تنفيذ المهام.

وأشار إلى أن هذه الخطوة تُمثل جزءاً أساسياً من مسار إعادة تنظيم القوات المسلحة، بما يُعزز من مستوى الجاهزية القتالية، ويرسخ مبادئ العمل المؤسسي داخل المؤسسة العسكرية.

وتأتي هذه الإجراءات في سياق أوسع يهدف إلى توحيد الهياكل العسكرية تحت مظلة الدولة، بما يحد من التداخلات، ويُعزز من فاعلية الأداء الأمني في مختلف مناطق المحافظة.

حلف قبائل حضرموت يؤكد مساندته للجهود الحكومية (إعلام محلي)

على صعيد موازٍ، جدّد حلف قبائل حضرموت دعمه الكامل للجهود الحكومية الرامية إلى تثبيت الأمن والاستقرار، مؤكداً رفضه القاطع لأي ممارسات من شأنها الإضرار بالمصلحة العامة، وعلى رأسها إقامة القطاعات القبلية بدوافع شخصية.

ونفى الحلف علاقته بما يجري من قطاعات في شرق مديرية الشحر، عادّاً تلك التصرفات أعمالاً مرفوضة لا تُمثل أبناء حضرموت، لما تسببه من تعطيل لمصالح المواطنين ومضاعفة معاناتهم في ظل تردي الخدمات.

وشدد على أن أي مطالب أو حقوق يجب أن تُطالب عبر الوسائل السلمية والقنوات الرسمية، بعيداً عن الإضرار بالمجتمع أو تهديد أمنه واستقراره، داعياً إلى تغليب المصلحة العامة في هذه المرحلة الحساسة.

كما أشار إلى التأثيرات السلبية لهذه الممارسات على المحافظات المجاورة، خصوصاً محافظة المهرة، التي طالتها تداعيات القطاعات من خلال استهداف ناقلات وقود مخصصة لمحطات الكهرباء.

الرؤية الحضرمية للدولة

بالتوازي مع التحولات الأمنية، شهدت مدينة المكلا انعقاد ورشة عمل موسعة لمناقشة رؤية حضرموت في الدولة المقبلة، بمشاركة واسعة من الأحزاب والقوى السياسية والمكونات الاجتماعية، إلى جانب ممثلين عن الشباب والمرأة ومنظمات المجتمع المدني.

وجاءت هذه الورشة، التي نظمها المعهد الوطني الديمقراطي الأميركي، في إطار التحضير لمؤتمر الحوار الجنوبي المرتقب في الرياض؛ حيث هدفت إلى بلورة رؤى مشتركة حول مستقبل المحافظة ودورها في أي تسوية سياسية مقبلة.

وأكد وكيل المحافظة حسن الجيلاني أهمية انعقاد هذه الورشة في هذا التوقيت، مشيراً إلى أنها تُمثل منصة حوار جادة لتقييم تجربة حضرموت في المراحل السابقة، واستخلاص الدروس التي تُسهم في صياغة مبادئ واضحة تعكس خصوصيتها وحقوقها المشروعة.

وأضاف أن النقاشات تناولت قضايا جوهرية تتعلق بشكل الدولة ونظام الحكم وموقع حضرموت في الدستور المقبل، بما يُعزز من حضورها السياسي والاقتصادي والإداري.

نقاشات معمقة لرؤية حضرموت استعداداً لمؤتمر الحوار الجنوبي (إعلام حكومي)

من جهته، أوضح مدير البرامج في المعهد الوطني الديمقراطي، محمد الكثيري، أن تنظيم هذه الفعالية يأتي ضمن جهود دعم الحوار الشامل وتعزيز المشاركة السياسية، بهدف الوصول إلى رؤى تُسهم في بناء دولة قائمة على الشراكة والعدالة وسيادة القانون.

وأشار إلى أن هذه المساحات الحوارية تتيح لمختلف المكونات تبادل الآراء وصياغة تصورات واقعية لمستقبل مستقر ومستدام، في ظل التحديات التي تواجه البلاد.

وتناول المشاركون في الورشة، التي استمرت 4 أيام، عدداً من المحاور الرئيسية، من بينها الحوار الجنوبي-الجنوبي وسياقه، وتقييم تجربة حضرموت في المرحلة الماضية، وصولاً إلى بلورة مبادئها في أي تسوية سياسية، إضافة إلى مناقشة نظام الحكم الداخلي وقضايا الإدارة المحلية.