مستقبل المنطقة العربية بعد وباء «كورونا»

امرأة تخيط أقنعة للوقاية من «كورونا» في بنش في ريف إدلب (أ.ف.ب)
امرأة تخيط أقنعة للوقاية من «كورونا» في بنش في ريف إدلب (أ.ف.ب)
TT

مستقبل المنطقة العربية بعد وباء «كورونا»

امرأة تخيط أقنعة للوقاية من «كورونا» في بنش في ريف إدلب (أ.ف.ب)
امرأة تخيط أقنعة للوقاية من «كورونا» في بنش في ريف إدلب (أ.ف.ب)

تعصف أزمة انتشار «كورونا» في العالم ومنطقة الشرق الأوسط، مهددة مجتمعات واقتصادات وحكومات كثير من البلدان. وجاء الوباء في لحظة، كانت تواجه عدد من الدول العربية حركات احتجاج غير مسبوقة من أجل تغيير واقعها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
تضع هذه الجائحة الدول في المنطقة والنظام الإقليمي برمته أمام تحديات أمنية وسياسية وجودية، إذ تضرب في وقت تواجه فيه دول عربية أزمات اقتصادية عميقة تراكمت آثارها وسط ركود اقتصادي عالمي، فيما صارت أخرى ضمن عداد الدول الفاشلة أو غير الفاعلة، حيث تدور حروب داخلية وتدخلات عسكرية خارجية على أرضها. وتعمق أزمة الوباء تعثر النظام الإقليمي وتزيد من إخفاقاته.
وتنشر «الشرق الأوسط» بالتعاون مع «معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية» في الجامعة الأميركية في بيروت، آراء مفكرين مؤثرين وقادة رأي من لبنان والمنطقة حول تأثير «كوفيد -19» على البلدان العربية، على الصعد السياسية والاقتصادية والصحية والاجتماعية، محاولين تقييم مدى وكيفية استجابة الحكومات لهذه الجائحة ومستقبل المنطقة بعيد احتواء تفشي هذا الوباء. تناول الخبراء مستقبل الدولة الوطنية والأمن الإقليمي ومنظومة التعاون من أجل تحقيقه، إضافة إلى تأثير مكافحة الجائحة على حركات التغيير وتحقيق العدالة الاجتماعية والتأثيرات الاقتصادية المتوقّعة. كما تناول الخبراء الأنظمة الصحية والسياسات الاجتماعية والاقتصادية.

- مصير الدولة الوطنية
طارق متري
في تسعينيات القرن الماضي، عند تسارع التغيرات العميقة التي شهدها العالم، شاع قول إن «الدول الوطنية باتت أصغر لجهة القدرة على معالجة المشكلات الكبيرة وأكبر من حيث التعامل مع المشكلات الصغيرة». وصحّ هذا القول بنسب متفاوتة في غير منطقة من العالم. أما في بلادنا العربية، فبدت دولنا أعجز مما كانت في التصدي للمسائل الكبيرة والصغيرة، إلا ما يتعلق منها بالأمن وسياسات السيطرة.
بعد انفجار الثورات العربية، ازدادت دولنا الوطنية هشاشة، وفي بعض الحالات انهارت مؤسساتها أو تفكّكت. وباتت أضعف من حيث قيامها بأدوارها الأساسية في سياسة شؤون الجماعة الوطنية وحفظ حياة المواطنين وصون حقوقهم. غير أنها، وفي بلدان عدة، استعادت إمكاناتها في إخضاع المجتمع بحجّة محاربة العنف، إرهابياً كان أم سياسيا أو اجتماعياً، ومحاذرة الانزلاق إلى الفوضى التي يخشاها الناس.
وبدل أن تخطو بلادنا نحو تميّز أكبر ضروري بين الدولة والسلطة، ازداد استحواذ الأخيرة على الأولى. فتمادت بعض السلطات في اعتمادها، إلى جانب القوة العارية، على العصبيات ما دون الوطنية، طائفية أو قبلية أو جهوية أو سواها مما تلده المصالح الفئوية. ووصلت بعض الأنظمة إلى حدّ التعامل مع المصالح العامة كأنها ملكٌ خاص، مستندة بذلك إلى نوع من التماهي بين المحكومين والحاكم، وهو مفروض على المجتمع بوسائل مختلفة. وفي مواصلة استبدادها، أو استحداث أنماط استبدادية متجددة، وكما في السابق، جاهرت بانشغالها بالدفاع عن الكرامة الوطنية فيما تقلّل في الواقع من قيمة الكرامة الشخصية.
وفي الأيام الحاضرة، حيث يفرض انتشار الوباء ومخاطره الكبيرة ابتعادا وانكفاء عن بعض الشؤون العامة، تبرز الحاجة على نحو قاس لدولة تحمي مواطنيها وترعاهم وتغلّب الصالح العام على الأغراض الصغيرة، وأولها شهوة السلطة وطلبها لذاتها، بصرف النظر عما ترغب به أو تستطيعه. ولا تنحصر الحاجة هذه في مجال ضبط المجتمع وفرض انتظامه تداركاً لاتساع المضار الكثيرة. فالضبط المتوخى، إن لم يتلازم مع سياسة اجتماعية رشيدة تُعنى بمن هم أضعف وأفقر، سرعان ما ينزع إلى تبرير مصادرة الفضاء العام وتعطيل السياسة وتقييد الحريات.
بعد انحسار الأزمة الخطيرة الحاضرة، سنجد بلادنا مجددا أمام معضلة بناء الدولة الوطنية، بوصفها نصابا محايدا غير مضاف إلى المجتمع أو قابض عليه، أي دولة تكتسب شرعيتها الفعلية لا من احتكار العنف فحسب بل من مسؤوليتها في رعاية مصالح الناس.
ولعلّ السير في طريق بناء الدولة الوطنية، التي بيّنت أحوال العالم الحاضرة أن لا بديل منها، يستدعي مراقبة السلطة ومحاسبتها والمطالبة لا بنظام قوي في سيطرته بل فاعل في تحقيق صالح مواطنيه العام. فنحول بذلك دون تكرار تجربة عرفناها منذ سنوات حين ارتضى بعض الناس تسلّط السلطات، خشية من استمرار الانفلات والضياع والخيبة، فتوهّمت بعض الأنظمة أن المطالبة ببناء الدولة بمثابة دعوة لإدامة استبدادها.
- الممثل الأسبق للأمم المتحدة في ليبيا، وزير لبناني سابق
ورئيس جامعة «القديس جاورجيوس»- بيروت

- تمكين المرأة اقتصادياً وتشريعياً واجتماعياً
فاديا كيوان
في خضم العاصفة التي یحدثها التفشي العالمي لـ«كورونا» القاتل، یعود الحدیث عن تداعیات هذه الكارثة على النساء في العالم العربي. إذ تشكّل النساء في الأحوال العادیة الحلقة الأضعف في المجتمع لجهة عدم حصولها على خدمات الحمایة والوقایة الصحیة والاجتماعیة.
إن أنظمة الضمان الصحي والاجتماعي تغطي بخدماتها الفئات العاملة دون سواها وذلك حتى سن التقاعد، متغاضية عن حمایة الفئات غیر العاملة وتلك التي تجاوزت سن العمل. وتشكّل النساء جزءا كبيرا من هاتین الفئتین. ولا يستفيد من هذه الخدمات إلا العاملون في القطاع الاقتصادي الرسمي من دون أن تغطي القطاع الاقتصادي الهامشي، حیث تعمل نسبة كبيرة من النساء في عالمنا العربي.
في ضوء ما تقدم، یمكن الجزم بأن الأزمات الصحّیة والاقتصادیة والمجتمعیة الناتجة عن انتشار «كورونا»، سيكون لها تداعیات كبرى على النساء بصورة خاصة. أضف إلى ذلك، وجود ملایین اللاجئين من الحروب والنزاعات المسلحة في أغلب الدول العربیة، الذين لا يحصلون على خدمات صحیة وقائیة كافیة وأغلبيتهم من النساء والأطفال.
من هنا، تكمن أهمية دعم النساء في العالم العربي وبخاصة في مرحلة تفشي الوباء، كونهن يلعبن دورا رئيسياً في تماسك الأسرة والحرص على بقاء أفرادها في البیوت. كما تساهم النساء في تعزيز الأمان النفسي لكل أفراد الأسرة وهن ضابط إیقاع لكل ما یجري في البیت وبخاصة في شؤون التوعیة على النظافة والتعليم.
قد تؤدي هذه الأزمة أيضاً إلى تنامي دور النساء في الحیاة الاقتصادیة بعد انتهاء فترة الوباء والسعي للنهوض الاقتصادي.
أدّت السیاسات الحكومية المشجعة للفتیات والنساء على الالتحاق المدرسي والجامعي وعلى الانخراط في العمل المنتج اقتصادیاً إلى تعزيز قدرات النساء في العالم العربي. لذلك يجب العمل على تعزیز التشریعات التي تحمي المرأة والفتاة من العنف وبخاصة العنف الأسري والذي من المتوقّع أن يزداد بفعل الأزمة الخانقة وبقاء الجمیع في البیت. كذلك، على السیاسات العامة التي ستعتمد في مختلف الدول العربیة لتعزیز الصمود في زمن الكوارث، أن تعتمد مقاربات حسّاسة للمساواة في الفرص بین الجنسین، بحیث تستفید النساء مباشرة من برامج التوعیة والتثقیف والتمكین الهادفة إلى تعزیز قدرات المجتمع بكامله على الصمود والتصدي للكوارث بأدنى كلفة ممكنة.
إننا نمرّ بتجربة استثنائیة على الصعيد العالمي، علینا الاستفادة من دروسها لنكون أقوى وأكثر صموداً أمام كل أنواع التحدیات. والعبرة هي أنه بدعم النساء تتضاعف قوة مجتمعاتنا.
- المديرة العامّة لـ«منظّمة المرأة العربيّة»

- أي صمود للأمن الإقليمي؟
كريم حجاج
رغم أنّه قد يكون مُبكراً تقييم الآثار الأمنيّة الإقليميّة لـ«كورونا» على منطقة الشرق الأوسط، ينظر المُراقبون إلى بداية انتشار الوباء باعتباره الحدث الأجدّ ضمن سلسلة الصدمات التي هزّت الشرق الأوسط على مدى العقدَين الماضيين. إذ أنّ الغزو الأميركي للعراق، والانتفاضات العربيّة، والحروب الأهلية في سوريا واليمن وليبيا، وظهور «داعش» وزواله، قد جعل بلدان المنطقة في تصنيف الدول الفاشلة. يضاف إلى ذلك، الصراعات الإقليميّة، والكوارث الإنسانيّة، وأزمة الشرعيّة في أنماط الحكم السائدة في المنطقة.
من المتوقع أن يؤدي انتشار «كورونا» على الأقلّ، إلى تنامي هذه الديناميات، كما سيشكّل اختبارا قاسيا لمرونة وقدرة صمود ليس فقط دول المنطقة على الصعيد الفردي إنمّا النظام الإقليمي ككلّ. إنّ المهمّة المعقّدة لإدارة الجوانب السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة للأزمة ستشكلّ تحدياً كبيراً لحكومات الدول الإقليميّة، التي إذا فشلت في إدارتها لهذه الأزمة ستواجه أزمة شرعيّة. كما أن هناك اعتماداً كبيراً على قدرة أنظمة الصحّة العامّة في المنطقة على مواجهة الأزمة، علما بأن الكثير من بين هذه الدول سجّل مستوى أقلّ من المتوسط في مؤشر الأمن الصحّي العالمي.
سيكون تأثير الوباء أكثر حدّة في الدول الضعيفة أو الدول التي توشك على الانهيار إذ أنّها تقع في صميم محاور الصراع المتعدّدة داخل المنطقة. وهذا سيغذي حتما حلقة مفرغة من الصراع، واحتمال تجدّد موجات الإرهاب والتمرّد، والتدخّل الإقليمي، الأمر الذي سيؤدّي بدوره إلى خسائر فادحة لدى السكّان في مناطق الصراع المنكوبة.
كل هذا سيزيد، بلا شك، من الضغط على البيئة الأمنيّة الإقليميّة المجهدة أصلاً. لكن رغم ذلك، تقدّم الأزمة فرصة لتقليل التوترات الإقليميّة. إن عرض دول عربية تقديم المساعدة الطبية وغيرها لإيران وتأييد السعودية وقف النار الذي أعلنته الأمم المتحدة في اليمن من أجل التصدّي لتفشي الفيروس، يقدّم دلائل على وجود الأمل في أنّ الشرق الأوسط يمكنه على الأقلّ، أن يقلل من تأثير هذه الصدمة الأخيرة للنظام الإقليمي.
- دبلوماسي مصري سابق وأستاذ في الجامعة الأميركية بالقاهرة

- تكامل إقليمي لتطوير نظم الصحة
بلقاسم صبري
يشكل الوباء العالمي المستجد تحدياً للتنمية بمختلف أوجهها وللنظم الصحية في كل البلدان وخاصة في شرق المتوسط. تشير الدراسات الاستشرافية إلى التأثيرات السلبية على مختلف الاقتصادات العالمية من خلال الركود وتراجع النمو الاقتصادي وفقدان ملايين الوظائف ما يحدّ من تمويل النظم الصحية ويؤثر سلباً على مخرجات النظم الصحية وطنياً وإقليمياً وعالمياً.
إن حوالي 90 في المائة من سكان الإقليم يعيشون في الدول ذات دخل متوسط وضعيف ما يتسبب في ضغوطات مالية على النظم الصحية التي تشكو من نقص التمويل وعدالته أصلاً. كما تجدر الإشارة إلى أن إقليمنا يأوي أكبر عدد من اللاجئين والمهجّرين الذين يعيشون في ظروف اقتصادية واجتماعية غاية في الصعوبة.
إن الدروس الأولية المستخلصة من تجارب الدول في التعامل مع هذه الجائحة أبرزت قوّة وسرعة انتشار الوباء حتى تجاوز في بعض البلدان الغنية مثل إيطاليا وفرنسا الإمكانيات المتاحة، ويهدد في حال عدم تراجعه بانهيار المنظومات الصحية بكاملها.
كما وقع التركيز على الاستراتيجيات الاستباقية للتعامل مع الوباء وتطوير آليات المشاركة الفردية والمجتمعية في الوقاية وتعزيز الصحة، من أجل تفادي الضغوطات الكبيرة على الخدمات العلاجية، بخاصة في ظروف ندرة الموارد المادية والبشرية.
أما على المستوى الإقليمي، فأظهرت هذه الجائحة الصحّية أهمية الاستثمار في البنية الصحّية وفي تقوية النظم الصحّية لتطوير الاستجابة للحاجات المستجدة والتعامل مع الأوبئة العالمية. وأثبتت أهمية الوظيفة الاجتماعية للدولة المتمثلة في حماية الأمن الصحي وكذلك الدور المحوري للقطاع الصحي العمومي نظرا لشموليته وقلّة العراقيل المالية للحصول على خدماته مقارنة بالقطاع الخاص.
يحدو الأمل الجميع في تحويل الوباء إلى فرصة متاحة لدول الإقليم لتطوير التآزر والتضامن بينها في الميدان الصحي وفي السعي نحو دعم الاستثمار في التنمية الصحية ونحو تحقيق هدف التغطية الشاملة بنظم صحية عادلة تحقق الهدف النبيل للصحة للجميع.
- وزير تونسي سابق ورئيس الجمعية التونسية للدفاع عن الحق في الصحة

- آثار مكافحة الوباء على حركات التغيير
نديم حوري
لا يمكن لأحد أن يتنبّأ بالتأثير الكامل لوباء «كورونا» الذي ينتشر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكن هناك ثلاث قضايا تستحق الاهتمام. كانت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالفعل أكثر المناطق التي تعاني من اللامساواة مقارنة بباقي الأجزاء من العالم.
رغم أن الفيروس لا يميّز بين الأشخاص على أساس ثروتهم، فإن مستوى الدخل يؤثّر على آليّات التكيّف المتاحة. إذ لا يتمتّع العمّال ذوي الدخل المنخفض، في جميع أنحاء المنطقة، بالقدرة على إنجاز عملهم عن بُعد (في المنزل) ولا يحصلون على رواتبهم إذا تغيّبوا عن عملهم. ومع استمرار الحجر المنزلي ودخول الاقتصادات في مرحلة الركود، ستتضرّر شرائح المُجتمع الأكثر فقراً - التي تشكّل غالبيّة المواطنين - بشكلٍ غير متساوٍ. إذ سيجد اللاجئون والعمّال المُهاجرون أيضاً أنّه من المستحيل التعامل مع تداعيات هذا الوضع. ومع ذلك، لا يبدو أن أياً من حكومات المنطقة لديها خطّة حول كيفيّة تقليل الضرر الاقتصادي أو معالجة الانقسام المتزايد في مجتمعاتها.
سيكون لـ«كورونا» أيضاً تأثير سياسي أبعد بكثير مما يمكن أن يتوقّعه المرء في أجزاء أخرى من العالم. فقد نجح الوباء في تفريغ شوارع المتظاهرين في الجزائر ولبنان والعراق، ورأينا جُيوش المنطقة تستعيد الساحات العامّة بحجة تنفيذ إجراءات «الحجر المنزلي». والخوف يكمن في أن تستخدم الأنظمة الاستبداديّة الوباء لتعزيز السيطرة الاجتماعيّة من خلال الإجراءات التي يتمّ الترويج لها تحت ضغط الضرورة للسيطرة على الفيروس، لتتتبّع أيضاً حركة المتظاهرين والمعارضين.
أخيراً، لا تزال المنطقة تعاني من ثلاثة صراعات نشطة في ليبيا وسوريا واليمن، والتي دمّرت بدورها البنى التحتيّة الصحيّة وأدّت إلى تشريد الملايين، وفي حال انتشار الفيروس في هذه البلدان، سيعمّ الخراب. يمكن للمرء الذي يواجه هذا العدو غير المرئي الاعتقاد بأن الأطراف المتحاربة وداعميها الإقليميين والدوليين سيغتنمون اللّحظة لمُحاولة إنهاء الصراعات. قد يبدو هذا ساذجاً بشكلٍ ميؤوس منه، لكن ربما سينجح الفيروس في تركيز عقول «أمراء الحرب» في المنطقة بطرق لم تتمكّن معاناة الشعوب لسنوات طويلة من أن تحقّقه.
- المدير التنفيذي لـ«مبادرة الإصلاح العربي»

- نظام صحي يؤمن بالخلاص الجماعي
غسان أبو ستة
أظهرت هذه الجائحة أن مجموعة من الشركات الصحيّة الربحيّة، مهما كبر حجمها وكثر عددها لا تصنع نظاماً صحيا، وستبقى إلى الأبد شركات متنافسة تتاجر في سلعة، وهي صحّة الإنسان. فلا يمكننا مكافحة هذا الوباء، أو أي وباء آخر قد يظهر مستقبلاً، إلّا بالقضاء على ظاهرة تسليع صحّة الإنسان، وهذا يتطلب تغييرا في عقلية النظم السياسية، ذلك أن تلك الأنظمة التي لا تؤمن بالخلاص الجماعي وتؤمن بالخلاص الفردي، لن تكون قادرة حتماً على محاربة هذه الجائحة.
كما أن هذه الأنظمة التي نتحدث عنها هي تلك الرأسمالية التي دائما كانت تضحي بفئات مجتمعيّة (تصل حدّ الإبادة) أكانت عرقيّة أو اجتماعيّة (نساء، أطفال، أقليّات عرقيّة) للخلاص من أزماتها البنيويّة، وهي الآن ما فتأت تروّج لفكرة «مناعة القطيع» والتضحية بكبار السن لإنقاذ الاقتصاد من العواقب المدمرّة. وبالتالي، لن يكون تقديس الحلول التكنولوجيّة السريعة مثل اللقاحات، كوسيلة للهروب من هذه الضرورة التاريخيّة، إلا تعمية عن المشكلة الأساسية، كما لن يؤدّي ذلك إلّا إلى إطالة أَمَد المُعاناة الإنسانيّة وزيادة حصيلة الوفيّات.
ولعل فشل دول الغرب المتحالفة في إظهار الحدّ الأدنى من التضامن مع دولة غربيّة أساسيّة كإيطاليا، رغم انخراطها بمنظومة المساعدات الدوليّة للعالم الثالث، يُظهر جلياً الفرق الشاسع بين «العون» و«التضامن» كمنظومة أخلاقيّة.
لقد أثبتت النيوليبراليّة والرأسماليّة المتقدّمة أن ازدهارها مرتبط بتدمير جميع أشكال التضامن بين أفراد المجتمع. وهنا تحديدا تكمن أزمة هذه النظم البنيويّة في مواجهة هذه الجائحة، ذلك أن التضامن المجتمعي شرط لمواجهة هذا الوباء. ويضاف إلى ذلك، ضرورة إيجاد نظام صحي فعّال وقادر على سرعة الاستجابة في مثل هذه الظروف، مع التشديد على أن الطب الفعّال والناجح هو نتاج الأنظمة الجيّدة وليس نتاج المؤسّسات الطبية الثريّة، أو التكنولوجيا المتقدّمة.
- طبيب ميداني فلسطيني ومؤسس «برنامج طب النزاعات» في الجامعة الأميركية في بيروت

- مراجعة لمنظومة الأمن البيولوجي
الشريف ناصر بن ناصر
لدى معظم الدول والمجتمعات العربية القدرة الهائلة على الصمود بوجه التحديات، ذلك ربما نتيجة تجربة الدول العربية المريرة مع الحروب والنزاعات والأزمات المتعاقبة خلال العقود الماضية. وتتميز المجتمعات العربية أيضاً بفزعتها لبعضها البعض خلال فترة الأزمات، متجاهلة المخاطر التي قد تلحق بها بسبب ذلك.
ومع أنه لا يجب إنكار دور هذه العوامل في قدرة الدول على التصدي لتفشي «كورونا»، فإن التعامل الأمثل مع الحوادث البيولوجية يتطلب العديد من العوامل والقدرات والتي تعتبر غالبا مواطن ضعف في معظم الدول العربية، ومنها التخطيط والتجهيز المسبق، والتعاون والتنسيق والتواصل ما بين المؤسسات الرسمية المدنية من جهة والمدنية والعسكرية والأمنية من جهة أخرى. وذلك إضافة إلى التعاون والتنسيق والتواصل بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
لا يتم طرح هذه الأفكار من باب جلد الذات أو إلقاء اللوم على جهة ما، بل من أجل تحديد بعض الدروس المستفادة المحتملة مستقبلاً عند تجاوز هذه الأزمة. فهذا قد يكون حافزا لمراجعة جدّية لمنظومة الأمن والسلامة البيولوجية في العديد من الدول العربية وبشكل منهجي بهدف تعزيز القدرات والإمكانيات لمواجهة المخاطر البيولوجية المستقبلية.
أما التغاضي عن هذا الأمر والاستمرار في بناء السياسات على أفضل السيناريوهات أو الاعتقادات المتفائلة غير المبرّرة باعتبار أن هذا هو آخر تفشٍ ممكن حصوله، فهو أمر غير عملي.
- مدير «معهد الشرق الأوسط العلمي للأمن»

- إدراج اللاجئين في الخطط الوطنية للاستجابة
شادن خلاف
يقول الشاعر جبران خليل جبران: «شيئان يغيران نظرتك للحياة، المرض والغربة».
حظر تجول، إغلاق للمحال، منع من السفر، انفصال عن الأسرة، نقص في المواد التموينية، قلق وهلع وخوف. هذا حال العالم اليوم مع جائحة «كورونا». لكن هذا هو واقع الملايين من اللاجئين من رجال ونساء وأطفال أجبروا على مواجهة الحروب والصراعات المسلحة في جميع أنحاء العالم، والمشهد يبدو أكثر حدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مقارنة مع باقي العالم.
هناك تحديات جمة تواجه اللاجئين وأولئك الذين تقطعت بهم السبل؛ ابتداءً من الظروف المعيشية الصعبة، التكلفة الباهظة للحصول على الخدمات الصحية، مروراً بالفقر والاعتماد على المساعدات أو الأجور اليومية، وصولاً إلى نقص في الحماية القانونية وسبل الاقتراض المحلي وحرمان الأطفال من فرص التعليم. علاوة على هذا كله، فإنهم الآن يواجهون، مع العالم بأسره، تحدي الوباء العالمي الجديد.
إن الوتيرة السريعة لانتشار «كورونا»، تجعل الوضع مقلقاً بشكل خاص لأولئك الذين لا يستطيعون الوصول إلى خدمات وأدوات النظافة الأساسية، أو لا يستفيدون من الاستجابة للأوضاع الخاصة بالمرأة اللاجئة، أو للمهمشين الذين يعانون ظروفاً صحية صعبة، والتي هي، في كثير من الأحيان، الصبغة السائدة لأوضاع اللاجئين التي من شأنها أن تضاعف من معاناتهم.
ولكن هناك فرصة. يجب الاستمرار في بذل جهود جماعية ومتضافرة كمجتمع ككل: مؤسسات مجتمع مدني، مؤسسات دينية، قطاع خاص، أكاديميين، فنانين وكل من يؤثر في الرأي العام، من أجل إيجاد حلول شاملة للملايين في المنطقة والاستفادة من الخبرات الطويلة لإدارة الأزمات. لذلك تعكف المنظمات الإنسانية بخاصة «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشركاؤها على دعم نظم الصحة العامة والوقاية والاستجابة، كما على إدراج اللاجئين في الخطط الوطنية للاستجابة لهذه الأزمة. إن استبعاد اللاجئين من الوصول للخدمات الأساسية أو التهميش - بسبب نقص شبكات الأمان الاجتماعي والاقتصادي – سيؤدي إلى تدهور أوضاعهم الحالية بشكل واضح.
- مسؤولة في «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين»

- الرابحون والخاسرون على الصعيد الاقتصادي
سامي محروم
إذا كان من عبرة يمكن استخلاصها من تجربة كل من الصين أو هونغ كونغ أو سنغافورة أو تايوان في التعامل مع انتشار الفيروس، فهي أن أي بلد بحاجة إلى ما لا يقل عن ثلاثة أشهر كمعدل زمني للسيطرة على انتشار الفيروس.
وهذا مع الافتراض أن هذا البلد يستطيع أن يحتوي تفشي الوباء بشكلٍ فعّال. في الواقع، ورغم نجاحها النسبي، لم تتمكّن أي من هذه الدول من القضاء على تفشي الوباء بشكلٍ جذري حتى الآن. وإذا تمّ اتّخاذ تجارب هذه البلدان كمثال، فإنّ التوقّعات المُتفائلة تُشير إلى أن الشرق الأوسط قد يتمكن من احتواء تفشّي الوباء بحلول يونيو (حزيران) تقريباً، أي في الفترة الزمنية نفسها لتوقع احتواء أوروبا للوباء. أمّا أميركا، فقد تضطر إلى الانتظار حتى نهاية الصيف لتدخل في مرحلة السيطرة على انتشار الفيروس، نسبة لمساحتها الشاسعة ونظام حكمها اللامركزي.
ستدُير أجزاء مُختلفة من العالم «عاصفة الفيروس» بمُستويات مُتفاوتة من الفعاليّة والسرعة. إذ أنّ البلدان ذات الموارد المحدودة ستكافح لفترة أطول وستظلّ تشكّل خطراً على انتشار الوباء في بقيّة العالم. ونتيجة لذلك، نرجّح أن يحتاج العديد من البلدان في أفريقيا وآسيا وأميركا اللّاتينيّة والشرق الأوسط إلى فترة أطول لمُكافحة «كوفيد - ١٩». في الواقع، وبالنسبة للعديد من البلدان، إن أزمة الفيروس لن تنتهي إلا باكتشاف واستخدام اللقاح.
سيكون لهذا الجدول الزمني المتوقع آثار اقتصاديّة كبيرة على الاقتصاد العالمي، وبخاصّة على النشاطات الاقتصاديّة ذات الطابع الموسمي مثل السياحة. إذ تعدّ السياحة في الشرق الأوسط، خارج الاقتصادات الغنيّة بالنفط، النشاط الاقتصادي الأكثر تأثّراً بالتدفقات الدوليّة وبالتالي الأكثر تأثرا.
ومع ذلك، هناك احتمال لبروز بعض الفائزين أيضاً. على سبيل المثال، قد يخاطر سكان دول الخليج العربي، حيث تصل درجات الحرارة في الصيف إلى نحو ٤٠ درجة مئويّة، بالسفر إلى الخارج لكن خياراتهم ستظل محدودة. وهنا، قد تكون بعض البلدان خارج المنطقة التي لم تسجّل عدداً كبيراً من حالات كوفيد - ١٩، مثل موريشيوس وسيشيل وجهات محتملة لهؤلاء وبالتالي، يمكن لهذه الدول أن تستفيد بشكل واضح من هذه الأزمة. لكنّ الوجهات التقليديّة الأخرى للسيّاح الخليجيين، مثل لبنان، الذي لم يسجلّ عدداً كبيراً من الحالات حتى الآن، قد يحصد الاستفادة الكبيرة كذلك إذا تمكن من الخروج من «عاصفة كوفيد -١٩» في الوقت المناسب، أي قبل بدء موسم العطلة الصيفيّة.
- أستاذ في «جامعة بروكسل الحرّة»


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: «عفو رئاسي» عن «المُضلَّلين» يضيق الخناق على حركة «الشباب»

عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)
عناصر من الجيش الصومالي تكافح مسلحي «حركة الشباب» في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى (وكالة الأنباء الصومالية)

اتخذت الرئاسة الصومالية خطوةً جديدةً تجاه «حركة الشباب» المتشددة، بإعلانها العفو عن «الشباب المضلَّل» الذي انخرط في صفوف الحركة، وذلك حال تخليهم عن الفكر المتطرف.

تلك الخطوة يراها خبير صومالي متخصص في الشؤون الأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، تعزز فرص تضييق الخناق على «حركة الشباب» شريطة أن تتوفر شروط عدة منها الدمج وإعادة التأهيل.

وأفادت وكالة الأنباء الصومالية، الاثنين، بأن رئيس البلاد حسن شيخ محمود «قرر إصدار عفو عن الشبان الذين تم تضليلهم بالفكر المتطرف في صفوف ميليشيات الخوارج (مصطلح يطلق محلياً على حركة الشباب) في حال تخليهم عن الفكر المتطرف»، مضيفاً أن الدولة ستوفر لهم حياة جديدة وفرصاً لبناء مستقبلهم، ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من المجتمع.

يأتي ذلك بينما يشن الجيش الوطني عملية عسكرية مخططة تستهدف «فلول ميليشيات الخوارج التي تتحصن في منطقة حوادلي بمحافظة شبيلى الوسطى، في إطار الجهود المتواصلة الهادفة إلى القضاء على الإرهاب»، حسب ما نقلته الوكالة الأحد.

استهداف مسلحين تابعين لـ«حركة الشباب» في إقليم هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

ويستضيف الصومال بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار، المعروفة باسم «أوصوم»، التي بدأت عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

ويرى الباحث في الشأن الصومالي عبد الولي جامع بري أن العفو الذي أعلنه شيخ محمود «يمكن قراءته من ثلاث زوايا: أمنية، واجتماعية، واستراتيجية. وهو أداة مهمة، لكن نجاحه ليس مضموناً ما لم يُدعم بسياسات مكملة».

وأضاف أن العفو في حد ذاته خطوة إيجابية «لفتح باب العودة، خاصة وأن كثيراً من الشباب انضموا تحت التضليل أو الإكراه، وأن إيجاد مخرج آمن يشجع المنشقين على ترك التنظيم، فضلاً عن كونها رسالة إنسانية وسياسية تُظهر أن الدولة تفرّق بين القيادات المتشددة والشباب المغرر بهم، وتعزز صورة الحكومة كجهة حاضنة لا انتقامية».

يأتي ذلك وسط تصاعد عمليات «حركة الشباب»، حيث قال «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف» إن «نذير الخطر الإرهابي يتصاعد على امتداد الحدود الصومالية - الكينية خلال شهر رمضان، في ظل استراتيجية دموية تنتهجها (حركة الشباب) لترهيب المدنيين وتنفيذ ضربات عابرة للحدود».

وأوضح المرصد في بيان، الاثنين، أن «هذا التصعيد الميداني بدأ ليلة السبت الماضي، حين نفذت عناصر الحركة الإرهابية إعدامات رمياً بالرصاص بحق 10 مدنيين في منطقتي بوالي بجوبا الوسطى وكونيا بارو بشبيلي السفلى جنوب الصومال»، لافتاً إلى أن الحركة تضاعف نشاطها في هذا التوقيت لاستغلال الشعور الديني العام في رمضان.

ويرى بري أن الحركة تستغل الأجواء الدينية، «لذا فإن قرار العفو وحده لا يكفي إذا لم يُربط ببرامج إعادة تأهيل حقيقية، لكي ينجح في محاصرة (حركة الشباب) عبر استمرار النصيحة الدينية والفكرية والدمج الاقتصادي ومتابعة أمنية ذكية».

Your Premium trial has ended


الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يعلنون الطوارئ تحسباً لهجوم أميركي على إيران

عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)
عروض عسكرية حوثية في المدن الخاضعة لسيطرتهم (إعلام محلي)

في خطوة تعكس تصاعد القلق داخل أوساط الجماعة الحوثية من احتمال هجوم أميركي على إيران قد يتسع ليشمل أذرع طهران في المنطقة، أعلنت السلطات التابعة للجماعة في صنعاء رفع مستوى الطوارئ والاستعداد لمواجهة أي تطورات عسكرية محتملة، بالتزامن مع تصعيد خطاب التعبئة الدينية والدعوة إلى «الجهاد»، حيث لا يستبعد مراقبون أن تنخرط الجماعة في الصراع إلى جانب إيران.

وجاء الإعلان الحوثي عقب اجتماع نادر للجنة الطوارئ التابعة للحكومة غير المعترف بها دولياً، برئاسة القائم بأعمال رئيسها محمد مفتاح، حيث ناقش المجتمعون - وفق وسائل إعلام الجماعة - إجراءات رفع الجاهزية على المستويين المركزي والمحلي، وتعزيز قدرات المؤسسات المعنية بالتعامل مع الحالات الطارئة، خصوصاً الدفاع المدني والقطاعات الخدمية.

ويرى محللون يمنيون أن توقيت الاجتماع يعكس مخاوف الحوثيين من احتمال تعرضهم لتداعيات أي ضربات عسكرية قد تستهدف إيران، في ظل ارتباط الجماعة السياسي والعسكري بما يُعرف بمحور «الممانعة»، وهو ما قد يجعل مناطق سيطرتهم جزءاً من مسرح ردود الفعل الإقليمية.

وحسب المصادر الحوثية، ناقشت لجنة الطوارئ آليات تعزيز الاستجابة السريعة للأزمات، بما يشمل رفع جاهزية فرق الإنقاذ والإغاثة وتقوية البنية التشغيلية لقطاع الطوارئ، الذي يضم عدداً من الوزارات والمؤسسات المرتبطة بالأمن والخدمات.

اجتماع نادر للجنة الطوارئ في حكومة الحوثيين الانقلابية (إعلام محلي)

وأكد محمد مفتاح خلال الاجتماع أن «الوضع الاستثنائي» يتطلب استمرار الاستعداد الكامل، داعياً إلى دعم مصلحة الدفاع المدني بالكوادر والمعدات اللازمة، بما يمكّنها من الحد من الخسائر البشرية والمادية في حال وقوع هجمات أو تطورات عسكرية مفاجئة.

ويشير مراقبون إلى أن الإعلان عن اجتماعات لجنة الطوارئ يُعد أمراً غير معتاد، إذ غالباً ما تبقى تحركاتها بعيدة عن الإعلام، ما يعزز فرضية أن الجماعة تتوقع سيناريوهات تصعيد تتجاوز الإطار المحلي اليمني.

كما انتقد المسؤول الحوثي الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، ورأى أنها تمثل تهديداً لاستقرار دول الشرق الأوسط، ومتهماً واشنطن بالسعي إلى فرض الهيمنة على مقدرات المنطقة، وهو خطاب يتكرر في بيانات الجماعة بالتوازي مع كل توتر إقليمي.

احتواء الضغوط

وتزامنت إجراءات الطوارئ الحوثية مع تصعيد ملحوظ في الخطاب التعبوي، حيث كثّفت الجماعة الفعاليات الجماهيرية والمسيرات المناهضة للسياسات الأميركية والإسرائيلية، إضافة إلى توسيع حملات التجنيد، خصوصاً في أوساط الطلاب والشباب.

ويرى سياسيون يمنيون أن هذا التصعيد يأتي أيضاً في سياق محاولة احتواء حالة الاحتقان الشعبي الكبيرة نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات، واتساع رقعة الفقر، فضلاً عن مواجهات قبلية متفرقة في عدد من المحافظات.

تعسف الحوثيين ضد الوكالات الإغاثية حرم ملايين اليمنيين من الحصول على المساعدات (أ.ف.ب)

وحسب هؤلاء، فإن ربط الوضع المحلي بالصراع الإقليمي يمنح الجماعة فرصة لإعادة توجيه الرأي العام نحو «الخطر الخارجي»، بما يسهم في تخفيف الضغط الداخلي المتصاعد.

وفي السياق ذاته، نظمت الجماعة عروضاً عسكرية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرتها، في استعراض للقوة العسكرية ورسائل ردع داخلية وخارجية، بينما عدّ مراقبون أن هذه التحركات تهدف أيضاً إلى ترسيخ حالة التعبئة النفسية لدى السكان.

وفي موقف أكثر وضوحاً، أصدرت رابطة رجال الدين التابعة للحوثيين بياناً دعت فيه إلى رفع مستوى التعبئة والاستعداد القتالي، مطالبة السكان بالالتزام بتوجيهات زعيم الجماعة، ومؤكدة ضرورة «النفير الواسع» لمواجهة ما وصفته بالتهديدات الأميركية والإسرائيلية.

كما أدانت الرابطة الضربات الإسرائيلية ضد مواقع مرتبطة بــ«حزب الله» في لبنان، وعدّت التهديدات الموجهة لإيران دليلاً على اتساع المواجهة، داعية إلى ما سمته «وحدة الساحات»، وهو مفهوم سياسي تتبناه القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة.

وشدد البيان على أن «الجهاد ووحدة الصف» يمثلان السبيل الوحيد لمواجهة التحديات الراهنة، داعياً إلى مقاطعة المنتجات الأميركية والإسرائيلية وتحريض السكان على التعبئة العامة.

تصعيد ميداني

وبالتوازي مع هذه التحركات السياسية والتعبوية الحوثية، شهدت جبهات الساحل الغربي اليمني تصعيداً عسكرياً لافتاً، إذ أفادت مصادر عسكرية بسقوط قتلى وجرحى في صفوف القوات المشتركة (الحكومية) إثر هجوم حوثي واسع استهدف مواقع في مديرية حيس جنوب محافظة الحديدة.

تجنيد مستمر ضمن حملات التعبئة الحوثية (إعلام محلي)

ووفق المصادر، أسفر الهجوم عن مقتل ستة عسكريين وإصابة نحو ثلاثة عشر آخرين، بعد معارك دارت في مناطق خط حيس - الجراحي وجبال ذو بأس شمال المدينة، في محاولة للسيطرة على مواقع استراتيجية.

ويشير مراقبون إلى أن مدينة حيس تمثل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية، كونها تربط بين الساحل والمرتفعات الداخلية المؤدية إلى محافظتي تعز وإب، إضافة إلى كونها بوابة جنوبية رئيسية لمحافظة الحديدة المطلة على البحر الأحمر.

ويرى محللون أن التصعيد الحوثي الميداني بالتزامن مع إعلان الطوارئ يعكس استراتيجية مزدوجة للجماعة، تجمع بين الاستعداد لأي تصعيد خارجي وتعزيز مواقعها الميدانية داخلياً.


حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
TT

حراك حكومي واسع في عدن لتعزيز الخدمات وبناء المؤسسات

نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)
نشاط مكثف في ميناء عدن مع رسوّ 3 سفن تجارية (إكس)

مع عودة الحكومة اليمنية إلى العاصمة المؤقتة عدن وعقد أول اجتماعاتها من الداخل، بدأت مؤسسات الدولة مرحلة من الحراك التنفيذي المكثف، عكستها اجتماعات موسعة وتحركات متزامنة لعدد من الوزارات، في مؤشر على توجه حكومي لإعادة تنشيط العمل المؤسسي وتعزيز حضور الدولة في مختلف القطاعات الخدمية والتنموية.

وفي حين يشدد رئيس الوزراء شائع الزنداني على العمل من الداخل وتقليص مهام سفر الوزراء إلى الخارج، تسعى الحكومة، وفق مسؤولين، إلى تحويل عودتها الميدانية إلى نقطة انطلاق لمرحلة إصلاح إداري واقتصادي تستند إلى رفع كفاءة الأداء، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وتفعيل الحوكمة والرقابة، بما يسهم في تحسين الخدمات العامة وتثبيت الاستقرار في المناطق المحررة.

في هذا السياق، عقد وزير الدفاع، الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً موسعاً في عدن ضم مساعدي الوزير ورؤساء الهيئات العسكرية، بحضور نائب رئيس هيئة الأركان، اللواء الركن أحمد البصر؛ لمناقشة أولويات المرحلة المقبلة داخل المؤسسة العسكرية.

وأكد العقيلي أهمية تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف الهيئات العسكرية بما يحقق الانسجام في تنفيذ المهام الوطنية، مشدداً على ضرورة إجراء تقييم شامل لأداء المرحلة الماضية، ومراجعة الإنجازات والتحديات؛ بهدف تصحيح الاختلالات وتعزيز كفاءة العمل المؤسسي.

وزير الدفاع اليمني طاهر العقيلي يترأس اجتماعاً للقادة في عدن (سبأ)

وأشار إلى «أهمية تفعيل آليات الرقابة وترسيخ قيم الشفافية والنزاهة والانضباط، بوصفها ركائز أساسية لإعادة بناء مؤسسة عسكرية حديثة قادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الراهنة».

كما شدد وزير الدفاع اليمني على المضي في تطبيق الحوكمة الإلكترونية وتطوير الأنظمة الإدارية، في خطوة تهدف إلى «تحديث بنية العمل المؤسسي وتقليل البيروقراطية»، مثمناً في الوقت ذاته دعم «تحالف دعم الشرعية» بقيادة المملكة العربية السعودية، وما يقدمه من إسناد مستمر للمؤسسة العسكرية اليمنية.

واستمع الوزير خلال الاجتماع، وفق الإعلام الرسمي، إلى تقارير تفصيلية من رؤساء الهيئات بشأن سير تنفيذ الخطط العسكرية والصعوبات التي تواجه الأداء، في إطار توجه حكومي لإرساء ثقافة التقييم الدوري والمساءلة المؤسسية.

صدارة الأولويات

بالتوازي مع التحركات العسكرية، ركزت وزارة الإدارة المحلية على إعادة تفعيل دور السلطات المحلية بوصفها محركاً أساسياً للتنمية الاقتصادية والخدمية.

وأكد وزير الإدارة المحلية، المهندس بدر باسلمة، خلال اجتماع ضم قيادات الوزارة، أهمية إجراء تقييم شامل لأداء السلطات المحلية في المحافظات؛ «بهدف تحديد مكامن الضعف وتعزيز نقاط القوة، بما يضمن تنفيذ برامج تنموية واستثمارية أعلى فاعلية».

وأوضح باسلمة أن المرحلة الحالية تتطلب تمكين السلطات المحلية اقتصادياً وتنموياً، وتعزيز التنسيق مع المنظمات الدولية والقطاع الخاص لدعم المشروعات الخدمية والتنموية، مشيراً إلى أن «منح صلاحيات أوسع للوحدات الإدارية الكفؤ يمثل خطوة أساسية نحو ترسيخ الحكم الرشيد».

وزير الإدارة المحلية اليمنية بدر باسلمة خلال اجتماع في عدن (سبأ)

وشدد الوزير على أن تعزيز اللامركزية المالية والإدارية «سيمكن السلطات المحلية من قيادة التنمية المستدامة بكفاءة أكبر، بما يسهم في تحسين مستوى الخدمات وتخفيف الأعباء عن الحكومة المركزية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج إداري أعلى مرونة، يمنح المحافظات دوراً أوسع في إدارة مواردها وتحقيق التنمية المحلية.

وفي قطاع التعليم، عقد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، الدكتور أمين القدسي، سلسلة لقاءات منفصلة مع قيادات الجامعات الحكومية والأهلية، بينها جامعة عدن، والجامعة الألمانية الدولية، وجامعة العلوم والتكنولوجيا، إضافة إلى مجلس الاعتماد الأكاديمي وضمان جودة التعليم العالي.

ونوقشت في اللقاءات آلياتُ «تطوير الأداء المؤسسي للجامعات وتعزيز جودة العملية التعليمية، مع التركيز على تطبيق معايير أكاديمية حديثة تسهم في تحسين مخرجات التعليم ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل ومتطلبات التنمية».

رهان على تنشيط قطاعات الثقافة والسياحة في اليمن بقيادة الوزير مطيع دماج (سبأ)

وأكد القدسي أن الوزارة تتحمل مسؤولية وطنية في رسم السياسات المنظمة لقطاع التعليم العالي، مشدداً على ضرورة تعزيز العمل التكاملي بين الجامعات والجهات الرقابية لمعالجة أوجه القصور وتجاوز التحديات التي فرضتها سنوات الحرب.

كما استعرضت الاجتماعات مستوى تنفيذ البرامج الأكاديمية والتحديات التي واجهت المؤسسات التعليمية، والجهود المبذولة للحفاظ على استقرار العملية التعليمية رغم الظروف الاقتصادية والأمنية المعقدة.

تحريك القطاعات الخدمية

وفي إطار الحراك الحكومي الأوسع، ترأس وزير الثقافة والسياحة، مطيع دماج، اجتماعاً لقيادات الوزارة لمناقشة إعداد استراتيجية ثقافية وسياحية جديدة، مع التركيز على إعادة تنظيم صناديق التنمية الثقافية والترويج السياحي، وتوجيه مواردها نحو تنشيط الفعاليات الثقافية وجذب الاستثمار السياحي.

ووجّه الوزير بإعداد دليل للفرص السياحية في اليمن بهدف استقطاب المستثمرين، إلى جانب وضع تصور متكامل لإدارة المواقع السياحية في سقطرى وعدن وحضرموت، وحصر المنشآت السياحية المملوكة للدولة تمهيداً لإعادة تأهيلها.

جانب من اجتماع ترأسه وزير النقل في الحكومة اليمنية محسن حيدرة (سبأ)

وفي قطاع النقل، عقد الوزير محسن حيدرة اجتماعاً موسعاً ناقش تطوير أداء الهيئات والمؤسسات التابعة للوزارة، مؤكداً أن خدمات النقل تمثل شرياناً أساسياً للاقتصاد الوطني وحياة المواطنين اليومية.

وشدد حيدرة على «ضرورة استكمال خطط تطوير القطاع وفق مصفوفة إجراءات واضحة، مع التزام تطبيق القوانين وبسط سيادة الدولة في المنافذ والموانئ، ومعالجة الاختلالات القائمة، بما يعزز التعافي الاقتصادي واستدامة الخدمات».

أما على صعيد الشباب والرياضة، فقد ناقش الوزير نايف البكري، مع مدير مكتب المبعوث الأممي إلى اليمن ألبرت سكوت، جهود الحكومة لتعزيز الاستقرار في عدن والمحافظات المحررة، مؤكداً التزام الحكومة مواصلة الإصلاحات وتقريب مؤسسات الدولة من المواطنين.

ودعا البكري المجتمع الدولي إلى تقديم دعم أكبر لجهود الإصلاح والاستقرار، مشيداً بدعم «تحالف دعم الشرعية» وجهود الأمم المتحدة في الدفع نحو عملية السلام، فيما أكد المسؤول الأممي وجود مؤشرات إيجابية في أداء الحكومة خلال المدة الأخيرة.