إيطاليا وإسبانيا في عين عاصفة «كورونا»

بعد انتقال بؤرة الإصابات من آسيا إلى أوروبا وأميركا الشمالية

إيطاليا وإسبانيا في عين عاصفة «كورونا»
TT

إيطاليا وإسبانيا في عين عاصفة «كورونا»

إيطاليا وإسبانيا في عين عاصفة «كورونا»

في منتصف شهر سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، صدر عن منظمة الأمم المتحدة، بالتعاون مع قسم الدراسات الاستراتيجية في البنك الدولي، تقرير يحذّر من مخاطر جائحة عالمية يمكن أن تودي بحياة عدد كبير من البشر، وتقوّض دعائم الاقتصاد، وتؤدي إلى أجواء من الفوضى الاجتماعية لم يشهد العالم مثيلاً لها في العصور الحديثة. ودعا التقرير الدول إلى الاستعداد لأسوأ الاحتمالات من تداعيات وباء ينتشر عبر أجهزة التنفس في أنحاء المعمورة.
وجاء في التقرير أن مسبباً مرضياً (Pathogen) بهذه الأوصاف يمكن أن ينشأ بشكل طبيعي أو أن يصمم في مختبر بصفته سلاحاً بيولوجياً. كما دعا الدول والمؤسسات الدولية إلى اتخاذ التدابير التي من شأنها أن تحول دون انتشار ما وصفه بالخطر المحدق.
التقرير الأممي يحمل توقيع مجموعة من الخبراء، ترأستهم غرو هارلم بروندلاند، وهي طبيبة سبق أن تولّت رئاسة الحكومة النرويجية، ومنصب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية لاحقاً. وقد شدّد التقرير في استنتاجاته على أن تفشّي وباء على نطاق واسع هو «مصدر للقلق العميق بقدر ما هو احتمال واقعي من شأنه أن يدفع العالم إلى وضع يعادل في القرن الحادي والعشرين ما خلّفته (الإنفلونزا الإسبانية) في عام 1918، التي أودت بحياة نحو 50 مليون شخص». كذلك جاء في التقرير أنه لا توجد دولة في العالم جاهزة لمواجهة مثل هذا الوضع، ولا ممتثلة بالكامل لمعايير «اللوائح الصحية الدولية»، رغم موافقة كل الحكومات عليها. وتابع أنه «ليس من المستغرب أن يكون العالم غير مستعد لمواجهة جائحة سريعة تسري عن طريق الهواء».

المفاجئ... غير المفاجئ
نسوّق هذه المعلومات الموثّقة من باب الإشارة إلى أن التصريحات التي تكرّرت على ألسنة كثير من المسؤولين في الأسابيع الأخيرة، بأن أحداً لم يكن بوسعه أن يتوقّع مثل هذه الأزمة، أقل ما يقال فيها أنها تجانب الحقيقة.
الحقيقة أنه ثمّة من توقّع هذه الأزمة، وحذّر من تداعياتها الصحّية والاقتصادية والاجتماعية، والدليل على ذلك أن 3 أطباء فرنسيين تقدّموا بشكوى ضد الحكومة لإهمالها هذه التحذيرات، كما أن أطباء إيطاليين وإسباناً يعدّون ملفّاتهم لتقديم شكاوى مماثلة.
وبعد 3 أشهر تقريباً من ظهور هذا الوباء، وانتشاره بسرعة وكثافة في إقليم هوباي الصيني وعاصمته ووهان، تتأهب بكين لتعلن «انتصارها» عليه، بعدما أوقع 3300 ضحيّة من نحو 82 ألف إصابة، وشفاء 74 ألف مريض، فيما انتقلت بؤرة الانتشار عالمياً إلى أوروبا، وبخاصة إيطاليا واسبانيا حيث تجاوز عدد الإصابات المؤكدة بكل منهما حاجز الـ 100ألف، بينما يشكل مجموع الوفيات نحو نصف عددها عالمياً.
وبعد «نجاح» النموذج الصيني الذي يستحيل تطبيقه في الدول الأخرى لاعتبارات سياسية وتكنولوجية، اتجهت الأنظار إلى النموذج الكوري الجنوبي الذي حقق نتائج سريعة في احتواء الفيروس. ولكن في هذه الأثناء، تسارع انتشار الوباء بكثافة، وأوقع عدداً كبيراً من الضحايا في الشمال الإيطالي الذي يعد من أغنى المناطق الأوروبية وأكثرها تطوراً على صعيد الخدمات الصحية، إضافة إلى كونه مركزاً لعدد من المصانع الكبيرة للأدوية. ومن إيطاليا انتقل إلى إسبانيا، حيث تفشّى أيضاً بسرعة قياسية وضعت إسبانيا منذ مطلع هذا الأسبوع في المرتبة الثانية عالمياً، من حيث عدد الوفيات والإصابات.
وفي الرابع والعشرين من الشهر الماضي، أعلنت منظمة الصحة العالمية أنها على شفا إعلان الوباء جائحة على الصعيد العالمي. إلا أنه رغم ذلك، وما كان الجميع يشهده من تداعيات هذا الوباء في عدد من الدول، واصلت الحكومات الأوروبية، وبخاصة تلك التي كان الفيروس قد بدأ ينتشر فيها، مثل إيطاليا وإسبانيا، التحرّك ببطء شديد وتردد في اتخاذ التدابير التي ظهرت فعاليتها بوضوح في الحالتين الصينية والكورية الجنوبية.

بطء وتقصير وخروق
هذا التحرّك البطيء لمواجهة الوباء، وما رافقه من عدم اتخاذ التدابير الشديدة منذ المراحل الأولى لجهود الاحتواء، إضافة إلى «الخروق» الكثيرة لهذه التدابير حتى الآن، أدى في الحالتين الإيطالية والإسبانية إلى فوضى عارمة على الصعيد الاجتماعي أمام انتشار الفيروس، في أجواء من الهلع وغموض الرؤية في معالجة الأزمة التي بدت وكأنها هبطت من غير إنذار، وكشفت عن هشاشة كبيرة غير متوقعة في النظامين الصحيين اللذين يعدان من بين الأفضل في العالم. ومع مرور الأيام، راح الوضع يتفاقم بشكل خطير في البلدين حتى أصبح مجموع الإصابات والوفيات فيهما يتجاوز نصفها في أوروبا، وربعها في العالم.
وهنا، تجدر الإشارة إلى أنه قبل أن يبدأ الفيروس بالانتشار في أوروبا وآسيا، كان عدد الوفيّات في الصين قد بلغ 2600 من أصل 77 ألف إصابة مؤكدة، أي ما يعادل 3.4 في المائة. ومن ناحية ثانية، مع انتشار الفيروس في محيط الصين الآسيوي والقارة الأوروبية، بدأت تظهر فوارق في نسبة الوفيّات بين الدول التي تسجّل أكبر عدد من الإصابات. ويقول الخبراء إن نسبة الوفّيات تكون عادة مرتفعة في المرحلة الأولى، قبل أن يكون الوباء قد انتشر على نطاق واسع، ثم تتدنّى مع ازدياد عدد الإصابات المؤكدة.
غير أن هذا المنحى التنازلي لنسبة الوفيّات لم يتحقق في إيطاليا وإسبانيا، حيث تسجّل نسبة أعلى بكثير من الصين وكوريا الجنوبية، أو حتى من ألمانيا وفرنسا، إذ بلغت نسبة الوفيات في إيطاليا مثلاً 8 في المائة، بينما لم تتجاوز 1 في المائة في كوريا الجنوبية.
كذلك يلاحظ الخبراء أن النسبة الأعلى بين المصابين في كوريا الجنوبية هم الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و29 سنة، وهي قد بلغت 25 في المائة تقريباً عندما انتشرت الإصابات بكثافة بين إحدى المجموعات الدينية. أما في إيطاليا وإسبانيا، فإن النسبة الأعلى من الإصابات هي بين الذين تزيد أعمارهم على 60 سنة.
أيضاً من الأرقام اللافتة أن نصف الوفيّات في إيطاليا، و40 في المائة منها في إسبانيا، هي بين الذين تزيد أعمارهم على 80 سنة. وفي البلدين، تزيد نسبة الإصابات بين المسنّين عن نسبتهم من العدد الإجمالي للسكان، وهو ما قد يفسّر سبب انتشار الفيروس بسرعة أكبر من سرعة انتشاره في الصين وكوريا الجنوبية.
وعلى صعيد متصل، وبينما تركّز كل المعلومات والبيانات المتداولة على عدد الإصابات والوفيّات، ونسب ارتفاعها أو تراجعها، وعدد الحالات الخطرة، يحذّر بعض الاختصاصيين من الإفراط في التفاؤل أمام «تحسّن» هذه الأرقام التي لا تعكس -في رأيهم- الصورة الحقيقية لانتشار الوباء، بل تعطي فكرة عن مدى خطورته.
وكان مفوّض الحكومة الإيطالية المكلّف بالإشراف على حالة الطوارئ قد أعلن أخيراً، بعد أن بدأ كثيرون يتحدثون عن بلوغ ذروة الإصابات ومعدلات الوفيات اليومية، ويتوقعون تراجعها، أن الأرقام المتداولة عن عدد الإصابات قد لا تعكس سوى 10 في المائة من العدد الفعلي. أما السبب في ذلك، فهو أن عدد الإصابات المؤكدة يتوقّف على عدد الاختبارات التي تُجرى لتحديدها. ففي كوريا الجنوبية، مثلاً، أجرت وزارة الصحة 6200 اختبار لكل مليون شخص، بينما لم يتجاوز هذا العدد في إيطاليا 3400 حتى الآن، وفي إسبانيا ما زال دون الألفين. يضاف إلى ذلك أن الدول لا تنشر أرقام الاختبارات بانتظام، رغم أنها معلومات أساسية، إلى جانب الديموغرافيا، لتحديد النسبة الحقيقية للوفّيات.

دور العادات الاجتماعية
العادات الاجتماعية في السياق الديمغرافي، الإيطالي والإسباني، هي أيضاً من الأسباب التي أدت إلى الانتشار الواسع السريع للوباء في هذين البلدين. فالإسبان والإيطاليون يميلون إلى العيش بالقرب من أسرهم، والانتقال يومياً إلى أماكن عملهم، فضلاً عن أن هناك نسبة عالية من الشباب الذين تركوا إقامتهم المنفردة، وعادوا إلى السكن مع أهلهم، بعد أزمة عام 2008 التي أدت إلى ارتفاع نسبة البطالة، وتراجع القدرة الشرائية للطبقة الوسطى.
وبالفعل، بيّنت الدراسات الأخيرة أن التواصل بين الشباب والمسنين هو السبب الرئيسي الذي أدى إلى هذا الانتشار السريع للفيروس في إيطاليا وإسبانيا؛ ذلك أن الشباب هم الناقل الرئيسي الأخطر للفيروس، وهم الأخطر لأنهم في الغالب لا تظهر عليهم عوارض الوباء. وهذا ما دفع أحد خبراء الجراثيم في جامعة ميلانو إلى القول: «الفيروس يسير على أقدام الذين لا تظهر عليهم عوارضه». وفي المقابل، يشكّل المسنّون المجموعة الأضعف والأكثر تعرضاً، لا سيما إذا ما كانوا يعانون من أمراض أخرى.

التجربة الإيطالية
عندما تأكدت الإصابة الأولى في إيطاليا، في منتصف الشهر الماضي، قالت وزارة الصحة إن الفيروس ينتشر في البلاد منذ أواسط يناير (كانون الثاني). ولكن رغم ذلك، ومع ظهور الإصابات الأولى، لم تتخذ السلطات الصحية الإجراءات التي كانت قد أوصت بها منظمة الصحة العالمية، علماً بأن الفيروس بدأ انتشاره في مناطق الشمال، حيث متوسط عمر السكان هو الأعلى. ويفيد المعهد الوطني للإحصاء أن هناك 14 مليون شخص تتجاوز أعمارهم 65 سنة، يشكّلون 22 في المائة من مجموع السكان في إيطاليا، وتصل هذه النسبة إلى 27 في المائة في الأقاليم الشمالية. وكان خبراء منظمة الصحة العالمية الذين شاركوا في مكافحة الفيروس في الصين قد أفادوا بأن نسبة الوفيات بين المصابين الذين تتجاوز أعمارهم 80 سنة تبلغ 14.8 في المائة، في حال ما كانوا يعانون من أمراض أخرى، وهي ترتفع أكثر في حالات الإصابة بأمراض القلب وجهاز التنفس والسكري وضعف المناعة.
وللعلم، كانت الإصابة الأولى في إيطاليا قد ظهرت يوم 21 فبراير (شباط)، في بلدة كودونيو التي تبعد 70 كيلومتراً عن مدينة ميلانو، ثم ارتفع عدد الإصابات فيها إلى 100 في غضون يومين، ما أدى إلى اتخاذ قرار بعزلها كلياً، مع 11 بلدة أخرى محيطة بها، وتكليف الجيش وقوى الأمن بإنفاذ الحجر الصحي الإلزامي لفترة 14 يوماً. وقد تمكنّت الأجهزة الصحية من تحديد «المريض رقم 1»، لكن تعذّر عليها تحديد «المريض صفر»، أي الذي جاء من الصين، ونقل الفيروس إلى المريض الأول. ويقول الاختصاصيون إن الفترة التي انتقل فيها الفيروس من «المريض صفر» إلى «المريض 1» يرجّح أنها كانت طويلة نسبياً، ما أدى إلى انتشار الوباء بصمت في مناطق الشمال، قبل اتخاذ التدابير الأولى.
ومن جانب آخر، أدت أجواء البلبلة والتردد في اتخاذ القرارات خلال تلك المرحلة إلى تشتيت الجهود وتضارب التدابير التي كانت تتخذها السلطات المحلية من غير تنسيق بينها ومع السلطات المركزية. ومن ثم، تحوّل الموضوع إلى مسرح للمواجهة بين الحكومة والمعارضة، بعدما أدلى رئيس الحكومة جيوزيبي كونتي بتصريح تحدث فيه عن «إدارة غير سليمة في مستشفى كودونيو ساهمت في انتشار الفيروس لقلة احترام التدابير المعتمدة». وهدّد كونتي حينذاك بتعليق الصلاحيات الصحّية المنوطة بالسلطات المحلية، قبل أن يعلن حالة الطوارئ التي بموجبها وُضعت كل الصلاحيات الإقليمية تحت إشراف السلطة المركزية وخليّة إدارة الأزمة.
يضاف إلى ما تقدم، قول الخبراء إن تدابير العزل التي اتخذتها السلطات الإيطالية في مناطق الشمال كانت تدريجية، وجرت من غير تنسيق بين المناطق. وهذا ما أدى إلى الحد من فعاليتها، ووضع المنشآت والطواقم الصحية تحت ضغط كبير بسبب الانتشار السريع للوباء، وتضاعف عدد الإصابات كل 3 أو 4 أيام. وحقاً، اعتذر رئيس بلدية ميلانو جيوزيبي سالا أخيراً عن القرار الخاطئ الذي اتخذه عندما أطلق حملته «ميلانو لا تتوقف» في عز انتشار الوباء، ودعا إلى مواصلة الحركة الاقتصادية والحياة الطبيعية.
وأصبح واضحاً اليوم أن ذلك القرار، الذي كان الهدف منه وقف الخسائر المادية التي تنجم عن توقف العجلة الاقتصادية، لم يحقق الهدف المنشود، بل كانت له آثار سلبية جداً على كثافة انتشار الفيروس في ميلانو ومحيطها. وبالتالي، اضطرت الحكومة المركزية إلى اتخاذ قرار بعزل المناطق الشمالية بكاملها في العاشر من هذا الشهر، قبل أن تفرض العزل التام على جميع أنحاء البلاد، ووقف العجلة الاقتصادية، باستثناء المرافق الاستراتيجية، لكن بعدما كان عدد الوفيّات قد تجاوز 3 آلاف، والإصابات 40 ألفاً. ولقد دفعت الطواقم الطبية ثمنا باهظاً لهذه الأزمة, إذ أصيب الآلاف من أفرادها وفقد الجسم الطبي حتى الآن 66 طبيباً بسببها.

ما حدث في إسبانيا
في إسبانيا، أعلن عن ظهور الحالات الأولى أواخر الشهر الماضي في أرخبيل جزر الكناري وفي جزر الباليار، مع أشخاص وافدين من مقاطعات الشمال الإيطالية، لكن تبيّن لاحقاً أن الوفاة الأولى وقعت في 13 من الشهر الماضي، ولم يعلن عنها إلا بعد 16 يوماً على وقوعها. ويجمع الاختصاصيون على أن الحكومة تأخرت في اتخاذ التدابير اللازمة، خاصة أن الجميع كان يراقب تطور الأزمة في إيطاليا، ويقتدي بالأمثولات المستخلصة منها.
ولعلّ الخطأ الأكبر الذي ارتكبته الحكومة الإسبانية إبان إدارة الأزمة في مراحلها الأولى كان السماح بمظاهرة حاشدة، شارك فيها أكثر من مائة ألف شخص في مدريد يوم الثامن من هذا الشهر، بمناسبة اليوم العالمي للمرأة. ويقول الخبراء إن هذا ما يفسّر العدد المرتفع من الإصابات في العاصمة ومحيطها، حيث يسجّل أكثر من نصف الإصابات والوفيات في البلاد، بل وقد تأكدت إصابة 3 وزيرات شاركن في تلك المظاهرة، إضافة إلى زوجة رئيس الحكومة.
أيضاً أدى الارتفاع الكبير في عدد الإصابات في مدريد إلى عجز مستشفياتها عن استيعاب المصابين بحالات خطرة، علماً بأن هذه المستشفيات تعد درّة تاج المنظومة الصحية الإسبانية. وتفاقمت الأزمة، رغم إلغاء هذه المستشفيات منذ أسبوعين جميع العمليات الجراحية غير الضرورية، وتحويل أقسام الطوارئ وغرف العملّيات إلى وحدات للعناية الفائقة (المركزة).
وإلى جانب الكارثة الصحّية، التي ليس معروفاً بعد حجم خسائرها وجدولها الزمني، تواجه الحكومتان الإيطالية والإسبانية كارثة اقتصادية غير مسبوقة. ومعلوم أن إيطاليا وإسبانيا -إلى جانب اليونان- قد دفعتا ثمناً باهظاً جرّاء أزمة عام 2008 المالية، حيث ارتفعت نسبة البطالة فيهما إلى مستويات غير مسبوقة، وتراجع النمو الاقتصادي بنسبة عالية، وألغيت خدمات اجتماعية كثيرة بسبب المديونية العالية التي يرزح تحتها البلدان. وقدرت وزارة الاقتصاد الإيطالية في تقريرها الشهري مطلع هذا الأسبوع أن إجمال الناتج المحلي قد تراجع بنسبة 11% في الفصل الأول من هذا العام. وأعلنت الحكومة الإسبانية يوم الأربعاء الماضي أن 835 ألف شخص فقدوا أعمالهم منذ بداية الأزمة, منهم 300 ألف خلل الشهر الماضي.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.