العزلة أكثر «براءة» من الوحدة

كثير من الرجال والنساء قرروا بعد الحرب العالمية الثانية أن يعيشوا وحدهم

غلاف «تاريخ العزلة»
غلاف «تاريخ العزلة»
TT
20

العزلة أكثر «براءة» من الوحدة

غلاف «تاريخ العزلة»
غلاف «تاريخ العزلة»

ليست العزلة كالوحدة. الناس الوحيدون يشعرون بالحاجة إلى الرفقة، بينما يسعى أولئك الذين يفضلون العزلة إلى الهرب من الرفاق. ألطف تعريف للوحدة، كما يقول ديفيد فنسنت في دراسته الرائعة، هي أنها «عزلة فاشلة». اختلاف آخر بين المجموعتين أن النساك والرهبان الترابيين والشعراء الرومانسيين يختارون الوحدة، في حين أنه لا أحد يريد أن يشعر بأنه متروك ومجرد من كل شيء. أن تسمي نفسك «مُعاشر الذات»، بمعنى أنك تجلس في السينما (حين تكون مفتوحة) ممسكاً بيدك، قد يكون ذلك إما رغبة في العزلة أو إضفاء للعقلانية على وصمة الانعزال. الاختلاف الأكبر، على أي حال، أن العزلة لم يسبق أن قتلت أحداً، بينما الوحدة يمكن أن تودي بالشخص إلى قبره. وبينما يعيث فيروس كورونا تدميراً، فلربما قد يواجه بعضنا الآن الخيار بين الإصابة الجسدية والانهيار العصبي.
بالنسبة للتنوير في القرن الثامن عشر، يعد انفراد الإنسان بنفسه خروجاً عن الطبيعة الحقيقية للإنسانية، وهي طبيعة اجتماعية بكل معنى الكلمة. حدث التغيير مع الرومانسيين. صارت العزلة ما نشترك فيه جميعاً. وكان وحش فرانكنشتاين من أوائل الانعزاليين الكبار في الأدب الإنجليزي، وحش مطرود ومكروه من قبل الإنسانية. ومع ذلك فعلى الرغم من أن الوحدة من أعراض العصر الحديث، فإن العزلة يمكن أن تكون نقداً لها. إنها واحدة من الطرق التي يمكنك من خلالها أن تتصل بالمتعالي، مظهراً بذلك ما يفتقر إليه المجتمع المادي على نحو متزايد. حين يكتب وردزورث أنه تجول وحيداً مثل سحابة، فلربما لم يعن أكثر من أنه كان مختلياً بنفسه، أو أنه كان يفتقر إلى الرفيق، أو أن كونه وحده منحه فضاء للتعرف على الذات وللتأمل الروحاني.
الاعتقاد أن الذات لا تظهر إلا عند الابتعاد عن العالم يعود على الأقل إلى الآباء المسيحيين في الصحراء، لكن هذا الكتاب يظهر مدى تعالي الحاجة إلى الحوار مع الذات في المجتمعات الحديثة كلما ازداد الاحتشاد فيها. مثل ذلك الانسحاب يكون أحياناً بثمن: أصرت فرجينيا وولف على الحاجة إلى أن تكون للمرء غرفة مستقلة، ولكن لم يكن أحد قادراً على ذلك سوى الطبقات الوسطى العالية حينئذٍ. في القرن التاسع عشر عاش 1 في المائة فقط من البريطانيين في غرف مستقلة؛ في 2011 حقق ذلك 31 في المائة أو ثمانية ملايين شخص. ولكن في حين جمع التمدن والعائلات الكبيرة الناس بعضهم مع بعض، جاء العالم المجهول والرأسمالية الصناعية ليفرقا بينهم. قد تكون الحياة الريفية قاسية، لكن كان بإمكان المرء أن يعرف جاره. لذا فإن اشتد الحنين إلى الوحدة فقد اشتد أيضاً الشعور بتخلي الآخرين.
يدعو كتاب «تاريخ العزلة» إلى «تاريخ هادئ للمجتمع البريطاني»، أو «تاريخ من التوقف عن فعل أي شيء». إنه دراسة غنية على نحو يدعو للإعجاب، دراسة تمتد من شعر جون كلير إلى «العزلة التواصلية» على الإنترنت وعبادة الاهتمام المتبادل. في الكتاب قسم بديع حول التمشي الأعزل الذي كانت الطبقات الوسطى تستمتع به في القرن التاسع عشر من أجل الترويح الروحاني (يقال إن وردزورث مشى ما يقارب 180 ألف ميل طوال حياته)، بينما كانت طبقة العمال تفعل ذلك بحثاً عن عمل. كان التجوال الدائم ما يجمع الفلاح بالأرستقراطي.
من الممكن بطبيعة الحال أن يكون الإنسان في عزلة وإن كان برفقة أحد. في الحقيقة إن عالم النفس دونالد وينيكوت يرى أن الطفل يتعلم كيف يكون وحده في حضرة بالغ موثوق به. لقد شهد النصف الثاني من القرن التاسع عشر انبثاق عدد كبير من الأديرة الجديدة، حيث يمكن للنساء أن يكن وحدهن معاً، في حين وفر نظام السجون نمطاً أقل رقابة من الحبس الانفرادي. (رأى صاحب اليخوت روبن نوكس - جونسون أن معدل الجريمة سينخفض لو حكم على الناس بالإبحار حول العالم بدلاً من سجنهم). ومن نقش حول التدخين يتضح أن تلك العادة لم يكن ينظر إليها على أنها طريق إلى المقبرة بقدر ما أنها ممر نحو الهدوء الداخلي، بل بوصفها نوعاً من الصلاة.
لدى فنسنت شكوك حول ما يسمى وباء الوحدة في الحياة الحديثة. يشير إلى أن المزيد من الرجال والنساء قرروا بعد الحرب العالمية الثانية أن يعيشوا وحدهم لأنه كان من الممكن فعل ذلك. وعلى أي حال فإن الوحدة المنتشرة ليست جديدة ولم يجد بعض علماء الاجتماع دلائل تذكر تشير إلى تزايدها. بل إنه على العكس من ذلك ترى (في باوند ألبرتي) Fay Bound Alberti في كتابها «سيرة الوحدة» المسألة من زاوية أكثر إلحاحاً وعمقاً. إذا كانت فنسنت مؤرخاً اجتماعياً، فإن (في) عاطفية، مقتنعة بأن المشاعر الإنسانية بعيدة عن أن تكون متجاوزة للزمن وكونية، وكذلك فإنها تخضع للمتغيرات التاريخية مثل الفكر والممارسة، وهي شديدة التغير. ومن الممكن الاعتراض على ذلك الرأي بالقول إن الثقافة تشكل الطريقة التي نعبر بها عن عواطفنا، ولكن الحزن على فقدان شخص نحبه، أو الذعر حين يواجهنا دب بني، لا علاقة له بكوننا من كانساس أو من كمبوديا. كما أن من المشكوك فيه أيضاً أن كل الحالات العاطفية تتأثر بالجندر، حسب ما يرد في هذا الكتاب. هل ردة فعل النساء تختلف فعلاً عن الرجال حين يسقطن من جبل؟ «كل العواطف مسيسة»، تؤكد ألبرتي، ولكن عبارات «كل شيء مسيّس» تغامر بإفراغ مفردة «سياسي» من أي معنى مفيد. إنها تمثل ردة فعل مبالغاً بها تجاه أولئك الذين يعتقدون أن وظيفة اللورد المستشار ليست سياسية وإنما طبيعية.
ومع ذلك فإن هذه دراسة واسعة المدى ومفعمة بالعاطفة، دراسة مبنية على دعوى جريئة تقول إن الوحدة اخترعت نحو 1800. قد يساعد هذا على تفسير أن روبنسون كروزو لا يشكو أبدا من افتقاده الرفيق. كما أنها تنسجم مع دعوى فنسنت: في نظره تتضمن «وحيد» عاطفة سلبية فقط في تلك الفترة. في الوقت الحالي صار «اعتماد المرء على نفسه» حالة وجودية أكثر منه حقيقة واقعة، كما هو الحال مع الأبطال المكتئبين في أعمال [الشاعر الرومانسي] بايرون. في الوقت الحاضر، يقول ألبرتي، إن الناس الوحيدين يحتمل أن يموتوا موتاً باكراً بنسبة تفوق أولئك الأقل وحدة بـ30 في المائة، والفقراء أشد وحدة من الموسرين والشباب هم الأكثر وحدة. أن تكون وحيداً هو ألا «تكون موجوداً على نحو ذي معنى مع الناس الآخرين».
- مراجعة لكتابي «تاريخ العزلة» لديفيد فنسنت و«سيرة الوحدة» لفي باوند ألبرتي. كتب المراجعة: تيري إيغلتون ونشرت في «الغارديان»



مجمرة من موقع مليحة في الشارقة

مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة
مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة
TT
20

مجمرة من موقع مليحة في الشارقة

مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة
مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة

أدّت عمليات المسح والتنقيب المتواصلة خلال العقود الأخيرة في دولة الإمارات المتحدة إلى الكشف عن سلسلة من المواقع الأثرية، أبرزها موقع مليحة الذي يقع في الجزء الجنوبي الشرقي من إمارة الشارقة، ويمتدّ على مساحة تقارب 5 كيلومترات مربعة. بدأ استكشاف مليحة في عام 1986، وخرجت حملات التنقيب فيه بمجموعة كبيرة من اللقى الأثرية تشهد لتعدديّة مثيرة في الأساليب الفنية المتبّعة، منها مبخرة من الحجر الجيري لا تشبه المجامر الأثرية التي عُثر عليها في المواقع الأثرية الخاصة بالإمارات.

تعود هذه المبخرة إلى الفترة الممتدة من القرن الثاني إلى القرن الأول قبل الميلاد، ويبلغ طولها 30 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وهي مكونة من قاعدة أسطوانية عريضة يعلوها عنق طويل يحمل الإناء المخصص لاحتواء الجمر والبخور وما شابه من الطيوب. تنتصب هذه القاعدة على ثلاثة قوائم مقوّسة بشكل طفيف، وتشكّل نصف فلكة تمتدّ قمّتها أفقياً، مشكّلةً مجسّماً مستطيلاً تحيط به ثلاثة تماثيل أنثوية متجانسة. يعلو هذا العنق حوض أصغر حجماً يتّصل بإناء تحيط به كذلك ثلاث هامات أنثوية. تزيّن هذه المبخرة حلّة لونية صبغت بالأحمر القاني، تتمثّل في سلسلة من العقود الزخرفية. تؤلّف هذه العقود شبكة تتكون تباعاً من دوائر تنعقد أفقياً حول الكتل التي تتكوّن منها المبخرة.

تزيّن القاعدة ستة عقود متناغمة. تحضر الدائرة الأولى على شكل خط رفيع. وتحضر الثانية على شكل شريط تعلوه شبكة من الخطوط العمودية المرصوفة كأسنان المشط. وتحضر الثالثة على شكل شريط تعلوه شبكة من المثلّثات. وتحضر الرابعة على شكل مماثل للثانية، وتعلوها دائرتان متشابهتان، تتكوّن كلٌّ منهما من عقد تزيّنه سلسلة من الخطوط اللولبية. في المقابل، تزيّن العنق حلّة مماثلة انمحت وبقي منها أثر طفيف، ويزيّن الحوض شريط من المثلّثات يعلوه شريط من الخطوط اللولبية، وتزيّن الإناء كما يبدو شبكة من الدوائر المجردة بقي منها طيفها.

تتماثل المجسّمات الأنثوية التي تحيط بعنق قاعدة المبخرة، وتحضر كلّ منها على شكل امرأة جاثية على ركبتيها. يتميّز الرأس بحجمه الكبير قياساً إلى الصدر، وتتكوّن ملامحه من عينين لوزيتين ضخمتين، وأنف عريض ينساب من أعلى الجبين، وثغر صغير يفصل بين شفتيه شقّ بسيط. تعلو هذا الوجه كتلة مقوسة تزيّنها سلسلة من الخصل الناتئة، مع فارق في الوسط الأعلى يرسم تسريحة الشعر. يستقرّ هذا الرأس فوق عنق عريض يعلو صدراً ناتئاً غاب تكوينه تحت رداء عريض. الذراعان مسدولتان وملتصقتان بالصدر، واليدان معقودتان عند حدود الركبتين، والساقان غائبتان وذائبتان في كتلة القاعدة. تتماثل كذلك الهامات التي تحيط بأعلى المبخرة، وتشابه وجوه القامات التي تحيط بقاعدتها إلى حد التطابق.

تزيّن كلًّا من هذه المجسمات الأنثوية الستة حلّةٌ لونية بالأحمر القاني المعتمد في هذه الصياغة، وتتمثّل هذه الحلّة في خطوط تحدّ العينين، وخطوط تنعقد حول العنق، وخطوط ترتسم عمودياً فوق الرداء الذي يكسو الصدر العارم. تتآلف هذه الخيوط مع تلك التي تؤلف الحلة الزخرفية، وتشكّل معها حلّة واحدة متناغمة تسبغ على هذه القطعة طابعاً خاصاً.

خرجت من مواقع الإمارات الأثرية مجموعة من المجامر والمباخر، تقابلها مجموعة أخرى خرجت من مواقع سلطنة عُمان التي شكّلت مع الإمارات في الماضي وحدة جغرافية وثقافية. واتبعت هذه القطع الأنماط والأساليب المحلية التي سادت في نواحي الجزيرة العربية. في هذا الميدان الثري، تخرج مبخرة مليحة الأنثوية بمكوناتها عن هذا السياق، وتبدو فريدة من نوعها. تتبع هذه القطعة الجميلة كما يبدو أسلوباً خاصاً مصدره بلوشستان، أي بلاد البلوش التي تقع في جنوب غربي آسيا، على طرف الهضبة الإيرانية. تمتد هذه البلاد بشكلٍ أساسي في مناطق واسعة تشمل اليوم أقصى الجنوب الشرقي من إيران، والجزء الجنوبي الغربي من باكستان، وفي جزء من جنوب أفغانستان، وهي في الميراث الأدبي بلاد مكران المطلّة على بحر العرب، ذكرها الإصطخري في «المسالك والممالك»، وقال إنها إقليم واسع من أعمال السند، ولسانها الفارسية.

تحتلّ مليحة مكانة خاصة في خريطة مواقع الإمارات الأثرية، وتكمن هذه الخصوصيّة في تعدّديتها الثقافية التي تشهد لها اللقى الأثرية المتنوعة التي خرجت منها منذ انطلاق أعمال المسح المتواصلة فيها في عام 1986. تعكس مجموعة كبيرة من هذه القطع طابع جنوب الجزيرة العربية، وتعكس مجموعة أخرى الأثر الهلنستي الذي بلغ هذه الناحية من شمال شرقي شبه الجزيرة العربية، ونقع على مجموعة مغايرة تحمل طابع بلاد الهند والسند بشكل جليّ، وتعود مبخرة مليحة بمجسماتها الأنثوية إلى هذه المجموعة بشكل لا لبس فيه.

شكّلت الإمارات وسلطنة عُمان في الماضي السحيق قطباً من أقطاب بلاد ماجان التي ورد ذكرها في نقوش بلاد ما بين النهرين الكتابية، وضمّت هذه البلاد مكران. شكّل إقليم عمان الجزء الغربي من مجان، وشكّلت مكران الجزء الشرقي، ومع مرور الزمن اندثرت ماجان، غير أن التواصل بين جزأيها ظلّ حياً على مدى قرون، وشواهده الفنية عديدة في شمال شرقي شبه الجزيرة العربية، وتُعدّ مبخرة مليحة الأنثوية من أجمل هذه الشواهد وأبلغها.