عبد الأمير جرص... رحيل مفجع وشعرية جارحة

صدرت أعماله الشعرية الكاملة بعد 17 عاماً من موته المبكر

عبد الأمير جرص... رحيل مفجع وشعرية جارحة
TT

عبد الأمير جرص... رحيل مفجع وشعرية جارحة

عبد الأمير جرص... رحيل مفجع وشعرية جارحة

هل يتنبأ الشعراء بموتهم؟ وهل تتساوى أعمار المبدعين فيرحلون بعمر واحد؟ ربما مصادفة؟ ربما قدر؟ ذلك ما كان عليه عبد الأمير جرص الشاعر العراقي ذو المزاج الحاد والمختلف، والذي حَسبَ عمرَه بعمرِ «السيَّاب» ووازنه ليرحل بعده بسنوات، ولكن بنفس عمر السياب، حيث الثامنة والثلاثون عاماً، وقد تنبأ «جرص» بموته قائلاً:
هكذا
يقسم وقته إلى قرون
ليموت في العقد الثالث
حيث العواطف عُرضة للتفتيش
والأحلام فراشاتٌ مغلَّفة
أعني مغفلة
يسهل اصطيادُها
وفعلا مات جرص وهو في نهايات العقد الثالث من عمره، في كندا، وتحديداً في «الثامنة والثلاثين»، ذلك أنّه من مواليد 1965 وتوفي في عام 2003 وبهذا يكون عمره بعمر السياب الذي توفي في الثامنة والثلاثين من عمره أيضاً.
ربما لا معنى لتقارب هذه السنوات، ولكنها تفتح شهية البحث عن أولئك الشعراء الذين عاشوا سنواتٍ قصيرة من حياتهم، ولكنهم استطاعوا أنْ يبقوا راسخين في الذاكرة، ولهم علامات دالّة في طريق الشعرية الطويل والمتعب، فمن طرفة بن العبد، إلى أبي تمام، إلى رامبو، إلى أبو القاسم الشابي، إلى السيَّاب، وما بينهم عشرات الشعراء الذين رحلوا مبكراً، إلا أنني ذكرتُ هذه الأسماء لرسوخها في التحولات الشعرية عربياً وعالمياً، وهنا نستطيع أنْ نقول إنَّ عبد الأمير جرص حاول اللحاق بهذا الركب الأبيض.
ما الذي ذكّرني بجرص وقد هاجر من العراق قبل أكثر من عشرين عاماً ليكون لاجئاً فيما بعد في كندا، ومن ثم يذهب ضحية حادثٍ تافهٍ، حيث تخونه دراجته الهوائية فيسقط منها على أرصفة كندا غريباً وحزيناً. إن ما ذكّرني بعبد الأمير جرص هو صدور الأعمال الشعرية الكاملة له، التي جمعها نجوان درويش وطبعتها دار «سطور».
لم أكن أتوقع أنَّ شعر عبد الأمير جرص سيترك في نفسي كل هذا الانفعال المحبب، ذلك أنَّ أعماله من أهم التجارب الشعرية العراقية، التي ذهبتْ مبكرة، نحو الموت، ولكنَّها ستبقى إحدى أهم التجارب المؤثرة والحية، ولا أريد أنْ أغالي وأقول: إنَّ تجربة عبد الأمير جرص في قصيدة النثر في العراق، تكاد تكون إحدى أهم التجارب العراقية ـ على جلالة قدرها وأهمية تجريبهاــ ولكن شعريته الممتلئة حرارة، والمشحونة عاطفة، والصاخبة في شوارع بغداد، والحادة كأحلام الفقراء، أكسبت شعريته هذا المزيج الهائل من الجموح والعفوية، ومن الخبرة في نفس الوقت، في أنْ يكون صانعاً ماهراً، حيث اللغة الرشيقة، والموضوعات المدهشة، والجرأة في الطرح الشعري، والأهم من ذلك هو تحوَّل الموضوعات السياسية إلى مادة شعرية طازجة، ذلك أن لغة جرص أسهمت بذوبان تلك الموضوعات، فهو أحد أكثر الشعراء المنتفضين على الوضع السياسي أيام نظام صدام حسين ولكن مهارته الشعرية لم تسمح له بأنْ يتحول إلى «هجَّاء» سياسيٍ، يشتم الأنظمة بوضوح فج، كما يفعل «أحمد مطر، أو مظفر النواب -في بعض نصوصه- السياسية الواضحة»، ولكن جرص اختلف أداؤه الشعري وسأحاول أنْ أبيّن وجه هذا الاختلاف.
أذكر قبل أكثر من 25 عاماً حيث كنَّا، ولم نبلغ بعدُ العشرين، وكان جرص يكبرنا بأكثر من 10 سنوات حيث اجتمعنا في مهرجان صغير أقامته رابطة «شعراء الكرخ» للشعراء الشباب أوائل عام 1995 وقرأنا مجموعة قصائد كان معظمها تقليدياً، بحيث يتطاير الغبار من حروفها، وحين وصل دور عبد الأمير جرص وكان آخر المشتركين، لم يقرأ أي نصٍ شعريٍّ، بل شتم الجميع، وشتم الشعر الذي قُرئ، فضحكنا في ذلك الوقت، للعصبية التي حملها، ولغيرته على الشعر، وواقعاً كان محقاً في معظم ما قاله، لأنَّ الشعر الذي قيل في ذلك الوقت، لا ينتمي إلى العصر، ولا إلى الشعر إلَّا ما ندر، بهذه الحساسية البالغة استطاع جرص أنْ يبني عالمه الشعري، ذلك العالم الذي تمكن من كتابة كل أشكاله الشعرية، فهو حين يغوص بمشروع قصيدة النثر، لم يكن غريباً على القصيدة «الكلاسيكية» بل جرَّب كتابة النصوص العمودية، ومن ثم تجاوز ذلك المشروع لينهمك في كتابة قصيدة النثر، بل إنّ عدداً من نصوصه العمودية، ما زال متداولاً بين زملائه وأصدقائه، ففي أعماله الشعرية نصٌّ سمّاه «عمودي» كأنه يخجل من تدوينه، فلم يضع له عنواناً كباقي عناوين قصائده، إذ يقول في جزءٍ منه:
أطعتُ نفسي على نفسي وأعترفُ
إنَّي معي دائماً في الرأي أختلفُ
إذ غالباً ما أرى ما لا ترى مُقَلي
ولا يرى البؤس والحرمان يكتشفُ
وقفتُ ضدَّي وكان الكل يحفر لي
فهل رأيتَ وحيداً ضدَّه يقفُ؟
فهو حتى في النصوص الموزونة والعمودية منها، على وجه التحديد، لم يكن تقليدياً إنَّما اشتغل على أسلوب المفارقة بشكل واضح، وعمل على فكرة التلاعب اللغوي بمهارة عالية، علماً بأنَّها لعبة لغوية وإنْ غلّفها بشيءٍ من الفكرة، حيث الموقف الذي تتضح فيه حيرة الشاعر في ذلك الوقت، وتردده وضياعه ووحدته التي تقف ضده في الكثير من الأحيان.
إنَّ واحدة من أهم ميزات شعر عبد الأمير جرص أنَّ له عدداً من الجمل الشعرية سارت في الأوساط الثقافية مسار الأمثال، كأنها من دون قائل، ولكننا نرددها دائماً بوصفها أمثالاً قيلت، ولم نعرف قائلها، ولكن حسنة هذه الأعمال الشعرية التي جمعت شعره، وضعت بين أيدينا تلك الجمل الشعرية التي كأنها رجعت له، ومنها على سبيل المثال:
كثيراً ما سبقني الذباب
إليك
أيتها الأيام الحلوة
ومنها على سبيل المثال في قصائد ضد الريح يقول:
وأنت منكسرٌ تجرح أكثر
أيُّها الزجاج
أذكر أنّي كنتُ أحفظ هذه المقاطع، ولكن لم أعرف قائلها، ولم يصادفني أحدٌ من أصدقاء جرص ليدلَّني عليها، ولكنّ هذه الأعمال فتحت الكثير من الأسرار -على الأقل بالنسبة لي- لهذه التجربة الغنية التي رحلت مبكرة، والتي كان متنبئاً بها قبل سنوات.
أعود إلى شعر جرص السياسي، وجزافاً أسميه «سياسياً»، لكنَّه شعر فيه منسوب عالٍ جداً من الاحتجاج، غير أنه لم يتنازل عن رهان شعرية الاحتجاج، حيث يقول في نص تشهير:
نريد من العراق الذي هو ابننا البكر
أنْ يُعيننا على الشعر
الذي يتفتح كل مساء بنا
بينما العراق نائمٌ بين أحضان
حبيبته الحرب.
ويقول في قصيدة أخرى:
نحن لم نشبع جوعاً
لم يتمكن الجوع من مفاصلنا بعد
ما زال لدينا ما نسد به ثغور الكلمات
ما زال لدينا ما نستر به أحزاننا
وهكذا نرى، أن لجرص صوتاً شعرياً محتجَّاً على الشأن السياسي، شأن الكثيرين من الشعراء في ذلك الوقت، ولكنَّه موارب بالشعرية التي يغلف بها نصوصه، ومع هذا فإنَّ هناك خيطاً متقارباً مع محمد الماغوط في بعض النصوص، وهو لا يخلو من خيط الغنائية، ومن فكرة الوطن الرومانسية، وهاتان الفكرتان تتقاطعان مع فكرة قصيدة النثر، لأن الروح فيها روح عمودية وليست روحاً حداثية، فهو يقول في «أحزان وطنية»:
مرة استيقظنا
فلم نجد الوطن
قيل لنا: لمَّ الوطن جميع حاجاته
جمعها شجرة شجرة
ونهراً نهراً
ورحل بعيداً
أوطان كثيرة لن تجد لها مكاناً
أوطان كثيرة تفكر بالهروب
من الخريطة
ولكنه يبقى صوتاً حاداً وشعرية مختلفة طازجة وجارحة في نفس الوقت، شكراً للشاعر الفلسطيني نجوان درويش الذي جمع هذه الأعمال التي ستكون مائدة متوفرة للدارسين.



مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
TT

مصر لإطلاق منصة موحدة لمتاحف الرموز الوطنية

متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)
متحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» (صفحة المتحف على فيسبوك)

أكدت وزيرة الثقافة المصرية، الدكتورة جيهان زكي، أن الوزارة بصدد تنفيذ استراتيجية متعددة الأبعاد لنشر الثقافة والوعي والفنون والاحتفاء بالرموز الوطنية وبالمبدعين المصريين في كل أنحاء العالم.

وقالت خلال لقائها، رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، الاثنين، إن من ضمن خطة الوزارة أنه سيتم إطلاق منصة موحدة لمتاحف رموز الدولة المصرية؛ للتعريف بمسيرة تلك الرموز عبر أشكال رقمية لافتة، مثل «الريلز» وغيرها من داخل تلك المتاحف، بشكل رقمي جاذب للأجيال المُستهدفة، بالإضافة إلى تنظيم رحلات للمدارس والجامعات إلى تلك المتاحف لربط الأجيال بالرموز الوطنية، والترويج لزيارتها من خلال برامج مع وزارة السياحة، وتنفيذ برامج أخرى لتسويق التراث الوطني.

ومن المتاحف التي تخص رموزاً وطنية في مجالات شتى وتابعة لوزارة الثقافة، متحف سعد زغلول «المركز الثقافي بيت الأمة» ومتحف «رامتان» منزل «عميد الأدب العربي» طه حسين، ومتحف أحمد شوقي «كرمة ابن هانئ» ومتحف محمود مختار، ومتحف أم كلثوم ومتحف محمد عبد الوهاب.

وترتكز خطة الوزارة خلال الفترة المقبلة على ثلاثة أبعاد، هي «البعد الاجتماعي» ويستهدف تحقيق العدالة الثقافية وضمان الثقافة بصفتها حقاً للجميع، ثم «البعد الوطني»، ويسعى لضمان الأمن الثقافي عبر حماية الهوية والوعي، وأخيراً «البعد الحضاري»، ويرمي إلى تمكين المبدعين ونشر الإبداع في مصر، وفق بيان لرئاسة الوزراء، الاثنين.

ويستند البعد الاجتماعي إلى إرساء مبدأ العدالة الثقافية، وأكدت الوزيرة أنه من المخطط البدء الفوري في تطوير 30 قصر ثقافة في محافظات عدة، وذلك مرحلة أولى خلال 12 شهراً، وفق خطة تستهدف رفع جودة الخدمات الثقافية المُقدمة في القصور المطورة وزيادة إقبال المواطنين عليها.

وزيرة الثقافة خلال عرض خطة عمل الوزارة بمجلس الوزراء (رئاسة مجلس الوزراء)

بينما يهدف البعد الوطني إلى إنشاء برنامج متخصص لجيلَي «زد وألفا» يجمع بين التكنولوجيا والتراث المصري عبر تطبيقات تفاعلية وألعاب تعليمية ورحلات ثقافية، مع دمج المحتوى الثقافي المصري الأصيل في مناهج التعليم الأساسي لجميع المراحل لتعريف الأجيال بهويتهم وتراثهم.

ويتخذ البعد الحضاري شعار «مصر تبدع للعالم»، ويستهدف الاحتفاء بالمبدعين المصريين في كل مجالات الفنون والثقافة في أنحاء العالم، من خلال إنشاء استوديو مصر الرقمي ليكون مركز إنتاج رقمي متكاملاً لإنتاج محتوى مصري عالي المستوى يحكي قصة مصر للعالم بلغة العصر، بالإضافة إلى إنشاء برنامج التصدير الثقافي المصري، وبناء شراكة بين متاحف مصر الفنية وعواصم العالم لعرض قطع فنية للتعريف بالفنون المصرية والمبدعين المصريين.

وعرضت وزيرة الثقافة آليات تنفيذ محاور العمل المُستهدفة، سعياً لبناء منظومة ثقافية متكاملة، مشيرة إلى أن محور «الرقمنة» يشغل اهتماماً كبيراً ضمن أجندة عمل الوزارة، حيث تعدّه عصب منظومة الثقافة المصرية، وأنه لم يعد اختياراً، حيث تستهدف «الثقافة» بناء المنصة الثقافية الموحدة منصةً واحدة تجمع كل المبادرات الثقافية المصرية، مع السعي للوصول إلى عدد أكبر من المستفيدين لتحقيق الأهداف المرجوة.


مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
TT

مسرحية «كذبة بيضا» تستعيد شريط الحرب اللبنانية

جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)
جوزيان بولس تشارك في مسرحية «كذبة بيضا» (الفنانة جوزيان بولس)

ضمن ديكورات تتنقّل مشاهدها بين ثلاثة فضاءات مختلفة، تدور أحداث مسرحية «كذبة بيضا» (Mensonge blanc)، من تأليف ألكسندر نجار، وإخراج لينا أبيض، وبطولة أنطوني توما. تتوزّع هذه الفضاءات بين منزل عائلي، وثكنة لمقاتلين في ميليشيا، وخطوط تماس تفصل بين مناطق المدينة الواحدة، لتشكّل مشهداً بصرياً درامياً يعكس انقسام الشخصيات وتقلّباتها الداخلية.

مسرحية «كذبة بيضا» على مسرح مونو (الفنانة جوزيان بولس)

يبدأ عرض المسرحية في 5 مارس (آذار) على خشبة «مونو» في بيروت، وتروي حكاية شاب لبناني أراد الالتحاق بميليشيا مسلَّحة أسوة بأصدقائه، فيقرّر أهله إرساله إلى اسكوتلندا لإبعاده عن أجواء الحرب الأهلية في السبعينات.

يوصل الأهل ابنهم إلى مطار بيروت مطمئنين إلى أنه متجه نحو بلد ينعم بالسلام، لكن الشاب يعود سريعاً لينخرط مع أصدقائه في ثكنة للمقاتلين في منطقة السوديكو، ويخوض تجربة قاسية تستمر 6 أشهر تترك أثرها في مسيرته الحياتية.

وتوضح المخرجة لينا أبيض لـ«الشرق الأوسط» أن القصة حقيقية وصلت إلى مسامع المؤلف ألكسندر نجار، فتأثر بها وكتبها، مشيرة إلى أن الوجهة الأصلية للشاب كانت رومانيا، ومنها ولدت فكرة العمل في استعادة لحقبة عاشها اللبنانيون.

تدور المسرحية في حقبة الحرب الأهلية في السبعينات (الفنانة جوزيان بولس)

يشارك في المسرحية، إلى جانب أنطوني توما، 9 ممثلين منهم جو أبي عاد، وجلال الشعر، وغاييل عايلة، وجاك مارون، وعلي بليبل، وجوزيان بولس. وتُقدَّم باللغتين العربية والفرنسية، في انعكاس لأسلوب اللبنانيين في المزج بينهما، مع ترجمة متبادلة للحوار تُعرض على شاشة عملاقة أثناء العرض.

وعن سبب التسمية، تشرح لينا أن الشاب حين عاد إلى بيروت مخالفاً قرار أهله، بدأ يتساءل إن كان قد ارتكب خطأً وكذب عليهم، قبل أن تصف ممرضة فرنسية في الثكنة ما فعله بأنه «كذبة بيضاء»، وهو ما يفتح باباً لصراع داخلي وأسئلة وجودية.

تحمل المسرحية أبعاداً سياسية واجتماعية وفلسفية، وتطرح موضوع العلاقة بين الأهل والأبناء وفرض القرارات عليهم. وتستطرد لينا أبيض قائلة: «كان الشاب يحلم باحتراف الغناء، بينما أراد والده له مساراً مهنياً مختلفاً، رافضاً دخوله المجال الفني». وتشير لينا إلى أن العمل، رغم استعادته أحداث منتصف السبعينات، فإنه يعكس واقعاً لا تزال آثاره حاضرة اليوم، حيث تستمر التعقيدات السياسية وتبعات الحرب في حياة اللبنانيين.

وتؤكد أن الفكرة الأساسية تتمحور حول العلاقة بين الأجيال، وكيف يرث الأبناء أفكار ذويهم من دون مساحة كافية للاختيار أو الاعتراض، في دوامة تتكرر من جيل إلى آخر.

يتضمن العرض عناصر فنية متعددة، بينها الغناء، والموسيقى، وديكورات ذات حضور بصري لافت، إذ يؤدي أنطوني توما عدداً من الأغنيات، محققاً رمزياً حلم الشخصية التي حُرمت من ممارسة شغفها الفني.

الفنان أنطوني توما بطل العمل (الفنانة جوزيان بولس)

وترى لينا أن كل مشاهد سيتلقى العمل من زاويته الخاصة؛ فقد يدرك الأهل أخطاءهم، بينما يكتشف الشباب أهمية اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، مؤكدة أن المسرحية تسعى إلى تعزيز التفاهم بين الأجيال من دون إصدار أحكام أو توجيه نقد مباشر.

كما يضم العمل ممثلين من أعمار مختلفة، من العشرينات حتى الستينات، لتقديم نماذج تمثِّل أجيالاً متعددة، مما يضفي على العرض نضجاً فنياً وإنسانياً. ويستغرق عرض المسرحية نحو ساعة، وهي، بحسب مخرجتها، «مسلية وفلسفية في آن واحد».


وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
TT

وفاء عامر: «الست موناليزا» يسلط الضوء على قضايا مسكوت عنها

الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)
الفنانة وفاء عامر (صفحتها على «فيسبوك»)

قالت الممثلة المصرية وفاء عامر، إن مسلسل «الست موناليزا» منذ حلقاته الأولى لم يكن يعتمد على الصدمات السريعة أو المفاجآت، بقدر ما كان يبني توتره بهدوء وثقة، عبر تفاصيل صغيرة تتراكم تدريجياً حتى تصل إلى لحظة فارقة تغيّر مسار الحكاية بالكامل، مؤكدة أن هذا النفس الدرامي الطويل هو ما جذبها إلى العمل وجعلها تتحمس للمشاركة فيه؛ لأنها شعرت بأن النص يراهن على وعي المشاهد وصبره، وليس على إبهاره اللحظي فقط.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن التحولات التي شهدتها شخصية «عفاف» في الحلقات التي أُذيعت لم تكن انقلاباً مفاجئاً أو تغييراً مصطنعاً لخلق الإثارة، بل نتيجة طبيعية لمسار درامي محسوب بدقة شديدة، موضحة أنها حين قرأت السيناريو أدركت أن الشخصية ستسير في هذا الاتجاه، حتى وإن ظهر في البداية أنها امرأة بسيطة، حنونة، قريبة من الجميع، تحمل ملامح الطيبة والتلقائية.

وأشارت إلى أن هذا الهدوء الظاهري كان يخفي خلفه طبقات أعمق، وأن «عفاف» منذ ظهورها الأول كانت تحمل بذور تحوّلها، لكن هذه البذور احتاجت وقتاً كي تنبت أمام أعين الجمهور، وهو ما حدث في أحدث الحلقات.

ويدور العمل حول شخصية «موناليزا» التي تجسدها مي عمر، والتي تعاني من زواج فاشل مرتبط بشروط صعبة، وتمر بسلسلة من المواقف المعقدة مع شخصيات متنوعة في محيط العائلة والأصدقاء، وبعد الانفصال تحاول إعادة بناء ذاتها.

وتتوقف وفاء عند فكرة أن «الدراما لا تقدم أسوأ ما في المجتمع» كما يظن البعض، بل تسلط الضوء على مناطق مسكوت عنها، معتبرة أن وظيفة الفن هي التنبيه، لا الإدانة فقط. فحين تعرض الدراما بوادر أزمة أو أعراض خلل نفسي أو اجتماعي، فإنها تمنح المشاهد فرصة للفهم والانتباه، وربما التصحيح.

راهنت وفاء عامر على تأثير دورها في الأحداث (صفحتها على «فيسبوك»)

وتؤكد أن شخصية «عفاف» تنتمي إلى هذا النوع من الشخصيات المركبة، التي تحمل داخلها صراعات لا يراها المحيطون بها بسهولة، لافتة إلى أنها تناقشت مع المؤلف والمخرج في الكثير من التفاصيل حول خلفياتها وطريقة التعامل معها.

وأوضحت أن أكثر ما أسعدها بعد عرض الحلقات هو أن عدداً كبيراً من المشاهدين عادوا إلى الحلقات الأولى ليتأملوا التفاصيل من جديد، فاكتشفوا أن الإشارات كانت موجودة منذ البداية، سواء في نظرة عابرة، أو جملة قصيرة بدت عادية في سياقها، لكنها حملت دلالة مختلفة بعد اكتمال الصورة.

وأكدت أن تعاونها مع المؤلف محمد سيد بشير كان سبباً أساسياً في حماسها للتجربة؛ لكونه كاتباً يؤمن بالشخصيات التي لا تُختصر في صفة واحدة، ولا يُحكم عليها من مشهد أو موقف، لافتة إلى أنه يجيد توزيع المفاجآت على امتداد الحلقات، بحيث لا يشعر المشاهد بقطيعة مفاجئة في تطور الشخصية.

أما عن تعاونها مع مي عمر، فأكدت أنها وجدت فيها ممثلة مجتهدة تحب عملها بصدق وتسعى دائماً إلى تطوير أدواتها، لافتة إلى أنها تواصلت معها فور قراءة السيناريو لتعبّر عن إعجابها بالشخصية التي تقدمها، وشعورها بأنها تناسبها للغاية، مشيرة إلى أن العلاقة بينهما على المستوى الإنساني انعكست بشكل واضح على الشاشة.

وقالت إن «الكيمياء بين الممثلين لا تُصنع فقط أمام الكاميرا، بل تبدأ من الاحترام المتبادل والثقة، وهو ما شعرت به منذ الأيام الأولى للتصوير»، معتبرة أن هذا التفاهم ساعدهما على تقديم مشاهد تعتمد على شدّ نفسي وتوتر داخلي أكثر من اعتمادها على المواجهات الصريحة.

وعلّقت على ما يُثار أحياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن مي عمر، معتبرة أن «الجدل في حد ذاته دليل حضور وتأثير، وأن الفنان الذي لا يُثار حوله نقاش قد يكون بعيداً عن دائرة الضوء، في حين أن الجدل يعكس اهتمام الجمهور وترقبه، لكن الأهم في النهاية هو الاستمرار في العمل والاجتهاد وتقديم اختيارات متنوعة»، ومؤكدة أنها على المستوى الشخصي تحب متابعة أعمال مي عمر وتشاهدها كممثلة قبل أن تكون زميلة.

وفاء عامر تحدثت عن دورها في «الست موناليزا» (صفحتها على «فيسبوك»)

وتطرقت وفاء عامر إلى فكرة التنقل بين البطولة المطلقة والأدوار الرئيسية داخل الأعمال الفنية، معتبرة أن هذا الأمر بالنسبة لها مرتبط بالاختيارات الفنية وليس بحسابات المساحة أو عدد المشاهد.

وقالت: «لا أنظر إلى حجم الدور بقدر ما أنظر إلى تأثيره في البناء الكلي للعمل»، مشيرة إلى أن الشخصية التي تُحدث تحولاً في مسار الحكاية قد تكون أكثر أهمية من شخصية حاضرة في كل المشاهد بلا تأثير حقيقي.

وأشارت إلى أن هذا المفهوم يتجلى بوضوح في «الست موناليزا»؛ فشخصية «عفاف» رغم أنها ليست محور الحكاية الوحيد، فإن وجودها كان عنصراً مفصلياً في تغيير مسار العلاقات والصراعات بين الشخصيات. فبمجرد انكشاف دوافعها الحقيقية، أعادت ترتيب موازين القوى داخل العمل، ودفعت شخصيات أخرى إلى اتخاذ قرارات مصيرية، وهو ما تعتبره جوهر البطولة من وجهة نظرها.

وأضافت أن الفنان الحقيقي يجب أن يملك شجاعة التنقل بين المساحات المختلفة؛ لأن البطولة في رأيها ليست لقباً ثابتاً يُعلّق على «الأفيش»، بل حالة درامية تتحقق حين تكون الشخصية مكتوبة بعمق ومؤثرة في مجرى الأحداث. وأكدت أن هذا الوعي بات يحكم اختياراتها في السنوات الأخيرة؛ إذ تسعى إلى أدوار تضيف إلى رصيدها مناطق جديدة وتكشف جوانب لم تقدمها من قبل، بدلاً من تكرار أنماط نجحت سابقاً، لكنها لم تعد تشبع طموحها الفني.

وفي الختام عدّت وفاء عامر مسلسل «الست موناليزا» تجربة تعتز بها، ليس فقط بسبب ردود الفعل الإيجابية التي تلقتها؛ بل لأن شخصية «عفاف» منحتها مساحة تمثيلية ثرية، جمعت بين الهدوء الظاهري والعاصفة الداخلية.