جدة التي تحدّت الأوبئة والفيروسات... الجمال وحده سينتصر على الموت

جدة التي تحدّت الأوبئة والفيروسات... الجمال وحده سينتصر على الموت
TT

جدة التي تحدّت الأوبئة والفيروسات... الجمال وحده سينتصر على الموت

جدة التي تحدّت الأوبئة والفيروسات... الجمال وحده سينتصر على الموت

في كل شارع من شوارعها لي قصة هناك، فهنا سكنت وهنا سهرت وهناك كنت في مناسبة، وبعد ذلك هناك تسوّقت واقتنيت الكتب، وعشرات الممارسات اليومية التي يمكن أن يمارسها الإنسان في حياته اليومية.
فمن الرويس التي حضنتنا نحن القادمين من الشمال، بدأت خطواتنا الأولى، وفي جزيرة أبو عشت طفولة مبكرة وبحرية تماماً، وفي الخاسكية كانت المحطة الأولى لي مع الكتب ودواوين درويش والسيّاب و«موسم الهجرة إلى الشمال» والطيب صالح.
أما في باب مكة فكانت محطة التسوّق الأولى لنا، حيث نتزود بمؤونة الصيف والشتاء من هذا المكان الذي في استديوهاته التقطنا صورنا المدرسية الأولى وفي صالوناته قصصنا شعورنا المتطايرة مع هبوب الشمال.
وإذا كانت لكل مدينة هوية خاصة بها، هوية تمزج فيها عراقة المكان بهوية الجغرافيا، ويتقاطع هذا النسيج المشترك مع ملامح شخصية إنسانها، فهناك مدن كتب لها أن تكون مدناً للحياة، حاضنة لها ومحرضة عليها. مدن رحبة لا تكتفي باحتضان أبنائها، بل تشرع روحها لكل القادمين إليها، وكأنها خلقت لناسها وزوارها على السواء. مدن تفتح ذراعيها للغريب، فيجد نفسه، مهما كانت المدينة أو البيئة التي جاء منها، متصالحاً معها وكأنه ولد وترعرع فيها. إلا أن جدة من هذه المدن التي عانقت البحر بحميمية الأم على مدى آلاف السنين، جعلتها الأسطورة مأوى لأم البشر السيّدة حواء؛ لذلك يحتضن قلب المدينة مقبرة قديمة جداً جداً تسمى مقبرة أمنا حوّاء، لم تتجاوز الكتابة عنها سرداً لحكايات رواها الناس عبر مئات السنين وسجلتها الكتب على هذا الأساس الذي يحيّر أكثر العقول على فك شيفرة هذا اللغز وسر وجودها هنا.
فيها كتب الأديب محمد حسن عواد كتابه الرائد «خواطر مصرحة» الذي يعتبر بكل المقاييس السفر الأول في مسيرة الحداثة السعودية، إبداعياً وفكرياً واجتماعياً.
وفيها تجلّى صوت الأرض طلاح مداح فنزف أجمل أغانيه على ضفاف سواحلها وبين ساحات حاراتها، وأكمل بعده فنّان العرب محمد عبده هذه المسيرة الجمالية التي استلهمت من عمق إرث التراث والغناء في جدة فضاءات لا حد لها، حيث تتحالف كل الثقافات المتولدة في جدة، والقادمة إليها، لتقديم لوحات يمتزج فيها المزمار مع الزار، والرديح مع الخبيتي، وتتباهى مثل كل مدن سواحل البحر بإيقاع السمسمية على مواويل الينبعاوي.
جدة التي تتباهى بالاتحاد رمزها الأول مع غريمه الأهلي، تتحول ملاعب الكرة فيها إلى أكبر حفلة غنائية للفرح والأناشيد.
جدة مدينة شبه خرافية تجد فيها العراقة تمشي على قدمين في حاراتها القديمة، حيث مركاز العمدة، والمقاهي القديمة والرواشين التي تطل على الحاضر من ماضٍ بعيد، مثلما في أحيائها الجديدة المستقبل حاضر الآن في المقاهي الجديدة والمطاعم العالمية والكورنيش الذي يحتضن أهم إبداعات النحاتين ألبرتو جياكوميتي وهنري مور، وغيرهما.
لكن جدة اليوم ليست جدة الأمس ولا الغد، إنها مثل مدن العالم محاصرة بخطر فيروس كورونا الذي غيّر عادات أهلها الذين اعتادوا على السهر والليل الطويل، فخطر التجمعات الذي يعتبر المحفز الأول لانتشار الفيروس والتعليمات بمنع التجول بعد السابعة جعل المدينة تنزوي على نفسها حماية لأهلها وزوارها من هذا الخطر الداهم الذي يهدد البشرية جمعاء وليس مدينة أو دولة عن سواها.
وإذا كان رعب فيروس كورونا أنه فيروس عالمي، فإن رعب أهالي جدة له جذور ضاربة في الجذور بسبب موقعها الجغرافي الفريد. فهي ليست ميناءً اقتصادياً فقط، بل هي بوابة الحرمين الشريفين اللذين يقصدهما ملايين البشر منذ مئات العقود، ومن كل قارات العالم.
ويروي الباحث ضياء عنقاوي أنه في عام 1348هـ، حدث وباء شديد في مكة المكرمة، أدى لوقوع ضحايا كثيرين، ولكن تأثيره الأفدح كان على جدة، حيث لم يبق فيها سوى 4 أشخاص على قيد الحياة، وإذا حدث هذا قبل عشرات السنين فإنه قبل سنوات داهم جدة فيروس «ميرس» النسخة القديمة من فيروس «كورونا».
لكن مهما مرت الأوبئة والفيروسات بها، فإن جدة سرعان ما تتعافى وتستعيد حيويتها؛ لأنها مدينة خلقت للحياة والفن والجمال.
فهي الآن، وإن كانت ملتزمة مثل مدن المملكة بوقف التجول منذ السابعة مساءً، إلا أن الحياة سرعان ما تدب فيها صباحاً من حلقة السمك إلى باعة الفول والتميس، مروراً بكل محطات الحياة فيها. جدة مدينة للحياة ولا يمكن أبداً أن ترتهن للعزلة طويلًا وستعود لتكون المكان الأجمل الذي يحتوينا.

* كاتب سعودي


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

شظايا اعتراض «باليستي» تُخلّف أضراراً محدودة شرق السعودية

الدفاع المدني السعودي (الشرق الأوسط)
الدفاع المدني السعودي (الشرق الأوسط)
TT

شظايا اعتراض «باليستي» تُخلّف أضراراً محدودة شرق السعودية

الدفاع المدني السعودي (الشرق الأوسط)
الدفاع المدني السعودي (الشرق الأوسط)

أعلن المتحدث الرسمي للدفاع المدني السعودي، الأربعاء، مباشرة فرق الدفاع المدني حادثة سقوط شظايا ناجمة عن اعتراض صاروخ باليستي على سطح منزلين في حي سكني بالمنطقة الشرقية، أحدهما قيد الإنشاء وغير مأهول.

وأوضح أن الحادث أسفر عن أضرار مادية محدودة، دون تسجيل أي إصابات، مشيراً إلى أنه تم التعامل مع الواقعة وفق الإجراءات المعتمدة في مثل هذه الحالات.

وتصدَّت «الدفاعات الجوية» السعودية، الأربعاء، لصاروخ باليستي و28 طائرة مُسيّرة في المنطقة الشرقية، وفقاً للمتحدث باسم وزارة الدفاع، اللواء الركن تركي المالكي.

وأطلق «الدفاع المدني»، فجر الأربعاء، إنذاراً في محافظة الخرج (80 كيلومتراً جنوب شرقي الرياض)، للتحذير من خطر، عبر «المنصة الوطنية للإنذار المبكر في حالات الطوارئ»، قبل أن يعلن زواله بعد نحو 10 دقائق، داعياً إلى الاستمرار في اتباع تعليماته، وتجنّب التجمهر والتصوير نهائياً، والابتعاد عن مواقع الخطر.


حريق في خزان وقود بمطار الكويت بعد هجوم بمُسيّرات

TT

حريق في خزان وقود بمطار الكويت بعد هجوم بمُسيّرات

مركبات تسير على طول الطريق السريع المؤدي إلى مدينة الكويت ومنها (أرشيفية - أ.ف.ب)
مركبات تسير على طول الطريق السريع المؤدي إلى مدينة الكويت ومنها (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعلنت هيئة الطيران المدني في الكويت، اليوم الأربعاء، أن خزان وقود في مطار الكويت الدولي اشتعلت فيه النيران بعد استهدافه بطائرات مُسيّرة.

وأكد المتحدث الرسمي باسم «الهيئة» عبد الله الراجحي أنه «وفق التقارير الأولية فإن الأضرار مادية فقط، ولا توجد أي خسائر في الأرواح».

وأوضح أن «الجهات المختصة باشرت فوراً تنفيذ إجراءات الطوارئ المعتمَدة، حيث تتعامل فرق الإطفاء والجهات المعنية مع الحريق، في حين توجد جميع الجهات المختصة في موقع الحادث».

ولاحقاً، قال الجيش الكويتي: «تتصدى حالياً الدفاعات الجوية الكويتية لهجمات صاروخية وطائرات مُسيّرة مُعادية»، بعدما أعلن الحرس الوطني الكويتي أنه نجح في إسقاط ست طائرات مُسيّرة.

ورداً على الهجوم الذي شنّته الولايات المتحدة وإسرائيل ضدها، صعّدت إيران هجماتها، في الأسابيع الأخيرة، على قواعد عسكرية ومنشآت طاقة وبنى تحتية أخرى بدول الخليج. وتقول طهران إنها لا تستهدف سوى المصالح الأميركية بالمنطقة.

وأعلن «الحرس الثوري» الإيراني، الأربعاء، أنه أطلق صواريخ باتجاه إسرائيل والكويت والبحرين والأردن، وفقاً لما ذكره التلفزيون الرسمي.

اجتماع في الأمم المتحدة

ويعقد مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، جلسة عاجلة، الأربعاء؛ لبحث تداعيات الضربات الإيرانية على دول الخليج.

وقال السفير عبد الله عبد اللطيف عبد الله، المندوب الدائم لمملكة البحرين لدى مكتب الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الأخرى في جنيف، أمام «المجلس»، الثلاثاء، إن «الجمهورية الإسلامية الإيرانية تُواصل، منذ 28 فبراير (شباط) 2026، تنفيذ هجمات عسكرية غير مبرَّرة استهدفت أراضي عدد من الدول، مِن بينها مملكة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان ودولة قطر ودولة الكويت والمملكة الأردنية الهاشمية».

وأضاف أن «هذه الهجمات طالت المدنيين والبنية التحتية الحيوية، وأسفرت عن سقوط ضحايا وأضرار جسيمة، بل تمتد لتشمل البنية التحتية الأساسية لحياة المدنيين».

وقدّمت سبع دول في المنطقة (السعودية والإمارات والبحرين والأردن والكويت وسلطنة عُمان وقطر) مشروع قرار سيُعرض على أعضاء مجلس حقوق الإنسان، البالغ عددهم 47؛ للتصويت عليه.


«الدفاعات» السعودية تتصدى لـ«باليستي» و31 «مسيّرة» في الشرقية

«الدفاعات الجوية» السعودية تواصل تصديها بكفاءة للهجمات العدائية (وزارة الدفاع)
«الدفاعات الجوية» السعودية تواصل تصديها بكفاءة للهجمات العدائية (وزارة الدفاع)
TT

«الدفاعات» السعودية تتصدى لـ«باليستي» و31 «مسيّرة» في الشرقية

«الدفاعات الجوية» السعودية تواصل تصديها بكفاءة للهجمات العدائية (وزارة الدفاع)
«الدفاعات الجوية» السعودية تواصل تصديها بكفاءة للهجمات العدائية (وزارة الدفاع)

تصدَّت «الدفاعات الجوية» السعودية، الأربعاء، لصاروخ باليستي و31 طائرة مُسيّرة في المنطقة الشرقية، وفقاً للمتحدث باسم وزارة الدفاع، اللواء الركن تركي المالكي.

وأطلق «الدفاع المدني»، فجر الأربعاء، إنذاراً في محافظة الخرج (80 كيلومتراً جنوب شرقي الرياض)، للتحذير من خطر، عبر «المنصة الوطنية للإنذار المبكر في حالات الطوارئ»، قبل أن يعلن زواله بعد نحو 10 دقائق، داعياً إلى الاستمرار في اتباع تعليماته، وتجنّب التجمهر والتصوير نهائياً، والابتعاد عن مواقع الخطر.

وأعلن «الدفاع المدني»، مساء الثلاثاء، تغيير نغمة زوال الخطر في المنصة إلى صوت رسالة نصية عادية تظهر على شاشة الهاتف الذكي آلياً، لتمييزها عن نغمة وقوعه.

وكانت «الدفاعات الجوية» السعودية قد دمَّرت، الثلاثاء، 44 طائرة مُسيّرة في المنطقة الشرقية، حسبما صرّح بذلك اللواء الركن تركي المالكي.

وأكد مسؤول رفيع في وزارة الخارجية السعودية لـ«الشرق الأوسط»، مساء الثلاثاء، أن بلاده سبق أن نفت المزاعم التي تحدّثت عن تفضيل القيادة السعودية إطالة أمد الحرب الجارية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

وأضاف المسؤول أن وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان سبق أن أعلن، خلال المؤتمر الصحافي الذي أعقب الاجتماع التشاوري لوزراء دول عربية وإسلامية في الرياض، الخميس الماضي، أن الاعتداءات الإيرانية يجب أن تتوقف، وأن لصبر المملكة حدوداً، وشدَّد على احتفاظ الرياض بحقها في الرد وردع العدوان بإجراءات سياسية وغيرها.