رفعة الجادرجي... دخل الزخرفة الإسلامية من أبوابها الخلفية فانفتحت أمامه الآفاق

فيلسوف العمارة يغادر متاهته الإبداعية

رفعة الجادرجي
رفعة الجادرجي
TT

رفعة الجادرجي... دخل الزخرفة الإسلامية من أبوابها الخلفية فانفتحت أمامه الآفاق

رفعة الجادرجي
رفعة الجادرجي

عن عمر يناهز الرابعة والتسعين عاماً، غيّب الموت المهندس المعماري رفعة الجادرجي الذي اختطّ لنفسه بصمة خاصة يعرفها المتابعون لمنجزه المعماري، والمتأملون لتجربته الأدبية والفنية، وما جاورها من لمسات فكرية تتجلى في كتبه الأدبية والفنية على حدٍ سواء.
لا يمكن الحديث بعُجالة عن المنجز المعماري للراحل رفعة الجادرجي، لكننا سنكون مُضطرين لذلك بسبب ضيق المساحة، وطبيعة الموضوع الذي لا يخلو من نبرة رثائية، فغالبية العراقيين يتذكّرون نُصب «الجندي المجهول» في ساحة الفردوس ببغداد الذي أنجزه عام 1959، وظلّ شاخصاً حتى عام 1983، حيث قوّضه النظام الديكتاتوري السابق، وأحلّ محله تمثال صدام حسين الذي أسقطه الأميركيون عام 2003. لكن نُصب «الجندي المجهول» ظلّ عالقاً في ذاكرة العراقيين للمسته الجمالية الخالية من التعقيد التي تُذكِّرنا بطاق كسرى، إضافة إلى رمزية النُصب الذي يمثّل الجنود العراقيين الذين ضحّوا بأنفسهم من أجل الوطن.
وإذا كان نُصب «الجندي المجهول» رمزاً وطنياً محلياً، فإن «نُصب الحرية» الذي أُنجز عام 1961 هو رمز شرق أوسطي في أقل تقدير، فلقد ذاع صيته عربياً، رغم موضوعه الذي يروي أحداث ثورة 1958، وتأثيرها على الشعب العراقي. لقد صمم الجادرجي هيكل اللافتة الكونكريتيّة التي حملت منحوتات الفنان جواد سليم الذي مزج هو الآخر بين الكلاسيكية التشخيصية والنَفَس الحداثي.
تتحرّك بناية «بدالة السنك» التي أُنجزت في منتصف سبعينيات القرن الماضي بين التراث والمعاصرة أيضاً، لكنها تذكّر بلمساته الفنية، وتُحيل إليها بسهولة من جهة التصميم، والمواد المحليّة المستعملة في البناء.
هناك عدد كبير من الدور والعمارات التي صممها رفعة الجادرجي، نذكر منها دار حسين جميل، وعلي مظفر، وعارف آغا، وحسن الكرباسي، ونصير الجادرجي، وفخري شنشل، وعبد حسن العزاوي، وما سواها من البنايات والجوامع. والغريب أنه لم يكن يتردد في القول إنه فشل في السيطرة التكوينية لهذه الدار أو تلك العمارة التي لم تستجب لرؤيته التصميمية، ويعزو السبب إلى حداثة خبرته الفنية في هذا المضمار.
هذه مجرد إشارات بسيطة لعدد من التصاميم التي أنجزها الجادرجي، أما جعبته المعمارية الكاملة فتحتاج إلى مساحات واسعة وشرح طويل.
وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى أنّ الجادرجي كان عضواً في «جماعة بغداد للفن الحديث» التي أُسست عام 1951 من قِبل فنانين معرفين، أمثال جواد سليم ومحمد غني حكمت وشاكر حسن آل سعيد، وكان الجادرجي يتناهل معهم في أفكاره ورؤاه الفنية والثقافية.
لم يكن الراحل مهندساً معمارياً فحسب، وإنما كان مصوراً فوتوغرافياً مُرهفاً، لا يكتفي بأسْر اللقطة وتجميد الزمن، فثمة شيء ثالث في غالبية الصور التي يلتقطها ويقدّمها لنا كمتلقّين للفن الفوتوغرافي في محاضرات متعددة لم ينقطع عنها إلا في السنوات الخمس الأخيرة التي حاصره فيها المرض.
أصدر الجادرجي عدداً من الكتب التي تُنظِّر لرؤيته المعمارية، أبرزها «الأخيضر والقصر البلوري» 2013، وتناول فيه محورين أساسيين: الأول، كيف تطورت النواة الفكرية لنظرية جدلية العمارة؟ والثاني، وصف للأبنية التي أنجزها مع عدد من زملائه المهندسين. كما أصدر كتاب «شارع طه وهامر سيمث» الذي قال عنه الناقد نجيب المانع إنّ «هناك عبارات تشير إلى ما مارسه الجادرجي في مهنته من نقد عنيف لذاته، واستعراض لما كان يتصوره أخطاءَه، حتى يتوصل إلى الصواب مهما يكن الطريق إليه وعراً أو شحيحاً بالإمكانيات». كما ذكر جبرا إبراهيم جبرا أنّ «في خطّة الكتاب ولغته التحليلية جرأة في الموقف، وريادة في الرأي، وهما مما تميّز به المؤلف مفكراً وإنساناً ومهندساً معمارياً».
ويمتلك الجادرجي نزعة أدبية تجلّت في مذكراته وسيرته الذاتية، وربما يكون «جدار بين ظلمتين» الذي كتبه بالاشتراك مع زوجته الأديبة بلقيس شرارة هو خير أنموذج للسيرة المزدوجة القائمة على بنية «التوازي والتداخل»، إذ اشترك كلاهما في كتابة الفصول الأربعة التي تؤلف متن النص، حيث كتبت بلقيس الأجزاء الأُوَل من الفصول الأربعة، ثم كتب رفعة بموازاتها الأجزاء الأربعة الأُخر التي تداخلت في السياق العام للسيرة الذاتية «المُزدوَجة» التي يكمّل بعضها بعضاً. وهي أول نص سير - ذاتي يوثّق في آنٍ واحد لتجربة متوازية متداخلة من داخل الظلمة وخارجها. كما تضمنت كتبه الأخرى أجزاءً متفرقة في سيرته الذاتية الحميمة التي توزعت في معظمها بين التطلعات الحُلُمية والعمل اليومي الجاد المثمر الذي يتحول إلى بيوت ومشاريع عمرانية متعددة الأغراض، كان يصوِّرها بكاميرته الشخصية، ويكتب عنها بالتفصيل كاشفاً عن نجاحاته وإخفاقاته في آنٍ معاً. وكان رفعة الجادرجي ناقداً فنياً أيضاً، ويكفي أن نشير إلى الفصل الثالث من كتاب «الأخيضر...»، المُعنون «مع جماعة الرواد»، لنؤكد صحة ما نذهب إليه، فقد كتب عن هذه الجماعة، وناقش توجهاتها الفنية والفكرية، ودورها في المشهد التشكيلي العراقي. لنقرأ ما كتبه عن الفنان فائق حسن، مُركزاً فيه على الجوانب الثقافية والاجتماعية، حيث يقول: «فائق حسن لا يقرأ إلا القليل، وإذا قرأ ففي بعض المجلات الفرنسيّة لا غيرها. معلوماته تكاد تكون معدومة في العلوم والفنون والتاريخ، ولكنه هضم وأتقن هذا القليل بسبب عمق تفكيره، وأصالة أسلوب معيشته... لا يُقحم نفسه في أمور لا يفهمها، بل إن الأحداث تمرُّ من دون أن تمسّ انتباهه، إلا ما يهمهُ منها ويهضمهُ، ويتخذ منه موقفاً خاصاً متميزاً... فائق ضحكته ساذجة، ولباسه بسيط رخيص ولكنه ذو طابع متفرّد». وقد توقف عند بعض أعماله الفنية، وتقنياته التي عدّها «مهنيّة متقدمة» في ذلك الوقت.
يوثِّق الجادرجي حياة الفنان محمود صبري الذي لم يكن الفن شغله الشاغل أول الأمر لأنه كان موظفاً في البنك، بينما كان الرسم هواية يزاولها في أوقات فراغه، لكنه سرعان ما ترك كل شيء، وانقطع للفن التشكيلي. يرصد الجادرجي هذه البدايات، فيقول: «أما على الصعيد الفني، فلم يكن محمود صبري بنظر جواد وفائق أكثر من هاوٍ مبتدئ، إنّ تكنيكه في الرسم والألوان والتكوين ضعيف، ومن أعمال الناشئين، ولكنه كان أول من هزّ بحق الفن العراقي هزّة الإيقاظ من سباته في الرومانتيكية الريفية».
وكان الجادرجي يتفق كثيراً مع محمود صبري الذي يقول «إن للفن وظيفة اجتماعية لا يمكن تجنّبها». وهذا التناغم هو الذي جعلهما صديقين حميمين جداً. ومثلما رصد بيوت الشَعَر والأعراب ودِلال القهوة، انتبه إلى لوحات جواد سليم، مثل «البغداديات» و«ليلة الحِنّة» و«القيلولة»، مُنتظراً من الجميع أن ينفتحوا على مناخات فنية جديدة، وتقنيات معاصرة تنقل الفن التشكيلي العراقي نقلة نوعية تضعه في مقدمة المَشهد، على الصعيد العربي في أقل تقدير.
ويتحدث الجادرجي في هذا الفصل عن تجربته في الزخرفة الإسلامية التي لم يفلح في الدخول إليها من الأبواب الأمامية، فولج إليها من الأبواب الخلفية التي فتحت له آفاقاً واسعة، وأمدّته بكثير من عناصر النجاح والتألق، بعد أن انهمك في التجريد الغربي، وأفادَ من تجارب فنانين بريطانيين وهولنديين كثيرين، أبرزهم بن نيكلسون، وثيو فان دوسبرغ، وخيريت توماس ريتفيلد.
ويميل الجادرجي، سواء في هذا الكتاب أو في كتبه الأخرى، إلى التوثيق بصيغة أدبية، فهو من بين المهندسين المعماريين القلائل الذين كتبوا عن أصدقائهم وأقرانهم في المهنة «الفنية»، تماماً مثلما كتب عن الفنانين التشكيليين، واختبر أفكارهم ورؤاهم الثقافية المحاذية للفن التشكيلي.
والملحوظة الأخيرة التي أسوقها في هذا المضمار هي أنّ الجادرجي كان متواضعاً في المهنة والكتابة، ولم يتعالَ على أحد، ولم يضع الآخرين في منزلة أدنى منه، رغم بعض آرائه النقدية القاسية، بل كان يعرض كتبه وأفكاره لأصدقائه والمقرّبين منه، وينتظر آرائهم في اللغة والأسلوب، والمضامين التي كان يعالجها، ولم يتردد ذات يوم في قبول الأفكار العقلانية الصحيحة التي كانت تُسدى إليه.
... المزيد
 



خيري بشارة: ابتعدت عن «الواقعية» حتى لا أصنع أفلاماً تقتل الناس

خيري بشارة متحدثاً في «ماستر كلاس» بإدارة المخرج عمر الزهيري (مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)
خيري بشارة متحدثاً في «ماستر كلاس» بإدارة المخرج عمر الزهيري (مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)
TT

خيري بشارة: ابتعدت عن «الواقعية» حتى لا أصنع أفلاماً تقتل الناس

خيري بشارة متحدثاً في «ماستر كلاس» بإدارة المخرج عمر الزهيري (مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)
خيري بشارة متحدثاً في «ماستر كلاس» بإدارة المخرج عمر الزهيري (مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)

أكد المخرج المصري خيري بشارة أن أفلامه تدور حول محور واحد يتمثل في العلاقة بين الفقراء والأغنياء، عبر تيمات مختلفة، لافتاً إلى أنه كان ينتمي لعائلة برغوازية انحدر بها الحال، وعبّر بشارة عن صدمته من الهجوم الذي تعرض له من صناع أفلام ونقاد مع صدور فيلمه «كابوريا» رغم النجاح الجماهيري الكبير الذي حققه، كما كشف عن قراره الابتعاد عن السينما بعد مشاركة فيلمه «إشارة مرور» في مهرجان القاهرة السينمائي.

وأضاف بشارة خلال «ماستر كلاس» بمهرجان الإسكندرية للفيلم القصير، الأربعاء، تحت عنوان «خيري بشارة وسينما الشاب»، أداره المخرج عمر الزهيري، أن تعامله مع الفنانة الكبيرة فاتن حمامة في فيلم «يوم مر... يوم حلو» كان سلساً للغاية وكانت تتفهم وجهة نظره وتؤمن برؤيته الفنية، كما تحدث عن علاقته الخاصة بجيل المخرجين الشباب، مشيداً بتجربة عمر الزهيري التي أحبها في فيلم «ريش» ووصفه بـ«العمل البديع».

وقال الزهيري إن نقطة التحول التي حدثت في علاقته بالسينما كانت حينما شاهد فيلم «كابوريا» لخيري بشارة، حيث بهره بأسلوبه الذي جمع فيه بين الجدية وخفة الظل، عادّاً الفيلم «تجربة استثنائية لا تتكرر».

وكشف خيري بشارة أنه بعدما قام بالتعاقد مع أحد المنتجين على فيلم كابوريا، فوجئ في اليوم التالي به يطلب إعادة العربون الذي حصل عليه، معتذراً عن إنتاج الفيلم، وأكد أنه استلهم فكرة الفيلم من كتاب «رواد الرياضة في مصر»، ولم يفكر في تقديمها إلا حينما التقى رجلاً خمسينياً أشاد بفيلمه «يوم مر... يوم حلو» وقال له الرجل: «لقد شاهدت فيلمك (يوم مر... يوم حلو) وفيلم (أحلام هند وكاميليا) للمخرج محمد خان، والفيلمان تسببا في إصابتي بذبحة صدرية»، الأمر الذي صدم بشارة بشدة وأحزنه كثيراً، مؤكداً: «لا أصنع أفلاماً تقتل الناس، وقررت بعدها الخروج من دائرة أفلام الواقعية»، ولم يقدم أعمالاً على غرار كلاسيكياته الأولى في «الطوق والإسورة» و«العوامة 70».

وكشف بشارة عن أنه قرر أن يرتجل في فيلم «كابوريا»، مشيراً إلي أنه في جميع أفلامه يعد «الديكوباج» ليلاً ولا يلتزم به صباحاً في البلاتوه، بل يحب الأشياء الملموسة في موقع التصوير، وذكر أن المنتج حسين الإمام كان متحمساً للأفكار التي يقدمها بالفيلم الذي شهد حضوراً كبيراً في العرض الخاص من السينمائيين وأنه لاحظ تجنبهم السلام عليه بعد الفيلم، وسمع بعضهم يقول إنه فيلم تجريبي، ومع النجاح الكبير الذي حققه الفيلم في السينمات، وجدهم يقولون إنه فيلم تجاري حتى إن أحدهم اتهمه بالجنون، ما سبب له آلماً كبيراً، على حد تعبيره.

بشارة تحدث عن تجاربه السينمائية المتنوعة (مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير)

وتطَرّق المخرج المصري إلي فيلم «إشارة مرور» الذي تم اختياره بمسابقة مهرجان القاهرة السينمائي، وقال إنه كان هناك عداء للفيلم في «الميديا» ومحاولة للتأثير على لجنة التحكيم الدولية التي أصدرت بياناً في هذا الشأن، ومنحته الجائزة التي لم يفرح بها، مؤكداً أنه لم يجد أي حنو من أصدقائه فقرر التوقف عن صناعة الأفلام لفترة، ثم عاد إليها في «حرب الفراولة» و«قشر البندق». مؤكداً أنه يؤلف موسيقى للمسرح وقد كتب رواية ويستعد لإصدار الثانية كما كتب ديوان شعر وبصدد نشر الثاني، مؤكداً أن الفنون والأدب تعبير عن الذات وتعكس هواجسه وشكوكه.

وعدّ المخرج يسري نصر الله تجربة خيري بشارة في فيلم عائلي بعنوان «موون دوج» الذي أخرجه وصوره بنفسه عن عائلته، من أعذب التجارب.

كما استعاد بشارة ذكرياته مع الفنانة الكبيرة فاتن حمامة في فيلم «يوم مر... يوم حلو». وقال إنها كانت تتمتع بسلاسة كبيرة في أثناء التصوير ولم يحدث بيننا أي صدام في العمل بل كانت داعمة له ومؤمنة بتجربته الفنية.

واختتم بشارة درسه السينمائي بالتأكيد على صعوبة التنبؤ بردود فعل الجمهور وأنه لا يحمّله مسؤولية إخفاق بعض أفلامه مثل «حرب الفراولة» و«الطوق والإسورة» بل يحمّل نفسه مسؤولية ذلك.

ويُعد خيري بشارة 79 عاماً أحد مخرجي جماعة السينما الجديدة وبدأ مسيرته عقب تخرجه بمعهد السينما 1967 وأخرج أول أفلامه «يوميات نائب في الأرياف» عن قصة لتوفيق الحكيم، بينما كان فيلمه «ليلة في القمر» 2008 أحدث أفلامه، وقد تم اختيار فيلمه «الطوق والإسورة» ضمن أفضل مائة فيلم مصري.


مصر: 3 محميات طبيعية بسيناء تعزز حضورها على الخريطة السياحية

محمية نبق بجنوب سيناء (وزارة السياحة والآثار)
محمية نبق بجنوب سيناء (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: 3 محميات طبيعية بسيناء تعزز حضورها على الخريطة السياحية

محمية نبق بجنوب سيناء (وزارة السياحة والآثار)
محمية نبق بجنوب سيناء (وزارة السياحة والآثار)

تسعى مصر لتطوير المحميات الطبيعية بسيناء في إطار تعزيز جهود حماية الموارد الطبيعية، وتشجيع السياحة البيئية، حيث اجتمعت الدكتورة منال عوض وزيرة التنمية المحلية والبيئة مع ممثلي برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» UNDP» برئاسة غيمار ديب نائب الممثل المقيم للبرنامج، ومجموعة عمل مشروع «غرين شرم» لمتابعة تنفيذ المشروعات البيئية داخل مدينة شرم الشيخ بمحافظة جنوب سيناء.

وأكدت وزيرة التنمية المحلية والبيئة، في بيان للوزارة، الأربعاء، العمل على مشروع يستهدف تطوير 3 من أهم المحميات الطبيعية بجنوب سيناء، وهي محمية أبو جالوم، ومحمية نبق، ومحمية رأس محمد، بما يعزز من مكانتها لتكون وجهات سياحية وبيئية عالمية. وفيما يتعلق بمنطقة «البلو هول»، شددت الوزيرة على ضرورة البدء الفوري في أعمال رفع الكفاءة والتطوير، نظراً لقيمتها الجيولوجية والطبيعية الفريدة، مؤكدة أن تطوير الموقع يجب أن يتم بما يحافظ على هويته البصرية، وطابع المحمية البيئي، وتركيب كاميرات مراقبة، وأنظمة إضاءة تعمل بالطاقة الشمسية، مع إحكام السيطرة والرقابة لحماية الشعاب المرجانية، والتنوع البيولوجي.

وفيما يخص محمية نبق، تم التوجيه بإعداد خريطة استثمارية شاملة تتضمن فرصاً لمشروعات صديقة للبيئة تراعي الحفاظ على التنوع البيولوجي، مع الالتزام بالاشتراطات البيئية، إلى جانب تركيب كاميرات مراقبة، وأنظمة إضاءة تعمل بالطاقة الشمسية، ودراسة إمكانية استخدام السيارات الكهربائية داخل نطاق المحمية، وتشجيع أصحاب المراكب على التخلص الآمن من مخلفاتهم بعيداً عن البيئة البحرية، مؤكدة أن نجاح هذه المنظومة يمكن تعميمه على باقي المحميات، مع ضرورة تبني حلول مبتكرة وغير تقليدية لمعالجة مشكلة المخلفات.

وللحد من الضغوط البشرية داخل محمية رأس محمد، أكدت وزيرة التنمية المحلية والبيئة أهمية إعادة توزيع الحركة السياحية من خلال توجيه الزائرين والمراكب إلى المناطق الأقل كثافة بالشعاب المرجانية، بما يقلل من الضغط على المناطق الأكثر حساسية بيئياً. مع إجراءات لحماية الشعاب المرجانية من الممارسات غير المنضبطة.

من جانبهم تقدم ممثلو برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بالشكر للدكتورة منال عوض على جهودها لتطوير المحميات، ووضعها ضمن أولويات عمل الوزارة خلال الفترة القادمة، وأكدوا على استعداد البرنامج لتقديم كل سبل الدعم الفني للوزارة من خلال دراسة إمكانية دعم مركز مكافحة التلوث البحري بجنوب سيناء بخدمات متطورة لرصد المراكب السياحية، ومنع أي ممارسات غير بيئية.

تحركات حكومية لتطوير المحميات الطبيعية (وزارة البيئة المصرية)

واختتمت وزيرة البيئة الاجتماع بالتأكيد على ضرورة وضع جدول زمني واضح ومحدد لجميع أعمال التطوير، ورفع كفاءة الخدمات داخل المحميات الثلاث: البلو هول (أبو جالوم)، ورأس محمد، ونبق، مع المتابعة الدورية لمعدلات التنفيذ، بما يضمن سرعة الإنجاز، وتحقيق الأهداف المرجوة من تحسين تجربة الزائرين، والحفاظ على الموارد الطبيعية، وتعزيز استدامتها.

وعدّ الخبير السياحي المصري، محمد كارم، تطوير محميات مثل «رأس محمد» و«أبو جالوم» و«نبق» خطوة زكية لتعظيم فرص جنوب سيناء لتكون وجهة عالمية للسياحة البيئية، وليس فقط السياحة الشاطئية، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «أهمية هذه المحميات تكمن فيما تمثله من تنوع شديد في الشعب المرجانية، خصوصاً محمية رأس محمد، والبيئة البدوية والثقافية في أبو جالوم، والنظم البيئية في نبق، ما يعزز من فرص مصر في السياحة البيئية». وتضم مصر نحو 30 محمية طبيعية معظمها تعد وجهات للسياحة البيئية، والعلاجية، وسياحة السفاري، من بينها محميات «وادي الريان» بالفيوم و«العميد» بمطروح و«الصحراء البيضاء» بالوادي الجديد، و«وادي العلاقي» بأسوان، ومحمية «الغابة المتحجرة» بالقاهرة.

وتابع كارم أن «السياحة البيئية تجذب شريحة نسبة إنفاقها مرتفعة، كما تحقق فكرة السياحة المستدامة، بما يعزز مكانة مصر على الخريطة السياحية مع السياحة الشاطئية والثقافية، كما يمنح السائح الفرصة لخوض تجربة طبيعية في الغوص، والسفاري، ومراقبة الحياة البرية، وهذه الأماكن عادة ما تكون أقل ازدحاماً، وهو من مميزات المحميات»، وأكد أن تطوير هذه المحميات يساعد على طول مدة إقامة السائح، وكذلك زيادة نسبة إنفاقه، كما يجعل مصر من بين الدول التي تحافظ على البيئة بطريقة متوازنة بين الاستثمار وحماية البيئات الطبيعية.

وتعوّل مصر على تنوع أنماط السياحة بها ما بين ثقافية، وشاطئية، وعلاجية، وترفيهية، ورياضية، وغيرها، لجذب السائحين من الخارج، وحققت في السنوات الماضية أرقاماً قياسية في استقبال السائحين وصلت إلى 19 مليون سائح عام 2025، وتطمح لوصول عدد السائحين إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2031.


مصر: حملة استرداد «رأس نفرتيتي» تكثف نشاطها في أوروبا

حملة مصرية لاسترداد رأس نفرتيتي وحجر رشيد (مؤسسة زاهي حواس للتراث والآثار)
حملة مصرية لاسترداد رأس نفرتيتي وحجر رشيد (مؤسسة زاهي حواس للتراث والآثار)
TT

مصر: حملة استرداد «رأس نفرتيتي» تكثف نشاطها في أوروبا

حملة مصرية لاسترداد رأس نفرتيتي وحجر رشيد (مؤسسة زاهي حواس للتراث والآثار)
حملة مصرية لاسترداد رأس نفرتيتي وحجر رشيد (مؤسسة زاهي حواس للتراث والآثار)

كثفت الحملة التي أطلقها عالم الآثار المصري الدكتور زاهي حواس لاسترداد تمثال رأس نفرتيتي من ألمانيا، نشاطها في أوروبا. وخلال زيارة حواس إلى إيطاليا، راهناً، وفي رابع محطات الزيارة بمدينة تريستي، بادر المئات بالتوقيع على وثيقة الحملة القومية التي يترأسها حواس للمطالبة بعودة رأس الملكة «نفرتيتي» من متحف برلين إلى مصر، مؤكدين دعمهم الكامل لهذه القضية الوطنية، وفق بيان لمؤسسة «زاهي حواس للآثار والتراث»، الأربعاء.

واستعرض حواس في محاضرة بالمدينة الإيطالية تفاصيل جديدة عن حياة وموت الملك الذهبي «توت عنخ آمون»، ورحلة البحث عن مقبرة الملكة «كليوباترا»، قبل أن يوجه رسالة طمأنة قوية للعالم بعبارة «مصر أمان»، داعياً الجميع لزيارة المتحف المصري الكبير. وكانت مؤسسة زاهي حواس دعت للانضمام إلى الحملة الشعبية التي نظمتها للمطالبة باسترداد رأس نفرتيتي وحجر رشيد، وقالت إن «صوتك مش مجرد توقيع، ولكنه قوة تدعم حق مصر في استعادة كنوزها».

زاهي حواس خلال جولته في إيطاليا (مؤسسة زاهي حواس للتراث والآثار)

وقال علي أبو دشيش، مدير مؤسسة «زاهي حواس للآثار والتراث»: «ما نشهده في إيطاليا، ومن قبلها في المحافل الدولية، ليس مجرد جولة محاضرات، بل هو انتفاضة وعي عالمي يقودها الدكتور زاهي حواس»، وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «تكثيف النشاط في أوروبا في هذا التوقيت له أبعاد استراتيجية مهمة. نحن لا نخاطب المؤسسات الرسمية فحسب، بل نخاطب الشعوب الأوروبية مباشرة، وعندما يوقع آلاف الإيطاليين والأوروبيين على عريضة العودة، فنحن نكسر الحجة التي يتم ترويجها بأن هذه القطع (ملك للإنسانية في متاحفها الحالية)، ونؤكد أن الإنسانية نفسها تدعم عودة الأثر لموطنه الأصلي».

وعن شرعية المطالب، يقول أبو دشيش: «نحن لا نطالب بقطع عادية، بل بأيقونات هوية خرجت في ظروف غير عادلة»، وأشار إلى أن الحملة الآن تنتقل من مرحلة «المطالبة الأثرية» إلى مرحلة «الضغط الشعبي الدولي»، وهو ما نلمسه من شغف الجمهور في كل مدينة يزورها الدكتور زاهي حواس ويروج فيها للحملة. وتابع أن «الحملة توجه رسالة للعالم بأن مصر لن تتنازل عن رموز حضارتها، وأن جميلة الجميلات نفرتيتي يجب أن تزين جبين المتحف المصري الكبير قريباً».

ويعد تمثال رأس نفرتيتي الذي خرج من مصر عام 1913، من أهم القطع التي تم اكتشافها في تل العمارنة على يد العالم الألماني لودفيج بورشارت، وهي من أشهر قطع فن النحت المصري القديم، وهو عبارة عن تمثال نصفي من الحجر الجيري، من أعمال الفنان المصري تحتمس، نحات الملك أخناتون. وسعت مصر بجهود دبلوماسية وقانونية لاسترداد التمثال الذي خرج من مصر بطريقة غير مشروعة في أثناء تقسيم الاكتشافات الأثرية، وفق ما يؤكده عدد من علماء الآثار المصرية، ولكن دون جدوى. وأطلق عدد من المتخصصين والمهتمين بالآثار حملات لاستعادة التمثال مع تماثيل وأعمال أخرى مثل «حجر رشيد» الموجود في المتحف البريطاني، والذي خرج من مصر إبان الحملة الفرنسية، ولوحة الزودياك أو الأبراج السماوية الموجودة في متحف اللوفر في باريس.