لماذا لم أغادر الصين خلال فترة انتشار «كوفيد ـ19»؟

لماذا لم أغادر الصين خلال فترة انتشار «كوفيد ـ19»؟
TT

لماذا لم أغادر الصين خلال فترة انتشار «كوفيد ـ19»؟

لماذا لم أغادر الصين خلال فترة انتشار «كوفيد ـ19»؟

أُقيم في الصين منذ ما يزيد على 25 عاماً. وقد مرت على الصين خلال هذه الفترة كوارث طبيعية وأزمات مختلفة، لكن أياً منها لم يسبق له أن تسبب في نشر الخوف والذعر مثلما فعل فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)؛ إنه بمثابة كابوس مرعب هجم على البشرية على حين غرّة. وقد دخلت الصين بكاملها في عملية أكبر حجر صحي في تاريخ البشرية، وتحولت بين عشية وضحاها إلى مدن أشباح تواجه كابوساً مريباً يجيد فن التحول والتغيير والانتشار، ولا يزال بلا دواء ولا علاج.
كانت بداية عطلة عيد الربيع الصيني 2020 (السنة القمرية الصينية)، والجميع مهيئ لقضاء أسبوع ذهبي مع عائلته، عندما نزل علينا الخبر كالصاعقة: ظهور فيروس غير معروف في منطقة ووهان الصينية. ووهان مدينة بعيدة عن بكين، لكن المقيم في الصين لسنوات يعرف أن الصين تشهد أكبر موجة انتقال بين المدن، لما يحمله العيد من عادات وتقاليد، ووجوب لمّ الشمل.

- ارتباك أولي
كانت أول إصابة تم اكتشافها بهذا الفيروس بمدينة ووهان في بداية شهر ديسمبر (كانون الأول) 2019. وبسبب الإهمال، وقلة المسؤولية عند بعضهم، تأخر نشر المعلومات الخاصة بانتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) لأكثر من شهر. لكن تصريح منظمة الصحة العالمية، يوم 14 يناير (كانون الثاني) 2020، عن عدم التأكد من أن الفيروس ينتقل بين الناس، أعاد الأمل، واستمرت التحضيرات وبهجة عيد الربيع، والانتقال الكبير للناس، محلياً ودولياً، لتعود النكسة مع تصريح واضح شفاف للرئيس الصيني شي جينبينغ يوم 25 يناير (كانون الثاني)، قال فيه إن الصين تواجه حرباً ضد فيروس غير معروف، وتم إغلاق مدينة ووهان، وطلب من الجميع البقاء في البيت، من العمال والموظفين، وتعليق الدروس إلى يومنا هذا.
الصين هي ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتمتلك جيوشاً من الأطباء والممرضين وإمكانات هائلة، وما إذا كان لديها القدرة على مواجهة الوباء وكبح انتشاره لم يكن واضحاً في البداية. لكن، ما كان واضحاً بالنسبة لي في ذلك الوقت هو ذكريات انتشار فيروس «سارس» في الصين عام 2003، رغم أن مقدار الخوف والذعر الذي أثاره فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) أكبر بكثير من مقدار الذعر الذي أثاره فيروس سارس.
قد يكون السبب الرئيسي هو الدور الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة التي لم تكن موجودة بالكثافة والتطور ذاتهما خلال فترة انتشار سارس، حيث تساهم هذه الوسائل إلى حد كبير في النشر السريع للأخبار، الصحيح منها والكاذب، المشكك منها والمُهول، وقد يكون هذا أحد الأسباب أيضاً التي جعلت تحذيرات الطبيب الصيني لي مينغ ليانغ من سهولة العدوى بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، سبباً لاتهامه بنشر الإشاعات، ليتحول بعد ذلك إلى قضية رأي عام، وترسل الحكومة المركزية فريق تحقيق إلى ووهان للتحقيق في القضية، وبعدها الاعتذار لعائلته التي فقدته بسبب عدوى فيروس كورونا.
بعد تأزم الوضع، والانتشار السريع للفيروس، قامت الحكومة الصينية بإجراءات صارمة جداً لتنفيذ أكبر وأصعب عملية حجر صحي في عموم الصين. ومثلما تعودنا من الشعب الصيني، من الانضباط والالتزام بتعليمات حكومة دولته، تفاعل الأخير بشكل أبهر العالم. وبكل هدوء وصمت، تكاثفت الجهود بين الحكومة والشعب بطرق منهجية ومخططة، ووقف كل واحد في موقع يناسبه في ساحة معركة عنيفة ضد عدو غريب لا يرى بالعين المجردة، واثقين بأن المعركة لن تطول، وأن الفوز قريب. واصطفّ العلماء والباحثون صفاً واحداً أمام هذا الفيروس لاكتشاف اللقاح والدواء، وإطلاق المرحلة الأولى من التجارب السريرية للقاح، حيث تم تطعيم الدفعة الأولى من المتطوعين، كما تم دمج الطب الصيني التقليدي والغربي للقدرة على كسب المعركة ضد الفيروس.

- 5 ضوابط للحرب على الوباء
في الواقع، للصين ثقافتها في الحرب، والحرب بالنسبة للصين فن يحكمه ضوابط خمسة: القانون الأخلاقي، والسماء، والأرض، والقائد، والطرق والنظم المستحدثة. وفي كتابه «فن الحرب»، يعد الكاتب سون تزو الأخلاق هي ما يدفع الجنود لاتباع أوامر القائد، ومواجهة المخاطر دون خوف، وهذا ما حدث خلال حرب الصين على فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19). فقد اصطف الشعب الصيني وراء القائد، وحاربوا دون خوف، مع الوضع في الحسبان أوقات تنفيذ الخطط والإجراءات، لأن تحديد الوقت المناسب يساعد بلا شك في ميدان المعركة التي يجب دراستها قبل دخول أي حرب. كما يركز فن الحرب في الصين على الطرق والنظم المستحدثة، ومنها التدريب وتنظيم المحاربين وتقسيمهم في الأماكن المناسبة. كل هذه الخطط ساهمت في الحد من التفشي السريع لفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) في الصين.
صحيح أن الصين ثاني اقتصاد في العالم، لكن هذا لا يعني الاستغناء عن دور الشعب في الداخل والخارج في أداء دورهم في هذه الحرب، حيث تجند كثير من الصينيين في الداخل للتطوع الذاتي، وتنقل الأطباء من كل أنحاء الصين إلى ووهان لمكافحة الفيروس، وفي الخارج لجمع وشراء المستلزمات الطبية، خاصة الكمامات، وإرسالها إلى الصين يومياً، حيث لم نشهد نقصاً ملحوظاً في الكمامات ولا في المعقمات طيلة فترة تفشي الفيروس. كما لم نشهد زيادة فاضحة في سعرها بعد تدخل الحكومة، وفرض عقوبات صارمة على كل من يتلاعب بأسعار المستلزمات الطبية.

- تكنولوجيا في خدمة البشرية
لم يكن متوقعاً في البداية أن فترة الحجر الصحي ستطول مدتها، لكن مع استمرار الحجر الصحي، وزيادة تفشي الفيروس، بدأ الصراع مع التطوير الرقمي، وبروز تقنيات وبرمجيات مبتكرة للمساعدة على العمل والدراسة عن بعد. كما ظهرت بقوة طائرات المراقبة ذاتية القيادة، والرجل الآلي في المستشفيات، لتفادي نقل العدوى، وبرنامج تشخيص المصابين، حيث قام خبراء طبيون مشهورون من جميع أنحاء الصين باستشارة ومراقبة المرضى من خلال تقنية الجيل الخامس (5G)، ومنصات المحلات الإلكترونية التي بقيت على رأس العمل لإيصال المستلزمات اليومية للناس، وتكنولوجيا الدفع بالهاتف بتطبيق «ويتشات» لتفادي استعمال المال باليد مباشرة، لأنها كانت أحد الأسباب الرئيسية في الانتشار السريع لفيروس «سارس» سابقاً، وغيرها من البرامج الأخرى التي تساعد الناس على التخفيف من متاعب الحجر الصحي. كما قام العاملون في صناعة الطيران المدني بالصين بتوظيف التكنولوجيا الرقمية لتصنيع مقاتلات في تطوير آلات إنتاج كمامات أوتوماتيكية كاملة.
ورغم الخسائر الكبيرة التي ستنتج عن انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، وتداعياته على الاقتصاد، داخلياً وخارجياً، فإن السوق الصينية الداخلية واسعة للغاية. وقد قال البنك الدولي إن السلطات الصينية لديها مساحة للسياسة العامة للاستجابة، وقد أعلنت عن ضخ كميات كبيرة من السيولة، الأمر الذي من شأنه أن يساعد في تخفيف التكاليف التي سيتكبدها النمو الاقتصادي. كما ساهم الحجر الصحي في تعزيز «الاقتصاد الرقمي»، حيث أشارت دراسة نشرها مركز الأبحاث لتحليل المعلومات بجامعة الشعب الصينية، في أوائل مارس (آذار) الماضي، إلى أن العمل عبر الإنترنت قد يشكل بيئة عمل جديدة في العالم. وقد انضم أكثر من 100 مليار من الشركات والمؤسسات إلى منصة «دينغ دونغ» و«علي بابا»، ونحو 200 مليون شخص يعملون عبر منصتها، فيما يستخدمها 3.5 مليون معلم، و120 مليون طالب، منذ بداية فبراير (شباط) الماضي.
إذن، فإن اختياري عدم مغادرة الصين نابع من ثقتي بأن أكون أكثر أماناً وأكثر هدوءاً واستقراراً، حيث يقيم كل فرد في المنزل تقريباً، وكل واحد يعزل نفسه عن وعي. وقد اختارت الحكومة الصينية أن تضحي باقتصادها فترة زمنية من أجل الإنسانية، ودفعت مئات المليارات من التكاليف الاقتصادية، وعملت على خلق اقتصادات جديدة تُوائم الوضع لتساعد الناس على الاستمرار في الحياة الطبيعية، وتخلق مواطن رزق لبعضهم.
الليونة في النظام السياسي الصيني في التعاطي مع الأزمات يخلق نوعاً من الثقة بينه وبين الشعب الذي لم نسمعه يتذمر، وإنما احترم إجراءات الحكومة، مما ساهم في السيطرة على فيروس كورونا المستجد في وقت يُعد قياسياً، وبخسائر أقل.
- إعلامية باحثة في الشؤون الصينية


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
TT

مقتل 129 صحافياً في 2025 معظمهم بنيران إسرائيلية

سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)
سترات واقية من الرصاص وكاميرات على جثث صحافيين قُتلوا في غزة (رويترز)

قالت لجنة حماية الصحافيين، الأربعاء، إن 129 من الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام قُتلوا خلال أداء عملهم، العام الماضي، وإن ثلثي القتلى سقطوا بنيران إسرائيلية.

وأضافت اللجنة، في تقريرها السنوي، أن 2025 كان العام الثاني على التوالي الذي يشهد عدداً قياسياً مرتفعاً من القتلى الصحافيين، والثاني على التوالي أيضاً الذي تتحمل فيه إسرائيل مسؤولية مقتل ثلثيهم. واللجنة منظمة مستقلة، مقرها نيويورك، توثق الهجمات على الصحافيين، حسبما أفادت به وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت اللجنة إن نيران إسرائيل أودت بحياة 86 صحافياً في 2025، معظمهم من الفلسطينيين في قطاع غزة. وأضافت أن 31 آخرين من العاملين قُتلوا في هجوم على مركز إعلامي لجماعة الحوثيين في اليمن، فيما مثل ثاني أكثر الهجمات إزهاقاً للأرواح التي سجّلتها اللجنة على الإطلاق.

وكانت إسرائيل أيضاً مسؤولة عن 81 في المائة من 47 حالة قتل صنّفتها لجنة حماية الصحافيين على أنها استهداف متعمّد أو «قتل». وأضافت اللجنة أن الرقم الفعلي ربما يكون أعلى من ذلك، بسبب قيود الوصول التي جعلت التحقق صعباً في غزة.

ولم يرد الجيش الإسرائيلي على طلب للتعليق. وسبق له القول إن قواته في غزة تستهدف المسلحين فقط، لكن العمل في مناطق القتال ينطوي على مخاطر كامنة. واعترفت إسرائيل باستهداف المركز الإعلامي باليمن، في سبتمبر (أيلول)، واصفة إياه في ذلك الوقت بأنه ذراع دعائية للحوثيين.


أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
TT

أستراليا تطلب من أسر دبلوماسييها مغادرة إسرائيل ولبنان

مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)
مبانٍ متضررة بسبب القصف الإسرائيلي على جنوب لبنان (رويترز)

قالت وزارة الخارجية الأسترالية، اليوم الأربعاء، إنها طلبت من أسر الدبلوماسيين الأستراليين في إسرائيل ولبنان مغادرة البلدين، مشيرة إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، قالت «الخارجية الأسترالية» إن «الحكومة توصي مواطنيها في لبنان وإسرائيل بدراسة المغادرة في ظل الخيارات التجارية المتاحة»، مشيرة إلى أن الحكومة عرضت أيضاً «مغادرة طوعية لأفراد عائلات مسؤوليها العاملين في الأردن وقطر والإمارات».

وتلقّى لبنان تحذيرات من أن تشنّ إسرائيل الحليفة للولايات المتحدة، ضربات تستهدف بنيته التحتية في حال التصعيد بين طهران وواشنطن وتدخل «حزب الله» لمساندة داعمته إيران، بحسب ما قال وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي، الثلاثاء.

وصعّدت الدولة العبرية أخيراً من وتيرة ضرباتها التي تستهدف «حزب الله» في لبنان، رغم وقف إطلاق النار الذي يسري بينهما منذ أكثر من عام، وأعقب حرباً مدمّرة تكبّد فيها الحزب خسائر باهظة على صعيد الترسانة والهيكلية القيادية.

وفي وقت تعزز الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط، حذّرت إيران من أنها ستردّ «بقوة» على أي هجوم عليها، وأن اعتداء من هذا النوع قد يؤدي إلى «حرب إقليمية».

وقال رجّي، الثلاثاء، لوسائل إعلام في جنيف: «هناك مؤشرات على أن الإسرائيليين قد يضربون بقوة في حال التصعيد، بما في ذلك ضربات محتملة على بنى تحتية استراتيجية مثل المطار».

وجدد رجي موقف السلطات اللبنانية الذي أعرب عنه رئيس الوزراء نواف سلام بأن «هذه الحرب لا تعنينا»، في إشارة لمواجهة أميركية إيرانية محتملة.


الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
TT

الفلتان «النووي» في ظلّ التحولات الجيوسياسيّة

صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)
صاروخ ترايدنت (2 دي 5) القادر على حمل رأس نووي يجري إطلاقه تجريبياً من غواصة صواريخ باليستية أميركية عام 2018 (أرشيفية - رويترز)

ألقى الرئيس الأميركي الراحل، دوايت أيزنهاور، في عام 1953 خطاباً مهماً في الأمم المتحدة بعنوان: «الذرّة من أجل السلام». اقترح أيزنهاور التخلّي عن السلاح النووي، وتحويل الطاقة النووية لخدمة السلام والبشرية. لم تترجَم هذه المبادرة على أرض الواقع. ففي عام 1962، وخلال الأزمة الكوبيّة بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي، عايش العالم ولمدة 13 يوماً، شبح إمكانيّة القضاء على البشريّة بأكملها.

غيّرت الأزمة الكوبيّة ديناميكيّة امتلاك وضبط السلاح النوويّ. وعليه، كان لا بد من خلق إطار مُتفق عليه بين الجانبين لتجنّب الحسابات الخاطئة، وذلك عبر التواصل المستمرّ، كما خلق آليّات مراقبة وتحقّق. لم تلغِ الأزمة الكوبيّة سباق التسلّح النوويّ. لكنها في الحدّ الأدنى نظّمت هذا السباق.

تفجير نووي تجريبي أميركي في صحراء نيفادا (أ.ب)

أظهرت الأزمة الكوبية بشكل فاضح هشاشة الردع النوويّ. وكي لا تُترك الأمور على غاربها، أفرزت الأزمة الكوبيّة الأمور التالية: الخط الساخن بين العملاقين، ومعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النوويّة (1963)، ومعاهدة عدم انتشار السلاح النوويّ (1968)، ومعاهدتي سالت (SALT) وستارت (START) لاحقاً. وعليه، قد يمكن استنتاج بعض سلوكيات (نمطيّات) القوى العظمى فيما خصّ السلاح النوويّ أو غيره من المخاطر على العالم، وعلى أمنها القوميّ في الوقت نفسه، وهي: لا تتّفق القوى العظمى بعضها مع بعض على تنظيم قطاع ما مؤثّر في عناصر القوة الخاصة بها (Elements of Power)، إلا بعد أن يبدأ هذا القطاع بتشكيل خطر مباشر على أمنهم القومي. حصل هذا الأمر مع النووي، وقد يحصل مستقبلاً مع غزوة الذكاء الاصطناعي الخطيرة لكل مَرافق الحياة ضمن الصراع الجيوسياسيّ؛ وإذا تفرّدت القوى العظمى بامتلاك سلاح مؤثّر يُغيّر موازين القوى لصالحها، فهي تمنع الآخرين من الحصول عليه. وإذا حصل عليه الآخرون فهي تحاول منع انتشاره إلى دائرة أوسع، إنْ عبر الردع أو الضبط بواسطة المعاهدات (Treaties). من هنا الحجم الصغير للنادي النوويّ في العالم حالياً، والمُرشح إلى مزيد من التوسّع في ظلّ تداعي النظام العالمي القديم وضوابطه... ألَا تندرج الأزمة الحالية مع إيران ضمن هذا الإطار؟

في التجربة النووية الصينيّة الأخيرة 2020، تتّهم الولايات المتحدة الأميركية الصين بأنها أجْرت في عام 2020 تجربة نووية شمال غربي الصين. لكن لماذا الاتهام اليوم وبعد 6 سنوات؟ هذا مع العلم أن آخر تجربة نوويّة قامت بها الصين، تعود إلى عام 1964.

غواصة نووية أميركية من طراز «أوهايو» لدى توقفها في أحد مرافئ أستراليا 30 يوليو 2025 (إ.ب.أ)

كما تتّهم أميركا الصين بأنها تُحدّث ترسانتها، وتسعى للحصول على أسلحة نووية من الجيل الحديث، ومنها السلاح التكتيكي. فكيف يُحلَّل هذا الوضع في ظلّ التحولات الجيوسياسية في عالم اليوم؟

تمنع معاهدة «الحظر الشامل للتجارب النوويّة» (1996) القيام بأي تفجير نووي، لغرض عسكري أو سلميّ. وقد وقّعت كل من أميركا والصين على هذه المعاهدة، لكنهما لم يُصدّقا عليها كما تتطلّب الأصول القانونيّة كي تصبح نافذة. وبهدف المراقبة والضبط للتجارب النوويّة، أفرزت المعاهدة نظام مراقبة (NDDS) يَستخدم تقنيات متعددة: زلزالية، وصوتية مائية وغيرها، والهدف هو المراقبة والإبلاغ عن أي خرق للمعاهدة، وذلك عبر منظومة مجسّات موزّعة عبر العالم، وفي 337 موقعاً. تجمع هذه المجسات الداتا اللازمة في حال توفّرها، وترسلها إلى المركز الأساسي في فيينا للتحليل وتوزيع الخلاصة على الدول الموقِّعة على المعاهدة.

يختلف الخبراء حول إجراء الصين هذه التجربة. والأغلب أنه لا يمكن نفي، أو تأكيد المعلومة. لكن لماذا؟ لم تُرصد التجربة إلا من مركز واحد موجود في كازاحستان (PS23) وعلى الحدود مع الصين. رصد هذا المركز هزة أرضية بقوة 2.75 على مقياس ريختر وعلى مسافة 720 كيلومتراً داخل الأراضي الصينيّة، وهي هزّة خفيفة، اللهم إلا إذا كانت الصين تملك التكنولوجيا الحديثة لإجراء التجربة النووية وتخطّي نظام الرصد.

تحتل الولايات المتحدة المرتبة الأولى في عدد التجارب النوويّة بـ1121 تجربة، تليها روسيا بـ981 تجربة. أما الصين فتحتلّ المركز الخامس بـ48 تجربة فقط.

تملك الصين حالياً، وحسب بعض المصادر، نحو 600 رأس نوويّ. وهي تأتي في الترتيب بعد كلٍّ من روسيا والولايات المتحدة الأميركيّة، لكنها تعد الأسرع في تصنيع الرؤوس النوويّة وذلك بمعدّل 100 رأس سنويّاً. والهدف هو الوصول إلى امتلاك 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.

في التحوّل الصيني الجيوسياسيّ

يعود الفكر النووي الصيني، مثل مشروع امتلاك السلاح النووي، إلى الزعيم الراحل ماو تسي تونغ، الذي عدّ ذلك ضرورة للأمن القومي الصيني، والهدف كان الردع. وعليه، أطلق مشروع ما يُسمّى «قنبلتان وقمر اصطناعي واحد». قنبلة ذريّة، وأخرى هيدروجينيّة. كما القدرات الصاروخيّة-الفضائيّة. فكان أوّل اختبار نووي عام 1964. وفي هذا الإطار، ارتكزت العقيدة النوويّة الصينيّة على الأعمدة التالية: السلاح النووي لا يستخدم إلا للدفاع عن النفس وبعد الهجوم النووي عليها؛ ولن تسعى الصين إلى إلا التكافؤ (Parity) مع كل من روسيا وأميركا في عدد الرؤوس النوويّة، بل أن تتجاوز الضربة الأولى، مع القدرة على الردّ بعدها. وكي تُحقّق الصين مستوى ردعيّاً نوويّاً موثوقاً، عملت على تأمين «ثالوث الإطلاق»، (Triad) عبر البرّ والبحر كما الجوّ.

صواريخ «دي إف 5 سي» النووية الصينية خلال عرض عسكري في بكين 3 سبتمبر 2025 (رويترز)

في التسريع إلى الوضع الجيوسياسي الحالي

تغيّرت صين الرئيس تشي جيبينغ عن صين المؤسس ماو تسي تونغ. هي الآن تريد الخروج من قرن الذلّ، للتربّع على المرتبة الأولى عالمياّ وفي كل الأبعاد. تريد الصين الحالية استعادة جزيرة تايوان تحت مبدأ «دولة واحدة بنظامين». يؤمن الرئيس تشي بأن أحد أهمّ مقاييس القوة للدولة العظمى، وفي الظرف الحالي، هو عدد الصواريخ النوويّة التي تملكها هذه الدولة. وعليه، وبعد سقوط كل الضوابط والمعاهدات المتعلّقة بتنظيم وإدارة السلاح النووي، كان آخرها معاهدة (نيو-ستارت) التي انتهى مفعولها في 5 فبراير (شباط) 2026، تحرّرت الصين من أي ضوابط قانونيّة، فهي لا تملك آلاف الرؤوس كي تنضوي في النادي الأميركي-الروسي، حتى ولو طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب منها ذلك، لكنها تملك أكثر ممن هم في الترتيب الاخير للائحة الأعضاء في النادي النووي العالمي.

بكلام آخر يريد الرئيس تشي مزاوجة القوة الاقتصاديّة (ثاني اقتصاد بعد أميركا) والبشرية والإنتاجيّة، كما التحكّم بسلاسل التوريد في كثير من القطاعات، مع مستوى نووي متقدّم. كما يريد رسم منطقة نفوذ في محيطه المباشر. من هنا الحديث عن السلاح النووي التكتيكي. فلماذا يحق للرئيس ترمب العودة إلى عقيدة مونرو (1823)، ولا يحق لتشي إطلاق عقيدة صينية جديدة؟ لكن الأكيد، أن الرئيس تشي، وبعد مراقبة الحرب الروسية-الأوكرانية وأخذ الدروس منها، استنتج أن كميّة (كما تنوّع) الرؤؤس النووية مهمة لتحقيق الأهداف الجيوسياسيّة. كما أن استعمال الردع النووي (الاستراتيجي، التكتيكي)، والتهديد بالاستعمال كما يفعل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، هو عامل مهم لحماية الحرب التقليديّة (Conventional War). فهل تنطبق هذه المقولة على عملية استرداد تايوان؟

صواريخ باليستية قادرة على حمل رؤوس نووية خلال عرض عسكري في موسكو (أرشيفية - رويترز)

في السلوك المُضاد للصين وروسيا

ترتكز المعضلة الأمنيّة (Security Dilemma) على ديناميكيّة خاصة بها لا يمكن ضبطها عادةً. فإذا حصلت الصين على قوة إضافية، فهذا يعني أنها تهدّد أمن الدول المجاورة. لذلك تسعى الدول المجاورة إلى أمرين مهمّين هما: التحالف للتعويض (Ganging up) أو السعي إلى الحصول على سلاح يُعوّض النقص ويُعيد التوازن. فهل ستسعى اليابان إلى السلاح النوويّ وهي قادرة، خصوصاً بعد التقارب بين الصين وروسيا، ورعايتهما لكوريا الشمالية؟ وهل ستسعى كوريا الجنوبيّة إلى امتلاك السلاح النووي وهي قادرة، وهي المُطوّقة بثلاث دول نوويّة معادية (الصين، وكوريا الشمالية، وروسيا)؟

في المقلب الآخر الأوروبيّ، هل ستسعى ألمانيا إلى امتلاك السلاح النوويّ، وهي قادرة تكنولوجياً، وذلك في ظل التحوّل الأميركيّ؟ هل ستسعى بولندا للسلاح النوويّ؟ هل يكفي السلاح النووي الفرنسي - الإنجليزي لخلق مظلّة نوويّة لحلف «الناتو» في حال غياب المظلّة النوويّة الأميركيّة؟

في الختام، يعيش العالم مرحلة انتقالية بين نظام عالمي هش لم يعد يتناسب مع التحوّلات الكبرى، ونظام مُرتقب لم يتشكّل بعد. وفي ظل غياب كامل للشرطي العالمي بعد تراجع «العم سام» عن هذه الوظيفة. يبدو أن السلاح المُضاعف للقوّة (Force Multiplier) إن كان بالنسبة إلى القوى الإقليمية الكبرى، كما للقوى الصغرى، يتمثّل جليّاً في السعي إلى امتلاك السلاح النوويّ.

Your Premium trial has ended