عالم المخرج كريستوفر نولان الخيالي ـ العلمي

«بين النجوم» هو أكبر فيلم حققه في هذا المجال

المخرج كريستوفر نولان
المخرج كريستوفر نولان
TT

عالم المخرج كريستوفر نولان الخيالي ـ العلمي

المخرج كريستوفر نولان
المخرج كريستوفر نولان

بوصول «بين النجوم» (Interstellar) إلى صالات العرض الضخمة مزودا بموسيقى هانز زيمر وبمنجزات بصرية إلكترونية لم يسبقه إليها أحد على هذا النحو، يصل المخرج البريطاني الولادة كريستوفر نولان إلى صرح جديد لم ينجزه من قبل. تستطيع أن تتصوره، بعدما أنجز 7 أفلام من قبل في غضون 24 سنة، مثل شخص وقف عند باب موصد. فتحه ودخل ليجد بابا آخر. إذ يفتح ذلك الباب يجد نفسه وقد صار أمام باب ثالث وهكذا. وكلما فتح بابا وجد نفسه أمام قدرات جديدة تصوغ رؤيته الحاضرة وتشكل حوافزه للانتقال قدما. الرحلة التي من هذا النوع لا تنتهي.
«بين النجوم» هو أكبر فيلم حققه المخرج إلى اليوم، لكنه أيضا أكبر فيلم خيالي - علمي من حيث الحجم والمنجزات ومن حيث عناصره الفنية وحسن تحقيقها. تستطيع أن تضعه إلى جانب الأيقونتين البارزتين في هذا المجال، «2001: أوديسا الفضاء» لستانلي كوبريك (1968) و«سولاريس» لأندريه تاركوفسكي (1972) والبعض قد يرى أنه يتجاوزهما.
مخرج «باتمان يبدأ» (2005) وما تلاه من أجزاء، لديه القدرة على صنع ما يريد. تبدأ قدراته بالتخيل ثم بدفع الخيال إلى الواقع. الواقع إلى ميزانية متاحة وبلا شروط. ومنها إلى العمل حثيثا وطويلا في طي مئات التفاصيل التقنية لكي يأتي الفيلم بالصورة التي كونها الخيال بادئ ذي بدء.

* أرق وفقدان
* حبه للسينما ولد باكرا. في سن السابعة (سنة 1977) بدأ التصوير مستخدما كاميرا سوبر 8. لم يكن راضيا عن التصوير وحده. كان عليه أن يخلق حركة ما. في العاشرة وما بعد كون مجموعة من الأفلام التي حرك فيها دمى وألعابا أمام عدسة الكاميرا. الحكاية التي في باله كانت بسيطة. التنفيذ كذلك. الطموح هو الأكبر حجما من سنواته الشابة، وبل من مداركه آنذاك.
حين أصبح شابا اختار دخول معهد لدراسة اللغة الإنجليزية عوض أن يدخل معهدا لدراسة السينما، لكنه كان يعلم أن (University College London) التابعة لجامعة لندن لديها فرع سينمائي مزود بكل ما يحتاجه الهاوي لكي يحترف: كاميرات، عدسات، أدوات صوت وطاولات مونتاج. هناك حقق أعماله الأولى: دقائق محدودة من أحلام أكبر.
مع مطلع القرن الـ21، كان نولان ما زال مجهولا. كان حقق فيلما قصيرا كاملا بعنوان Doodlebuy سنة 1997 وتبعه سنة 1998 بفيلمه الطويل الأول Following. ثم انتقل إلى الولايات المتحدة تبعا لدرب تراءى له. نجمة غمزت له بعينها أن يتبع هذا الطريق فقام بذلك وحط في هوليوود ليحقق أول فيلم غريب الشأن له هناك: «ميمنتو».
القصة وضع السيناريو لها مع شقيقه جوناثان نولان تدور حول رجل أصيب بفقدان الذاكرة. فقدان جزئي يجعله غير قادر على تذكر الأحداث القريبة وكيف أنه قرر، وبنجاح، استخدام اللحظة الراهنة ليعود منها إلى الوراء ليتبين هوية المجرم الذي قتل زوجته. لكن ليس بطل الفيلم (غاي بيرس) هو وحده من يقدم على هذه الخطوة، بل المخرج أيضا فالفيلم يبدأ بدوره من النهاية ليعود أدراجه إلى الأمس. بذا، كشف نولان عن حبه لاكتشاف عوالم مقلوبة وعن رغبة في سرد ما هو غير متوقع بطريقة غير متوقعة. وإذ تم ترشيح هذا الفيلم لحفنة من الجوائز (بينها أوسكار أفضل سيناريو) نال تقديرا واسعا من بينها جائزة «معهد الفيلم الأميركي» (لأفضل سيناريو) وجائزة «جمعية الفيلم البريطاني المستقل» (أفضل فيلم) وأخرى من جمعيات نقدية مختلفة.
قاد نجاح هذا الفيلم لتحقيق فيلم ثان عن مأزق آخر لرجل آخر وهو «أرق» Insomnia سنة 2002. هذه المرة لدينا التحري آل باتشينو الذي ينتقل من المدينة الكبيرة إلى بلدة في ألاسكا والذي يعاني من أرق دائم لا يستطيع النوم بسببه. كل شيء حوله يهبط. مداركه. حالته النفسية. جسده المنهك.. ثم ها هو، خلال مطاردته المجرم الذي انتدب لكشفه، يصيب برصاصه زميله ويقتله ثم يحاول التستر على ذلك فعلته.

* مؤثرات
* حتى الآن، ما زال صاحبنا على الأرض وسنرى كيف سيرتفع عنها تدريجيا ليحلق اليوم بين النجوم. في عام 2004 قررت وورنر تسليمه مقاليد واحد من أكبر إنتاجاتها وأكثرها صعوبة: تحقيق الفيلم الذي سيعيد باتمان إلى الواجهة. كانت قد مولت عودة الرجل الوطواط إلى الشاشات الكبيرة في الثمانينات (الشخصية كانت من أملاك شركة فوكس في الستينات) عندما استقدمت صاحب رؤية فنية آخر هو تيم بيرتون لكي يحقق فيلما عن تلك الشخصية التي وضعها بوب كاين في مجلات الكوميكس في الأربعينات. هذا جلب للدور مايكل كيتون ووزع أدوار الشر على جاك نيكولسون وجاك بالانس وترايسي وولتر وأنجز فيلما ناجحا جمع 410 ملايين دولار حول العالم.
لكن تأثير وجودة هذه السلسلة خف في منتصف التسعينات عندما تسلم الإخراج جوول شوماكر وحول المغامرة إلى مرتع ترفيهي مباشر. وورنر رسمت فاصلا زمنيا قبل أن تجد أن كريستوفر نولان، المبرهن عن رؤيته التنفيذية الخاصة، هو خير من يصنع لها فيلم العودة.
نولان لم يخب هذا الاعتقاد ودلف منه إلى الجزء الثاني («الفارس الداكن»، 2008، و«صعود الفارس الداكن»، 2012). هذا الجزء الثالث جلب أكثر من مليار دولار حول العالم. بمقارنة الفيلم الثالث من السلسلة بالأول والثاني، يدرك المرء كيف انكب المخرج على تطوير ما لديه من قدرات، التي كانت لا تشكو من التطور أساسا. كل واحد من هذه الأفلام كان أفضل من سابقه. ولا واحد منها اعتبر أن النجاح أمر مضمون فاستكان إلى معطياته، بينها حقق فيلما آخر جيدا ومثيرا للاهتمام، لكنه أرضي بالكامل. بطله (هيو جاكمان) يعمد إلى السحر وألعاب الخفة، لكنه لا يرتفع عن الأرض شأن باتمان (كما أداه بنجاح في الأجزاء الثلاثة كريستيان بايل). بعده أنجز، سنة 2010 «تمهيد» ومع أن أحداثه أرضية (تدور في رحى فكرة رجل يسرق مصرفا مستخدما ما سماه «تقنية المشاركة في الحلم») إلا أن موضوعه حلق في جوانب غريبة (هل فلت زمام تلك التقنية فأصبحت حياة بطله كلها حلما؟) كذلك عمد إلى توظيف المؤثرات التقنية والغرافيكس على نحو غير مسبوق. المشاهد التي نرى فيها المدن وقد انقلبت رأسا على عقب تعبيرا عن عالم فقد توازنه كاملا، لا تنسى. والفيلم أنجز 817 مليون دولار عالميا وشركة وورنر أخبرته بأنها ستنتج له أي فيلم يريده. وما أراده هو آخر أعماله إلى اليوم «بين النجوم».
أفلام نولان ليست مشتتة من دون خط يجمعها، وليست مجرد أفلام تعتمد على الخيال والتقنيات الضخمة، بل هي نتيجة لبنة صلبة ولو مطواعة تحمل في طياتها بحث في الإنسان وفي العالم والمجتمعات. حتى «باتمان» هنا ليس باتمان في أي من الأفلام السينمائية قبل الستينات أو بعدها. نولان لا يستطيع إلا وأن يتحدث عن كل شيء ممكن جمعه من دون خطابية أو مباشرة تحت سقف فيلم واحد. وسقفه دائما عال ومرتفع بات من الصعب على الآخرين اللحاق به إليه.
* علامات النجاح

* بفضل سلسلة «باتمان» الثلاثية، حققت مجمل أفلام كريستوفر نولان ما يزيد على ملياري دولار حول العالم. من بينها نحو مليار من تلك السلسلة وحدها. لكنه شخص لا يزال يعيش في شرنقة الخيال وليس في الواقع. بسيط الهيئة وسهل الحديث ولو أنه قلما يدلي بمقابلات صحافية. هذا، حسب قوله في تصريح نادر «السبب الذي يجعلني على تواصل دائم مع ما أريد إنجازه».



فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز