مستقبل المنطقة العربية بعد وباء «كورونا»

امرأة تخيط أقنعة للوقاية من «كورونا» في بنش في ريف إدلب (أ.ف.ب)
امرأة تخيط أقنعة للوقاية من «كورونا» في بنش في ريف إدلب (أ.ف.ب)
TT

مستقبل المنطقة العربية بعد وباء «كورونا»

امرأة تخيط أقنعة للوقاية من «كورونا» في بنش في ريف إدلب (أ.ف.ب)
امرأة تخيط أقنعة للوقاية من «كورونا» في بنش في ريف إدلب (أ.ف.ب)

تعصف أزمة انتشار «كورونا» في العالم ومنطقة الشرق الأوسط، مهددة مجتمعات واقتصادات وحكومات كثير من البلدان. وجاء الوباء في لحظة، كانت تواجه عدد من الدول العربية حركات احتجاج غير مسبوقة من أجل تغيير واقعها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي.
تضع هذه الجائحة الدول في المنطقة والنظام الإقليمي برمته أمام تحديات أمنية وسياسية وجودية، إذ تضرب في وقت تواجه فيه دول عربية أزمات اقتصادية عميقة تراكمت آثارها وسط ركود اقتصادي عالمي، فيما صارت أخرى ضمن عداد الدول الفاشلة أو غير الفاعلة، حيث تدور حروب داخلية وتدخلات عسكرية خارجية على أرضها. وتعمق أزمة الوباء تعثر النظام الإقليمي وتزيد من إخفاقاته.
وتنشر «الشرق الأوسط» بالتعاون مع «معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية» في الجامعة الأميركية في بيروت، آراء مفكرين مؤثرين وقادة رأي من لبنان والمنطقة حول تأثير «كوفيد -19» على البلدان العربية، على الصعد السياسية والاقتصادية والصحية والاجتماعية، محاولين تقييم مدى وكيفية استجابة الحكومات لهذه الجائحة ومستقبل المنطقة بعيد احتواء تفشي هذا الوباء. تناول الخبراء مستقبل الدولة الوطنية والأمن الإقليمي ومنظومة التعاون من أجل تحقيقه، إضافة إلى تأثير مكافحة الجائحة على حركات التغيير وتحقيق العدالة الاجتماعية والتأثيرات الاقتصادية المتوقّعة. كما تناول الخبراء الأنظمة الصحية والسياسات الاجتماعية والاقتصادية.

- مصير الدولة الوطنية
طارق متري
في تسعينيات القرن الماضي، عند تسارع التغيرات العميقة التي شهدها العالم، شاع قول إن «الدول الوطنية باتت أصغر لجهة القدرة على معالجة المشكلات الكبيرة وأكبر من حيث التعامل مع المشكلات الصغيرة». وصحّ هذا القول بنسب متفاوتة في غير منطقة من العالم. أما في بلادنا العربية، فبدت دولنا أعجز مما كانت في التصدي للمسائل الكبيرة والصغيرة، إلا ما يتعلق منها بالأمن وسياسات السيطرة.
بعد انفجار الثورات العربية، ازدادت دولنا الوطنية هشاشة، وفي بعض الحالات انهارت مؤسساتها أو تفكّكت. وباتت أضعف من حيث قيامها بأدوارها الأساسية في سياسة شؤون الجماعة الوطنية وحفظ حياة المواطنين وصون حقوقهم. غير أنها، وفي بلدان عدة، استعادت إمكاناتها في إخضاع المجتمع بحجّة محاربة العنف، إرهابياً كان أم سياسيا أو اجتماعياً، ومحاذرة الانزلاق إلى الفوضى التي يخشاها الناس.
وبدل أن تخطو بلادنا نحو تميّز أكبر ضروري بين الدولة والسلطة، ازداد استحواذ الأخيرة على الأولى. فتمادت بعض السلطات في اعتمادها، إلى جانب القوة العارية، على العصبيات ما دون الوطنية، طائفية أو قبلية أو جهوية أو سواها مما تلده المصالح الفئوية. ووصلت بعض الأنظمة إلى حدّ التعامل مع المصالح العامة كأنها ملكٌ خاص، مستندة بذلك إلى نوع من التماهي بين المحكومين والحاكم، وهو مفروض على المجتمع بوسائل مختلفة. وفي مواصلة استبدادها، أو استحداث أنماط استبدادية متجددة، وكما في السابق، جاهرت بانشغالها بالدفاع عن الكرامة الوطنية فيما تقلّل في الواقع من قيمة الكرامة الشخصية.
وفي الأيام الحاضرة، حيث يفرض انتشار الوباء ومخاطره الكبيرة ابتعادا وانكفاء عن بعض الشؤون العامة، تبرز الحاجة على نحو قاس لدولة تحمي مواطنيها وترعاهم وتغلّب الصالح العام على الأغراض الصغيرة، وأولها شهوة السلطة وطلبها لذاتها، بصرف النظر عما ترغب به أو تستطيعه. ولا تنحصر الحاجة هذه في مجال ضبط المجتمع وفرض انتظامه تداركاً لاتساع المضار الكثيرة. فالضبط المتوخى، إن لم يتلازم مع سياسة اجتماعية رشيدة تُعنى بمن هم أضعف وأفقر، سرعان ما ينزع إلى تبرير مصادرة الفضاء العام وتعطيل السياسة وتقييد الحريات.
بعد انحسار الأزمة الخطيرة الحاضرة، سنجد بلادنا مجددا أمام معضلة بناء الدولة الوطنية، بوصفها نصابا محايدا غير مضاف إلى المجتمع أو قابض عليه، أي دولة تكتسب شرعيتها الفعلية لا من احتكار العنف فحسب بل من مسؤوليتها في رعاية مصالح الناس.
ولعلّ السير في طريق بناء الدولة الوطنية، التي بيّنت أحوال العالم الحاضرة أن لا بديل منها، يستدعي مراقبة السلطة ومحاسبتها والمطالبة لا بنظام قوي في سيطرته بل فاعل في تحقيق صالح مواطنيه العام. فنحول بذلك دون تكرار تجربة عرفناها منذ سنوات حين ارتضى بعض الناس تسلّط السلطات، خشية من استمرار الانفلات والضياع والخيبة، فتوهّمت بعض الأنظمة أن المطالبة ببناء الدولة بمثابة دعوة لإدامة استبدادها.
- الممثل الأسبق للأمم المتحدة في ليبيا، وزير لبناني سابق
ورئيس جامعة «القديس جاورجيوس»- بيروت

- تمكين المرأة اقتصادياً وتشريعياً واجتماعياً
فاديا كيوان
في خضم العاصفة التي یحدثها التفشي العالمي لـ«كورونا» القاتل، یعود الحدیث عن تداعیات هذه الكارثة على النساء في العالم العربي. إذ تشكّل النساء في الأحوال العادیة الحلقة الأضعف في المجتمع لجهة عدم حصولها على خدمات الحمایة والوقایة الصحیة والاجتماعیة.
إن أنظمة الضمان الصحي والاجتماعي تغطي بخدماتها الفئات العاملة دون سواها وذلك حتى سن التقاعد، متغاضية عن حمایة الفئات غیر العاملة وتلك التي تجاوزت سن العمل. وتشكّل النساء جزءا كبيرا من هاتین الفئتین. ولا يستفيد من هذه الخدمات إلا العاملون في القطاع الاقتصادي الرسمي من دون أن تغطي القطاع الاقتصادي الهامشي، حیث تعمل نسبة كبيرة من النساء في عالمنا العربي.
في ضوء ما تقدم، یمكن الجزم بأن الأزمات الصحّیة والاقتصادیة والمجتمعیة الناتجة عن انتشار «كورونا»، سيكون لها تداعیات كبرى على النساء بصورة خاصة. أضف إلى ذلك، وجود ملایین اللاجئين من الحروب والنزاعات المسلحة في أغلب الدول العربیة، الذين لا يحصلون على خدمات صحیة وقائیة كافیة وأغلبيتهم من النساء والأطفال.
من هنا، تكمن أهمية دعم النساء في العالم العربي وبخاصة في مرحلة تفشي الوباء، كونهن يلعبن دورا رئيسياً في تماسك الأسرة والحرص على بقاء أفرادها في البیوت. كما تساهم النساء في تعزيز الأمان النفسي لكل أفراد الأسرة وهن ضابط إیقاع لكل ما یجري في البیت وبخاصة في شؤون التوعیة على النظافة والتعليم.
قد تؤدي هذه الأزمة أيضاً إلى تنامي دور النساء في الحیاة الاقتصادیة بعد انتهاء فترة الوباء والسعي للنهوض الاقتصادي.
أدّت السیاسات الحكومية المشجعة للفتیات والنساء على الالتحاق المدرسي والجامعي وعلى الانخراط في العمل المنتج اقتصادیاً إلى تعزيز قدرات النساء في العالم العربي. لذلك يجب العمل على تعزیز التشریعات التي تحمي المرأة والفتاة من العنف وبخاصة العنف الأسري والذي من المتوقّع أن يزداد بفعل الأزمة الخانقة وبقاء الجمیع في البیت. كذلك، على السیاسات العامة التي ستعتمد في مختلف الدول العربیة لتعزیز الصمود في زمن الكوارث، أن تعتمد مقاربات حسّاسة للمساواة في الفرص بین الجنسین، بحیث تستفید النساء مباشرة من برامج التوعیة والتثقیف والتمكین الهادفة إلى تعزیز قدرات المجتمع بكامله على الصمود والتصدي للكوارث بأدنى كلفة ممكنة.
إننا نمرّ بتجربة استثنائیة على الصعيد العالمي، علینا الاستفادة من دروسها لنكون أقوى وأكثر صموداً أمام كل أنواع التحدیات. والعبرة هي أنه بدعم النساء تتضاعف قوة مجتمعاتنا.
- المديرة العامّة لـ«منظّمة المرأة العربيّة»

- أي صمود للأمن الإقليمي؟
كريم حجاج
رغم أنّه قد يكون مُبكراً تقييم الآثار الأمنيّة الإقليميّة لـ«كورونا» على منطقة الشرق الأوسط، ينظر المُراقبون إلى بداية انتشار الوباء باعتباره الحدث الأجدّ ضمن سلسلة الصدمات التي هزّت الشرق الأوسط على مدى العقدَين الماضيين. إذ أنّ الغزو الأميركي للعراق، والانتفاضات العربيّة، والحروب الأهلية في سوريا واليمن وليبيا، وظهور «داعش» وزواله، قد جعل بلدان المنطقة في تصنيف الدول الفاشلة. يضاف إلى ذلك، الصراعات الإقليميّة، والكوارث الإنسانيّة، وأزمة الشرعيّة في أنماط الحكم السائدة في المنطقة.
من المتوقع أن يؤدي انتشار «كورونا» على الأقلّ، إلى تنامي هذه الديناميات، كما سيشكّل اختبارا قاسيا لمرونة وقدرة صمود ليس فقط دول المنطقة على الصعيد الفردي إنمّا النظام الإقليمي ككلّ. إنّ المهمّة المعقّدة لإدارة الجوانب السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة للأزمة ستشكلّ تحدياً كبيراً لحكومات الدول الإقليميّة، التي إذا فشلت في إدارتها لهذه الأزمة ستواجه أزمة شرعيّة. كما أن هناك اعتماداً كبيراً على قدرة أنظمة الصحّة العامّة في المنطقة على مواجهة الأزمة، علما بأن الكثير من بين هذه الدول سجّل مستوى أقلّ من المتوسط في مؤشر الأمن الصحّي العالمي.
سيكون تأثير الوباء أكثر حدّة في الدول الضعيفة أو الدول التي توشك على الانهيار إذ أنّها تقع في صميم محاور الصراع المتعدّدة داخل المنطقة. وهذا سيغذي حتما حلقة مفرغة من الصراع، واحتمال تجدّد موجات الإرهاب والتمرّد، والتدخّل الإقليمي، الأمر الذي سيؤدّي بدوره إلى خسائر فادحة لدى السكّان في مناطق الصراع المنكوبة.
كل هذا سيزيد، بلا شك، من الضغط على البيئة الأمنيّة الإقليميّة المجهدة أصلاً. لكن رغم ذلك، تقدّم الأزمة فرصة لتقليل التوترات الإقليميّة. إن عرض دول عربية تقديم المساعدة الطبية وغيرها لإيران وتأييد السعودية وقف النار الذي أعلنته الأمم المتحدة في اليمن من أجل التصدّي لتفشي الفيروس، يقدّم دلائل على وجود الأمل في أنّ الشرق الأوسط يمكنه على الأقلّ، أن يقلل من تأثير هذه الصدمة الأخيرة للنظام الإقليمي.
- دبلوماسي مصري سابق وأستاذ في الجامعة الأميركية بالقاهرة

- تكامل إقليمي لتطوير نظم الصحة
بلقاسم صبري
يشكل الوباء العالمي المستجد تحدياً للتنمية بمختلف أوجهها وللنظم الصحية في كل البلدان وخاصة في شرق المتوسط. تشير الدراسات الاستشرافية إلى التأثيرات السلبية على مختلف الاقتصادات العالمية من خلال الركود وتراجع النمو الاقتصادي وفقدان ملايين الوظائف ما يحدّ من تمويل النظم الصحية ويؤثر سلباً على مخرجات النظم الصحية وطنياً وإقليمياً وعالمياً.
إن حوالي 90 في المائة من سكان الإقليم يعيشون في الدول ذات دخل متوسط وضعيف ما يتسبب في ضغوطات مالية على النظم الصحية التي تشكو من نقص التمويل وعدالته أصلاً. كما تجدر الإشارة إلى أن إقليمنا يأوي أكبر عدد من اللاجئين والمهجّرين الذين يعيشون في ظروف اقتصادية واجتماعية غاية في الصعوبة.
إن الدروس الأولية المستخلصة من تجارب الدول في التعامل مع هذه الجائحة أبرزت قوّة وسرعة انتشار الوباء حتى تجاوز في بعض البلدان الغنية مثل إيطاليا وفرنسا الإمكانيات المتاحة، ويهدد في حال عدم تراجعه بانهيار المنظومات الصحية بكاملها.
كما وقع التركيز على الاستراتيجيات الاستباقية للتعامل مع الوباء وتطوير آليات المشاركة الفردية والمجتمعية في الوقاية وتعزيز الصحة، من أجل تفادي الضغوطات الكبيرة على الخدمات العلاجية، بخاصة في ظروف ندرة الموارد المادية والبشرية.
أما على المستوى الإقليمي، فأظهرت هذه الجائحة الصحّية أهمية الاستثمار في البنية الصحّية وفي تقوية النظم الصحّية لتطوير الاستجابة للحاجات المستجدة والتعامل مع الأوبئة العالمية. وأثبتت أهمية الوظيفة الاجتماعية للدولة المتمثلة في حماية الأمن الصحي وكذلك الدور المحوري للقطاع الصحي العمومي نظرا لشموليته وقلّة العراقيل المالية للحصول على خدماته مقارنة بالقطاع الخاص.
يحدو الأمل الجميع في تحويل الوباء إلى فرصة متاحة لدول الإقليم لتطوير التآزر والتضامن بينها في الميدان الصحي وفي السعي نحو دعم الاستثمار في التنمية الصحية ونحو تحقيق هدف التغطية الشاملة بنظم صحية عادلة تحقق الهدف النبيل للصحة للجميع.
- وزير تونسي سابق ورئيس الجمعية التونسية للدفاع عن الحق في الصحة

- آثار مكافحة الوباء على حركات التغيير
نديم حوري
لا يمكن لأحد أن يتنبّأ بالتأثير الكامل لوباء «كورونا» الذي ينتشر في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لكن هناك ثلاث قضايا تستحق الاهتمام. كانت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالفعل أكثر المناطق التي تعاني من اللامساواة مقارنة بباقي الأجزاء من العالم.
رغم أن الفيروس لا يميّز بين الأشخاص على أساس ثروتهم، فإن مستوى الدخل يؤثّر على آليّات التكيّف المتاحة. إذ لا يتمتّع العمّال ذوي الدخل المنخفض، في جميع أنحاء المنطقة، بالقدرة على إنجاز عملهم عن بُعد (في المنزل) ولا يحصلون على رواتبهم إذا تغيّبوا عن عملهم. ومع استمرار الحجر المنزلي ودخول الاقتصادات في مرحلة الركود، ستتضرّر شرائح المُجتمع الأكثر فقراً - التي تشكّل غالبيّة المواطنين - بشكلٍ غير متساوٍ. إذ سيجد اللاجئون والعمّال المُهاجرون أيضاً أنّه من المستحيل التعامل مع تداعيات هذا الوضع. ومع ذلك، لا يبدو أن أياً من حكومات المنطقة لديها خطّة حول كيفيّة تقليل الضرر الاقتصادي أو معالجة الانقسام المتزايد في مجتمعاتها.
سيكون لـ«كورونا» أيضاً تأثير سياسي أبعد بكثير مما يمكن أن يتوقّعه المرء في أجزاء أخرى من العالم. فقد نجح الوباء في تفريغ شوارع المتظاهرين في الجزائر ولبنان والعراق، ورأينا جُيوش المنطقة تستعيد الساحات العامّة بحجة تنفيذ إجراءات «الحجر المنزلي». والخوف يكمن في أن تستخدم الأنظمة الاستبداديّة الوباء لتعزيز السيطرة الاجتماعيّة من خلال الإجراءات التي يتمّ الترويج لها تحت ضغط الضرورة للسيطرة على الفيروس، لتتتبّع أيضاً حركة المتظاهرين والمعارضين.
أخيراً، لا تزال المنطقة تعاني من ثلاثة صراعات نشطة في ليبيا وسوريا واليمن، والتي دمّرت بدورها البنى التحتيّة الصحيّة وأدّت إلى تشريد الملايين، وفي حال انتشار الفيروس في هذه البلدان، سيعمّ الخراب. يمكن للمرء الذي يواجه هذا العدو غير المرئي الاعتقاد بأن الأطراف المتحاربة وداعميها الإقليميين والدوليين سيغتنمون اللّحظة لمُحاولة إنهاء الصراعات. قد يبدو هذا ساذجاً بشكلٍ ميؤوس منه، لكن ربما سينجح الفيروس في تركيز عقول «أمراء الحرب» في المنطقة بطرق لم تتمكّن معاناة الشعوب لسنوات طويلة من أن تحقّقه.
- المدير التنفيذي لـ«مبادرة الإصلاح العربي»

- نظام صحي يؤمن بالخلاص الجماعي
غسان أبو ستة
أظهرت هذه الجائحة أن مجموعة من الشركات الصحيّة الربحيّة، مهما كبر حجمها وكثر عددها لا تصنع نظاماً صحيا، وستبقى إلى الأبد شركات متنافسة تتاجر في سلعة، وهي صحّة الإنسان. فلا يمكننا مكافحة هذا الوباء، أو أي وباء آخر قد يظهر مستقبلاً، إلّا بالقضاء على ظاهرة تسليع صحّة الإنسان، وهذا يتطلب تغييرا في عقلية النظم السياسية، ذلك أن تلك الأنظمة التي لا تؤمن بالخلاص الجماعي وتؤمن بالخلاص الفردي، لن تكون قادرة حتماً على محاربة هذه الجائحة.
كما أن هذه الأنظمة التي نتحدث عنها هي تلك الرأسمالية التي دائما كانت تضحي بفئات مجتمعيّة (تصل حدّ الإبادة) أكانت عرقيّة أو اجتماعيّة (نساء، أطفال، أقليّات عرقيّة) للخلاص من أزماتها البنيويّة، وهي الآن ما فتأت تروّج لفكرة «مناعة القطيع» والتضحية بكبار السن لإنقاذ الاقتصاد من العواقب المدمرّة. وبالتالي، لن يكون تقديس الحلول التكنولوجيّة السريعة مثل اللقاحات، كوسيلة للهروب من هذه الضرورة التاريخيّة، إلا تعمية عن المشكلة الأساسية، كما لن يؤدّي ذلك إلّا إلى إطالة أَمَد المُعاناة الإنسانيّة وزيادة حصيلة الوفيّات.
ولعل فشل دول الغرب المتحالفة في إظهار الحدّ الأدنى من التضامن مع دولة غربيّة أساسيّة كإيطاليا، رغم انخراطها بمنظومة المساعدات الدوليّة للعالم الثالث، يُظهر جلياً الفرق الشاسع بين «العون» و«التضامن» كمنظومة أخلاقيّة.
لقد أثبتت النيوليبراليّة والرأسماليّة المتقدّمة أن ازدهارها مرتبط بتدمير جميع أشكال التضامن بين أفراد المجتمع. وهنا تحديدا تكمن أزمة هذه النظم البنيويّة في مواجهة هذه الجائحة، ذلك أن التضامن المجتمعي شرط لمواجهة هذا الوباء. ويضاف إلى ذلك، ضرورة إيجاد نظام صحي فعّال وقادر على سرعة الاستجابة في مثل هذه الظروف، مع التشديد على أن الطب الفعّال والناجح هو نتاج الأنظمة الجيّدة وليس نتاج المؤسّسات الطبية الثريّة، أو التكنولوجيا المتقدّمة.
- طبيب ميداني فلسطيني ومؤسس «برنامج طب النزاعات» في الجامعة الأميركية في بيروت

- مراجعة لمنظومة الأمن البيولوجي
الشريف ناصر بن ناصر
لدى معظم الدول والمجتمعات العربية القدرة الهائلة على الصمود بوجه التحديات، ذلك ربما نتيجة تجربة الدول العربية المريرة مع الحروب والنزاعات والأزمات المتعاقبة خلال العقود الماضية. وتتميز المجتمعات العربية أيضاً بفزعتها لبعضها البعض خلال فترة الأزمات، متجاهلة المخاطر التي قد تلحق بها بسبب ذلك.
ومع أنه لا يجب إنكار دور هذه العوامل في قدرة الدول على التصدي لتفشي «كورونا»، فإن التعامل الأمثل مع الحوادث البيولوجية يتطلب العديد من العوامل والقدرات والتي تعتبر غالبا مواطن ضعف في معظم الدول العربية، ومنها التخطيط والتجهيز المسبق، والتعاون والتنسيق والتواصل ما بين المؤسسات الرسمية المدنية من جهة والمدنية والعسكرية والأمنية من جهة أخرى. وذلك إضافة إلى التعاون والتنسيق والتواصل بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني.
لا يتم طرح هذه الأفكار من باب جلد الذات أو إلقاء اللوم على جهة ما، بل من أجل تحديد بعض الدروس المستفادة المحتملة مستقبلاً عند تجاوز هذه الأزمة. فهذا قد يكون حافزا لمراجعة جدّية لمنظومة الأمن والسلامة البيولوجية في العديد من الدول العربية وبشكل منهجي بهدف تعزيز القدرات والإمكانيات لمواجهة المخاطر البيولوجية المستقبلية.
أما التغاضي عن هذا الأمر والاستمرار في بناء السياسات على أفضل السيناريوهات أو الاعتقادات المتفائلة غير المبرّرة باعتبار أن هذا هو آخر تفشٍ ممكن حصوله، فهو أمر غير عملي.
- مدير «معهد الشرق الأوسط العلمي للأمن»

- إدراج اللاجئين في الخطط الوطنية للاستجابة
شادن خلاف
يقول الشاعر جبران خليل جبران: «شيئان يغيران نظرتك للحياة، المرض والغربة».
حظر تجول، إغلاق للمحال، منع من السفر، انفصال عن الأسرة، نقص في المواد التموينية، قلق وهلع وخوف. هذا حال العالم اليوم مع جائحة «كورونا». لكن هذا هو واقع الملايين من اللاجئين من رجال ونساء وأطفال أجبروا على مواجهة الحروب والصراعات المسلحة في جميع أنحاء العالم، والمشهد يبدو أكثر حدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مقارنة مع باقي العالم.
هناك تحديات جمة تواجه اللاجئين وأولئك الذين تقطعت بهم السبل؛ ابتداءً من الظروف المعيشية الصعبة، التكلفة الباهظة للحصول على الخدمات الصحية، مروراً بالفقر والاعتماد على المساعدات أو الأجور اليومية، وصولاً إلى نقص في الحماية القانونية وسبل الاقتراض المحلي وحرمان الأطفال من فرص التعليم. علاوة على هذا كله، فإنهم الآن يواجهون، مع العالم بأسره، تحدي الوباء العالمي الجديد.
إن الوتيرة السريعة لانتشار «كورونا»، تجعل الوضع مقلقاً بشكل خاص لأولئك الذين لا يستطيعون الوصول إلى خدمات وأدوات النظافة الأساسية، أو لا يستفيدون من الاستجابة للأوضاع الخاصة بالمرأة اللاجئة، أو للمهمشين الذين يعانون ظروفاً صحية صعبة، والتي هي، في كثير من الأحيان، الصبغة السائدة لأوضاع اللاجئين التي من شأنها أن تضاعف من معاناتهم.
ولكن هناك فرصة. يجب الاستمرار في بذل جهود جماعية ومتضافرة كمجتمع ككل: مؤسسات مجتمع مدني، مؤسسات دينية، قطاع خاص، أكاديميين، فنانين وكل من يؤثر في الرأي العام، من أجل إيجاد حلول شاملة للملايين في المنطقة والاستفادة من الخبرات الطويلة لإدارة الأزمات. لذلك تعكف المنظمات الإنسانية بخاصة «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشركاؤها على دعم نظم الصحة العامة والوقاية والاستجابة، كما على إدراج اللاجئين في الخطط الوطنية للاستجابة لهذه الأزمة. إن استبعاد اللاجئين من الوصول للخدمات الأساسية أو التهميش - بسبب نقص شبكات الأمان الاجتماعي والاقتصادي – سيؤدي إلى تدهور أوضاعهم الحالية بشكل واضح.
- مسؤولة في «المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين»

- الرابحون والخاسرون على الصعيد الاقتصادي
سامي محروم
إذا كان من عبرة يمكن استخلاصها من تجربة كل من الصين أو هونغ كونغ أو سنغافورة أو تايوان في التعامل مع انتشار الفيروس، فهي أن أي بلد بحاجة إلى ما لا يقل عن ثلاثة أشهر كمعدل زمني للسيطرة على انتشار الفيروس.
وهذا مع الافتراض أن هذا البلد يستطيع أن يحتوي تفشي الوباء بشكلٍ فعّال. في الواقع، ورغم نجاحها النسبي، لم تتمكّن أي من هذه الدول من القضاء على تفشي الوباء بشكلٍ جذري حتى الآن. وإذا تمّ اتّخاذ تجارب هذه البلدان كمثال، فإنّ التوقّعات المُتفائلة تُشير إلى أن الشرق الأوسط قد يتمكن من احتواء تفشّي الوباء بحلول يونيو (حزيران) تقريباً، أي في الفترة الزمنية نفسها لتوقع احتواء أوروبا للوباء. أمّا أميركا، فقد تضطر إلى الانتظار حتى نهاية الصيف لتدخل في مرحلة السيطرة على انتشار الفيروس، نسبة لمساحتها الشاسعة ونظام حكمها اللامركزي.
ستدُير أجزاء مُختلفة من العالم «عاصفة الفيروس» بمُستويات مُتفاوتة من الفعاليّة والسرعة. إذ أنّ البلدان ذات الموارد المحدودة ستكافح لفترة أطول وستظلّ تشكّل خطراً على انتشار الوباء في بقيّة العالم. ونتيجة لذلك، نرجّح أن يحتاج العديد من البلدان في أفريقيا وآسيا وأميركا اللّاتينيّة والشرق الأوسط إلى فترة أطول لمُكافحة «كوفيد - ١٩». في الواقع، وبالنسبة للعديد من البلدان، إن أزمة الفيروس لن تنتهي إلا باكتشاف واستخدام اللقاح.
سيكون لهذا الجدول الزمني المتوقع آثار اقتصاديّة كبيرة على الاقتصاد العالمي، وبخاصّة على النشاطات الاقتصاديّة ذات الطابع الموسمي مثل السياحة. إذ تعدّ السياحة في الشرق الأوسط، خارج الاقتصادات الغنيّة بالنفط، النشاط الاقتصادي الأكثر تأثّراً بالتدفقات الدوليّة وبالتالي الأكثر تأثرا.
ومع ذلك، هناك احتمال لبروز بعض الفائزين أيضاً. على سبيل المثال، قد يخاطر سكان دول الخليج العربي، حيث تصل درجات الحرارة في الصيف إلى نحو ٤٠ درجة مئويّة، بالسفر إلى الخارج لكن خياراتهم ستظل محدودة. وهنا، قد تكون بعض البلدان خارج المنطقة التي لم تسجّل عدداً كبيراً من حالات كوفيد - ١٩، مثل موريشيوس وسيشيل وجهات محتملة لهؤلاء وبالتالي، يمكن لهذه الدول أن تستفيد بشكل واضح من هذه الأزمة. لكنّ الوجهات التقليديّة الأخرى للسيّاح الخليجيين، مثل لبنان، الذي لم يسجلّ عدداً كبيراً من الحالات حتى الآن، قد يحصد الاستفادة الكبيرة كذلك إذا تمكن من الخروج من «عاصفة كوفيد -١٩» في الوقت المناسب، أي قبل بدء موسم العطلة الصيفيّة.
- أستاذ في «جامعة بروكسل الحرّة»


مقالات ذات صلة

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي
TT

العراق ينفي وقوع إطلاق نار على حدوده من الجانب الكويتي

العلم العراقي
العلم العراقي

نفت وزارة الداخلية العراقية، الجمعة، الأنباء التي ترددت حول وقوع حادث إطلاق نار من الجانب الكويتي استهدف إحدى النقاط الحدودية في محافظة البصرة (550 كم جنوب بغداد)، وفق ما نشرت «وكالة الأنباء الألمانية».

وأكدت الوزارة، في بيان، أن ما تداولته بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بهذا الشأن «عارٍ من الصحة تماماً».

وشددت على أنه لم يتم تسجيل أي حادث من هذا النوع، وأن الأوضاع على الشريط الحدودي بين البلدين تسير بصورة طبيعية ومستقرة.

ودعت «الداخلية العراقية» وسائل الإعلام إلى ضرورة توخي الدقة في نقل الأخبار واعتماد المصادر الرسمية فقط، محذرة من الانجرار وراء الشائعات التي قد تثير البلبلة، وتؤثر في طبيعة العلاقات الأخوية التي تربط العراق والكويت.

كما أشارت الوزارة في بيانها إلى أنها تحتفظ بحقها القانوني في اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد مروجي الأخبار الكاذبة التي تستهدف المساس بالأمن والاستقرار في البلاد.


ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
TT

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)
الممارسات الحوثية في القطاع الزراعي تؤرق المزارعين وتهدد مصادر دخلهم (إكس)

يواجه المزارعون بمناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن مخاطر فقدان مصادر دخلهم، وتتزايد معاناتهم بفعل جملة من الممارسات والإجراءات التي تؤثر بشكل مباشر على بنية الإنتاج الزراعي، كاستهداف مصادر الطاقة البديلة، وإغراق الأسواق بمدخلات زراعية فاسدة، وفرض قيود على التصدير، واحتكار عمليات التسويق.

ويخشى المزارعون من أن تؤدي الممارسات الحوثية إلى الإضرار التام بالعملية الزراعية والإخلال بالعلاقة بينهم وبين الأسواق المحلية والخارجية، وأن تدفع الكثير منهم إلى هجر هذه المهنة، في وقت تواصل فيه الجماعة الترويج لمزاعم دعم التنمية الزراعية بهدف الوصول إلى الاكتفاء الذاتي.

مصادر محلية في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء) تقول إن حصار الجماعة قرية الأغوال في مديرية الحدا، منذ قرابة أسبوعين، تسبب بتلف المحاصيل الزراعية نتيجة الصقيع والجفاف، بعد منع المزارعين من الوصول إلى مزارعهم لحمايتها من البرد وريها بالماء.

إلى جانب ذلك، أقدم مسلحو الجماعة، وبأوامر مباشرة من القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً للمحافظة في التنظيم الحوثي، على اقتلاع الألواح الشمسية وقطع أسلاك منظومات الطاقة، وكسر أقفال الآبار، في إجراء يرى المزارعون أنه يهدف إلى إلزامهم بالعودة لاستخدام الوقود المرتبط بتجارة واقتصاد الجماعة.

مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

وفي الجوف (شمال شرق صنعاء)، أدى توزيع الجماعة بذوراً فاسدة إلى ظهور نباتات علفية دخيلة عند الحصاد، أتلفت كميات كبيرة من محاصيل الحبوب، وخفّضت الإنتاج إلى أقل من الثلث، وفقاً للمزارعين الذين أبدوا حسرتهم على ضياع موسم زراعي، وانتهى بمحصول ضئيل وخسائر كبيرة، بعد أن لجأ العديد منهم إلى الاقتراض لإنجاح موسمه.

ونقلت مصادر زراعية عن المزارعين أن المحصول الضئيل نفسه لا يصلح للاستهلاك الآدمي.

وشهدت مديرية الحميدات، غرب المحافظة، الخسائر الأكبر، حيث لم يتجاوز محصول غالبية الحقول 30 كيساً من الحبوب، بعد أن كانت تنتج أكثر من 100 كيس خلال المواسم الماضية. ويصف المزارعون المحصول بأنه شبيه بالقمح ولا يصلح إلا كعلف للحيوانات.

إفساد المحاصيل

يتهم مزارعو البطاطس في محافظة ذمار الجماعة الحوثية بإغراق الأسواق ببذور مستوردة فاسدة وملوثة، والتسبب في كارثة زراعية بتدمير محاصيل استراتيجية وتعميق أزمة الأمن الغذائي.

ونفذ هؤلاء وقفة احتجاجية في العاصمة المختطفة صنعاء، أمام مبنى وزارة الزراعة في حكومة الجماعة التي لا يعترف بها أحد، مطالبين بوقف استيراد وتوزيع البذور غير المطابقة للمعايير، وبتعويضهم بعد الخسائر التي تكبدوها بسبب تلك الأصناف واستخدام مبيدات محظورة، وغياب الفحوصات المخبرية والرقابة الفعالة على الشحنات.

جانب من احتجاج مزارعي البطاطس أمام مبنى تابع للحوثيين في صنعاء (إعلام محلي)

وشهدت الوقفة اصطفاف عشرات الشاحنات المحملة بالمحصول المتضرر، ورفع المحتجون لافتات تدعو إلى وقف استيراد وتوزيع بذور غير مطابقة للمعايير، متهمين الجهات التابعة للجماعة بالتساهل في إدخال أصناف مصابة تسببت في انتشار أمراض نباتية خطيرة خلال المواسم الماضية، إلى جانب استخدام مبيدات محظورة.

وواصلت الجماعة الحوثية ادعاءاتها بدعم التنمية الزراعية وتحقيق الاكتفاء الذاتي إلى الترويج لنجاح زراعة محاصيل استراتيجية مثل القمح والأرز، وهم ما يعدّ تحدياً معقداً، حيث تصنف اليمن من البلدان محدود الموارد المائية.

ويلفت خبير زراعي يمني، يعمل في قطاع الزراعة الذي يسيطر عليه الحوثيون، إلى أن مزاعم الحوثيين بنجاح زراعة القمح تسقط في الفجوة الكبيرة بين الاستهلاك المحلي والإنتاج الممكن، حيث يستهلك اليمنيون ما يقارب 4 ملايين طن من القمح، والتي تحتاج إلى مساحات شاسعة لإنتاجها.

قادة حوثيون وسط مزرعة في الجوف حيث يشكو المزارعين من خسائر فادحة (إعلام حوثي)

ولا تتجاوز المساحات المزروعة في اليمن عشرات الآلاف من الهكتارات، بإنتاج أقصى يقدَّر بعشرات الآلاف من الأطنان، بحسب حديث الخبير الزراعي الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته حفاظاً على سلامته.

تضليل بمسمى الاكتفاء

أما زراعة الأرز، والحديث لنفس الخبير الزراعي، فهي خيار غير منطقي في ظل الاستنزاف الحاد للموارد المائية وتراجع منسوب المياه الجوفية، فضلاً عن غياب شبكات ري حديثة قادرة على دعم مثل هذا التوجه.

ويشير خبير آخر، تتحفظ «الشرق الأوسط» على بياناته أيضاً، إلى أن الجماعة الحوثية نفسها منعت مزارعي سهل تهامة، غربي البلاد، خلال السنوات الأخيرة، من التوسع في زراعة الموز بحجة الحفاظ على مخزون المياه الجوفية، في الوقت ذاته الذي تروّج لمزاعم زراعة الأرز الذي لا يمكن إنتاجه إلا في بيئة تتوفر فيها مياه جارية طوال العام.

ويشهد الموسم الحالي تكدساً وكساداً كبيرين للبرتقال واليوسفي، خصوصاً في محافظة الجوف (شمال شرق صنعاء) تحت تأثير الإجراءات التي تفرضها الجماعة الحوثية على المزارعين في المحافظة.

فتى يمني يعمل في حقل على أطراف صنعاء حيث يتراجع الإنتاج الزراعي جراء ممارسات الحوثيين (إ.ب.أ)

ومنذ قرابة شهرين يواجه مزارعو البرتقال واليوسفي صعوبات كبيرة في التصدير، بعد احتكار شركة حوثية تحمل اسم «سوق الارتقاء» تصدير المنتجات الزراعية إلى دول الجوار.

وتنقل مصادر زراعية عن هؤلاء المزارعين اتهامات للجماعة الحوثية بممارسة التضليل لنهب محاصيلهم، وذلك بادعاء أن استيراد دول الخليج هذين المنتجين من سوريا ومصر، تسبب في تراجع الطلب على الإنتاج اليمني منها، ووصفوا نشاط شركة «الارتقاء» الحوثية بـ«النهبوي» الذي لا يقتصر على هذين المنتجين فحسب.

وتلفت المصادر إلى أن جميع مزارعي الفواكه والمحاصيل القابلة للتصدير باتوا تحت رحمة هذه الشركة التي تتحكم بالأسعار والكميات، وتتسبب في تلف المنتجات الزراعية وإلحاق خسائر كبيرة بالمزارعين الذين يضطر غالبيتهم إلى البيع بأسعار زهيدة إلى الأسواق المحلية التي تشهد وفرة كبيرة وقدرة شرائية متدنية.


الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
TT

الحوثيون يوسّعون دائرة المجاعة... ويدفعون آلاف الأسر للتسول

 يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)
يمنيات يتجمعن في باحة مدرسة حكومية في إب للحصول على وجبة إفطار (فيسبوك)

مع حلول شهر رمضان، الذي اعتاد اليمنيون استقباله بأجواء من التكافل والتراحم، تبدَّلت ملامح الحياة في العاصمة المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث تحوَّلت الشوارع والأسواق وأبواب المساجد إلى مشاهد يومية للفقر والعوز.

ورصدت «الشرق الأوسط» امتلاء أرصفة الشوارع بأعداد متزايدة من النساء والأطفال وكبار السن الذين اضطروا إلى التسول؛ بحثاً عن لقمة تسد رمق أسرهم، في مؤشر واضح على تعمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية التي تعصف بالبلاد منذ سنوات.

وباتت ظاهرة التسول، وفق سكان وناشطين، جزءاً ثابتاً من المشهد اليومي، بعد أن كانت حالات محدودة قبل انقلاب الحوثيين، إذ دفعت ظروف المعيشة القاسية آلاف الأسر إلى خيارات لم تكن واردة في حياتها من قبل.

ويعزو مراقبون هذا التحول إلى استمرار انقطاع الرواتب، وتراجع فرص العمل، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، إضافة إلى غياب أي معالجات اقتصادية حقيقية تخفف من معاناة السكان.

الفقر يدفع أشخاصاً في صنعاء للتسول لسد الرمق (الشرق الأوسط)

وخلال جولة ميدانية في عدد من شوارع صنعاء، رصدت «الشرق الأوسط» انتشار النساء والأطفال الذين يفترشون الأرصفة في محاولة لاستدرار المساعدة. ويروي كثير منهم قصصاً متشابهة عن فقدان المعيل أو توقف مصادر الدخل، بينما اضطر آخرون إلى ترك أعمالهم أو دراستهم؛ بسبب الظروف الاقتصادية المتدهورة.

ويؤكد سكان أن الظاهرة لم تعد محصورة في أحياء فقيرة بعينها، بل امتدت إلى معظم مديريات صنعاء ومدن أخرى، ما يعكس اتساع رقعة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى.

ويحمّل عاملون إغاثيون الجماعة الحوثية مسؤولية تفاقم الأزمة، متهمين إياها بالانشغال بفرض الجبايات والإتاوات بدلاً من تبني سياسات اقتصادية واجتماعية تحد من الانهيار المعيشي.

وتقول أم أحمد، وهي أم لعد من الأطفال، تجلس قرب أحد المساجد، إن زوجها فقد عمله منذ عامين، ولم تعد الأسرة قادرةً على دفع إيجار المنزل أو تأمين الغذاء والدواء. وتضيف بحزن: «لم أتخيل يوماً أن أطلب المساعدة من الناس، لكن أطفالي بحاجة للطعام، ورمضان هذا العام هو الأصعب علينا».

طابور نساء أمام أحد المطاعم بصنعاء أملاً في الحصول على الطعام (الشرق الأوسط)

وفي شارع الزبيري، يقف الطفل سالم (12 عاماً) حاملاً علبة صغيرة لجمع التبرعات، بعدما اضطر لترك المدرسة إثر مرض والده. ويقول إنه كان يحلم بإكمال تعليمه، لكنه بات يخرج يومياً قبل الإفطار لمحاولة جمع ما يساعد أسرته على البقاء.

أما عبد الله، وهو موظف حكومي، فيؤكد أنه لم يتقاضَ راتبه منذ سنوات، ما دفعه للاعتماد على المساعدات. ويقول: «خدمت الدولة عقوداً طويلة، واليوم أجد نفسي مضطراً لطلب العون. لم نصل إلى هذه الحال إلا بسبب غياب الحلول».

طوابير طويلة

بالتوازي مع اتساع ظاهرة التسول، تشهد صنعاء ومحافظتا إب وذمار مشاهد إنسانية قاسية، تتمثل في طوابير طويلة لنساء وفتيات ينتظرن لساعات للحصول على وجبات مجانية تقدمها مبادرات خيرية محدودة الإمكانات. وتحمل النساء أكياساً فارغة على أمل العودة بما يسد جوع أطفالهن.

ويؤكد عاملون في المجال الإغاثي أن أعداد الأسر الباحثة عن وجبات الإفطار المجانية تزداد يومياً بشكل غير مسبوق، ما يعكس حجم التدهور المعيشي. ففي أحد أحياء مديرية معين بصنعاء، يصطف العشرات يومياً للحصول على وجبة بسيطة مكونة من الخبز وعلبة زبادي.

محتاجات يتجمعن للحصول على وجبة مجانية من مطبخ خيري في ذمار (فيسبوك)

وتقول أم عبد الله، وهي نازحة وأم لـ5 أطفال، إن هذه الوجبة قد تكون الطعام الوحيد المتاح لعائلتها خلال اليوم. وتوضح أنها تخرج بعد صلاة الفجر لتضمن موقعاً في الطابور، مضيفة: «أحياناً ننتظر 3 ساعات، لكنها تبقى فرصة كي لا ينام أطفالي جائعين».

وفي محافظة إب، أثارت مشاهد تجمع مئات النساء أمام مطبخ خيري غضباً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث عدّ ناشطون تلك الصور دليلاً على وصول الأزمة الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.

وتقول ابتسام، وهي أم لـ3 أطفال، إنها تقطع مسافة طويلة سيراً على الأقدام يومياً، لكنها كثيراً ما تعود خالية اليدين بعد انتهاء التوزيع.

أما في ذمار، فتتكرر المشاهد ذاتها، حيث تنتظر نساء لساعات طويلة تحت الشمس للحصول على وجبة ساخنة. وتقول سمية، التي يعاني زوجها المرض ولا تملك مصدر دخل: «أشعر بالألم وأنا أقف في الطابور، لكن حاجتي من أجل أطفالي أكبر من أي شعور».

أزمة عميقة

تشير بيانات أممية إلى تصاعد مقلق في مؤشرات الفقر في اليمن خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفع عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية من نحو 21.6 مليون شخص عام 2023 إلى أكثر من 22 مليوناً في 2026، مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد.

كما ارتفعت نسبة الأسر اليمنية التي اضطرت إلى التسول لتأمين احتياجاتها الغذائية من نحو 5 إلى 6 في المائة قبل 3 سنوات إلى نحو 10 في المائة حالياً، مع تقديرات بوصولها إلى 12 في المائة في بعض المناطق.

ويعني ذلك أن أسرة واحدة من كل 10 أسر يمنية أصبحت تعتمد على التسول مصدر دخل مباشر، وهو تحوُّل خطير يعكس انتقال الظاهرة من حالات فردية إلى نمط معيشة اضطراري.

يمني يحمل أسطوانة غاز فارغة في أحد المساجد طالباً مساعدته لتعبئتها (فيسبوك)

ويرى مختصون اجتماعيون أن هذه المؤشرات تعكس فساد الجماعة الحوثية التي فاقمت الفقر والبطالة وانهيار الخدمات، محذرين من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى تفكك اجتماعي أوسع وارتفاع معدلات الجريمة والهجرة الداخلية.

وتتزامن هذه التطورات مع تحذيرات أممية من تدهور أوضاع النساء والفتيات بشكل خاص، في ظل نقص التمويل الإنساني واستمرار الصراع لأكثر من 11 عاماً. وأفاد صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن ملايين النساء يعانين من الجوع الحاد، بينما تفتقر ملايين أخريات لخدمات الصحة الإنجابية الأساسية.

وتشير التقديرات إلى وفاة 3 نساء يومياً؛ بسبب مضاعفات الحمل والولادة، في حين تحتاج أكثر من 6 ملايين امرأة وفتاة إلى خدمات الحماية من العنف. ويرى مختصون أن الضغوط الاقتصادية دفعت النساء إلى تحمل العبء الأكبر في تأمين الغذاء لأسرهن، ما جعلهن الأكثر تأثراً بالأزمة.