نظرية القطيع والعزل الاجتماعي... وإدارة الأوبئة

كتاب عن «قواعد انتشار العدوى»

آدم كوتشارسكي
آدم كوتشارسكي
TT

نظرية القطيع والعزل الاجتماعي... وإدارة الأوبئة

آدم كوتشارسكي
آدم كوتشارسكي

منحى كوتشارسكي في الطرح كان دائماً في تعميم الأفكار حول أنماط الانتشار أبعد من الأوبئة: الموضة والأفكار والأخبار الكاذبة وهلع الأسواق المالية وسلوكيّات الاجتماع البشري

لطالما مثّل انتشار عدوى الأوبئة الفيروسية معضلة كبرى للمجتمعات البشرية عبر التاريخ. وهي بأنواعها وأجيالها قضت على مجاميع بشرٍ هائلة في الحقب المختلفة، متفوقة وحدها على الحروب والاستعمار في أعداد الضحايا. وحتى وقت قريب، لم يمتلك الأفراد والمجتمعات في مواجهتها سوى قليل بائس من التعاويذ والأدعيّة والخزعبلات، والتفرق في الأرض انتظاراً لانحسار الموت بعد أن أثخن الأحياء.
آدم كوتشارسكي، في كتابه «قواعد انتشار العدوى: كيف تتفشى وكيف تتلاشى» الذي وكأن وقت صدوره جاء مثالياً لحظة توارد الإعلانات الأولى عن تفشي فيروس كورونا (كوفيد – 19 الصين)، يُعيد الفضل في كسر هذه الحلقة المفرغة من العجز المطلق قبالة العدو الخفي إلى البريطاني رونالد روس حائز نوبل الطبّ عام 1902 - وتلك بالطبع نتيجة ممتازة لشاب لم يرد أصلاً أن يكون طبيباً من حيث المبدأ - . لقد ربط ابن الجنرال في جيش احتلال الهند أثناء أسفاره الكثيرة بين انتقال مرض الملاريا وانتشار البعوض بعد أن بقي تفسير العلم قبله لهذا الوباء القاتل مقتصراً على نظريّة «الهواء الفاسد». وهو كان أيضاً من أوائل الذين دعوا إلى توظيف الرياضيّات في نمذجة أنماط انتشار الأوبئة كوسيلة أساس لوضع خطط عمليّة فاعلة لإدارتها واستيعابها وحصر أضرارها. وهي منهجيّة مكنت العلماء لاحقاً من وضع «نظريّة القطيع» التي تقول مثلاً بأنّه في حالة إصابة 95 في المائة من مجموعة بشريّة بالحصبة تتضاءل فرص الإصابة بالمرض حد الانعدام؛ ولذا تعاونت حكومات العالم على تنفيذ برامج واسعة لحقن مواطنيها بنسخة ضعيفة من الفيروس لإكسابهم المناعة حال تعرّضهم للنسخة الشرسة منه.
كوتشارسكي يقدّم في «قواعد انتشار العدوى» مقدّمة ممتازة قريبة للقارئ غير المتخصص لفهم أساسيات علم الإحصاء البيولوجي، وهو أحد العلوم الشديدة الأهميّة في الغرب وتعتمد على ما تنتجه من نمذجات في صياغة النظريّات وتبنى السياسات في مجالات كثيرة من مسألة إدارة الأوبئة وانتهاء بتخطيط حملات التسويق وما بينهما، مروراً حتى بمحاولة تفسير تاريخ الشعوب بناءً على الصبغة البيولوجيّة الغالبة على كلّ منها. وفي الحقيقة، فإن منحى كوتشارسكي في الطّرح كان دائماً في تعميم الأفكار حول أنماط الانتشار أبعد من الأوبئة: الموضة والأفكار، والأخبار الكاذبة، وهلع الأسواق الماليّة، وسلوكيّات الاجتماع البشريّ، وكتابه السابق «الرّهان المثاليّ» طرح جرئ يستهدف تحدي مبدأ غلبة الحظّ على المقامرة اعتماداً على النمذجة العلميّة.
وفق «قواعد انتشار العدوى»، فإن الأوبئة تستمر في الظهور ليتبع كل منها السلوك ذاته مع مرور الوقت عبر مراحل ثلاث: الانطلاق، والذروة، والتلاشي بحسب العلاقة المترابطة بين نسب المصابين، والمرشحين للإصابة والمتعافين. وهكذا في مرحلة انطلاق فيروس الوباء بين تجمع بشري يكون تعداد المجموعة المرشحة لالتقاط العدوى كبيراً، لكنه يتراجع مع مرور الوقت وازدياد أعداد المصابين والمتعافين، الذين من المفترض نظريّاً أنهم أصبحوا يتمتعون بالمناعة الكافية لمقاومة العدوى، إلى كتلة حرجة يتراجع بعدها احتمال إصابة بقيّة المرشحين، فيبدأ الوباء عندئذ في التلاشي والاختفاء. وبحسب كوتشارسكي، فإن تحوّل فيروس إلى وباء يعتمد على حجم مجموعة المرشّحين للإصابة بالفيروس المعيّن، ووجود عدد كافٍ من حامليه، وكميّة التعاطي الاجتماعي بين المجموعتين. ويتحدد وصول حاملي العدوى إلى العدد الكافي لإطلاق الوباء على عدد الأشخاص الذين يمكن أن ينقل إليهم الفيروس من قبل شخص واحد، وكلما زاد ذلك الرّقم عن واحد تسارع انتشار المرض (معدل 3 أشخاص تقريباً في «كوفيد – 19» عدّونا الخفي الحالي)، وهو رقم مرتفع نسبياً؛ مما يبرر ضرورة تنفيذ سياسة عزل – ذاتي أو إجباري – لضمان تقليل فرص تناقل الفيروس أقلّه لمنح الأجهزة الطبية الوقت الكافي لبناء الطاقة الاستيعابيّة للتعامل مع المصابين – وهو يفسّر إلى حدّ كبير نجاح السلطات الصينيّة في احتواء فيروس كورونا بعد تنفيذها إجراءات صارمة للعزل المنزلي قلّلت فرص تلاقي الأشخاص على نحو دراماتيكيّ، ولا سيّما المدارس والمستشفيات التي هي مواضع نشر مكثّف لأي عدوى فيروسيّة.
وبحسب ما يفهم من الكتاب، يصبح ممكناً تفسير سياسة الاعتماد على «نظريّة القطيع» التي قرّرت بريطانيا العمل بها بداية ظهور الفيروس في المملكة والتي تسببت في تأخير تنفيذ إجراءات العزل الاجتماعي، ولا سيّما إغلاق المدارس وأنشطة الأعمال غير الحساسة على أساس تقبّل مبدأ إصابة 60 في المائة من المواطنين بـ«كوفيد – 19» على نحو يمنحهم المناعة الكافية للخروج من دائرة المرشحين للإصابة؛ مما يسهّل مهمّة القطاعات الطبية التعامل مع الأربعين في المائة المتبقيّة. لكن تلك السياسة تعرّضت لانتقادات شديدة بوصفها راهنت على سلوك تقليدي لفيروس كورونا في منح المناعة للمصابين به – وهو أمر لمّا يتأكد بعد -، ناهيك عن العدد الهائل من الوفيّات الأكيدة بين كبار السن والأشخاص الذين يعانون مشاكل تنفسيّة أو مناعيّة، والذين هم عند صاحب السياسة مجرّد 2 في المائة من السكان يمكن تقبّل مبدأ فقدانهم!
كوتشارسكي يقول بأنّه لاحظ أثناء فترة تدريبيّة قضاها يعمل في بنك استثماري بلندن تصادف أنها كانت عام 2008 والأزمة الماليّة العالميّة وقتها، أن سلوك الهلع الذي يصيب الأسواق الماليّة ينتشر على نحو مطابق لنموذج انتشار الأوبئة. وهو يرى أن بنية شبكات المُستثمرين المتمحورة حول مراكز عصبيّة في بضع بنوك كبرى سهّل من انتشار سلوك الذّعر بينهم كما لو كانت مدارس عامة كبرى في حالة الوباء الفيروسيّ. وهكذا عندما تضعضع موقف بنك ليمان بروذرز، تسارع سقوط السوق من بعده؛ إذ إن البنك كان عقدة استثماريّة تمر خلالها أعمال أكثر من مليون جهة استثماريّة حول العالم.
ويسحب كوتشارسكي هذه المقاربة ليجعل من أي تعاط اجتماعي بين البشر سواء على - أرض الواقع أو في المجال السيبيري - خاضعاً للقواعد ذاتها. وهو يقول بأن انتشار المعلومات عبر مواقع التواصل الاجتماعي مثلاً بعشوائيّة دون ممارسة نوع من الرقابة على المحتوى يفتح الباب لانتشار وبائي الطابع للأخبار الكاذبة والأفكار «الضّارة»، وإن كان لا يقدّم الكثير لتحديد المعايير التي يمكن استخدامها لتحديد الأفكار الضارة من غير الضارة، أو الإشاعات من الحقائق؛ الأمر الذي يكشف عن خطورة هيمنة شركات محددة على إدارة تطبيقات التواصل الاجتماعي عالمياً، وقدرتها على فرض خياراتها على طبيعة ما يصل فعلاً للجمهور في جغرافيا معينة وما يشكل معارفهم وأفكارهم بشكل متزايد.
في عالم ما بعد «كورونا»، حيث الأوبئة والأخبار الكاذبة والآيديولوجيّات وأدوات العزل الفكري ما عادت مسائل محليّة ولا حتى مقتصرة على الخبراء المتخصصين، يقدّم كوتشارسكي للقارئ العادي صيغة غاية المُتعة لفهم أساسيات انتشار العدوى في إطار مزيج مشوّق من البيولوجيا والتاريخ والعلوم السلوكيّة والنمذجة العدديّة والرياضيّات والخبرات الشخصيّة. ولعلّ صدور كتابه عشيّة بدء الانتشار الوبائي لفيروس كورونا منعه من التسرّع في تقديم استنتاجات مبكّرة حوله كما يحدث عادة عند سعي بعض المؤلفين والناشرين إلى كسب موجة انفجار الاهتمام بالأحداث الجديدة، لكنّ «قواعد انتشار العدوى» مع ذلك دليل محكم مستند إلى خلاصات علميّة دقيقة لتفكيك الحدث الكوروني، واستيعاب الخطوط العريضة للأشياء التي قلبت عالمنا كلّه في وقت موجز حتى نكاد لا نعرفه.
قواعد العدوى: كيف تتفشى وكيف تتلاشى
The Rules of Contagion: Why Things Spread – and Why They Stop, Wellcome Collection
المؤلف: آدم كوتشارسكي
الناشر: ولكم كولكشن
2020


مقالات ذات صلة

شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

ثقافة وفنون شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

شاعر سعودي يقترح صيغةً عربية للهايكو

من لسان العرب: «وقال ذو الرمة: وكائِنْ تَخَطَّتْ ناقَتي مِنْ مَفازةٍ... وكمْ زَلَّ عَنْهَا مِنْ جُحافِ المَقادِرِ... وَقِيلَ: الجُحافُ الموتُ فَجَعَلُوهُ...

عبد اللطيف بن يوسف المبارك
ثقافة وفنون «أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

«أفلام غير مُشاهدة بدقة»... محاولة لاستعادة ثقة المشاهد

ظهرت فكرة كتاب «أفلام غير مشاهدة بدقة»، الصادر عن دار «ديوان» بالقاهرة بصفتها محاولة لتجاوز الإحباط الناتج من إدراك الطبيعة المؤقتة والهشة للنشر الرقمي

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون النقد البيئي في الأدب العربي

النقد البيئي في الأدب العربي

صدر أخيراً عن دار النابغة في القاهرة كتاب «إيكولوجيا النص الأدبي: دراسات نظرية وتطبيقية مترجمة في النقد البيئي المعاصر»، ترجمة وتحرير معتز سلامة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق للثقافة أبواب كثيرة... وجاكس يفتحها معاً (بينالي الدرعية)

«بينالي الدرعية» تملأ حيّ جاكس بالفنّ والموسيقى والكتب

يضم البرنامج ورشات عمل، وجلسات حوارية، وعروض أفلام، وبرامج أدائية...

«الشرق الأوسط» (الرياض)
كتب عالية ممدوح

عالية ممدوح تكتب عن «النقص الذي يصنع معنى حياتنا»

يُلزمنا غلاف «خلوة النقص: الآداب - 2026» على اعتماد هوية الكتاب الجديد للكاتبة العراقية عالية ممدوح، وهي المثبتة على غلاف الأمامي للكتاب، فهي «رواية»...

حمزة عليوي

عالية ممدوح تكتب عن «النقص الذي يصنع معنى حياتنا»

عالية ممدوح
عالية ممدوح
TT

عالية ممدوح تكتب عن «النقص الذي يصنع معنى حياتنا»

عالية ممدوح
عالية ممدوح

يُلزمنا غلاف «خلوة النقص: الآداب - 2026» على اعتماد هوية الكتاب الجديد للكاتبة العراقية عالية ممدوح، وهي المثبتة على غلاف الأمامي للكتاب، فهي «رواية»؛ وهذه عتبة أولى أساسية للكتاب، وليس بوسع القارئ، أبداً، القفز على هذا التحديد الأجناسي الرئيس. لكن القراءة الأولى للكتاب، ربما حتى العاشرة بعد الألف، تقول لنا إن الكتاب هو سيرة ذاتية لكاتبة «الغلامة»، وهو، بدقة أكثر، سيرة مريضة في نزاعها مع الألم. ثمة أدلَّة نصية لسانية تؤيد هذا الفرض، بل وتؤكده، ليس آخرها التزام سيرة الكاتبة المعروفة لدينا، نحن قراءها. نتحدَّث هنا عن سيرة الكاتبة عالية ممدوح بمحطات حياتها المعروفة لدينا. ولا ينتهي ميثاق السيرة بصيغة الراوي المتكلم، فهذا من نافلة القول، برغم أن عدم وجود «المتكلِّم» لا ينفي جنس السيرة الذاتية، ولا يلغي أن خطاب السيرة الذاتية تشكِّله صيغ لسانية وثقافية ورؤية تُغالب هوية الجنس الأدبي ذاته وتخترقه، بل وتعيد توجهه. فهل يكفي هذا لمغالبة «رغبة» الكاتبة المكرَّسة في توصيف وتسمية نصها؟ لا أظن؛ فهوية الجنس الأدبي وصفته النوعية اللسانية تقرِّرها إرادة «الكاتب»ـة ورغبته، مثلما هو ذاكرة نصية وصفة تاريخية مختلفة من عصر لآخر. ولا بأس؛ فالسيرة الذاتية، أو حتى الغيرية عامة، مثل الرواية تعيدان تحديد خصائهما النوعية حسب موضوعهما، وهو هنا سردية المرض الكبرى. ولا مغالطة أبداً؛ فثمة سردية تكبر وتتضخم موضوعها المرض.

غلاف خلوة النقص

ونظل عند حدود التصنيف الأجناسي لـ«خلوة النقص»؛ أهي سيرة ذاتية للكاتبة العراقية المعروفة عالية ممدوح، أم هي رواية؟ هل الإجابة مهمة؟ نزعم أنها الأصل في أي قراءة ممكنة لـ«خلوة النقص»، فالنزوع السيري، الذاتي، غالباً، للمؤلف الكاتب، هو الجوهر الأساسي لنصوص ما بعد الحداثة عامة، فهي نصوص تؤسس لمجالها الصنفي بنفسها، وتسعى لمغالبة الذاكرة الأجناسية المسبقة. وأول ما يخطر ببال القارئ في هذا السياق المتمرد هو رفض الإيهام بالواقع المتبنى منذ القدم، فيجري تبريز الواقع ليس كما هو، إنما يجري إعادة اختراعه بالاستعانة بمسمياته. هكذا سنجد «خلوة النقص» تعيد تأسيس الحكاية على أساس من سيرة الكاتبة ذاتها. نحن هنا إزاء كتابة جديدة لسيرة الكاتبة تحت ضغط موضوع أساسي جديد هو المرض المهدِّد للحياة. ألم نقل إننا في سياق سردية كبرى اسمها المرض!

لكن المرض، أو سرديته الضاغطة، لا تأتي بصفتها المجردة، كما يمكن أن نجدها في نصوص مماثلة؛ فهو «خلوة» خاصة ومخصوصة للنقص. فما النقص هنا؟ إنه المكان الذي نهبط إليه في «المصاعد» الكهربائية، تحت الأرض، في البنايات الكبرى، مثلما هو في البنايات السكنية والمولات وما يتصل بها من بناء كبير يحتوي على طوابق فوقية، وأخرى أرضية سالبة، كما ترسم علامات السالب في لوحات السيطرة الخاصة بالمصاعد. نحن نهبط، هنا، مع الكاتبة إلى «النقص» ونحقق «خلوة» مع «النفس» وأوهامها، فيكون المرض مجازاً كليّاً عن حياتنا. والنقص حكاية الجميع، مثلما أن الخلوة تسع الجميع.

المرض... تاريخ آخر للعائلة

ليس المرض قدراً فردياً يتعثر به المرء فينجو أو يموت بسببه، إنما هو قدر العائلة المنحوسة، عائلة الكاتبة التي «تركت» بلادها المضطربة واستقرت، بعد تشرد طويل، في باريس. هذا استهلال غير كافٍ لرواية تريد أن تجعل من المرض سردية كبرى، سوى أنه يُفيدنا في ضبط سردية المرض؛ فلا أمراض موسمية، إنما هي أمراض ذات سمات رتيبة ومتكرَّرة، كما أن الإحساس بالمرض يشبه الانتظام في «مدرسة داخلية». هل يعني هذا أن النقص سمة خاصة بعائلة الكاتبة؟ هو، كذلك، ولا شكَّ؛ بل إنه الدلالة الأساسية الأولى لسردية النقص. فالنسيان نقص، واللغة يصيبها النقص، والبلد نقص أكيد، والحياة كلها نقص، حتى الذاكرة نقص، وكذلك النسيان إنه نقص فادح. وفي المستهل تشدد الكاتبة، في خلوتها بالمستشفى العسكري، على أن «النقص» يتعلَّق، ابتداءً، بالتصرفات الشخصية كلها؛ ويتَّسع ليفرض سلطانه علينا فيصنع، ببراعة، مصائرنا وطرائق، وربما حتى مواقيت رحيلنا.

لكن النقص يتضخم بقصدية واضحة حتى كأنه صار الرواية كلها؛ فهو ذو صيغة سردية كلية تريد منها الكاتبة مراجعة مقولة الرواية وما تعتمده من وسائل خادعة، وربما مخادعة. أول ما ينقص هو المعنى ذاته. نتحدث عن الدلالة المضمرة للنقص، وهو القول بتهافت المعنى وضموره. فماذا يعني ضمور المعنى، وربما، حتى تلاشيه؟ إنه يُفيد أن النقص يرمي شباكه بعيداً فيصيب قدرة العالم السردي على إنتاج معنى يُعتدُّ به؛ فليس النقص هنا ما يختصُّ قدرة الجسد على المقاومة والحركة، إنما هو نقص المعنى. لنأخذ هنا نقص المعرفة، لماذا لا أقول الإدراك، فيما يخص إشكالية كنايات الراوي، من يتولى سرد وقائع النقص: هل هو كاف المخاطب أو ياء المتكلم، أم تاء التأنيث الساكنة التي لا محل لها من الإعراب. يدعم نقص المعرفة نقصان التجربة، ونقصان العمر كله، ونقصان الإدراك، ونقصان اللغة الغريبة في الجغرافيات البعيدة عن موطنها؛ فالنقص هو المعنى الأول والأخير لحياتنا الطارئة.

النقص: خلوة الذات الأخيرة

سوى أن النقص لا يكون نقصاً قبل أن تكون هناك «خلوة»، وليس مهماً مداها أو صورها؛ يكفي إنها خلوة إجبارية. وقد يكون الأمر مضحكاً أن نفترض أو نتساءل عما يمكن أن نفعله في خلوتنا؛ فيما الأصل هو ماذا ستفعل بنا تلك الخلوة الرهيبة! فعلها الأول هو أنها تجبرنا على إعادة تصورنا عن ذاتنا؛ إذ لا نعود، بعدها، أصحاء، نحن مرضى. ولا تبدأ الخلوة، خلوتنا، من دون الإقرار الشخصي بالتحوُّل من إنسان أو شخص سوي متعافٍ إلى مريض يفقد تدريجياً قدرته على التحكم بحياته. والخلوة هنا هي المدخل الأساسي للمرض ولتأمل الذات بعد تبدُّل أحولها. لكن الرواية تجادل في كيفية تحقُّق الخلوة، لا سيَّما ما يتصل منها بالشرط الوجودي، بعض هذا الجدل يقودنا لعوالم «خلوة النقص»؛ فلكي تحقَّق خلوة الذات بصفتها الرئيسة، وهي الإجبار، يلزمها سبب، لنقل فاعل قاهر، مثل المرض. هل ثمة سبب آخر، قاهر وإرغامي، غير المرض يعيد الذات لعالمها الأول، قصتها المتروكة في الزاوية البعيدة والمعتمة من الذاكرة؟

أغلب الظن أن «المرض» مقولة عامة، لا تملك توصيفاً كافياً لغرائبية الذات وتهافتها. لا سبيل للخلاص سوى إعادة تعريف المرض وضبط ماهيته؛ وليس لدى الرواية من سبيل، أو وسيلة، سوى سردية «الألم» المتدفقة بلا هوادة. وهل «الألم» هو منطق الرواية ومكان تدفقها السردي، ولا نقول الحكائي، للرواية؛ إذ يكاد التسلسل الحكائي أن ينعدم في أغلب الفصول؟ النص يجيبنا ويسميه باسمه، ابتداءً، بلا كنايات، أو مجازات كبرى؛ فـ«الألم حالة إنسانية حميمية عكس نتائجها الكونية، حتى أن تبذير الألم عند البعض هو سلوك سفيه جداً (..). أن تكون متألماً وحدك، وأنت تنكب عليه وهو يهيل عليك هذا الاستغناء البهيج عن الجميع. ص 30»، هذا أول العزلة وربما آخرها، وستنتظم الرواية، بعدها، في سرد وقائع الألم، وهي ذاتها وقائع الذات في عزلتها المديدة.

الواقعة الأساسية هي إشكالية التعبير عن الألم، لماذا لا أقول إن النص، هنا، يشكِّل كثيراً في طرائق استعادة الواقعة السردية المنتجة جراء خلوة الألم! في فقرة «ليالي الرحيل»، مثلاً، نظل عالقين في براثن المعنى، فالهاء مثلاً هل تعود لليالي، أم تعود للرحيل؟ الجواب حاضر، ومثله إشكالية التعبير عنه، ثم لا نعرف أن «الهاء» تعود لـ«المحبوب» الذي «سيحضر» ويقاسم الكاتبة شقتها في باريس. يقول لنا النص الكثير، وهو يبرع في إخفاء رغبته بالتملص من هوية أجناسية جاهزة، فنجد الرواية تتحدث ولا تقول عن المرض وآلامه عندما يصبح «بروفة» التأليف السردي الأخيرة. كيف هذا؛ والنص يجاهر بالانتساب للسيرة، ثم يتنكَّر لها!

فما مأثرة «خلوة النقص»، إن كان يجب أن يكون للرواية مأثرة تميزها عن روايات عراقية وعربية كثيرة؟ إنها سردية النقص الكبرى في اجتياحها الكاسح لحكاياتنا، بل لمعنى السرد كله في مسعاه لأن يكون لحياتنا معنى وقيمة؛ فالمرض، أقصد خلوته، أقصد النقص الذي يعجزنا عن التمييز بين السيرة والرواية، هو ما يتبقَّى للرواية أن تقوله بأي صيغة ممكنة؛ إن توفَّرت سبلها!


استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة
TT

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

استحضار المنام وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة

يُعنى كتاب «المنام والسجن وحُجرة ابن الهيثم: قراءة جديدة للفضاء في الحضارة العربيّة» للباحثة الأكاديمية اللبنانية الدكتورة لينا الجمّال، بالمنامات وكتب تعبيرها في القرون الهجريّة الأولى، فيدرس المنامَ واستحضاره وتأويله وتوظيفه في الثقافة الإسلاميّة، وعلاقة ذلك كلّه بالفضاء بوصفه كياناً أوّلاً، ومن ثمّ مفهوماً. وتشتمل هذه المقاربة على عدد من الموضوعات، منها ما يربط بين الحضارة العربيّة-الإسلاميّة وحضارات أخرى قديمة كممارسة الحالومة والاستخارة والمبيت بجانب القبور، ومنها ما يُسائل الحضارة المادّيّة لاستيعاب تأثيراتها في منامات السجناء وتأويلات العمارة والمنامات التي تترك أثراً ملموساً، ومنها ما يحاول تجذير التجربة المناميّة في نظريّات الفلسفة والإبصار التي قدّمها العلماء العرب القدامى. والكتاب بذلك يضع المنامات في الإطار الأوسع للتراث العربيّ الأدبيّ والفكريّ، ويحاول تقديم قراءة جديدة للفضاء في الحضارة الإسلاميّة.

ينقسم الكتاب إلى خمسة أقسام رئيسية تراعي أمرين: أولاً فهمَنا للفضاءات التي يُحتمل اتّصالها بالمنام؛ الفضاء الذي بات فيه الرائي، والفضاء الذي صُوِّر في المنام، والفضاء المؤوَّل في كتب التعبير. وثانياً، مراعاتَنا لورود المنامات في السياقين السرديّ والتأويليّ.

يُعَدّ القسم الأوّل «المنامات وتعبيرها في الثقافة الإسلاميّة المبكرة» تمهيداً ضروريّاً لأقسام الكتاب المختلفة، فهو يستعرض طبيعة المنامات في الإسلام ومدى تقاطعها مع الحضارات القديمة المجاورة. ويسرد بإيجاز نشأة علم التعبير في الإسلام وانتقاله تدريجيّاً من التراث الشفهيّ إلى المكتوب، ثمّ يُحصي مناهج التعبير الإسلاميّة باستنباطها من مقدّمات كتب التعبير الأولى، وقد بلغ عدد المناهج المعتمَدة أحد عشر منهجاً. وينتقل القسم بعدها إلى إحصاء العوامل المؤثّرة في التأويل، والتي تأخذ في الحسبان أحوال الرائي والمعبّر، وزمان الرؤيا ومكانه، وأسلوب القصّ. وفي هذا القسم أيضاً، إشارات مقتضبة إلى موضوعات إشكاليّة تخصّ المنامات، منها الإسناد الذي يسبق رواية المنام، وظاهرة المنامات المشتركة أو المتواطئة، وأخيراً الاحتجاج بالمنام في المسائل الشرعيّة. وجميعها مسائل تُثار في مواضع متفرّقة من الكتاب لاحقاً.

يخوض القسم الثاني «استحضار المنام، عادة أم عبادة؟» في ظاهرة الحالومة التي ارتبطت بالمنامات منذ العصور القديمة، وانتشرت في الحضارات اليونانيّة والهنديّة والمصريّة القديمة، وتجلّت في بعض ممارسات العرب في شبه الجزيرة العربيّة. ويبني هذا القسم على العناصر المشتركة بين الحالومة والاستخارة النبويّة، ليعلّل خروجَ الاستخارة النبويّة من إطار الصلاة والدعاء إلى إطار المبيت في أماكن مخصوصة لاستحضار منام. وبعد البحث في أدب التنوخيّ، يكتشف القسم أنّ رواسب الحالومة ظهرت في زيارة العرب لقبور المعروفين بسخائهم، قبل أن تظهر في زيارة قبور المعروفين بصلاحهم. هذا فضلاً عن حلول محراب الصلاة محلّ القبور في ممارسات بعض المستخيرين لاحقاً.

ينتقل القسم الثالث «في قميص يوسف» إلى دراسة منامات السجناء، وأثر السجن فيها، في كتاب «الفرج بعد الشدّة»، فيحلّل منامات ثلاثة عشر سجيناً. ينطلق القسم من منام ليعقوب بن داود -وزير المهديّ (حكم 158-169/775-785) 123- الذي حُبس في سجن المطبق، فيعرّج على سيرة الوزير وخصائص سجن المطبق، ثمّ عناصر المنام وضريبة عبوره من نوع أدبيّ إلى آخر. ويرصد القسم تشابهاً واضحاً بين قصّة الوزير يعقوب وقصّة النبيّ يوسف، ويمتدّ هذا التشابه ليطول منامات السجناء الآخرين، مؤكّداً تأثير السجن الرمزيّ في منامات قاطنيه. وأخيراً، يربط القسم المنام بالشعر.

يقارب القسم الرابع «بين الرؤية والرؤيا» بنظرة أكثر شموليّة علاقة المنام بالفضاء في الحضارة العربيّة-الإسلاميّة، فيحفر في الأبعاد اللغويّة بين الرؤية والرؤيا، ودور الفضاء المُعتِم في إدراك كلٍّ من المنام والصورة. ينطلق القسم من تجربة عالم المناظر ابن الهيثم في السجن، واستلهامه الاختبار التجريبيّ على الحُجرة المظلمة، ومفارقته الإرث اليونانيّ في نظريّات الإبصار. ثمّ يسترسل القسم في الكلام عن خصوصيّة تلقّي المنامات في الثقافة الإسلاميّة عن طريق ثلاثة طروحات: نظريّة عين القلب عند الغزاليّ، والعلاقة بين المنام والعمى واللغة، وتقاطع المنامات مع الصور. وتترسّخ خصوصيّة التلقّي هذه في كتب التعبير الإسلاميّة، إذ تفترق مناهج المعبّرين المسلمين عن مناهج أسلافهم اليونانيّين، وتنعكس هويّاتهم الدينيّة وأبعادهم الاجتماعيّة الخاصّة.

يحلّل القسم الخامس والأخير «الدنيا منام، والمنام رحلة» المناماتِ بصفتها تجسيداً رمزيّاً للرحلة، أو انتقالاً من فضاء إلى آخر. ويُثبت بالعودة إلى أدب التنوخيّ أنّ المنامات تحقّق بعض أغراض الارتحال، وهي زيارة الموتى، وطلب الحديث النبويّ، والتكسّب، والاستشفاء، وتشريع السلطة. ثمّ يعالج ثيمة المعراج وما يتّصل بها من فضاء صالح للحساب، وثيمة المنامات الملهِمة للشعر، وهاتان الثيمتان تُغنيان عن ارتحال سابق راسخ في العقل الجمعيّ. وتكمن أهمّيّة هذا القسم في أنّه يجعل تجربة المنام في مقام تجربة الحياة الدنيا، إذ يعوّل المؤمن العابر فيهما على ما حقّقه في عبوره.

تقارب أقسام الكتاب الخمسة علاقة المنام بالفضاء من جوانب مختلفة، وفي موادّ أدبيّة مضبوطة بإطار زمنيّ محدّد، لتفهم بأيّ العينين يُدرَك الفضاء في ثقافة المجتمع العبّاسيّ. تلك الثقافة المتمثّلة في نتاج أدبائه وفلاسفته وعلمائه، والمختزِلة لمحمولات دينيّة واجتماعيّة وتاريخيّة في العقل الجمعيّ.


كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي

كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي
TT

كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي

كتاب سوري يدعو لإعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي

يسلط كتاب «خطاب المصالحة في سوريا: نحو استجابة إعلامية تستلهم نظريات التغيير» للصحافي والباحث الإعلامي السوري مرشد النايف؛ الضوء على أحد أكثر الأسئلة إلحاحاً في المجتمعات الخارجة من النزاعات: كيف يمكن للإعلام أن يتحول من أداة لتأجيج الصراع وإعادة إنتاج السلطة، إلى فاعل مؤسسي يشارك في ترسيخ المصالحة الوطنية؟

ويمثل الكتاب، الصادر حديثاً عن «مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر»، محاولة لبناء إطار نظري وتطبيقي لعمل الإعلام في مرحلة ما بعد النزاع، ينطلق من فرضية ترى أن إعادة الإعمار لا تكتمل من دون إعادة تأسيس المجال العام، بوصفه الحيز الذي يعاد فيه تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبداخله تتشكل الذاكرة الجمعية ويتعزز التماسك الاجتماعي.

ويطرح المؤلف مفهوم «الاستجابة الإعلامية» مدخلاً لتطوير سياسات إعلامية تنبع من خصوصية البيئة السورية الشائكة، في مقابل المقاربات القائمة على استنساخ التجارب الدولية. وفي هذا الإطار، يقترح إعادة هندسة أدوات الإعلام الرسمي عبر حزمة من التدخلات المستندة إلى نظريات التغيير، بما يجعل المؤسسات الإعلامية إحدى روافع التعافي الوطني، بعد أن انحصر دورها لأزيد من خمسة عقود في إنتاج الرواية الرسمية.

ومن أبرز الإضافات النظرية التي يقدمها الكتاب؛ إعادة تعريف مفهوم «صناعة المعنى»؛ بوصفها عملية لإنتاج أطر إدراكية مشتركة، تنبثق من خصوصية السياق السوري. وانطلاقاً من هذا التصور، يدعو المؤلف إلى سياسات تحريرية تجعل الحقيقة، وتمثيل الضحايا، وإتاحة المعرفة العامة، والهوية السورية الجامعة، وبناء السلام المستدام؛ ركائز للعمل الإعلامي، بما يعزز قدرة المجتمع على استيعاب الماضي وإدارة الخلافات وصياغة مستقبل مشترك.

ويوظف الكتاب نظريات التغيير أداةً لتصميم التدخلات الإعلامية، مقترحاً الانتقال من التعامل مع الخطاب بوصفه ظاهرة لغوية إلى اعتباره عملية اجتماعية قابلة للتخطيط والتقويم وقياس الأثر. ويعرض، ضمن هذا الإطار، مجموعة من التدخلات المصوغة خصيصاً للسياق السوري، مدعومةً بأهداف ومؤشرات لقياس أثر السياسات التحريرية في اتجاهات الجمهور وسلوكه.

يتجاوز الكتاب مراجعة الأدبيات الخاصة بالإعلام في المجتمعات الخارجة من النزاعات، ليعيد قراءتها من منظور خصوصية البيئة السورية. واستند في هذا السياق، إلى أطروحات الباحثة السنغافورية ركا شومي حول ضرورة «إضفاء الطابع الجيوسياسي على الدراسات الإعلامية»، بوصفه مدخلاً لفهم العلاقة بين النظم الإعلامية وبيئاتها السياسية والاجتماعية، وما يقتضيه ذلك من فحص النظريات الإعلامية قبل توطينها في سياقات مغايرة.

كما يستند المؤلف، في مقاربته لطبيعة التدخل الإعلامي، إلى المنظور السوسيولوجي لعالم الاجتماع Anthony Giddens، الذي ينظر إلى الفعل بوصفه تدخلاً مقصوداً في مسار الوقائع لتحقيق غايات محددة. وانطلاقاً من هذا الفهم، يعامل الكتاب التدخلات الإعلامية بوصفها أفعالاً اجتماعية قابلة للتصميم والتقويم وقياس الأثر، وليست مجرد استجابات مهنية للأحداث.

وحول الغاية من الكتاب، يقول النايف في المقدمة: «ينصبّ جوهر هذه الدراسة على هدفين متلازمين: أولهما استكشاف أطر نظرية متينة حول المدخلات الإعلامية، وإعادة توطينها بما يلائم خصوصية السياق السوري ودور الإعلام المركزي في تصميم مقاربات حساسة ومؤثرة. أما ثانيهما، فيتعلق بتقديم مقترحات عملية لتفعيل نظريات التغيير بوصفها أدوات تعبئة تنفيذية، تسمح بترجمة المعارف النظرية إلى مبادرات قابلة للتطبيق».

يقع الكتاب في 288 صفحة موزعة على خمسة فصول، تتدرج من تفكيك الخطاب الإعلامي للنظام البائد وتحليل بنيته الدعائية، إلى بناء نموذج لصناعة المعنى، ثم مقاربة الإعلام بوصفه جزءاً من البيئة السياسية والاجتماعية، وصولاً إلى توظيف نظريات التغيير في تصميم مبادرة إعلامية تستجيب لخصوصية السياق السوري.

ومرشد النايف صحافي وباحث إعلامي سوري شغل عدداً من المواقع التحريرية والمهنية، من بينها مدير تحرير صحيفة «جيرون»، والأمين العام لميثاق شرف للإعلاميين السوريين. تتركز اهتماماته البحثية على تحليل الخطاب، وإعلام ما بعد النزاع.