الحرم المكي في اللحظة «الكورونية»... صورة تذكارية

تعليق التعبد في أقدس الأماكن ليس مقتصراً على المسلمين وإنما لقطة ضمن سياق كوني

صحن المطاف خالٍ من المعتمرين
صحن المطاف خالٍ من المعتمرين
TT

الحرم المكي في اللحظة «الكورونية»... صورة تذكارية

صحن المطاف خالٍ من المعتمرين
صحن المطاف خالٍ من المعتمرين

وهكذا تُضاف صورة الحرم المكي الخالي من المصلين إلى مستودع الصور الأيقونية المختزنة في متحف الذاكرة الإنسانية. هذه الصورة المرعبة بسكونيتها وما يترتب عليها من هجوم جمالي مربك. حيث الفراغ الفيزيائي الذي يحيل إلى فراغ روحي موحش. وكأن الصورة ذاتها كحقل علامات بصرية لا تكتفي بالإشارة إلى خلو الحرم من البشر فقط، بل من الحركة، والصوت. وبالتالي فهي صورة توحي بخلو هذا الفضاء الروحاني من شحنات الإيمان، إذ لا صلوات ولا تضرع ولا طواف. بمعنى أن الفراغ كمضاد لأصل الامتلاء هو القيمة الجمالية المهيمنة. أجل، جمالية الرعب المتأتي من تفريغ المكان من العنصر البشري بما هو روح المكان.
هذا الفراغ الهائل أدى بالمفهومين: الفلسفي والفني، إلى انكشاف الكعبة ككتلة تخاطب وساعات الفراغ، وهو مشهد موجع يحدث للمرة الأولى، وفي لحظة ميديائية قصوى ضاعفت أثر الحدث على المتلقي، سواء كان من المتعالقين روحياً بالحرم أو كان مجرد كائن معولم يتابع الفضائيات ووكالات الأنباء. لأن تعليق الصلاة في الحرم ليس حدثاً مستقلاً بذاته ومقتصراً على المسلمين، بقدر ما هو لقطة ضمن سياق كوني فرضته اللحظة الكورونية. هذه اللحظة الساطية التي بددت ألبوم صورها المرعبة، حيث الميادين العالمية الخالية من البشر، والطائرات الهاجعة في مرابضها، ومدرجات الملاعب الرياضية الخرساء، وضحايا الوباء الذين لا يملك أحبتهم لحظة وداع لائقة بكرامتهم، وحيث الوجوه الملفعة بأقنعة الوقاية من المرض وهكذا.
صورة الحرم الخاوي هي أداة الفضائيات لتذكير المؤمنين بمعنى وفداحة جائحة كورونا، وفي الآن ذاته، يبدو عرضها المتكرر بمثابة جَلد لأرواحهم التائهة. فهي صورة موجعة كصور الحروب والكوارث الطبيعية، وإن كان خطابها البصري أقرب إلى النعومة منه إلى البشاعة. فهي صورة من دون دماء ولا أشلاء ولا أطراف مبتورة، بل حتى المبنى ذاته لم يتعرض لقصف أو دمار بأي آلة حربية فتاكة. إلا أن الألم المتأتي من النظر المتكرر إلى الصورة، ومن خلال قنوات إعلامية متنوعة، يشي بمعركة من نوع ما يمكن لهذه الصورة أن تكون تأريخاً فجائعياً لها. فهي صورة تنطق بصمتها، وبطاقتها الرمزية العالية، كما أن الفراغ الروحي الذي يستبطن مهادها على درجة من الجموح من الوجهة الخيالية، وبالتالي فهو يستديم حالة التوتر الدرامي ليحفظ للحدث طزاجته وارتداداته النفسية داخل الزمان والمكان.
إنها صورة من صور الويلات، وإن بدت هادئة وخالية من آثار العنف المباشر، ربما لأنها لا توخز الضمير وحسب، بل تخاطب العقل أيضاً، فهي صورة مرآوية لجائحة شرسة تقتضي التعامل معها بعقلانية لا بفائض العواطف. ولذلك يتمدد أثر تعليق العبادة في كل مفاصل الصورة. وذلك ضمن نظام علاقات بصري يحفظ للعناصر التشكيلية مواضعاتها الجمالية ووظائفها الأدائية. حيث السياج الذي يحيط بالكعبة في مسرح الحدث الذي يحد من مراودات الملامسة، لكنه يسمح بالنظر فقط، أي الإبصار بما هو الحد الأدنى للتماس الروحي. وهو الأمر الذي يعطيها سمة الديمومة، حيث المشهد الذي ينحفر في الذاكرة ويصعب محوه.
وككل الصور التي تفقد طاقتها الموجعة بفعل التكرار، بدت صورة الحرم الخاوي بعد موجات من التكرار صورة مألوفة أقرب إلى العادية، يتلقاها المشاهدون باختلاف منسوب روحانيتهم بشيء من الحياد، وكأنها مجرد صورة أرشيفية تسجيلية لحدث ما زال في طور التشكُّل، بمعنى أن مخزون الصدمة العاطفية فيها قد استنفد، أو ربما تحولت إلى فكرة قابلة للتأمل في مختبرات الوعي، مثلها مثل سقوط برجي التجارة مثلاً. وهذه هي طبيعة الصور الفجائعية، إذ ينبغي أن تكون مكتملة البناء من الوجهة الجمالية، ومستفزة للوعي من الوجهة الفكرية، بمعنى قدرتها على بث رسائل متناقضة لترتقي إلى مستوى الوثيقة. فجمال أي صورة من صور الخراب يكمن في الأنقاض، والمفارقة هنا أن أنقاض صورة الحرم المفرغ من المصلين تبدو على درجة من النقاء والاكتمال وكأنها لقطة تحنيطية للمكان الساكن، الفارغ، الصامت، القابل للحركة والامتلاء واللهج بذكر الله بمجرد انقضاء مفاعيل اللحظة الكورونية.
قبل جائحة كورونا لم يتصور أحد أن تحنيط هذا الفضاء الروحي المتمثل في تعليق العبادة مسألة ممكنة من الوجهة العقلية. وأي تفكير بهذا المآل هو بمثابة صورة فوق - واقعية غير قابلة للتخيّل، إلا أن وكالات الأنباء أقامت الدليل على هذه الإمكانية من خلال صورة أربكت حواس المتلقي، وذلك بهز أركان صورة الحرم الراسخة في الوجدان بما تختزنه من قيم القداسة الزهد والأبهة والعظمة. فالعين التي اعتادت أن تبتهج برؤية امتلاء الحرم بالأجساد المحتشدة المبتهلة إلى الله، ستظل حتى حين تعاني من حالة إنكار حسّي، ولن تتقبل الفكرة الجمالية القائلة بأن للفراغ المادي متعته البصرية والعاطفية والفكرية، لأن الراحة البصرية للذوات المروحنة لا تتأتى إلا من رؤية الامتلاء، كدلالة على الفيض الروحي. وكل فراغ هو طمس لعلامات الإيمان وتصفير للشعور.
الفراغ لغة، فهو يشبه السكتات والشقوق في النصوص الأدبية. وهو جسد بالمعنى الروحي وكتلة بالمعنى الفيزيائي أيضاً، ولذلك تتداعى أجساد المصلين إلى بعضها البعض ليسدوا ثغرات الفراغ التي يمكن للشيطان أن ينفذ منها. وهذا هو ما يضاعف أثر الصورة الناطقة باحتلال شيطان كورونا فراغ الحرم. بمعنى أنها صورة من صور تجليات الفراغ والامتلاء. كما قد تكون بالنسبة للإنسان المعولم تجربة جديدة تماماً لمشاهدة صورة فجائعية تتجوهر قيمة الدمار فيها بغياب الإنسان، ومن خلال صورة وصفية غير موظّفة أيديولوجياً، صورة تقول إن المكان قد تجمد، والزمان توقف، وهو قابل للاستئناف والامتلاء وسد كل ذلك الفراغ الموحش بالبشر والإيماءات والأصوات بمجرد انقضاء مفاعيل الحدث الكوروني.
في الذاكرة تتجمد الصور على شكل وحدات منفردة. وهذه الصورة التي انغرزت بعمق في وجدان إنسان اللحظة استحقت أن تكون أحد مداخل فهم الحدث الكوروني، فهي تختصر الخطر الذي يشكله على حياة البشر، كما تتسلط على الخيال. وبمجرد أن يشاهدها أي شخص في جميع أنحاء العالم يلتقط معناها ومغزاها، لكأنها صورة من صور الفن المفاهيمي. فهي صورة محقونة بالمعنى الثقافي، ولا غنى للعالم عنها للتعرّف على أثار كورونا كحالة حربية ضد اعتيادية الحياة. فأوراق اعتمادها هو موضوعها، وهي أشبه ما تكون بالبيان. حيث التبليغ الجمالي من خلال الفراغ. حتى حدود التأويل تبدو محدودة بالنظر إلى صراحة عناصرها، وعلو المنسوب الدرامي في سياقها.
هكذا تبدو منظومة صور الحرم المفرّغ من المصلين، حيث البياض الشاسع الذي يشي بصورة قد خضعت لعملية مونتاج جراحية في العمق لمحو العنصر البشري. فهي صور تعاند كونها مادة إعلامية خام للإخبار عن حدث طارئ. وبتوقيع كورونا تنزاح نحو جماليات الرعب. حيث ما يُعرف بالجمال السامي، المزدحم بالمشاعر الأخلاقية، وبالتعبير الصريح والجريء عن الحقيقة. وذلك من خلال قدرتها على تجميد الزمن، والإمساك بالفراغ. أجل، الفراغ بما هو انحراف عن المألوف المتمثل في الامتلاء. وهذا هو ما يؤهلها لأن تكون صورة واخزة للضمير، مستفزة للحواس، تلفت الانتباه إلى موضوعها في المقام الأول. فهي صورة عاطفية، أخلاقية، تخليدية، وبالضرورة رثائية.
- ناقد سعودي



لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

لي سو يون
لي سو يون
TT

لي سو يون: مهمة الأدب ليست تغيير العالم

لي سو يون
لي سو يون

تعرَّف القارئ العربي على عوالم الكاتبة الكورية لي سو يون عبر روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم الأكثر مبيعاً، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة.

في هذا الحوار، تتطرق الكاتبة إلى مؤلفاتها الأخرى التي تنتمي إلى عالم السيرة ذاتية وتتردد عبرها أصداء أزمتها النفسية التي وصلت إلى حد محاولة الانتحار، وتلقّي العلاج بمصحة متخصصة، قبل أن تستعيد إيمانها بالأمل والحياة وتتعافى نهائياً. هنا نص الحوار:

> بعد نجاح روايتك «هاتف الوداعات الأخيرة» وإدراجها ضمن قوائم الأكثر مبيعاً في كوريا الجنوبية، ماذا يعني لك ترجمتها إلى لغات أجنبية؟

- على الصعيد الشخصي، تعد ترجمة أعمالي وتقديمها بلغات أخرى تجربة ثمينة للغاية، لكن الأمر يتجاوز البعد الشخصي، إذ يدفعني إلى التأمل مجدداً في قيمة الأدب. ومن خلال خلق مساحة يمكن أن يسكنها الفقدان والحزن بغضّ النظر عن اللغة، أرى إمكانية أن يوصل الأدب بين الناس وأن يبني مجتمعاً إنسانياً واسعاً.

> ماذا عن ترجمة الرواية إلى العربية؟ هل تتابعين ردود الأفعال؟

- بصراحة، عندما يصدر كتاب في بلد آخر يصعب على الكاتب أن يعرف بدقة كيف انتقلت روحه ومعانيه عبر الترجمة، لكنني أؤمن بأن جوهر ما أريد التعبير عنه يصل إلى القراء رغم ذلك.

تابعت بالفعل ردود الأفعال عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وأشعر بأن هناك صلة صادقة تتشكل بيني وبين القراء، وقد أدهشني وأسعدني بشكل خاص الحماس الكبير الذي أبداه القراء المصريون تجاه الرواية.

> هل تعدّين أرقام المبيعات دليلاً على نجاح الكاتب؟ وما مواصفات النجاح الأدبي من وجهة نظرك؟- أرقام المبيعات ليست سوى أحد مؤشرات النجاح التجاري، ولا أعدّها دليلاً أساسياً على النجاح الأدبي، فأنا أؤمن بأن الأدب يتجاوز حدود الزمن، وقد لا يحقق الكتاب مبيعات كبيرة عند صدوره، أو قد لا يحظى صاحبه بالتقدير في حياته، لكن العمل الجيد يبقى. وربما يعاد اكتشافه وقراءته لاحقاً ليصبح من الكلاسيكيات. ومن وجهة نظري، فإن النجاح الأدبي لا يكتمل خلال حياة شخص واحد، بل يتشكل ويترسخ مع مرور الزمن.

> كيف جاءتكِ فكرة الرواية؟

- بدأت هذه الرواية من كتاب قرأته في أثناء وجودي في جناح للأمراض النفسية بالمستشفى، بعنوان «مقابلات التشريح النفسي» للدكتور إدوين شنايدمان، والذي يرصد العوامل النفسية الكامنة وراء الانتحار. وفي أثناء قراءة العمل وجدت نفسي أتخيل حزن الأشخاص الذين سيبقون بعد رحيلي وكيف ستستمر حياتهم، ومن هنا بدأتُ أفكر في كتابة رواية تدور حول هذا الموضوع، ثم أضفت إليه عنصراً تخييلياً، فكانت النتيجة رواية «هاتف الوداعات الأخيرة».

> هل تعتقدين فعلاً أنه يمكن التواصل مع من فقدناهم من الأحبّة وهم في العالم الآخر؟ وهل يمكن أن نعوّضهم بأثر رجعي عن أخطائنا بحقهم، أو على الأقل نعتذر لهم؟- إذا وسَّعنا مفهوم التواصل بحيث لا يقتصر على الحديث المباشر وجهاً لوجه، فأعتقد أننا نتواصل باستمرار مع أشياء وأشخاص عبر الزمن. يحدث ذلك عندما تعود إلينا فجأة ذكرى أو مكان أو غرض تركه من رحلوا عنّا.

وأؤمن بأن كل لحظة تتصل فيها القلوب بعضها ببعض هي لحظة تواصل حقيقية، وعندما نتمكن من فهم أنفسنا وفهم الآخر، ونضع الماضي والحاضر في موضعهما الصحيح، يصبح الغفران والمصالحة ممكنين، حتى لو جاء هذا الإدراك متأخراً.

> مررتِ بتجارب صعبة مع الاكتئاب واضطرابات الطعام والهلع كادت تدفع بكِ إلى حافة الانتحار، لماذا شاركتِ تلك التجارب مع القراء في مؤلفاتك المختلفة مثل «أشعر ببعض الاكتئاب، لكنني شخص عادي»؟- لم يكن اتخاذ قرار نشر قصتي الشخصية أمراً سهلاً. وبينما كنت مترددة، قالت لي أمي إنها عندما كنت في المستشفى بحثت عن كتب تتحدث عن الاكتئاب، لكنها لم تجد قصة تشبه قصتي.

لذلك تمنت أن أكتب كتاباً من أجل أشخاص يمرون بتجارب مماثلة، ومن أجل أولئك الذين يحملون في داخلهم مشاعر يصعب التعبير عنها بالكلمات، قررت هذه المرة أن أكون أنا من يتكلم. ومن هنا بدأت رحلتي ككاتبة.

> ألم يكن من الأفضل أن تظهر تلك التجارب ضمنياً، من خلال أعمالك الروائية، بدلاً من أن تأتي في صورة مباشرة تقترب من عالم السيرة الذاتية أو المذكرات؟- أعتقد أن أكبر فارق بين الرواية والسيرة الذاتية هو «الحضور الإنساني المباشر»، فالتعبير عن حزن عميق من خلال قصة متخيلة يختلف في تأثيره عن التعبير عنه من خلال تجربة حقيقية ومعيشة. وأرى أن مجرد القدرة على الحديث عن المرض النفسي بشكل مباشر، من دون مواربة أو التفاف، يعد رسالة قوية مفادها أن الأشخاص الذين يعانون من هذه الأمراض ليسوا منفصلين عن المجتمع، بل يعيشون بيننا ومعنا.

> تجارب الكاتب الشخصية على صعيد المعاناة النفسية والهشاشة الإنسانية، هل تزيد من جاذبية أعماله في عيون القراء برأيك؟- أؤمن بأن التجربة الحياتية الخاصة بكل كاتب تضفي على أعماله مزيداً من الجاذبية والتميز. وحتى عندما تتضمن تلك التجربة جوانب من الضعف الإنساني، فإنها تمنح صاحبها قدرة أعمق على التعاطف مع الآخرين.

وكثير من الفنانين يحوِّلون هشاشتهم ومعاناتهم إلى أشكال أكثر إبداعاً من التعبير، ويواصلون طرح الأسئلة حول جوهر الحياة والأشياء. وإذا اختار بعض الناس التقليل من قيمة إبداعهم بسبب ذلك، فهذه في النهاية مسألة تخص من يُصدر هذا الحكم.

> هل يندرج كتابك «ربما يكون الحزن مرضاً» هو الآخر ضمن سياق مشاركة المعاناة الشخصية مع القراء، أم ماذا؟- هو كتاب سيرة ذاتية طويل يوثّق الأشهر الستة التي أمضيتها في وحدة مغلقة للطب النفسي. ويتناول ما جرى داخل المستشفى بين أشخاص يعانون من الألم النفسي، كما يتناول مسارات التعافي التي مروا بها.

> ماذا عن كتابك «وصفة القطط»، الذي تلعب فيها الحيوانات الأليفة دور البطولة؟

- هو أيضاً كتاب يندرج ضمن فئة السيرة الذاتية الطويلة، ويتناول رحلة الحب الذي اكتشفتُه من خلال العيش مع قطة، يسجل لحظات شعرت فيها برغبة في التخلي عن كل شيء، قبل أن يعيد إليَّ صوت أنفاس القطة الإحساس بالحياة. إنها قصة شخص لم يكن يجيد الحب، وتعلَّمه تدريجياً من خلال علاقته بحيوان أليف.

> ما الذي يحقق لكِ الإشباع والسعادة ككاتبة؟

- أعظم ما يمنحني الشعور بالرضا هو أن أسمع من القراء أن أعمالي ساعدتهم على إيجاد القوة للاستمرار في الحياة. ويسعدني أن أرى قراء يكتشفون الإمكانات اللامحدودة للكتابة وتأثيرها، وأن تتغير حياتهم بفضل ذلك.

ومن أكثر التجارب التي تركت أثراً في نفسي رسالة وصلت إليّ من أحد السجون، فقد كتب لي سجين كان يفكر في إنهاء حياته، بعدما أهدته زوجته أحد كتبي، ليخبرني أنه قرر أن يمنح الحياة فرصة أخرى. ولا تزال تلك الرسالة حاضرة في ذاكرتي حتى اليوم.

> أخيراً، هل لا تزال الكتابة قادرة على صنع الفارق في عالم يبدو أن الحمقى هم أصحاب القرار الأول في تحديد مصيره؟

- ربما لا يستطيع الكاتب أن يغيِّر العالم بأسره، لكن الكتاب قادر على تغيير إنسان واحد، ولهذا السبب لا أتخلى أبداً عن الأمل، فلو استطعت تغيير واقع شخص واحد فقط إلى الأفضل، فهذا يكفيني.


تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً
TT

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تطور فكرة فصل السلطات فلسفياً وقانونياً

تتناول الباحثة الأردنية الدكتورة هبة مرزوق الهباهبة، في كتابها «فصل السلطات بين الفلسفة والقانون»، المنعكسات المعاصرة لنظرية الفصل بين السلطات، مستندة إلى جذورها الفلسفية التي أرساها فلاسفة الحقوق الطبيعية وعصر التنوير، ومقدمة قراءة نقدية تتتبع انتقال النظرية من إطارها الفلسفي إلى مجالها الدستوري والقانوني.

يقدم الكتاب الذي صدر حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في عمّان، مقاربة تحليلية للنظرية وإشكالات تطبيقها، ولا سيما ما يتصل بالتداخل بين السلطات، وشرعية التشريع، والعلاقة بين القانون والعدالة، وصولاً إلى اقتراح «كود قانوني تشريعي» يهدف إلى تعزيز الضبط والرقابة الدستورية وتفعيل الفصل بين السلطات.

وينطلق الكتاب الذي صمم غلافه الشاعر والفنان عيد بنات، من تأصيل مفهومَي الحقوق الطبيعية والقانون الطبيعي بوصفهما مرجعية فلسفية لشرعية القانون وتقييد السلطة، قبل أن ينتقل إلى الجدل الفلسفي حول نشأة الدولة والسيادة، وتطور فكرة الفصل بين السلطات بوصفها ضمانة دستورية لمواجهة الاستبداد وتحقيق التوازن بين التشريع والتنفيذ والقضاء.

وتتمثل الإشكالية المركزية التي يطرحها الكتاب في مدى قدرة نظرية الفصل بين السلطات على العمل بفاعلية في الأنظمة السياسية الراهنة، في ظل التداخل بين القانون والسياسة، وما قد يترتب عليه من تأثيرات في العملية التشريعية. ومن هنا تعتمد الهباهبة مقاربة نقدية ومقارنة لتفكيك الأطر النظرية القائمة، وتحليل الهيكليات القانونية والتشريعية المختلفة، وصولاً إلى تصور تشريعي مقترح.

ويعيد الكتاب تتبع جذور فكرة توزيع وظائف الدولة، من الفلسفة اليونانية عند أفلاطون وأرسطو، وصولاً إلى مونتسكيو الذي بلور الصياغة الأشهر لمبدأ الفصل بين السلطات، بحيث تتولى السلطة التشريعية سنّ القوانين، وتتولى السلطة التنفيذية إنفاذها، في حين تضطلع السلطة القضائية بإقامة العدالة. ولا يتوقف البحث عند هذا التأسيس، بل يتابع تطور الفكرة في مدارس فلسفة القانون والمذاهب النفعية والواقعية والوضعية. وترى المؤلفة أن الفصل بين السلطات لا ينبغي أن يُفهم بوصفه مجرد توزيع وظيفي لمهام الدولة، بل بوصفه ضرورة فلسفية وأخلاقية لحماية الحرية وضمان شرعية التشريع. فتركيز السلطة، وفق الطرح الذي يقدمه الكتاب، يهدد الحرية ويفرِغ القانون من مضمونه، في حين يتيح التوازن بين السلطات قيام منظومة أكثر قدرة على حماية الحقوق والحريات.

وتتوسع الدراسة في بحث الفجوة بين النظرية والتطبيق، متوقفة عند احتمالات التحيز السياسي في العملية التشريعية، وتأثير المصالح والاصطفافات في صياغة القوانين، وما يمكن أن ينتج من ذلك من اختلال في البنية القانونية. ومن ثم لا تكتفي بتقييم مبدأ الفصل بين السلطات، وإنما تسعى إلى اختبار قدرته على إنتاج قواعد قانونية ناجعة في الواقع السياسي والمؤسسي.


سيد الأقداح

محمد العلي
محمد العلي
TT

سيد الأقداح

محمد العلي
محمد العلي

(إلى الكبير محمد العلي في أبديته)

هي والقصيدةُ حيث كنْتَا

هي والقصيدةُ عمرُكَ المكتوبُ في أوراق ذاكرةٍ

ملأتَ جرارَها بصداكَ حتَّا

فاضتْ بها أشواطُ أحْرفِكَ التي

أخذتْكَ نحو مدائنِ العشَّاقِ فانْشطرَتْ بها شفتاكَ

بين مرافئِ الكلماتِ والقُبلاتِ

لكن ما برحْتَا

تُملي فتكتُبكَ السنينُ مفازةً

تعبَ الحُداةُ وهم يجُوبونَ القصائدَ

ربما انْتجعوكَ بيتَا

يا سيِّدَ النايات

يا ابنَ نبوءةِ الشجرِ المُحرَّز بالرياحِ

متى تماثلَ سردُه للبوحِ

محْمولًا بأطرافِ الحكاياتِ انْعتَقْتا

يا سيِّدَ الأقداحِ

منذُ سُلالةِ الماء الذي أرْخى أعِنَّتهُ

فغادرَ في شُقوقِ الغيْم

مُنتظرًا لأرضٍ لم تُضاجعْها الخُطى يومًا

فكيف عرفتَ أنَّ الدربَ لم يعرفْ ظلالكَ حين عدتَا

يا أيُّها العَرَّافُ

كم حجرًا لنردِكَ ضلَّ وجهتَه فعادَ

وما رميتَا؟

---------------

* شاعر سعودي.