موسكو تطلق وكالة «سبوتنيك» سلاحا إعلاميا في حربها مع «البيت الأبيض»

تريد تقديم العالم «بعين جديدة بعيدا عن معايير عالم القطب الواحد»

المشروع الجديد الذي يحمل اسم «سبوتنيك» اختار القائمون عليه منهم ديميترى كيسيليوف المعلق التلفزيوني المعروف بتوجهاته القومية
المشروع الجديد الذي يحمل اسم «سبوتنيك» اختار القائمون عليه منهم ديميترى كيسيليوف المعلق التلفزيوني المعروف بتوجهاته القومية
TT

موسكو تطلق وكالة «سبوتنيك» سلاحا إعلاميا في حربها مع «البيت الأبيض»

المشروع الجديد الذي يحمل اسم «سبوتنيك» اختار القائمون عليه منهم ديميترى كيسيليوف المعلق التلفزيوني المعروف بتوجهاته القومية
المشروع الجديد الذي يحمل اسم «سبوتنيك» اختار القائمون عليه منهم ديميترى كيسيليوف المعلق التلفزيوني المعروف بتوجهاته القومية

بعد أن فرغ من ترتيب البيت من الداخل، وتخلص من أبرز ممثلي الطابور الخامس من رموز اللوبي اليهودي الصهيوني بين جنبات الكرملين وأروقة السلطة في تسعينات القرن الماضي، تحول الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى تصفية حساباته مع «إمبراطوريات الإعلام» التي كانت استمرأت الاستمتاع بمآثر وأضواء «الدولة داخل الدولة».
وما أن نجح بوتين في تحقيق مراده، حتى تحول إلى التفكير في تشكيل آلياته الضاربة في الساحة الخارجية التي أعرب عن الأمل الكبير في احتواء ما تشكله من أخطار تهدد سلام واستقرار الوطن ووحدة أراضيه.
كان ذلك مقدمة للإعلان عن إطلاق «روسيا اليوم» الناطقة بالإنجليزية في عام 2005 التي كانت مقدمة لسلسة مشروعات إعلامية موجهة، ومنها «النسختان العربيتان»، اللتان صدرتا على التوالي في عامي 2007 و2009 لتغطي مساحات أكثر رحابة، كانت ولا تزال فريسة هجمات الإعلام الغربي في أميركا اللاتينية والمنطقة العربية والبلدان الناطقة بالإنجليزية.
ورغم الطابع الرسمي الحكومي الذي يغلب على ما تقدمه القنوات الروسية الـ3، فقد استطاعت هذه تحقيق الانتشار المطلوب، رغم بعض ما يشوبها من إغراق في تبني وجهة النظر الرسمية على حساب الحيادية الإعلامية، فقد أصبحت نافذة شديدة التأثير على الساحة المتعطشة للاطلاع على رؤى مغايرة لما دأبت على تقديمه الأجهزة الدعائية الغربية وقواها الضاربة والمتمثلة في وكالات الأنباء التي طالما احتكرت «الحقيقة» بما تريد لها من أطياف ألوان تتلاءم مع توجهاتها ومخططاتها.
وكان بوتين أحكم أيضا قبضته على «الإنترنت»، ومنظمات المجتمع المدني من خلال ما استصدره مجلس الدوما من قوانين تحد من انتشار وتأثير هذه الشبكات والمنظمات، شملت ما تسمى بـ«الصحافة المستقلة» وأجهزة الإعلام التي يجري تمويلها من الخارج.
وقد كشفت مصادر الحزب الحاكم في مجلس الدوما عن أن الدورة البرلمانية الجديدة سوف تتناول كذلك دراسة مشروع قانون جديد يستهدف تقنين أوضاع هذه الصحف والقنوات التي دأب معظمها على التدخل في الشؤون الداخلية الروسية، وصار أقرب ما يكون إلى «بوق للدعاية الأجنبية». ونقلت صحيفة «إزفيستيا» عن مصادر الحزب الحاكم قولها، إن «من حق المجتمع معرفة القوى التي تقف وراء تمويل بعض ممثلي من يسمون أنفسهم (السلطة الرابعة)، ومدى ما تتمتع به هذه القوى من استقلالية».
وتمضى الأيام لتؤكد بعض مظاهر القصور الذي شاب عمل ونشاط هذه الأجهزة الإعلامية، ومنها سقوط بعض أنصار الحزب الحاكم من كبار الرموز الإعلامية في شرك النمطية المهنية والقوالب الدعائية، على نحو بات أقرب إلى تبنى مبدأ «الملكية أكثر من الملك»، وهو ما استشعره الكرملين في حينه، ليبادر في نهاية العام الماضي بإطلاق مشروعه الذي اختار له اسم «روسيا سيفودنيا»، وهو الاسم نفسه الذي كان اختاره لقنواته التلفزيونية الـ3 الموجهة «روسيا اليوم»، التي تحولت لتحمل حرفي «آر تي - RT»، الأولين لكلمتي «روسيا اليوم»، اسما مميزا على النمط الغربي، بوصفه بديلا عن الاسم السابق «Russia to day» الناطقة بالإنجليزية، و«روسيا اليوم» الناطقة بالعربية التي كان الرئيس بوتين اختار الرابع من مايو (أيار) يوم ميلاد الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، موعدا لانطلاقتها، واستهلها بحديث على الهواء مباشرة معه، كشف فيه عن سر اختياره لمثل ذلك التوقيت.
أما عن المشروع الجديد الذي يحمل اسم «سبوتنيك» فقد اختار القائمون عليه، منهم دميترى كيسيليوف المعلق التلفزيوني المعروف بتوجهاته القومية، وقناعاته المطلقة بتوجهات الرئيس بوتين وسياساته، ليعهدوا إليه برئاسته ورسم استراتيجيته في إطار سياسات الكرملين للمرحلة المقبلة، وهو الذي «شَرُفَ» بأن يكون في صدارة قائمة العقوبات التي فرضتها واشنطن وحلفاؤها على أبرز شخصيات ورموز الدولة الروسية وأجهزتها الرسمية والإعلامية.
الأزمة الأوكرانية بينت القصور الإعلامي في مجال مواجهة الماكينة الضخمة للإعلام الغربي التي نجحت إلى حد ما، في تصوير موسكو، وكأنها قوة احتلال غاشمة تهدد جيرانها. وبدت الحاجة شديدة الإلحاح وأكثر من ذي قبل، إلى وضع خطة عاجلة للتصدي للهجمات الغربية الشرسة، التي استهدفت النيل من مواقع الكرملين على خريطة الساحة الإعلامية الدولية.
وكان الكرملين حقق الكثير من النجاح في معركته «غير المعلنة» مع خصومه في الساحة الدولية، قبل أن يعود ويعتري الوهن بعض مواقعه، تحت تأثير الضربات المتوالية والعقوبات من جانب خصومه الغربيين، ممن راحوا يروجون لضرورة العمل من أجل التصدي لما وصفوه بـ«مخططات الكرملين التوسعية»، وقولهم إنها «تستهدف تحقيق استعادة الاتحاد السوفياتي السابق»، على حد زعمهم.
ولعل ذلك تحديدا ما قد يبدو تفسيرا مناسبا لظهور المشروع الجديد، باكورة إنتاج مؤسسة «روسيا سيفودنيا»، أما عن الاسم الذي اختاره كيسيليوف لمشروعه الجديد فقد استمده من رصيد إنجازات الماضي المجيد التي سبق واختارت موسكو كلمة «سبوتنيك» (القمر الصناعي) رمزها المميز الذي سرعان ما رفدته بالكثير من الكلمات التي فرضت نفسها على قاموس ذلك الزمان، تمييزا للوفير من الإنجازات التي استهل بها الاتحاد السوفياتي متقدما عن غيره من كبريات البلدان، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، بمشروعه لغزو الفضاء في عام 1957.
قال كيسيليوف في معرض طرحه لفكرته وإيجاز استراتيجيته للعمل في الفترة المقبلة: «نحن ضد الدعاية العدائية التي يقتات عليها العالم.. سنقدم تفسيرا بديلا للعالم.. هناك حاجة إلى ذلك».
وأضاف الإعلامي الروسي قوله إن ما سوف تقدمه الوكالة الروسية الجديدة «سيكون منتجا إعلاميا متميزا خاليا من الفبركة، ويتسم بأكبر قدر من الموضوعية والأمانة التي يحتاجها العالم، وما يعد محاولة لمواجهة سيل الأكاذيب والافتراءات التي تتدفق من مواقع القطب الواحد. ويبدو العالم وقد سئم تكرار محاولات ترويجها وفرضها؛ ولذا، فإن ما سوف يتلقاه المشاهد أو المستمع أو القارئ سيكون من إعداد الصحافيين العاملين في بلادهم، وبما يتلاءم مع احتياجات هذه المناطق المتفرقة من العالم».
وأكد كيسيليوف أن مشروع «سبوتنيك» سيفتتح مكاتبه بينما يزيد على 30 من أهم العواصم والمدن العالمية، ومنها: واشنطن، ولندن، وبرلين، وباريس، وريو دي جانيرو، إلى جانب جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق.
وخلص إلى تأكيد أن الكثيرين أدركوا أن العالم يجب أن ينأى بنفسه عن تصديق ما تروجه الولايات المتحدة حول صحة ما تفعله وتقوم به، وأن روسيا تعرض نموذجا جديدا للعالم المعاصر يقوم على احترام كل البشر، وأشار إلى أن بلاده تؤمن بالتعددية وتنوع الثقافات والحضارات، مؤكدا وجود الكثير من الحلفاء والأصدقاء، وهو ما قال إن مشروعه الجديد سيحاول وضعه حيز التنفيذ.
وسرعان ما تلقفت الأجهزة الدعائية والإعلامية الغربية هذه الكلمات التي وصفتها بأنها «تعبير عن رغبة دفينة في استعادة أمجاد الماكينة الدعائية السوفياتية»، ومع ذلك فقد اعترف الكثيرون من المراقبين بعدالة الموقف الروسي، مؤكدين أن «خطوة الإعلان عن افتتاح المشروع الجديد أملتها ضرورة مواجهة تسلط وتعسف الدعاية الغربية التي ظهرت في أسوأ صورها مع اندلاع الأزمة الأوكرانية»، وكانت الأحداث التي شهدتها أوكرانيا بما في ذلك جنوب شرقي البلاد، أكدت أن «الولايات المتحدة تقف وراء إشعال الأزمة وتأجيجها، بينما تتخذها اليوم ستارا لمحاولات تنفيذ مخططها القديم - الجديد الذي تستهدف به زعزعة استقرار روسيا، والنيل من هيبتها وسيادتها في المنطقة».
إن ما أعلنته موسكو، يوم الاثنين الماضي، حول تأسيس مشروع «سبوتنيك» لم يكن وليد اللحظة؛ حيث سبق وأعدت له من خلال ما أعلنت عنه في نهاية العام الماضي حول تأسيس مؤسسة «روسيا سيفودنيا» - الوريث الشرعي لمؤسسة «ريا نوفوستي» - التي سبق وكانت بديلا روسيا للمشروع السوفياتي السابق الذائع الصيت «وكالة نوفوستي للأنباء» «APN»، وقالت المصادر آنذاك، إن «المشروع الجديد سيقوم على أساس إذاعة (صوت روسيا)، التي تعتبر بديلا للإذاعة السوفياتية الموجهة».
أما عن رئيس المشروع الإعلامي الكبير فهو دميتري كيسيليوف البالغ من العمر ستين عاما، الذي سبق وتلقى تعليمه بكلية الآداب في جامعة «لينينغراد» العريقة، مما يعني أنه كان زميلا «غير مباشر» لكل من الرئيس بوتين ورئيس ديوانه سيرغي إيفانوف، وتقول السيرة الذاتية إنه تخرج من القسم نفسه الذي تخرج منه إيفانوف، وهو قسم اللغات الاسكندنافية في كلية الآداب. وكان كيسيليوف عمل منذ تخرجه في الإذاعة السوفياتية وعدد من مكاتبها الخارجية الأوروبية إلى أن تحول إلى العمل بالتلفزيون مراسلا ومعلقا سياسيا؛ حيث كشف عن توجهاته القومية المتشددة من خلال ما قدمه من برامج وشرائط وثائقية سجلت «سقطات» ميخائيل غورباتشوف، وبوريس يلتسين، و«انهيار الاتحاد السوفياتي»، وهو ما لفت إليه، على ما يبدو، أنظار فلاديمير بوتين. ولعل ذلك يمكن أن يكون سببا في إدراجه ضمن قائمة المحظور دخولهم إلى واشنطن وبلدان الاتحاد الأوروبي بموجب العقوبات التي علق عليها في حديثه مع صحيفة «إزفيستيا» بقوله: «حسب ما أذكر هذه هي المرة الأولى التي يفرض فيها عقوبات دولية ضد صحافي. يتهمونني بأنني أمارس الدعاية، ولكن كلمة الدعاية باللغة اليونانية تعني نشر المعلومات والأفكار والمواقف الفلسفية، أما الغرب فيستخدم هذه الكلمة ويعتبرها سبابا.. وهذا أمر سخيف حقا».
واستطرد كيسيليوف في حديثه، الذي نقلته إذاعة «صوت روسيا»، ليقول إن «جميع الوكالات الغربية تفرض وجهة نظرها، ومنها على سبيل المثال وكالة (رويترز) ووكالة (أسوشييتد برس)، إن هذه الوكالات تمارس بالفعل فن الدعاية وتقوم بصياغة جدول أعمال المواضيع الملحة، وتفرض الطريقة التي ينبغي أن يفكر بها المرء، وتحدد ملامح الترتيب الواجب اتباعه»، وأضاف قوله إن «ما يثير قلق الغرب هو رؤية روسيا دولة تنهض من جديد»، مؤكدا: «نحن ننهض، وبالتالي إذا كان هناك برنامج تلفزيوني يؤيد هذه النهضة الروسية، فهذا يعني أن الغرب سوف يفرض عقوبات على مؤلف هذا البرنامج. والأكثر من ذلك فإنهم يقولون إن كيسيليوف يكره المثليين، ومعاد للسامية، ويدعو لحرق أميركا.. إلخ. كل ذلك يبدو غير لائق».
أما منصب رئيس تحرير المشروع الجديد، فقد عهدت القيادة الروسية به إلى «فتاة الكرملين المدللة»، مارجريتا سيمونيان، التي سبق وعهد إليها برئاسة مشروع «قنوات روسيا اليوم» التلفزيونية، ولم يكن عمرها تعدى الـ25 بقليل، وهو ما لم يحل دون تحقيقها للكثير من النجاح خلال مسيرتها المهنية التي وإن كانت قصيرة، فإنها تحمل الكثير من مشاهد «الإثارة»، الأمر الذي سبق وسجلنا بعض صفحاته وجوانبه، في معرض حديثنا عن «روسيا اليوم» على صفحات «الشرق الأوسط» في حينه.
وتقول المصادر الرسمية إن «الدولة خصصت لتمويل مشروع (روسيا اليوم) ما يقدر بـ6.48 مليار روبل، إلى جانب ميزانية قنوات (روسيا اليوم) التي تبلغ 15.38 مليار روبل في عام 2015. وللمقارنة مع ما كانت عليه الأوضاع المالية لوكالة أنباء (ريا نوفوستي)، نشير إلى أن ميزانية هذه الوكالة كانت 2.35 مليار روبل! أما عن أعداد العاملين في المشروع الجديد، فمن المقرر أن يزيد قليلا على 1500 من رجال الصحافة والإعلام سوف ينتشرون في مختلف عواصم ومدن الأميركتين وأوروبا وأفريقيا وآسيا، بما في ذلك بلدان الفضاء السوفياتي السابق».



«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
TT

«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)

تعكف آسيا اليوم، على إعادة كتابة قواعد التلفزيون بهدوء. وفي خضم هذا التغيير، يتلاشى تدريجياً النمط القديم المتمثل في «تشغيل جهاز التلفزيون في تمام التاسعة مساءً لمتابعة الأخبار»، ليحل محله نبض رقمي، حيث يحدد الهاتف الذكي - وليس القناة - موعد وصول الأخبار. وبدلاً عن ضبط التلفزيون في وقت محدد، أصبح المشاهدون يتصفّحون وينقرون ويمررون الشاشة بأي وقت.

ومع انطلاقنا عبر عام 2026، باتت آسيا الساحة الرئيسة لعالم «ما بعد التلفزيون». وبفضل التحوّل المتواصل إلى منصات البث عبر الإنترنت (OTT) والطلب المتزايد على المعلومات «في أي وقت»، لم تعد آسيا مجرد مشارِكة في التحول العالمي نحو الاستهلاك عبر الهاتف المحمول، بل أصبحت تقوده.

إعادة هيكلة جذرية

في الواقع، إننا نعاين اليوم تحولاً هائلاً، وتشير التوقعات الصناعية الحديثة إلى أن انتشار منصات البث عبر الإنترنت في آسيا، سيصل إلى 62.5 في المائة بحلول عام 2029. في الوقت ذاته، نشهد في الوقت الراهن انتقال مئات الملايين من المشاهدين من أنظمة «الكايبل» والأقمار الاصطناعية التقليدية إلى البث عبر الإنترنت.

وكذلك، لا تقل التداعيات الاقتصادية المترتبة على هذا التحول ضخامة؛ ففي الوقت الذي تشير تقديرات إلى تراجع عائدات قنوات التلفزيون التقليدي في المنطقة بنحو 8 مليارات دولار خلال السنوات القليلة المقبلة، تشهد عائدات الفيديو عبر الإنترنت ارتفاعاً صاروخياً؛ إذ من المتوقع أن ترتفع من 70 مليار دولار عام 2025 إلى 89 مليار دولار بحلول نهاية العقد. ويكشف ذلك عن أن هذا ليس مجرد تغيير في الميول والتفضيلات، وإنما إعادة هيكلة شاملة لاقتصاد الإعلام. وحقاً، أصبح من النادر اليوم، أن تكون الشاشة التي يتابعها المشاهدون التلفزيون الكبير، بل أصبحت الجهاز الصغير الذي يحمله المرء باستمرار بيده. ومع أن محطات البث لا تزال حريصة على عرض نشرة الساعة التاسعة مساءً، فإنها تبدو بشكل متزايد وكأنها «ملف مصدر»، يجري تقسيمه إلى أجزاء صغيرة لتوزيعها عبر التطبيقات والموجزات ومنصات التواصل الاجتماعي.

البث عبر الإنترنت ونهاية الجداول الثابتة

من جهة ثانية، ما عادت منصات البث عبر الإنترنت مجرّد مستودعات للترفيه؛ بل تحوّلت هذه التطبيقات ساحات الأخبار الجديدة. ومع انحسار اعتماد المشاهدين على «الكايبل» التقليدي، استعاض المشاهدون عن التنقل بين القنوات، بالتصفح بين التطبيقات.

داخل الأسواق الناضجة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تُضاف خدمات البث عبر الإنترنت إلى أنظمة التلفزيون التقليدية. أما في الهند وإندونيسيا وفيتنام، فيُمثل البث المباشر تجربة الفيديو المنظمة الأولى لملايين المشاهدين. ومن جانبها، تستجيب شركات الاتصالات وشركات تشغيل القنوات التلفزيونية، من خلال إعادة تسمية تطبيقاتهم لتصبح «مجمّعات OTT فائقة»، مع تجميع البث التلفزيوني المباشر والرياضة والأخبار في تطبيقات واحدة. ومع انتقال جميع قنوات المحتوى إلى تطبيقات الهواتف المحمولة، يبدأ مفهوم «وقت الذروة» في التلاشي.

التوجّه الرقمي أولاً

قادة قطاع الإعلام في جميع أنحاء القارة، يدركون اليوم أن المؤسسات التقليدية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التكيف أو الزوال. في هذا الإطار، قال مانوج دوبال، الرئيس التنفيذي لشركة «ديش تي في الهند»، إن التلفزيون لن يبقى محورياً، إلا إذا اندمج تماماً مع منصات البث عبر الإنترنت والتطبيقات. وبالمثل، أعرب راسموس كليس نيلسن، مدير «معهد رويترز» والباحث الخبير، عن اعتقاده بأن الاعتماد على المنصات للاطلاع على الأخبار، يُقوّض بشكل جذري النماذج التقليدية المتمركزة حول التلفزيون.

وفي الوقت نفسه، تتردد أصداء هذا الرأي داخل الصين. وكمثال، ذكرت «جمعية الصحافيين لعموم الصين»، في تقريرها السنوي، أن قطاع الإعلام في طور التحول من نموذج البث التقليدي، إلى نموذج المنّصات، وأن تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات تتولى صياغة عملية التوزيع.

وهكذا، أصبح لدى شركات عملاقة في مجال الإعلام، مثل «تنسنت فيديو» و«يوكو»، دور محوري في كيفية استهلاك الأجيال الشابة للأفلام الوثائقية والأخبار. وبات المشاهدون الصينيون يعتمدون على البث المباشر حسب الطلب، باعتباره شاشتهم الرئيسة، متجاهلين برامج التلفزيون الحكومية.

بل، واللافت أنه حتى في اليابان، حيث لطالما كانت ظلت سوقها الإعلامية محافظة، أفاد «معهد أبحاث الصحافة الياباني» بأن عدد الذين يطلعون على الأخبار عبر الإنترنت يومياً، بات يفوق عدد من يتابعونها عبر التلفزيون أو الصحف المطبوعة. مثلاً، في صحيفة «أساهي شيمبون الرقمية»، يصل أكثر من 70 في المائة من القراء إلى المحتوى عبر الهواتف الذكية؛ ما يُشير إلى نقطة تحول حاسمة في اعتماد استهلاك المحتوى عبر الهواتف المحمولة.

أمام المقر الرئيس لشركة تنسنت الصينية العملاقة (رويترز)

تكنولوجيا متطورة... واعتبارات اقتصادية

في الهند، كذلك، ثمة ثورة تعتمل في هدوء داخل الاستوديوهات على صعيد عملية الإنتاج. إذ لم يعد يجري التخطيط للتقارير لبثها في فقرة واحدة مدتها 30 دقيقة. بل بدلاً من ذلك، يُصمِّم المحرّرون المحتوى مع مراعاة «خيارات متعددة»: نسخة تلفزيونية أطول للأرشيف، مقطع فيديو مُختصر للهواتف المحمولة للاستهلاك السريع، فيديو عمودي لوسائل التواصل الاجتماعي، تنبيه نصي قصير لتطبيقات المراسلة، مثل «واتساب».

بالتالي، نحن نشهد راهناً ليس التخلي عن الحنين إلى الماضي فحسب، وإنما نشهد ثورةً شاملة في الإيرادات تُغير وجه اقتصاديات الإعلام في جميع أنحاء آسيا. ومن المتوقع أن تنمو سوق خدمات الفيديو حسب الطلب (SVoD) من قرابة أربعة مليارات دولار أميركي إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2029. ومن المتوقع كذلك أن ترتفع سوق خدمات الفيديو حسب الطلب المدعومة بالإعلانات (AVoD)، من 9 مليارات دولار إلى 24 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مع تحول المعلنين والمستهلكين على حدٍ سواء من التلفزيون التقليدي، إلى منصات تعتمد على الخوارزميات وتُركز على الهواتف المحمولة.

فيما مضى، كانت الهيمنة من نصيب قنوات البث من خلال بيع فترات بث ثابتة. أما اليوم، فتُقدم الأخبار والبرامج الترفيهية في الوقت الفعلي عبر محركات التوصيات، مدعومةً بانتشار الهواتف الذكية بنسبة 90 في المائة تقريباً في معظم أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وزيادة بنسبة 15 في المائة في وقت مشاهدة الفيديو عبر الهواتف المحمولة منذ عام 2023. ومن المنظور الاقتصادي، بالذات، يُعيد هذا التحول توجيه قيمة الإعلانات والاشتراكات من فترات البث التلفزيوني المجدولة، إلى أنظمة بيئية غنية بالبيانات تتمحور حول المنصات، حيث يمكن تتبع وقت النقر والتمرير والمشاهدة وتسعيرها وجني أرباح منه.

داخل سوق الإعلام الهندية المزدحمة، أصبحت شركة «ريلاينس جيو» نموذجاً لهذا التحول؛ فقد أدى اندماج «ريلاينس جيو» و«هوتستار» عام 2025، إلى ظهور عملاق في مجال البث المباشر يضم قرابة 300 مليون مشترك، ويحقق ما يقارب ملياري دولار أميركي سنوياً، من بث مباريات الكريكيت في الدوري الهندي الممتاز، والمسلسلات الدرامية الإقليمية، وخدمات الترفيه حسب الطلب. ويأتي ذلك في ظل توقّعات تشير إلى وصول الإيرادات إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2029.

في المقابل، نجد التحوّل داخل الصين أشد سطوعاً؛ حيث حوّلت شركات التكنولوجيا العملاقة في بكين منصات البث عبر الإنترنت، إلى منظومة إخبارية وترفيهية تُقدّر قيمتها بـ10 مليارات دولار، تجذب منصات مثل «تنسنت فيديو» وحدها قرابة 137 مليون مستخدم يومياً، يشاهدون المسلسلات القصيرة والبث المباشر ومقاطع الأخبار، ضمن بيئة تخضع لرقابة صارمة، لكنها تُراعي المحتوى المحلي. وتُضيف iQIYI أربعة مليارات دولار سنوياً من عائدات الاشتراكات والإعلانات، بفضل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التي تُقدّم «تحديثات فورية» تصل في الغالب إلى الجمهور قبل البث التلفزيوني التقليدي.

وبحلول عام 2029، يتوقع أن تستحوذ الصين على قرابة 39 في المائة من إيرادات خدمات البث عبر الإنترنت في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مدعومةً بالمحتوى القصير، والأخبار المُعتمدة على الخوارزميات، والتوسع في تجارة البث المباشر التي تبلغ قيمتها 500 مليار دولار أميركي، مع تحقيق الربح من كل مقطع فيديو جذاب عبر الإعلانات، أو الاشتراكات، أو عمليات الشراء المباشرة عبر الإنترنت.

في المقابل، يصاحب التحوّل في اليابان ضجيج أقل، لكنّه لا يقلّ أهمية. إذ تشير التوقعات إلى اتساع حجم سوق البثّ عبر الإنترنت في البلاد، من نحو 5 مليارات دولار إلى 7 مليارات دولار بحلول عام 2029، أي بنموّ سنويّ مركّب يبلغ قرابة 6.5 في المائة، في ظل تقديم منصّات مثل «أبيما تي في» نماذج هجينة تجمع بين البثّ المجانيّ والبثّ المباشر، والتي تحقق عائدات بنحو مليار دولار أميركيّ من الإعلانات عبر نشرات الأخبار السريعة، المصمّمة خصيصاً للهواتف المحمولة.

كما تُقدّم خدمة «دي تي في»، من «إن تي تي دوكومو»، باقةً من القنوات المميّزة وخدمات البثّ حسب الطلب ضمن نظام دفع واحد؛ ما يجذب قرابة 10 ملايين مشترك، ويُدمج تنبيهات فورية تُمكّن المستخدمين من متابعة الأخبار العاجلة فور حدوثها.

بالتالي، نجد في شتى أرجاء آسيا أن الأمر لم يعد مجرّد قصة تتعلّق بالتكنولوجيا أو الراحة؛ وإنما تتمحور القصة حول الإيرادات والبيانات والتحكم في دورة الأخبار اليومية، في وقت يُمثّل الهاتف الذكي محور نظام إعلامي وتجاري جديد.

وبالتزامن مع ذلك، غدت بيانات الهاتف المحمول في آسيا رخيصة للغاية؛ ففي الهند وجنوب شرق آسيا، تُقدّم شركات الاتصالات باقات بيانات متعددة الغيغابايت مقابل بضعة دولارات فقط؛ ما يجعل تشغيل تطبيقات متعددة أكثر اقتصادية، مقارنة بتكلفة صيانة جهاز استقبال الكايبل التقليدي.

المستقبل: عالم في حالة اتصال دائم

مع هذا، رغم كل ما سبق، من غير المرجح أن تختفي ساعة الأخبار المُجدولة بين عشية وضحاها؛ بل سيظل التلفزيون التقليدي عنصراً أساسياً بالنسبة لكبار السن وسكان المناطق الريفية. ولكن بمرور الوقت، سيصبح «وقت الأخبار» أقل ارتباطاً بالساعة وأكثر ارتباطاً بالهاتف المحمول. وبدلاً من التساؤل «ماذا ستعرض قناة الأخبار الساعة التاسعة؟»، سيفكر الناس «ماذا شاهدتُ بالفعل على هاتفي اليوم؟».

وأخيراً، فإن ريادة آسيا في هذا التحول ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج التركيبة السكانية الشابة، والتوسع السريع لشبكات الجيل الخامس، والطلب المتزايد على المحتوى المحلي المُخصّص. لم تختفِ «ساعة الأخبار»، بل امتدت لتشمل كل ساعة من ساعات اليوم. ولم يعُد التحكم حكراً على عدد قليل من المحطات، بل أصبح منتشراً عبر مليارات الشاشات والتطبيقات والمستخدمين. الآن، تُروى قصة آسيا في الوقت الفعلي، عبر تحديثات فورية.


تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.